مجلة الآداب العدد ١٠-١٢ /٢٠١١

غلاف مجلة الأداب عدد ١٠-١٢ /٢٠١١غلاف مجلة الأداب عدد ١٠-١٢ /٢٠١١صدر العدد الجديد من مجلة الآداب، وفيه أربعة ملفات: 1) تحدّيات الانتفاضات العربية (إعداد مراسلي الآداب، وشارك فيه حازم حسني، ماجد كيّالي، زياد حافظ، بكر صدقي، إيّاد العبدلله، جمال واكيم، راتب شعبو)؛ 2) الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة (إعداد يوسف فخر الدين وناريمان عامر، وشارك فيه: فيصل درّاج، سلمان ناطور، مصطفى الولي، سمير الزبن، حسام شحادة)؛ 3) كتابات من غزّة (محمود ماضي، أسعد الصفطاوي، حنين جمعة، وسام عويضة)؛ 4) الدعوى التي رفعها جهاد (جياد) المرّ على ناشطي مقاطعة العدو الإسرائيليّ في لبنان. كما ضمّ العدد مقالات ودراسات كثيرة: الربيع (أو الخريف) العربيّ والنموذج التركيّ (مالك أبي صعب)، العلمانيّة "المغدورة" في سوريا (تحقيق لمحمد ديبو، شارك فيه: جورج طرابيشي، لؤي حسين، حازم نهار، روزا ياسين حسن، جاد الكريم الجباعي)، النضال اللاعنفيّ: الطريق إلى الحريّة (هاني نعيم)، الكرد ولحظة التغيير السوريّة (فاروق حجّي مصطفى)، ساطع الحصري وابن خلدون والعرب (نزار فاضل عثمان). وشمل العدد قصيدةً لعبد الجواد عوفير، ونصًّا أدبيًّا لمنهل السرّاج. يمكنكم شراء العدد من الأسواق اللبنانيّة، والأردنيّة، والتونسيّة، والمغربيّة، والمصريّة. للاشتراك السنويّ، ترجى الكتابة إلى rana.adab @ hotmail.com او الاتصال بدار الآداب: 009611861633

وقد اخترنا للموقع الالكتروني ما يأتي:

الإفتتاحية: التنازل الذهبيّ

ّثمّة ما يستوجب ملاحظاتٍ مبدئيّةً عند الحديث في الموضوع السوريّ الشائك.
الملاحظة الأولى تفيد بصعوبة الكلام على قضيّةٍ تتغيّر معطياتُها بسرعةٍ هائلة. فكلماتي هذه تأتي بعد يومين من قرار الجامعة العربيّة تعليقَ عضويّة سوريا فيها بسبب عدم تنفيذ النظام السوريّ ما كان قد وَعد بتنفيذه، ولكنْ قبل يومين من "مهلةٍ" إضافيّةٍ للوفاء بهذا الوعد. وربما نُشرت هذه الكلماتُ وقد تفاقمتِ الأمورُ إلى نقطة اللاعودة (بالعقوبات الاقتصاديّة أو التصعيد الأمنيّ)، أو ربما شهدنا نزعًا لصاعق التفجير. إنّ هذا ليس تبريرًا للأخطاء التي سيقع فيها تحليلُنا أو تحليلُ أيٍّ كان في هذه اللحظة الحرجة الواقعة بين لحظتين، بقدْرِ ما هو تعبيرٌ عن عجزِ دوريّةٍ شبهِ فصليّةٍ عن مواكبةِ الحدث السياسيّ اليوميّ بما يتعدّى التصريحَ بجملةٍ من المبادئ العامة.

