نحو عهد ثالث

مع هذا العدد، تطوي مجلة «الآداب» عامها الستين (1953ـــ 2012). وقد تولى د. سهيل رئاسة تحريرها بين عامي 1953 و1991، وتولّيتُ تلك المهمة منذ ذلك الحين. ولعلي لا أذيع سرّاً إذا قلت إنّ فكرة تعليق إصدار المجلة، على نحو نهائي أو موقت، لم تغادر ذهني منذ أعوام طويلة، لكنّ والدي كان يحثّني على الصبر، ويدعوني إلى التفاؤل بمستقبل القراءة ومستقبل المجلّة. وما بين عام 1991 واليوم، صدرت مجلات كثيرة بتمويل الأنظمة، أو الأحزاب، أو المنظمات غير الحكومية، أو نتيجة لتبييض أموال كما يشاع؛ فتوقّفتْ كلها تقريباً باستثناء ما أصدرته الأنظمة. لكنني، بعد أعوام قليلة من رئاسة تحرير «الآداب»، غدوتُ أكثر تصميماً على الاستمرار؛ بل انقلبت الأمور رأساً على عقب أحياناً: فصار سهيل «يتفهم» الحاجة إلى حجب المجلة، فيما كنتُ أصرُ شخصياً على الاستمرار فيها.

المجلات الثقافية دخلت مرحلة المجهول

مجلّة «الآداب» مغامرة تصل حدّ الجنون. والجنون طبعاً أن تصمد مجلّة ثقافيّة عربية لم تأخذ ليرة (دولار بالأحرى) من مال نفط أو نظام، ولم ينمُ لحم أصحابها من تخمة تبرعات المنح الأوروبي والغربي، في زمن اجتثاث العقول.
لم يكن المال مشكلة سهيل إدريس يوماً، ولا سماح إدريس من بعده. أصلاً، «الآداب» تخسر منذ أكثر من أربعين عاماً، باستثناء السنوات القليلة التي أعقبت صدورها. صمدت «الآداب» أكثر ممّا يلزم، أكثر من كلّ مشاريع أولئك الذين يتحيّنون اللحظة التي يتوقف فيها آخر صرح ثقافي عربي عن رفع صوته.
قبل يومين، صدر العدد الأخير من مجلة «الآداب»، حاوياً ثلاثة ملفّات غنية: «المسألة الطائفية في سوريا»؛ «فلسطينيو سوريا في ظلّ الثورة» و«إبداعات مغربية»، وشمل العدد حواراً مع المفكر صادق جلال العظم بشأن الوضع في سوريا.
كتب سماح رئيس تحرير المجلّة منذ عام 1991 (بقي سهيل إدريس رئيساً لتحرير «الآداب» من عام 1953 إلى 1991) آخر افتتاحية له «الآداب: نحو عهدٍ ثالث» من دون حزن. لماذا يحزن؟ علامَ يحزن؟ «الآداب» ليست عزيزاً يفقده وحده أو آل إدريس، ليست مالاً أو إرثاً ماديّاً، ليست ولداً أو زوجاً أو حبيباً. خسارة «الآداب» مؤشّر على هزيمة شعب كامل يتخلّى عن كل شيء يمت إلى الثقافة بصلة.

