احتفاء قطري (ملغى) بصهيوني ناعم!
بورك ناشطو المقاطعة في دفع دولة قطر إلى إلغاء دعوتها إلى دانيال بارنبويْم. الحق أنّ الاحتفاء القطري بهذا المايسترو الصهيوني الناعم كان سيحمل إزعاجين على الأقل. الإزعاج الأول هو ادعاء الفصل بين الفن والسياسة، عبر الإيحاء أنّ بارنبويْم مايسترو لا قائدُ كتيبة عسكريّة ــ كأن دعوة فنان إسرائيلي صهيوني وفرقتِه إلى دولة عربيّة في ظل استمرار الاستعمار الإسرائيلي لا تعتبر عملاً سياسيّاً بامتياز! المؤسف أنّ المعلّم إدوارد سعيد، وهو صاحبُ واحدٍ من أهمّ الكتب في تفصيل العلاقة بين الثقافة والإمبرياليّة، روج فكرة الفصل تلك عبر شراكته مع بارنبويم في «أوركسترا الديوان الغربي ـ الشرقي» التي تجمع موسيقيين شباب عرباً وإسرائيليين.
هذا المشروع الذي يقول إدوارد سعيد إنّه من بنات أفكار بارنبويم، يندرج في منحى التطبيع مع العدو الإسرائيلي، على ما جزمت «الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل». ذلك أنّ هدف «الديوان» المعلن لا يقتصر على جمع الموسيقيين الشباب العرب والإسرائيليين في ورشات تدريب أو حفلا (وهذا بحدّ ذاته «تسييس للفن» الذي يُزعم أنه خارج السياسة أصلاً)، وإنّما يتعدّى ذلك إلى تشجيعهم على تجاوز الاختلافات السياسيّة والقوميّة ــ كأن مردّ هذه «الاختلافات» إلى محض ضعفٍ في التواصل بين الطرفين، أو إلى مجرّد فجوة ثقافيّة، أو كره تاريخي غير مبرر!
التضامن في وجه كل أنواع الشبيحة
نحن هنا لنقف إلى جانب سلامة كيلة، صديقاً ورفيقاً وكاتباً وإنساناً. نحن هنا لنشجب القمعَ الذي لحقه، ولنصرخَ بأعلى صوت: إنّ اعتقال سلامة كيلة هو اعتقالٌ رمزيٌّ لنا جميعاً، لاتحاد الشباب الديموقراطي في لبنان، ولكلّ كاتب يكتب في مجلة الآداب! نحن هنا لنقول إنّ لسلامة كيلة عائلةً في لبنان. قد لا يكون لسلامة من يستطيعُ أن يخرجَه فوراً من سجنه، لكنّه على الأقلّ ليس مقطوعاً من شجرة: بل له رفاق، وقرّاء، وناشرون، ومحبّون، وأصواتٌ ترفض أن تتمتع بنعمة الصمت عن الخطأ والخطيئة! نحن هنا لنقول إننا مع حرية سلامة كيلة في التعبير، والنقد، والنشاط السياسي، وبخاصة في هذه الأزمة الهائلة التي تمرّ بها سوريا. في هذه الأزمة تحديداً أكثرُ ما نحتاجُ إليه هو الرؤيةُ الوطنيّة، العربيّة، العلمانيّةُ بلا تزمّت، الرافضة للتدخّل الأجنبيّ بلا هوادة، الكارهة للاستبداد بلا تلكّؤ. لكننا هنا أيضاً لنعلن شجبَنا للخطاب السياسيّ والثقافيّ العربيّ البائس في ما يخصّ الحريات عى نحو محدّد. فإذا قلنا «إننا مع حريّة سلامة كيلة»، صرخ شبّيحةُ النظام: لكنّ الوضع في سوريا دقيق، وعليكم أن تراعوا المرحلة التي تمر بها سوريا!
وإذا قلنا «إننا مع حرية سلامة كيلة»، صرخ شبّيحةُ المعارضة: وماذا عن حرية زينب، وجورج، وعشرات آلاف المعتقلين السوريين منذ أكثر من سنة؟
الانتفاضات العربيّة وآفاق مقاطعة «إسرائيل»
في مقال سابق كتبتُ أنّ الانتفاضات العربيّة، وخلافاً لرغبات الناشطين من أجل تحرير فلسطين، لم تُعِرْ أيَّ مسألةٍ تتعدّى إسقاطَ الاستبداد المحلّيّ كبيرَ اهتمام، وإنما أصرّ معظمُ دعاتها على أنّ تحرير فلسطين لن يتمّ إلّا بعد «تحرير البلدان العربيّة من الطغيان» وعلى أنّ «فلسطين لا يحرّرها إلا العربُ الأحرار»(1).
ولأعترفْ بأنّني سايرتُ هذا التفكيرَ على امتداد الانتفاضتين التونسيّة والمصريّة، فضلاً عن الأشهر الخمسة الأولى من عمر الانتفاضة السوريّة (2). وربّما يعود ذلك إلى عملي النشريّ والصحافيّ الذي يَهجس بالحريّات؛ أو قد يعود إلى تربيةٍ شبابيّةٍ بين بيروت ونيويورك، ربطتْ بين التحرير القوميّ والحريّات الفرديّة.
فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ استبدادَ مبارك وبن عليّ في الداخل ترافَقَ طوال عقود مع انصياعهما للأجندة الأميركيّة ــ الإسرائيليّة، فهمنا لماذا تراءى لكثيرين، ومنهم كاتبُ هذه السطور، أنّ إسقاطهما سيؤدّي لا محالة، وبشكلٍ آليّ، إلى إسقاط هذه الأجندة نفسها، لصالح أجندةٍ مغايرةٍ تماماً تنادي بتحرير فلسطين.
الانتفاضات العربيّة وفلسطين في المخيالين اللبنانيّ والسوريّ
تنقسم مداخلتي إلى قسمين: يتناول الأوّلُ «الانتفاضاتِ العربيّةَ وفلسطين في المخيال اللبنانيّ»، ويتناول القسمُ الثاني «الانتفاضات العربيّة وفلسطين في المخيال السوريّ». ولا حاجة إلى القول إنّ المخيال هنا (أو الوعي) ليس واحداً في الحالين، على ما ستُظهر هذه المداخلة، بل مخيالاتٌ متعدّدةٌ في كلّ بلد، وقد تتقاطع أيضاً بين البلدين المجاورين. وفي الخاتمة أسعى إلى تقديم رؤيةٍ عامّةٍ، قد تكون متشائمةً، إلى مآل فلسطين في المخيال العربيّ بعد هذه الانتفاضات.
1 ــ القسم الأول: لبنان ــ الانتفاضات العربيّة وفلسطين.
1 ــ أ ــ الانتفاضات العربيّة في المخيال اللبنانيّ.
مجلة الآداب عدد شتاء ٢٠١٢
غلاف مجلة الآداب عدد شتاء ٢٠١٢صدر العدد الجديد من الآداب وهو يتضمّن افتتاحية بعنوان "خواطر سوريّة" (سماح إدريس)، ومقابلة مع عبد العزيز الخيّر (أجرتها: ناريمان عامر ويوسف فخر الدين)، وخمسة مقالات مستقلة: "قراءة في كواليس المعارضات السوريّة" (محمد ديبو)، "الثورات ومهامُّ استعادة الدولةِ الوطنيّة وإحياء المجتمع المدني" (حازم نهار)، "الكردُ جزءٌ من الانتفاضة السوريّة ولكنْ..." (فاروق حجّي مصطفى)، "الديموقراطيّة والليبراليّة والتحدّي الإسلاميّ" (موريس عايق)، "هل ما يحدث في وطننا العربيّ ثورة؟" (أحمد ماضي). كما يتضمن دراستين مطولتين: "الأباتي بولس نعمان مشوِّهًا تاريخَ لبنان"(صقر أبو فخر)، و"الغرافيتي والانتفاضات العربيَّة" (هاني نعيم). أما الملفات فثلاثة: 1) جمهورية من غير جمهوريين (تقديم وإعداد: ناريمان عامر ويوسف فخر الدين)، ويشتمل على: "الجمهوريّة: تاريخُ المفهوم وأهمُّ تجلّياتِه في الفكر والسياسة" (جاد الكريم الجباعي)، "التمثيل، والحريّة، والإرثُ الجمهوريّ" (كرمة النابلسي - ترجمة: ناريمان عامر)، "الجمهوريّة كتابًا: قراءة في «فكرة الجمهوريّة في فرنسا» لكلود نيكوليه (ناريمان عامر)، "الجمهوريّة الفرنسيّة غير قابلة للتجزيء: الأقليّات الدينيّة في الدولة العَلمانيّة"(سعيد ناشيد)، "الجمهوريّة: بين الولايات المتّحدة والعالم العربيّ"(جهاد صالح)، "جمهوريّةُ اللّه: من مكّة إلى طهران" (حمّود حمّود)، "الجمهوريّة السوريّة الثالثة قبلَ فوات الأوان" (أكرم كشي). 2) التمثيل الوطنيّ الفلسطينيّ (تقديم وإعداد: يوسف فخر الدين) ويضم: "شرعيّة التمثيل الفلسطينيّ وأفولُ المجتمع السياسيّ" (خليل شاهين)، و"منظّمة التحرير ودروب الإصلاح الوعرة" (مأمون الحسيني). 3) ملفّ إبداعات فلسطينيّة (تقديم وإعداد: الآداب)، ويضم مساهمات لأيهم السهلي، خليل أبو سلمى، مهنّد صلاحات، كوليت أبو حسين، غازي الذيبة، رائد وحش، قيس مصطفى، أمين دراوشة، خلدون عبد اللطيف، أحمد حسين السعو.
هذا ويضم العدد أيضًا قصصًا قصيرة لبُثينة سليمان، معاذ خطيب، عبد الرحمن حسن سعد، أميمة عزّ الدين، صالح القاسم. وقصيدتين لسوزان إبراهيم، ومحمد مهدي ناصر الدين.