العلمانيّة المغدورة في سوريا

(تقرير من إعداد: محمد ديبو)
مَن يراقب البيانات التي تصْدر عن مؤتمرات المعارضة السوريّة يَلْمح دخولَ مصطلح "الدولة المدنيّة" وغياب مصطلح "الدولة العلمانيّة،" مع أنّ المعارضة المذكورة تتكوّن من تيّارات وأحزاب وشخصيّات كانت منذ عقود (وما زالت في جزء منها) تعتبر نفسَها علمانيّة!
فلصالحِ مَن إحلالُ "الدولة المدنيّة" مكانَ "العلمانيّة"؟ وإنْ كان مفهومًا أن يُقْدم السياسيُّ على مبازرةٍ طالما امتهنها، فإنّ المستغرب أن يجاريه المثقفُ، فيقرأ بعينَي السياسيّ لا بعينيه هو. بل وصل الأمرُ بالمفكّر السوريّ برهان غليون، حين سأله مارسيل غانم كيف يتفق مع الإسلاميين وهو علمانيّ، أنْ ردّ مستنكرًا: "من قال إنني علمانيّ؟!" (ورد في مقال نزار العاني، "غليون والعقل السياسيّ العربيّ"). كذلك يفاجئنا المُنْصف المرزوقي بتصريحه الآتي: "لو كنتُ فرنسيًّا لكنتُ لائكيًّا [علمانيًّا]. لكنْ بما أنّني مسلم تونسيّ فلن أرضى باللائكيّة في بلدي."(تقرير نشرته ا ف ب بعنوان "تونس تقطع علاقتها مع الماضي،" جريدة الرأي الأردنيّة http://www.alrai.com/pages.php?news_id=433454)

الكرد ولحظة التغيير السوريّة

تمهيد
الكرد من المكوّنات الأساسيّة للنسيج المجتمعيّ والتاريخيّ السوريّ. فقد شاركوا تاريخيّاً في بناء دولة سوريا، وتراوحتْ مشاركتهم بين صناعة القرار إذ تبوّؤوا مناصب عليا (من رئاسة الجمهوريّة إلى رئاسة الحكومة وقيادة الثورات)، والعمل في موقع المقاومة مع الجماهير. وبعد شعورهم بتهميشهم من قِبل السلطات والأحزاب، ولا سيّما الحزب الشيوعيّ والأحزاب القوميّة العربيّة في أواسط الخمسينيّات، شكّلوا حزبًا خاصّاً بهم، هو الحزب الديمقراطيّ الكرديّ.(1) ولهم الآن عددٌ لا بأس به من الأحزاب، جاء نتيجةً للانشقاقات الحزبيّة، بعضُها قدرتُه محدودة، وبعضُها الآخر يملك إمكانيّاتٍ شعبيّة معقولة. وقد أسّس بعض هذه الأحزاب مع قوى عربيّة معارضة "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطيّ" إثر الحراك النخبويّ في مرحلة ربيع دمشق.
قاوم الكرد سياسة سلطة الوحدة في العام 1958 بين مصر وسوريا، فرفضوا حلّ حزبهم الوحيد على الرغم من أنّ غالبيّة الأحزاب الأخرى في سوريا، بما فيها حزبُ البعث، حلّت نفسها. ومنذ أواسط الثمانينيّات عاشت هذه الأحزاب ضمن إطار سياسة "غضّ النظر" من طرف السلطة السوريّة. وبلغ قمعُ السلطة لهم ذروته بعد العام 2004، أيْ بعد الانتفاضة الكرديّة في سوريا (أحداث القامشلي).

النضال السلميّ: الطريق إلى الحريّة

إلى المتمرّدين السلميّين ما بين الأزرقَين!

تؤكّد الانتفاضاتُ السلميّة العربيّة أنّ الصدور العارية قادرةٌ على إسقاط الأنظمة، وأنّ للورود قوّةً تتخطّى كلّ البنادق. إنّ إصرار الشعوب القابعة ما بين الأزرقيْن على استخدام النضال السلميّ في مواجهة الديكتاتوريّة يُعيد مسألةَ المقاومة السلميّة إلى الواجهة، ويُبرز قدرتَها على تفكيك الواقع القمعيّ في منطقةٍ كثيرًا ما أتى التغييرُ فيها عبر الدبّابات. لهذا، وغيره، نعمل على تغيير صورة النضال السلميّ النمطيّة السائدة: فهو ليس استسلامًا للقويّ، بل أمرٌ تلزمه شجاعةٌ وإصرارٌ يفوقان مواجهةَ الرصاص بالرصاص.