مجلة الآداب عدد خريف ٢٠١٢

غلاف مجلة الآداب عدد خريف ٢٠١٢غلاف مجلة الآداب عدد خريف ٢٠١٢صدر العدد الأخير من مجلة الآداب، وهو يصادف أيضًا العدد الأخير من عامها الستين. ويتضمّن ثلاثة ملفّات: "المسألة الطائفية في سوريا" (إعداد ناريمان عامر)؛ و"فلسطينيو سوريا في ظلّ الثورة" (إعداد يوسف فخر الدين)، و"إبداعات مغربية" (إعداد عبد الحق لبيض). شارك في الأول: باسيليوس زينو، جورج كدر، حمّود حمّود، حسام جزماتي، طارق عزيزة، محمد ديبو. وشارك في الثاني: يوسف زيدان، طارق حمودة، قيس مصطفى. وشارك في الثالث نخبة من كتّاب المغرب.
كما يشمل العدد حوارًا مع صادق جلال العظم حول الوضع في سوريا، ودراسات لكلّ من: حسن الخلف (الثورة الإيرانية والربيع العربي)، وغسان بن خليفة (أولويات اليسار الثوري في تونس ومصر)، ووديع أبو هاني (تحقيق حق العودة)، و فريد أمعضشـو (آفاق التحول نحو الديمقراطية في بلدان الربيع العربي)، ونورا ليستر مراد (مقاطعة المساعدات المشروطة)، ورياض صوما (أزمة الحزب الشيوعي اللبناني)، وفانيسا باسيل (حملة إسقاط النظام الطائفي في لبنان)، وعباس المرشد (الطائفية في البحرين)، ورياض درار (العلمنة والتجديد الدينيّ)، ورامي عبد المولى (الربيع العربيّ). يضاف إلى ذلك قصائد (عبير خليفة)، وقصتان (ثريا الحلو وأميمة عز الدين)، ومراجعة كتاب (حميد زناز)، وافتتاحية (سماح إدريس). وقد اخترنا ما يأتي:
الافتتاحية: النشر في زمن الثورة
المساعدات مشروطةً بالموافقة الفلسطينية: دفاعًا عن المقاطعة
أزمة الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ في فصلها الجديد
حملة إسقاط النظام الطائفيّ في لبنان: ماذا حدث؟
البنية الاجتماعيّة للثورة الإيرانيّة: دروسٌ من تجارب الشعوب لـ "الربيع العربيّ"
آفاقُ التحوّل نحو الديمقـراطيّة في بلدان الربيع العـربيّ
البحرين: معضلة الوطنيّة وتفجير الإثنيّات الطائفيّة
الصراع الحاليّ وأولويّات اليسار الثوريّ في تونس ومصر
سوريا: استشراف المستقبل
المسألة الطائفيّة في سوريا
تزييفُ الوعي وتطييفُ التاريخ في سياقات الثورة السوريّة
في تشريح طائفيّةِ الحراك السوريّ
العلويّون: مسألةٌ طائفيّة أم اجتماعيّة؟
هندسة الفتن: في المسألة الطائفيّة والإثنيّة وما بعد ربيع العرب
العلمانيّة والتجديد الدينيّ
البعث الإسلاميُّ "طائفيًّا": الحالة الإخوانيّة السوريّة
الفلسطينيوِن في سوريا في ظلّ الثورة
الشهداء الفلسطينيون في الثورة السوريّة (23/03/2011 لغاية 15/11/2012)

الافتتاحية: النشر في زمن الثورة

(شهادة ناشر وكاتب ورئيس تحرير)

النشر انعكاسٌ لما يعتمل في فئات المجتمع المختلفة من غضبٍ وتبرّمٍ وإحباطٍ ولامبالاةٍ وغير ذلك. لكنّه أيضاً، بل أساساً، فعلٌ، ودوْرٌ، ورسالة. أعرفُ أنّ الكلمات الأخيرة ستنفّر كثيرين لكونها ديموديه وآوتدايْتد وغير كووول (متقادمة وبالية ومتشنّجة) في عصر الحداثة والعولمة. لكنّ هذا هو أساسُ ما يحفّز الناشرين الملتزمين العربَ على "الاستثمار" في هذه المهنة التي توشك على الانقراض، ويوشكُ أصحابُها على أن يتحوّلوا إلى ديناصورات.
***
أستطيع أن أزعم أنّ أكثر الكتب التي تفاعلتْ مع الانتفاضات العربيّة منذ العام 2011 تنقسم في قسمين كبيرين: قسمٍ يعبّر عن حماسٍ مفرطٍ لها، وآخرَ يعبّر عن إحباطٍ مفرطٍ إزاءها. القسمُ الأول اتّخذ شكلَ اليوميّاتِ، أو المقالاتِ المجموعة، التي كُتبتْ يوماً بيوم، وأحياناً من قلب الحدث نفسه (ميدان التحرير، ساحات التظاهر في دمشق، الخ...). والقسمُ الثاني كتبه، في العادة، روائيّون يساريّو الجذور، توجّسوا شرّاً منذ بداية الانتفاضات لأنها لم تتطابقْ والصورةَ "النموذجيّةَ" التي رسموها للثورات (علمانيّة، تقدميّة، بقيادة تنظيمات جذريّة، ذات مشاركة نسائيّة كبيرة، الخ...).
***

المساعدات مشروطةً بالموافقة الفلسطينية: دفاعًا عن المقاطعة

ما هي مشكلة "المساعدات" في فلسطين؟

"المساعدات،" التي كثيرًا ما يُخلط بينها وبين "التنمية،" صناعة عالميّة ضخمة، لكنّ نجاحها ليس بيّنًا على الإطلاق. فعلى الرغم من بعض المكاسب الناجمة عنها، فإنّه لم يتمّ القضاءُ على الفقر، ولا إنقاذُ البيئة، ولا احترامُ الحقوق. ومع ذلك فإنّ المسؤوليّة عن هذه النتيجة السيّئة تُلقى على كاهل "المشاكل التقنيّة،" بينما تظلّ أوجهُ القصور الجوهريّة والتناقضاتُ الرئيسةُ الكامنة في استراتيجيّة "المساعدات" العالميّة من دون نقدٍ أو تمحيص. وفلسطين مثال توضيحيّ مهمّ بسبب اعتمادها الهائل على المساعدات الدوليّة، وبسبب تعدُّدِ الجهات الدوليّة المانحة، واستمرارِ معاناة الملايين من الفلسطينيين برغم المليارات التي أُنفقتْ طوال عقود.

أزمة الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ في فصلها الجديد

تشهد وسائلُ الإعلام اللبنانيّة والعربيّة، وكذلك قنواتُ التواصل الاجتماعيّ على الإنترنت، منذ مدّة، سجالًا بين عدد من قياديي الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ وكوادره حول جملةٍ من القضايا السياسيّة والتنظيميّة التي عادت لتثير الخلافاتِ والتوتّراتِ داخل هيئات الحزب القياديّة ومنظّماته المختلفة. وهذا ليس جديدًا، بل تكرّر غير مرة: فجميع المتابعين يعرفون أنّ الحزب يعيش، منذ الانهيار السوفياتيّ وتطبيق "اتفاق الطائف،" أزمةً مفتوحةً لم تجد لها حلًّا بعدُ.

مراحل الأزمة
لم يمرّ مؤتمر من مؤتمرات الحزب الدوريّة إلّا وبرزتْ هذه الأزمة على صورة خلافات حادّة، كانت تنتهي غالبًا بتسوية شكليّة هشّة، أو بانسحاب عددٍ من القياديين والكوادر والأعضاء، أو بطرد عددٍ منهم وفصله. خلال المؤتمر السابع انفجر الخلافُ الذي كان قد بدأتْ بوادرُه في المؤتمر الخامس. تمحور الصراعُ خلال ذلك المؤتمر بين "القيادة التاريخيّة" (المجموعة التي تسلّمتْ قيادة الحزب بعد المؤتمر الثاني، وعلى رأسها جورج حاوي)، و بين مجموعة معترضة كان من أبرز رموزها آنذاك: إلياس عطالله، وحنّا صالح، وزياد صعب، وماجد مقلّد، ومحمد حمدان، وخليل ريحان، وأمين وهبي، ونصر فرح، وآخرون، أسّسوا لاحقًا ـ بمشاركة ناشطين سياسيين من مشارب غير شيوعيّة ـ "حركة اليسار الديمقراطيّ."

حملة إسقاط النظام الطائفيّ في لبنان: ماذا حدث؟

أين أصبحتْ "حملة إسقاط النظام الطائفيّ" في لبنان بعد مرور عامين على انطلاقتها؟ أيدلّ انقطاعُها على فشلها، أمْ على إعادة تنظيم هيكلتها وأهدافها؟ صحيح أنّ الناشطين عادوا إلى الشارع في 26/2/2012 تحت شعار "المساواة والعدالة الاجتماعيّة والعلمانية،" إلّا أنّ نسبة المشاركة لم تتخطَّ الأربعمئة، في حين نزل إلى الشارع بين عشرين وثلاثين ألف مواطن في المظاهرة الثالثة الشهيرة يوم 20/3/2011. فما سببُ تراجعِ نسبة المشاركة؟ وماذا تحقّق من المطالب التي رفعها الشبابُ سابقًا؟ هل عرفوا ما يريده الشعبُ حقًّا؟ هل عرفوا ما يريدونه هم وكيفيّة تحقيقه؟

الحملة والمجتمع

البنية الاجتماعيّة للثورة الإيرانيّة: دروسٌ من تجارب الشعوب لـ "الربيع العربيّ"

منذ انهيار الكتلة الشرقيّة عام 1989 تراجع الحديثُ عن أهمّيّة الأحزاب اليساريّة كقوى ثوريّةٍ منظّمة لقيادة الجماهير المنتفضة ضدّ القمع والفساد، وصارت المقولة الروبوتيّة العمياء، "الشعب يريد إسقاط النظام،" ثوريّةٌ في حدّ ذاتها. ولكنّي أتفق مع أنيس نقّاش في تهافت هذه المقولة حينما تُرفع دونما بديلٍ ثوريّ يحدّد إلى أين يريد أن يأخذ البلاد. نعم، هذه المقولة صارت أسطوانة مشروخة لا تُطْرب مَن يريد بديلًا جذريًّا فعليًّا، لا تغييراتٍ شكليّةً هزليّة.