النضال السلميّ: تاريخ طويل
تختزن الذاكرةُ الإنسانيّة مشاهدَ كثيرةً من النضال السلميّ ضدّ القمع. فمن ينسى المواطنَ الصينيَّ الذي واجه الدبّاباتِ في ساحة تيامن في بكين؟ ومن ينسى الطفلَ الفلسطينيّ الذي لاحق، وفي يده حجرٌ صغير، دبّابةً إسرائيليّة؟ لكنّ ذاكرتنا اليوم تنفتح على مشاهدَ حيّةٍ عربيّةٍ جديدةٍ، سيكون لها، هي الأخرى، موقعُها في تاريخ نضال الشعوب.

يعود تاريخُ النضال السلميّ إلى قرون طويلة. وقد تكون أوّل حركة احتجاجيّة سلميّة عام 494 ق.م، عندما أوقف العامّةُ تعاونَهم مع أسيادهم الرومان النبلاء. أما القرن العشرون فحافلٌ بالحركات السلميّة التي راكمتْ تجربةً إنسانيّةً هائلةً لمقاومة القهر والاحتلال.

كتابات من غزّة

للحصول على الملف بصيغة ملف PDF

هذا ليس ملفًّا. إنه مجرّد إطلالة شبه سريعةٍ على نتاج بعض الشباب في قطاع غزّة المحاصر. وقد يكون أفضلَ ما نقدّم به هذه الإطلالة هو نصّ قصير لمحمود ماضي، بعنوان "معنى أن تكتب في غزة":
أن تكتبَ يعني أنكَ تعيش. وأن تكتبَ في غزّة يعني أنّكَ تصرّ على العيش. هذا ليس مدخلاً يستعطفُ الآخر، ولا يعكسُ قوّةَ الشباب في فلسطين. هو يقول: إنّهم أحياء، ويكتبون، ويرقصون، ويفعلون ما يستطيعون لتكون حياتُهم مرنةً، ويكون الواحدُ فيهم قادرًا على التجاوز والاختلاف والألم. أوليست الكتابة إلاّ ردّ فعلٍ على واقعٍ معيش؟
معظمُ أبناءِ جيلي (1975 - 1985) وُلدوا دونَ موجِّهٍ حقيقيّ. فالحراكُ الثوريّ بلغ أوجَه في الخمسينيّات والستينيّات، حين ظهرتْ تيّاراتٌ فكريّة ثوريّة قادت إلى حركةِ كفاح مسلّح شبهِ منظّمة وشبهِ ناجحة. لكننا وُلدنا وأكثرُ معاركِ منظمة التحرير قد خبا دخانُها، ومعظمُ الحراك الفكريّ التنظيريّ قد خفَّ صوتُه. وُلدنا من دون دُور نشرٍ حقيقيّة. وُلدنا من دون جدلٍ يحتكم إلى الحوار؛ فقد كان رصاصُ النزاع الفلسطينيّ الداخليّ هو الصوت الأكثر ضجيجًا من حولنا.

الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة

ملفّ من إعداد وتقديم: يوسف فخر الدين، ناريمان عامر
كنّا قد عقدنا العزم على إعداد ملفٍّ عن "الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة" في خطًى منهجيّة معتادة. إلا أنّ ما قدّمه كتّابُ الملفّ، في محاولتهم الإحاطةَ بالمفهوم ذاته، دفعنا إلى تغيير وجهتنا؛ ذلك أنهم أحالوا البدهيّة التي انطلقنا منها في نقاش أحوال "الثقافة الفلسطينيّة" إلى موضوعةٍ من موضوعات البحث التي تحتاج بدورها إلى تدقيق. والحقّ أنّ مُساءلة السؤال لا تقلُّ أهميّةً عن الجواب لأنها تقي من خطر التعميم الزائف، وتؤسّس لوعي أكثر علميّةً ومنهجيّةً بالإشكاليّة المقدَّمة.
اليوم، أمام الأزمة الوطنيّة العميقة التي نتجتْ من مسار أوسلو، والتهديد الجدّيّ بتمزيق الشعب الفلسطينيّ، وفي ظلّ غياب المؤسّسات الوطنيّة الجامعة، ومنها المؤسّسات الثقافيّة، نجد من الضروريّ التعاونَ في إجراء مقاربة جديدة  لتعريف الثقافة الفلسطينيّة، نشأةً وتطوّرًا وواقعًا وتوقّعاتٍ للمستقبل، آخذين في الاعتبار علاقة الجدل بينها وبين المجريات السياسيّة.
***
يحتضن الملفّ، بمقارباته لإشكاليّة الثقافة الفلسطينيّة عدّة رؤى، في محاولة التأصيل لهويّةٍ ملتبسة: هويّةٍ ما اتُّفِق عليه منها هو طغيانُ البعد السياسيّ عليها؛ وما اختُلف بشأنه هو مشروعيّةُ هذا الطغيان.