فما شهدناه من سيطرةٍ سريعةٍ للإسلاميين "النيوليبراليين" على بلادنا، بحكم التفاهمات الإقليميّة والدوليّة، يعيدنا إلى نقاشاتٍ سبقتْ ربيعَ مصر، تدور حول "شبه حتميّةِ" سيطرة الإخوان على السلطة في حال سقوط مبارك. وما حصل عمليًّا هو أنّ الطرف الأكثر تنظيمًا والأحسن انتشارًا هو مَن كسب المعركة، وأعني الإسلاميين، مع الأخذ في الاعتبار أنّ هذا الكسب جاء أيضًا بسبب التفاهم الخليجيّ معهم ليلعبوا دورَ الكومبرادور الجديد بالإشتراك مع نُخب النظُم السابقة.

آفاقُ التحوّل نحو الديمقـراطيّة في بلدان الربيع العـربيّ

ينطوي عنوانُ هذه الدراسة على وحدتين أساسيتين: "التحوّل نحو الديمقراطيّة" و"الربيع العربيّ." ولقد تعمّدْنا إطلاقَ الاصطلاح الأول بدلًا من "التحوّل أو الانتقال الديمقراطيّ" لأنّ الشارع العربيّ يوجد اليومَ في مرحلة مخاض ونضالٍ يُرجى منهما الوصولُ إلى بناء دول ديمقراطيّة حقيقيّة. ونحن إذ نؤْثر استعمال ذلك الاصطلاح، فإنما نُجاري باحثين آخرين؛ فهذا ناشط مغربيّ يؤكّد أنّ "المنطقة العربيّة... لا يمكنها أن تنتمي إلى الموجة الثالثة للديمقراطيّة التي وقعتْ في أمريكا الجنوبيّة، ولا إلى الموجة الثانية التي كانت قد وقعتْ في أوروبا الشرقيّة. فما نعيشه في العالم العربيّ هو... وضعُ الانتقال نحو الديمقراطيّة، لا وضع الانتقال الديمقراطيّ."1 وهو وضْع آتٍ لا محالة، على الرُّغم من ثقل تكلفته. يقول جواد الحمد: "تفيد المعطيات... بأنّ التحوّل الديمقراطيّ في العالم العربيّ مسألةُ وقت.

البحرين: معضلة الوطنيّة وتفجير الإثنيّات الطائفيّة

تُصنّف البحرين ضمن البلدان المتنوّعة "إثنيًّا." ومن شأن هذا التنوّع أن يؤدّي دورًا مهمًّا في التأثير في فعّاليّة النظام السياسيّ وشرعيّته، من جهة؛ وأن يمارس دورًا أهمَّ في تشكيل الهويّة الوطنيّة والهويّات الفرعيّة، وما قد ينتج عنها من صراعٍ أو تعايشٍ، من جهةٍ أخرى.

عادةً ما يصادف دراسو التركيب الاجتماعيّ صعوباتٍ منهجيّةً ومفهوميّةً إزاء تحديد الإثنيّات في البحرين، وذلك نظرًا إلى ندرة الموضوعيّة المتّبعة، وهو ما أدّى إلى ضعف التراكم البحثيّ وقلّةِ البيانات الخاصّة بالوضع الاجتماعيّ. وهذا يرجع في الأساس إلى سياساتِ الدولة التي تعمل - بذريعة "المواطنة الشاملة" - على حجب المعلومات، وعدم الاعتراف بالجماعاتِ بوصفها جماعاتٍ أصيلةً، الأمرُ الذي يؤدّي إلى خلق تصوّراتٍ ذاتيّةٍ لكلّ جماعة. وهذا، بدوره، يُمكّن النظام السّياسيَّ من تمرير سياساتٍ خاصّةٍ به، تدور وظيفتها حول تقوية جهاز الدولة وتشويه المجتمع.

التنوّع الإثنيّ
التباين الاجتماعيّ (social differentiation) من الأمور المسلّم بها داخل المجتمعات البشريّة كافةً، ويُعتبر التنوّعُ الإثنيُّ (الأصول العرقيّة، الاختلاف اللغويّ، الانتماءُ الدينيّ أو المذهبيّ) حالةً فرعيّةً ومظهرًا من مظاهر عديدة للتباين الاجتماعيّ.

الصراع الحاليّ وأولويّات اليسار الثوريّ في تونس ومصر

يعود النقاش بين المنتمين إلى اليسار الثوريّ في تونس ومصر حول مشروعيّة و/أو فائدة التعامل مع "أزلام النظام السابق" (تونس) أو "الفلول" (مصر). ويأتي ذلك في سياق استحقاقات المعركة الدائرة حاليًّا بهدف التصدّي لتغوّل الإسلاميين واستغلالهم لشرعيّتهم الانتخابيّة النسبيّة(1) لوضع لبِناتِ ديكتاتوريّةٍ جديدة. هذا المقال محاولة سريعة لمناقشة هذا الموضوع الساخن، عسى أن يساهم في إفادة الفاعلين في بقيّة المسارات الثوريّة العربيّة على اختلاف درجات تطوّرها.

في نقد نقد المعطى "الأخلاقي"
بعض منتقدي الموقف الرافض للتحالف مع أعوان النظام الذي قامت ضدّه الثورة يصفون الأمرَ بـ "الثورجيّة" أو "الأخلاقويّة" أو "الطهوريّة" وغيرِها من المرادفات. وهم
مخطئون في رأيي لسببين على الأقلّ:

سوريا: استشراف المستقبل

حوار مع د. صادق جلال العظم
أجراه: ماهر مسعود

* مضى واحد وعشرون شهرًا على الثورة السوريّة، بقي خلالها الموقفُ الدوليُّ بزعامة أمريكا متردّدًا ومتشكّكًا ولا يتجاوز كثيرًا حدودَ التصريحات الشفويّة. في تقديرك، هل نشهد تحوّلًا جذريًّا في الموقف الدوليّ، والأمريكيّ بوجهٍ خاصٍّ مؤخّرًا؟ وهل حسم الأمريكان موقفهم تجاه سوريا بعد الانتخاباتِ الأخيرة؟
ـ يبدو أنّ هناك استعدادًا لتقبّل "الائتلاف الوطنيّ" [المعارض] والتوحيد العسكريِّ الذي حصل بأنطاليا. وإذا ما أثبت هذا فعاليّته فقد يعترف به الأمريكان؛ ووقتها، يمكن أن يحصل تحوّلٌ كبير. أمّا الآن فلا أرى تحوّلًا كبيرًا. هناك بوادرُ تراجعٍ أو "حلحلةٍ" في الموقف الروسيّ، ولكنْ إلى الآن لم يحدث شيءٌ ذو أهميّة.

* من خلال مشاركتك الفاعلة في حضور مؤتمرات "الائتلاف،" هل تشكّلتْ لديك رؤيةٌ واضحةٌ بأنّه أكثر قدرةً على تمثيل مطالب الشارع السوريّ من "المجلس الوطنيّ،" وأكثر قدرةً على مراعاة التوازنات والمطالبِ الدوليّة في الوقت ذاته؟

المسألة الطائفيّة في سوريا

ملفّ من إعداد وتقديم: ناريمان عامر (مراسلة الآداب في سوريا)

كالأعمى ينظر إلى نفسه في المرآة، يتراشق السوريّون تصوّراتهم عن واقعٍ بدأ يصدّرُ أزمةً مجتمعيّةً في أتون أزمته السياسيّة.
سوريٌّ يحمل السلاحَ في وجه آخر يتّهمه بالطائفيّة. سوريٌّ ينطق بكلمةٍ تفصح عن اتّهام الآخر بالطائفيّة. سوريٌّ يصمت، فيُتَّهم بالطائفيّة "المضمرة" لصمته.
ومن يضع نفسه في موقع الحكم؟
ـ سوريّون يروْن أنّ تسمية الأشياء بمسمّياتها "ستكرّسُ" المرضَ وتزيده وَبالًا.
ـ وسوريّون يروْن أنه منذ 1400 عام، ومنذ موقعة صفّين، استجدَّ على الخريطة الجينيّة لسكّان هذه المنطقة جينومٌ متحفّز، اسمه الطائفيّة، يظهر حين يضعف الجسد. وهم ينقسمون: بين قائلٍ بضرورة إبرازه لشدِّ عصبِ شريحةٍ اجتماعيّةٍ "مضطهدةٍ" منذ عقودٍ في سبيل حسمٍ سريعٍ للصراع الدائر في سوريا الآن؛ وبين من يرى أنّه لا بدَّ من علاجه لأنّ إبرازه سيكون حربًا ضروسًا لا تبقي ولا تذر.
تسعى الآداب في طرحها لهذه القضيّة الحسّاسة، وفي هذا الوقت أيضًا، إلى إضاءة بعض جوانبها. وقد توجّهتْ إلى مختلف أطيافِ السوريّين، فاستجاب بعضهم، وهو ما نعرضه في هذا الملفّ.

دمشق

المشاركون ألفبائيًّا:
باسيليوس زينو
جورج كدر
حمّود حمّود
حسام جزماتي
طارق عزيزة
محمد ديبو

تزييفُ الوعي وتطييفُ التاريخ في سياقات الثورة السوريّة

(إلى الصديق الأستاذ جورج طرابيشي مفكرًا فوق الطوائف، وإلى ضحايا الطوائف)

رغم الاختلافات الهائلة (ديمقراطيًّا) بين حقبةِ ما بعد الاستقلال وحقبةِ البعث، فإنّ الفترتين تتقاطعان من حيث الغياب شبه التامّ لأيّة دراساتٍ علميّةٍ للمسألة الطائفيّة في سوريا. فقد بقيتْ هذه المسألة من المحرَّمات طوال فترة حكم البعث، ومن المهمَلات طوال الفترة التي تلت الاستقلال، رغم أنّ حكومات الاستقلال المتعاقبة عاشت الطائفيّة من خلال الدويْلات الطائفيّة المجزّأة التي أنشأها الانتدابُ الفرنسيّ.