في وطنيّة الثقافة الفلسطينيّة

ما الفرق بين مصطلحَي: "الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة،" و"ثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة"؟
قد يبدو التمييزُ مصطنعًا. غير أنّ الرجوعَ إلى تاريخ المأساة الفلسطينيّة المديدة، التي احتشدت فيها بطولاتٌ وإخفاقاتٌ ومجازرُ، يفرض مبدأ الاختلاف مبتدأً لكلّ حديثٍ عن الفلسطينيين وثقافتهم.

يوحي مصطلح "الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة" بثقافة شعبٍ لا يختلف عن غيره: له وطنٌ واضحٌ كما للشعوب الأخرى أوطانُها. لكنّ الوطن الواضح، المحدَّدَ الحدودِ، هو ما حُرم منه الفلسطينيّون منذ عام 1948 وأُبعدوا إلى المنافي. وهذه المنافي هي التي أعادت تفسيرَ معنى الوطن، وأعطت الفلسطينيَّ صفاتٍ تميّزه من غيره.

الوطن هو الموقع الواضح المحدّد، الذي يخرج منه الإنسانُ ويعود إليه حين يشاء، ويؤمّن له كرامةً معقولة. بيد أنّ الفلسطينيّين لا يمتلكون شيئًا من هذا ـ لا الذين تحكّم بهم المنفى ولا الذين بقوا في أرضهم. ما يمتلكونه هو "المسألة الفلسطينيّة،" من حيث هي قضيّة وطنيّة إنسانيّة يبحثون عن حلٍّ لها منذ مائة عام، ويمنعهم غيرُهم من ذلك الحلّ منذ مائة عام أيضًا. يبدو "الوطن الفلسطينيّ" وطنًا كان أو سيكون؛ ففلسطين راهنًا ليست وطنًا للفلسطينيين بل لغيرهم. ولهذا تبدأ ثقافةُ الفلسطينيين من ضياع الوطن، تبدأ من الذاكرة، بقدْرِ ما تبدأ من كفاحٍ قديمٍ ـ جديدٍ يدور حول أرضٍ ما زالت مغتصَبة.

التباسات في مقاربة "المشروع الثقافيّ الفلسطينيّ": فلسطين القضيّة، والفلسطينيّ الإنسان

تختلف الثقافة من مجتمعٍ إلى آخر، ومن جماعةٍ إلى أخرى ضمن المجتمع الواحد. إنها ليست مجموعة مكوّنات ثابتة، تصلح لكلّ زمان ومكان، بل هي متطوّرة متغيّرة.

أما في حالة "الثقافة الفلسطينيّة" أو "المشروع الثقافيّ الفلسطينيّ" تحديدًا، فإننا نقف حيال أسئلة ملتبسة جرّاء الواقع الموضوعيّ للشعب الفلسطينيّ سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وديمغرافيّاً، وجرّاء غياب الحدود الدقيقة بين الإبداعات الفنيّة والأدبيّة من جهة، والإنتاجات الفكريّة والنظريّة من جهة ثانية. فهذه الأخيرة، خلافًا للأولى إلى حدٍّ ما، تنطلق من مخطّطٍ واعٍ لتشكيل وعي لواقع الشعب أو المجتمع من أجل أخذ مكانته في التاريخ العالميّ عبر مواكبة الحضارات والثقافات الكونيّة.