في تطييف الطيف السوريّ
منذ انطلاقة الثورة السوريّة سعى النظامُ إلى حشر الثورة، التي احتضنتْ ألوانَ الطيف السوريّ، في ساحة الصراع الطائفيّ التي يتقن اللعبَ فيها، مستفيدًا من خبرته في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ومستغلًّا حساسيّةَ موقع سوريا الإستراتيجيّ وتحالفاتها الخارجيّة، الأمرُ الذي سيمنحه (حسب اعتقاده) وقتًا كافيًا للحسم الأمنيّ. وفي المقابل أدّى طولُ الأزمة، المترافقُ مع تزايد العنف، إلى ردِّ فعل غريزيّ متمثّلٍ في الحاجة إلى الدفاع عن النفس، فتوجّه المنتفضون إلى السلاح، الذي سهّل النظامُ عمليّاتِ تهريبه في البداية بعد أن كان يرفضه.

في تشريح طائفيّةِ الحراك السوريّ

في أول ردِّ فعلٍ رسميٍّ على الأحداث السوريّة، ظهرتْ مستشارةُ الرئيس، بثينة شعبان، مساءَ الخميس 24 آذار 2011، في مؤتمرٍ صحفيٍّ مرتبك، واتّهمتْ أطرافًا خارجيّةً بالوقوف وراء هذه التحرّكات، بغية استهدافِ أمن سوريا ووحدتها واستقرارها و"التعايشِ الجميل" بين مختلف طوائفها.
أمّا على المقلب الآخر، فقد كانت الإشارةُ أبكر. فمنذ الشرارة الأولى لانطلاق الحراك السوريّ، حرص الشابُّ الذي صوّر ونشر على الإنترنت مظاهرةَ سوق الحميديّة بدمشق، في 15 من الشهر نفسه، على القول مواكبًا للتسجيل: "نحن علويّون وسنّةٌ ومن كلِّ أطياف سورية." وفضلاً عن اللهجة المميّزة، بيّن الشابُّ بوضوح: “أحكي باسم الطائفة العلويّة بكلِّ الشام، بكلِّ سوريا.." وبينما كان زملاؤه يتنقّلون في الهتاف بين "الله، سورية، حريّة وبس،" و"سلميّة، سلميّة،" كان يختم كلامَه بالدعوة إلى مظاهرةٍ لاحقةٍ في اليوم نفسه: "بعد صلاة العصر في محيط الجامع الأمويّ."1
تقول هاتان الحادثتان، كلٌّ على حدة، الكثيرَ. غير أنهما تقولان معًا إنّ الهاجس الطائفيَّ ملازمٌ للحراك السوريِّ منذ البداية.

العلويّون: مسألةٌ طائفيّة أم اجتماعيّة؟

إلى ختام غبش في "مشفاها" القسريّ

لِمَ تقف الطائفة العلويّة ككتلةٍ اجتماعيّةٍ إلى جانب النظام، وهي التي ساهمتْ في صناعة استقلال سوريا على يد الشيخ صالح العلي، وكانت مشاركةً في كلِّ تفاصيل الحياة السياسيّة منذ الاستقلال وحتى بداية السبعينيّات، وحاضنًا لأهمِّ الحركات اليساريّة والعلمانيّة التقدّميّة بين الخمسينيّات وبداية الثمانينيّات؟ وهل تمتلك أفقًا للخروج من عنق الزجاجة الذي ترقد فيه؟
نحاول هنا تناول "المسألة العلويّة" مبتعدين عن الأحكام المطلقة، حيث تصبح مفردةُ العلويّ مرادفًا للشرِّ المطلق أو الخير المطلق كما في الدراسات الدينيّة. فالعلويّون كتلة اجتماعيّة تعرّضتْ لمجموعة عوامل أثّرتْ فيهم، وليسوا "مجرمين وملتحقين بالسلطة" بالفطرة (مع الأخذ في الاعتبار أنّ نسبة السنّة الموالين للنظام أكبرُ من نسبة العلويّين الموالين). وخيرُ توصيفٍ للحالة التي نحن في صددها قولُ ثائر ديب: "السواد لا يفسّر الجريمة، ولو كان جميعُ المجرمين سودًا... مع ترك أذهاننا مفتوحةً على احتمال أن يُجْرِم بعضُ البيض أو جميعُهم ربّما. هذا يجب أن يدفعَ إلى طريقةٍ في التعامل مع الإجرام وأسبابه خارجَ السواد تمامًا... لبُّ المشكلة: بين تحليلٍ طائفيٍّ للطائفيّة، إذا جازت تسميته تحليلًا، وبين تحليلٍ علميٍّ لها..."(1)

هندسة الفتن: في المسألة الطائفيّة والإثنيّة وما بعد ربيع العرب

جورج كدر
كاتب وإعلامي سوري

نمطان من النظم السياسيّة لاقيا دعمًا منقطعَ النظير من قبل الولايات المتّحدة وإنكلترا، منذ الثلث الثاني للقرن العشرين: الإسلامُ المتطرّف، والديكتاتوريّة.

حالنا هذه يختصرها نعوم تشومسكي، أحدُ أبرز ناقدي السياسات الخارجيّة الأمريكيّة: "كانت أمريكا وإنكلترا الداعمَ التقليديَّ للإسلام المتطرّف في وجه المدّ القوميّ..." ويضيف: "إسرائيل وأمريكا تريدان من الشعوب العربيّةِ أن تبقى تحت سيطرتنا؛ لذلك نرضى بديكتاتورٍ حليفٍ لنا يَحْكمها حتى نتمكّنَ من فعلِ ما يحلو لنا..."(1)
في عالمنا العربيِّ نلاحظ كيف نما حكمُ الديكتاتوريّات العرب بالتزامن مع نموِّ الحركات الإسلاميّة المتطرفة. وعلى مدى نصف قرن، أصبح الإخوان المسلمون (نظام اليوم في دول "الربيع العربيّ")، وأنظمةُ الحكم الديكتاتوريّة (نظام الأمس) وجهين لعملةٍ يعتاش كلٌّ منهما على الآخر. وكادت الساحة العربيّةُ في عمليّة الصراع على السلطة تخلو إلّا من ديكتاتورٍ ومتطرّفٍ،وما عداهما مصيرُه السحقُ (على مستوى الحياة السياسيّة) أو التهميشُ (كما حصل للأقليّات الضعيفةِ على المستوى الاجتماعيِّ والديمغرافيّ).

العلمانيّة والتجديد الدينيّ

رياض درار

لا بدَّ في البدء من توضيح الفارق بين الإصلاح الدينيّ والتجديد الدينيّ. فالأول، بالمعنى اللوثريّ، يسعى إلى القراءة الحَرفيّة للنصوص بلا تأويل، ومن ثَمّ يسعى إلى إقامة الدولة الدينيّة. أمّا الثاني فيتطلّع إلى إصلاحٍ فقهيّ يتجاوز مصطلحاتٍ وأحكامًا قام عليها تيّارُ الإسلام السياسيّ، الذي راح يؤسّس لفقه الدولة على قواعدَ ليست من صلب الدين وإنّما مستندة إلى ظروف نشأة الدولة الإسلاميّةِ الأولى.
الإصلاح الدينيّ خدعة لأنّ الدين ثابتٌ؛ وأمّا ما يلحق الدينَ من "انحرافٍ عن الجادّة" فهو من صنع البشر أو بفعل تطوّر الحياة ـ وهذا يحتاج إلى تجديدِ أمر الدين. والحديث النبويُّ واضحٌ في هذا المنحى: "يأتي على رأس كلِّ مائة عامٍ من يجدّدُ أمر دينكم."
جاء الدينُ مشرّعًا للواقع ومصدرًا للأحكام. لكنّ لغةَ التقنين لا تصلح لكلِّ عصر، بل إنّ كلّ عصرٍ يتطلّب التجديد لأنّه مشابهٌ لبداية الوحي ووقت نزوله، ويواجه مشكلًا يتطلّب حلًّا، والحلُّ لا يتأتّى إلّا بإطلاقِ ما يمتلكه العصرُ من قوًى حيّةٍ وفاعليّةٍ فكريّة. وإذا كان الوحيُ الإلهيُّ قد توقّف، فإنّ الإيحاء الإنسانيّ لم يتوقف، بل هو بذرة التجديد في كلّ عصر.