تحدّيات الانتفاضات العربيّة

(ملفّ من إعداد مراسلي مجلة الآداب)
ما إنْ هرب زين العابدين بن عليّ بعد أربعة أسابيع من الانتفاضة التونسيّة حتى أخذتْ تونس تواجه تحدّيات إعادة بناء الحياة السياسيّة على أسس أكثر ديمقراطيّةً واستجابةً لتطلّعات الشعب التونسيّ كلّه. ومثل ذلك في مصر منذ سقوط مبارك وأسرته. تُرى، كيف يمكن دمجُ الإسلاميين في النظام السياسيّ من دون أن يهيمنوا عليه، أيْ من دون تجديد النظامين السابقين بعد تبديل القناع الإيديولوجيّ وحده؟ وكيف يمكن تحسينُ مقدرات مواقع الفئات الأكثر حرمانًا بحيث تستفيد من التغيير السياسيّ وتمسي معنيّةً بالديمقراطيّة؟ وأيّ ترتيب للعلاقات مع القوى الدوليّة، الغربيّة وغيرها، بما يصون الاستقلالَ الوطنيّ ويضمن دورًا فاعلاً في المحيط العربيّ؟

ويثير الوضعُ الليبيّ أسئلةً عن فرص بناء ليبيا جديدة تضمن حريّات الليبيين وحقوقَهم، بينما ستكون لقوى الناتو كلمةٌ في شؤون البلاد. وكيف يمكن عزلُ العامل القبليّ أو إضعافُ تأثيره في السلطة العموميّة؟ وهل يمكن دمجُ الإسلاميين في النظام السياسيّ الليبيّ الجديد؟ وهال ستكون لليبيين فرصٌ أفضل في السيطرة على ثروتهم النفطيّة مما كان عليه الأمرُ في أيّام القذّافي وعائلته؟

أسئلة الربيع العربيّ في مواجهة إجابات الخريف

كثر الحديث داخل النخبة الثقافية العربية، وفي دوائر البحث واتخاذ القرار حول العالم، عن حقيقة "الربيع العربيّ": أهو ثوراتٌ لم تكتمل، أم انقلاباتٌ لم يفصحْ أصحابُها بعد عن نواياهم، أم حروبٌ أهليّة، أم مؤامراتٌ خارجيّة، أم مجرّدُ تصدّعات موضوعيّة أصابت قديمًا لم يعد يعبّر عن واقع قابل للحياة، أم هو جديدٌ لم تتشكّل ملامحه بعد؟ لكنّ الكلّ يكاد يجمع على أنّ المنطقة تعْبر حاليّاً مرحلة تحوّلات قد تنتهي ببناء منظومة إقليميّة جديدة، وإن اختلفوا على مآلات هذا الجديد، وطبيعة علاقته بالقديم: أ) فالبعض يراه بديلاً مفارقًا للقديم، ب) والبعض الآخر يخشى أن تنتهي التحوّلاتٌ إلى مجرّد عمليّة "زرع أعضاء" تسمح للجسدين الثقافيّ والسياسيّ القديمين بمواصلة الحياة بلا تغيّر يُذكَر في طبيعة وظائفهما، أو قد تنتهي بانهيار "الدول" التي قامت على أنقاض الخلافة العثمانية أو بانسحابها لمصلحة دولٍ أخرى تعبّر عن توازناتٍ محليّة وإقليميّة ودوليّة لم تنتهِ بعدُ من رسم خرائط طموحاتها غير المعلنة.

معضلة الثورات الشعبيّة في البلدان العربيّة وأسئلتها

تحاول الثوراتُ الشعبيّة تدشينَ حقبةٍ جديدةٍ في تاريخ البلدان العربيّة، تتأسّس على إعادة اكتشاف الشعب لذاته، وإحضارِه إلى مسرح السياسة. والهدف من ذلك هو إمساكُ مصيره بيده، وبناءُ دولةِ المؤسّسات والقانون والمواطنين، والانسجامُ مع التاريخ العالميّ المستندِ إلى الحريّة والعقلانيّة والمواطنة.

السلطة تهمّش الدولةَ والمجتمع
معلوم أنّ تلك البلدان خضعتْ، طوال ستة عقود، لسلطةٍ شموليّةٍ أمنيّة، حالت دون قيام دولة مؤسّساتٍ وقانون تقوم بوظائفها السياسيّة والتنمويّة والاجتماعيّة والخدميّة، وحوّلت المواطنين إلى رعايا: ففي نظر الدولة التسلّطيّة ثمة رعايا فقط، لا حقوقَ سياسيّةً لهم، والسلطان غيرُ مسؤول من قِبلهم، وإنما هو الذي يسألهم عن حسن قيامهم بواجباتهم، وضمنها واجبُ الولاء والطاعة. وحين تغيب دولةُ المؤسّسات والقانون والمواطنين، يتعذّر ظهورُ مفهوم "الشعب،" باعتباره المتشكّل من مجموع المواطنين الأحرار، إذ حينها تتكرّس الانتماءاتُ الأوّليّة (القبليّة والطائفيّة والمذهبيّة والإثنيّة والمناطقيّة)؛ وهذا ما حرصت الدولة التسلطيّة عليه لتعزيز هيمنتها ودوام سلطتها. وقد شهدنا كيف عمل نظامُ صدّام حسين على تكريس هذه الحالة في العراق، وكيف افتعلتْ أجهزةُ مبارك الأحداثَ الطائفيّةَ في مصر.

الأبعاد الجيوسياسيّة الإقليميّة والدوليّة للأزمة السوريّة

في منتصف آذار الماضي اندلعتْ حركةُ احتجاجات في سورية مطالبةً بإسقاط النظام. وقد جاءت هذه الحركة في سياق ثورتين أطاحتا الرئيسين التونسيّ والمصريّ، تلتهما ثورةٌ في اليمن وأخرى في البحرين لا تزالان مستمرّتين، وأخرى في ليبيا أطاحت معمّر القذّافي. وبدا أنّ مصيرًا مماثلاً ينتظر النظامَ في سورية.
لا شكّ في أنّ ما أدّى إلى الثورة في سورية أسبابٌ داخليّةٌ قويّةٌ نجمتْ عن أكثر من خمسة عقود من الحكم الأوتوقراطيّ (لا أربعة عقود كما يدّعي البعض). كما نجمتْ عن تفاقم الفساد، وعن اللبرلة الاقتصاديّة التي قادتها حكومةُ رئيس الوزراء محمد ناجي العطري وكان أبرزَ مهندسيها وزيرُ الاقتصاد عبد الله الدرْدري ــ وهي سياسةٌ ضَرّتْ بالدرجة الأولى فقراءَ الريف والمدن، عمادَ النظام طوال خمسة عقودٍ متواصلة.
إلاّ أنّ للأزمة السوريّة أبعادًا أخرى، إقليميّة ودوليّة، لعبتْ دورًا مؤثّرًا في محاولة استغلال حركة الاحتجاج هذه لتحقيق أهدافٍ سياسيّةٍ واستراتيجيّةٍ في إطار صراعٍ أوسع يشمل منطقة الشرق الأوسط. وهذا هو موضوعُ الصفحات الآتية.

نطاق جيوسياسيّ مشظًّى!

الثورة الشعبيّة في سوريا: مخاطرُ اليوم وتحدّياتُ الغد

أتاح التتابعُ الزمنيّ لاندلاع ثورات الربيع العربيّ، منذ مطلع 2011، رؤيةً متزامنةً لمراحلها، وإنْ حَملت الثورةُ في كلّ بلد خصوصيّاتِها. هكذا أمْكن سوريين معارضين، في الأسبوعين الأولين من الثورة السوريّة، أن يكتبوا على صفحاتهم الفيسبوكيّة: "هذا الفيلمُ شاهدناه من قبل،" وذلك تعليقًا على إجراءاتٍ أعلن عنها النظامُ لامتصاص النقمة الشعبيّة، أو تعليقًا على الرواية الرسميّة العجيبة لما يجري.