البعث الإسلاميُّ "طائفيًّا": الحالة الإخوانيّة السوريّة

"ربما سيجد الإخوان أنه من الصعوبة إقناعَ الأقليّات، المسيحيّة والدرزيّة والإسماعيليّة والكرديّة والعلويّة، وطيفٍ من السنّة، بأنّ الإسلامويّة ستكون أفضلَ لحفظ حقوقهم من نظام البعث." (ريتشارد ديكمجيان، سنة 1985)(1)

إذا كان محتّمًا لأيّة حركةٍ حداثيّةٍ أن يولدَ معها أعداؤها؛ وإذا اعتبرنا الأصوليّة البروتستانتيّة التي قامت في الولايات المتحدة أثناءَ الحرب العالميّة الأولى ردًّا على الحداثة والعلمانيّة، فكيف نصفُ البعثَ الإسلاميَّ(2) الذي بدأتْ معالمُه مع عبده والأفغاني، ولاحقًا مع رضا والبنّا وقطب؟ لا شكّ في أنّ معالم الثيمة الأساسيّة في ذلك البعث الإسلاميّ تشترك مع الأصوليّة البروتستانتيّة في العودة بالتاريخ إلى الوراء، إلى الأصول الذهبيّة، ردًّل على ما اعتُبر مناقضًا لأسس الدين. لكنْ إذا جاز لنا أن نضيف مَعْلمًا آخر ميّز البعثَ الأصوليّ الإسلاميّ من البروتستانتيّ، فإنّه يكمن في إشكال الهويّة، وعقدةَ الانتماءِ والاغتراب ـ الاغترابِ عن اللحظة الحداثيّة، وعن الأصول الدينيّة نفسِها.

الفلسطينيوِن في سوريا في ظلّ الثورة

ملفّ من إعداد وتقديم: يوسف فخر الدين
قلّما ذُكر اللاجئون الفلسطينيّون في سوريا خلال الأزمة الراهنة التي يعيشها البلد. وهذا أمر نادر، إذ اعتدنا أن يلفت مصيرُ الفلسطينيّين الانتباهَ دومًا في أثناء الأزمات التي تمرّ بها البلدانُ التي يعيشون فيها. فما بال مناصري القضيّة الفلسطينيّة، والمهتمّين بمصير الفلسطينيّين، يغضّون الطرفَ عن معاناة هؤلاء في سوريا؟ يمكن السؤالَ أن يكون أقدم: فالفلسطينيّون في سوريا قلّما عرفوا اهتمامًا بأوضاعهم خلال عقود، وحتّى إنّهم لم يعرفوا لجانًا مختصّةً بحقوق الإنسان كما هو شائع في أماكن تواجدهم؛ وهو ما له علاقة بطبيعة الحكم في سوريا، وبطبيعة علاقته بالفصائل الفلسطينيّة حيث دُجّنت الأخيرة وأصبحتْ بين تابعٍ تماهى مع السلطة، وبين معتزلٍ نقل اهتمامه إلى الضفّة والقطاع، وبين عاجز فضّل النأي بنفسه والاهتمامَ بمنافعه.

الشهداء الفلسطينيون في الثورة السوريّة (23/03/2011 لغاية 15/11/2012)

يبلغ عددُ اللاجئين الفلسطينيّين في سوريا، وفق تقديرات الأونروا ومؤسّسات المجتمع المدنيّ ولجان العودة، حوالى 600 ألف لاجئ،(1) يمثّلون 2.8% من مجموع سكان سوريا.(2) يعيش منهم حوالى 260 ألفًا في دمشق؛ و220 ألفًا في ريف دمشق؛ و37 ألفًا في حلب؛ و33 ألفًا في درعا؛ و24 ألفًا في حمص؛ و 12 ألفًا في اللاذقيّة؛ و10 آلاف في حماة؛ والباقي (حوالى 4 آلاف) يتوزّعون على القنيطرة وإدلب والرقّة ودير الزور والسويداء.(3) وهم يتركّزون في 13 مخيّمًا و14 تجمّعًا، والباقون يعيشون في المدن الرئيسة. وتقع المخيّمات تحت إشراف "الهيئة العامّة للّاجئين الفلسطينيّين" من ناحية الشؤون الإداريّة والأحوال المدنيّة, بينما تقع التجمّعات تحت إشراف البلديّات.

المخيّمات: بحسب الأونروا، يوجد في سوريا 10 مخيّمات معترف بها، و3 مخيّمات غير معترف بها. ولا توجد فروقٌ كبيرة في كيفيّة تعاطي الدولة أو الأونروا معها، باستثناء بعض الخدمات التي لا تقدّمها الأونروا للمخيّمات غير المعترف بها.
ـ دمشق وريفُها: مخيّم اليرموك (غير معترف به من قِبل الأونروا)، ويعيش فيه أكثرُ من 145 ألف لاجئ؛ ومخيّم سبينة؛ ومخيّم الستّ زينب؛ ومخيّم خان الشيح؛ ومخيّم خان دنّون؛ ومخيّم جرمانا.
ـ حلب: مخيّم النيرب؛ ومخيّم عين التلّأو حندرات (غير معترف به).
ـ حمص: مخيّم العائدين.