ويتيح التلفزيونُ اليوم، بتقنية تقسيم الشاشة، مشاهدةً عيانيّةً متزامنةً للصراعات السياسيّة المحتدمة في تونس، ولمحاكمةِ مبارك وعائلته، وللمعارك الضارية في ليبيا ضدّ فلول القذافي، وللمظاهرات الحاشدة في اليمن، ولمجازر الأجهزة الحاكمة في سوريا ضدّ المتظاهرين السلميين. ويحْدث أن يقطعَ التلفزيونُ نشرةَ الأخبار هذه لينقل خطابًا للرئيس الجزائريّ أو الملك المغربيّ، يعلنان فيه عن إجراءاتٍ إصلاحيّة استباقيّة درءًا لاندلاع ثورة شعبيّة في بلديهما. وفي المقابل يسعى المدافعون عن الطُّغَم الفاسدة الحاكمة إلى استغلال الفوضى التي تلي سقوط هذا الرئيس، أو ذاك، للتخويف من عواقب الثورة، ودفاعًا عن النظام القائم، وتغنّيًا بنِعَم "الاستقرار" المزعوم.
هنا محاولة لقراءة المخاطر المحتملة التي تتربّص بالثورة الشعبيّة في سوريا اليوم، ولقراءة بعض التحدّيات التي قد تواجهها بعد سقوط النظام.

الانتفاضة السوريّة: بين عنف النظام وتكالب الخارج

لعلّ أهمّ الأسئلة التي تطرح نفسَها الآن على الساحة السوريّة هي: هل ستحافظ الانتفاضةُ على سلميّتها؟ وهل ثمة إمكانيّةٌ للتظاهر السلميّ حين يصبح من يذهب إلى التظاهر كمن يصعد إلى حتفه باسمًا، بلغة محمود درويش؟ وهناك أيضًا أسئلة فرعيّة تتعلّق بالبحث عن عجز الانتفاضة عن الحسم، وعن دور القوى الفاعلة داخليًّا وخارجيًّا، سلبًا أو إيجابًا.

في وصف الحالة الراهنة
تقف سوريا اليوم على حافة الهاوية أو في "النقطة الحرجة،" متوازنةً بفعل قوًى تتصارع داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا. ويأتي "توازنُ الهاوية" أ) داخليًّا، من سلطةٍ مطلقةِ العنف، تواجه شارعًا مصرًّا على تظاهره وسلميّته واستعدادِه للمضيّ حتى النهاية، ولكنْ مع عجز أيٍّ منهما عن الحسم لصالحه؛ ب) وإقليميًّا، من صراع إيرانيّ وتركيّ/سعوديّ على مَن يفوز بحصّة اللاعب الأقوى في المنطقة، ضمن حلفين دوليّين متناقضين، يتمثّل أحدُهما في حلف روسيا ـ الصين ـ الهند، ويتمثّل الآخرُ في حلف أميركا ـ الناتو، وكلٌّ منهما يسعى إلى تحقيق مصالحه بعيدًا عن أحلام الشعب السوريّ وتوقِه إلى الحريّة. فلو كان أيٌّ منهما تهمّه حريّةُ شعبنا لما تفرّج طوال ثمانية أشهر على هذا الدم النبيل يراق على شاشات العهر العالميّة بعد أن دعم الطرفان نظامَ الاستبداد طوال عقود، ولما بقي الشعبُ الفلسطينيّ يُقتل منذ خمسة عقودٍ ونيّف من دون أن يهتزّ رمشُ الضمير العالميّ.

حوار مع سماح إدريس

(أجراه: محمد ديبو- نقلا عن القدس)

1- من دعوى فخري كريم إلى دعوى جهاد المرّ، كأنّكَ يا دكتور سماح لا تخرج من دعوى إلاّ لتدخلَ في أخرى! مَن يسعى وراء الثاني: أنتَ أمِ المشاكل؟
لا أعتقد أنني طَلاّبُ مشاكل. ولديّ من الأعمال والهموم ما يفيض عن حيواتٍ كثيرة! أنا أؤدّي ما أعتبرُه أمرًا بدهيًّا لكلّ ناشطٍ و"مثقفٍ" معنيٍّ بالشأن العامّ، وهو أن أسعى إلى نشرِ ما يعني الناسَ ويُخْفيه المتسلّطون حمايةً لمصالحهم.
الدعوى القضائيّة الأولى جاءت بعد دعوةٍ وجّهها رئيسُ "دار المدى" فخري كريم (وليّ) عام 2007 إلى مجموعةٍ من المثقّفين العرب لحضور مهرجانٍ في كردستان ـ العراق. فتناسى معظمُ هؤلاء هويّةَ هذا المهرجان، وصفةَ الداعي إليه (وهو صاحبُ أدوار سياسيّةٍ ملتبسةٍ تستدعي النقدَ الشديدَ من كلّ مناهضٍ للاحتلال الأميركيّ للعراق وكلّ حريصٍ على ما تبقّى من سمعةٍ طيّبةٍ لليسار العربيّ). وتناسوْا ما يحصل في كردستان من "ديمقراطيّةٍ" مزيّفةٍ تحت الاحتلال، ومن انتهاكٍ لحقوق المرأة والصحفيين، ومن وجودٍ لمكاتب الموساد الإسرائيليّ. فكتبتُ وقتها افتتاحيّةً موثّقةً في مجلة الآداب عام 2007 عن هذه الموضوعات، وهو ما استفزّ فخري كريم، الذي كان قد غدا في غضون تلك السنوات (وإلى الآن) مستشارًا لرئيس جمهوريّة العراق تحت الاحتلال، فادّعى عليّ، قبل أن يستنفرَ كلَّ أبواقه لاتهامي بالعمالة لصدّام حسين... و"بالعواء الكريه"!
أما الدعوى القضائيّة الثانية فمردُّها إلى أنني، مع مجموعاتٍ شريفةٍ داخل لبنان معاديةٍ للصهيونيّة، ومنها "الحملةُ العالميّةُ لمقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها" BDS، فضحْنا فرقة موسيقيّة بريطانيّة (بلاسيبو) كانت تنوي المجيءَ إلى لبنان في حزيران 2010 (وجاءت فعلاً للأسف) على أثر إحيائها حفلةً في تل أبيب. وزاد الطينَ بلّةً أنّ هذه الحفلة حصلتْ بعيْد التعرّض الإسرائيليّ الوحشيّ لأسطول الحريّة (مافي مرمرة) في عرض المياه الدوليّة ـ وهو أسطولٌ مؤلَّفٌ من ناشطين دوليين (استُشهد منهم تسعةُ أتراك) كان يرمي إلى تقديم الغذاء والدواء لأهالي قطاع غزّة المحاصرين منذ سنواتٍ عدّة.

دعوى المرّ ضدّ ناشطي المقاطعة: دعوى المال ضدّ المقاومة

أقام السيّد جهاد المرّ دعوى على الدكتور سماح إدريس (رئيس تحرير مجلة "الآداب")، وعلى "حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان"، و"مركز حقوق اللاجئين ـ عائدون"، و"حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (بي. دي. إس)"، بتغريمهم مائة وثمانين ألف دولار أميركيّ بحجّة قيامهم بحملة ضدّ فرقة "بلاسيبو" التي استقدمها المرّ إلى بيروت في حزيران 2010. ذلك أنّ تلك الدعوة إلى المقاطعة أضرّت، بحسب السيّد المرّ، بنسبة الحضور. الجدير ذكرُه أنّ بلاسيبو فرقة موسيقى بريطانيّة كانت قد أحيت حفلاً في تل أبيب، بعد مجزرة أسطول الحريّة (9 شهداء وعشرات الجرحى)؛ وصرّح مغنّيها الأساسيّ، بريان مولكو، ردّاً على سؤال صحفيّ إنْ كان ينبغي دعمُ إسرائيل في تلك المرحلة : "أفترضُ ذلك إذا قرّرتَ أن تركبَ البحر!"، مشيراً بذلك إلى أنّ الخطر في رأيه يكمن في أسطول الحرّية، وداعماً ـ من ثمّ ـ حملةَ الانقضاض على الأسطول وقتلِ مناضلين عُزّل.

إنّ الإطار الذي تأتي به دعوى المرّ لا يجعل منها دعوى عاديّة بين فريقين. إنها، ببساطة، محاولةٌ لتكميم أفواه المحتجّين على دولة التمييز العنصريّ الإسرائيليّة والداعين إلى المقاطعة الاقتصاديّة والأكاديميّة والثقافيّة لدولةٍ عنصريّةٍ تسعى إلى الهيمنة... وهي دولةٌ عدوّ للبنان في جميع الأحوال!