أما ندوة العدد فبعنوان "الإسلاميون والحكم في المغرب: الآمال والمخاوف" (أعدّها: عبد الحق لبيض)، وشارك فيها: سعيد السعدي، محمد ضريف، عبد العالي حامي الدين، إدريس قصوري.
وقد اخترنا للموقع الالكتروني ما يأتي:
الافتتاحيّة: خواطر سوريّة
سوريا في المخاض: حوار مع عبد العزيز الخيّر
قراءة في كواليس المعارضات السوريّة
الثورات ومهامُّ استعادة الدولةِ الوطنيّةِ وإحياء المجتمع المدنيّ
الكُرد جزءٌ من الانتفاضة السوريّة ولكنْ...
جمهورية من غير جمهوريين
الجمهوريّة: تاريخُ المفهوم وأهمُّ تجلّياتِه في الفكر والسياسة
جمهوريّةُ اللَّه: من مكّة إلى طهران
التمثيل الوطنيّ الفلسطينيّ
منظّمة التحرير ودروب الإصلاح الوعرة
إبداعات فلسطينية
أن تطأ فلسطين
وأصعدُ وحدي
قصتان
الأباتي بولس نعمان مشوِّهاً تاريخ لبنان
الغرافيتي والانتفاضات العربية
الافتتاحيّة: خواطر سوريّة
- مطالبُ الشعب السوريّ كانت مشروعةً منذ انتفاضة أولاد درعا، وتبقى مشروعةً وواجبةَ التحقيق، مهما طال الزمنُ، ومهما حَرَفها المستعمِرون وبعضُ المعارضين.
- السياسة الاقتصاديّة الانفتاحيّة «الدردريّة» ليست وحدها المسؤولةَ عمّا وصلتْ إليه سوريا من بؤس. إنها جزءٌ لا يتجزّأ من سياسات النظام السوريّ على مختلف الصعد.
- لمنتفضون السوريون والمعارضة (بأقسامها) تكوينان متقاطعان، وليسا متماهييْن بالضرورة. ولا تمثِّل المعارضةُ (بأقسامها) المنتفضين دومًا، ولا أبدًا.
- التشبيح ابنُ النظام، ومن مخاطرِه الجمّةِ أنه تسرَّبَ إلى بعض المعارضين.
- أفضلُ المدافعين عن وجود بشّار الأسد ثلاثةُ «معارضين»: 1) بسمة قضماني، بتأكيدها ضرورةَ وجود إسرائيل «أبسولومان» (بشكل مطلق)، كما تقول في حوارٍ تلفزيونيّ (غير مفبرك) في فرنسا بمناسبة العيد الستّين لتأسيس الكيان الغاصب. 2) محيي الدين اللاذقاني، بتشبيحه الجداليّ، الذي يستدعي إلى الأذهان تشبيحَ أبواقِ النظام، كما بتاريخِه «الناصع» في تلفزيون رفعت الأسد. 3) مأمون الحمصي، بتهديداته الطائفيّة المقزّزة ضدّ العلويين.
- بين بشّار وبرهان، أختارُ عبد العزيز الخيّر. بين طالب إبراهيم وبسمة قضماني، أختارُ ميشيل كيلو. بين النظام والمجلس الوطني السوريّ، أختار هيئة التنسيق الوطنيّ.
سوريا في المخاض: حوار مع عبد العزيز الخيّر
(شخصيّة قياديّة في هيئة التّنسيق الوطنيّ ـــ سوريا)
أجراه في دمشق: ناريمان عامر ويوسف فخر الدين
الآداب: قمتم بإنشاء "هيئة التنسيق الوطنيّة" من أجل المشاركة في الحراك الشعبيّ ومحاولة تمثيله. فلماذا قام هذا الحراك؟ ولماذا رفع سقفَ مطالبه إلى حدِّ إسقاط النظام؟ ولماذا غاب هذا المطلب عن بياناتكم، فأثرتم حفيظةَ بعض الشارع عليكم؟
ــ الحراك الشعبيّ هو، فعليّاً، ثورةٌ سياسيّةٌ، حصيلةُ تاريخٍ سياسيٍّ طويل. وقد اجتمعت الظروفُ الموضوعيّة لتنقلَ حركيّةَ هذا التاريخ من الفضاءِ الثقافيِّ السياسيِّ إلى فضاء المجتمع الذي قدّم ما طابقَ توقّعاتنا، وفي الوقتِ نفسه أدهشنا.
قراءة في كواليس المعارضات السوريّة
يمكن القولُ إنّ لحظةَ إعلان اتفاق شطري المعارضة السوريّة الأكبريْن (هيئة التنسيق الوطنيّة والمجلس الوطنيّ السوريّ)، ثم تنصُّل «المجلس» من الاتفاق بطريقةٍ فضائحيّة، شكّلتْ نقطةً فارقةً في مسار الثورة السوريّة. ويعود ذلك إلى سببين: 1) انكشاف أجندة جهاتٍ محدّدةٍ داخل كلّ طرف من دون علم الآخر، وتبيّن وجودِ مشروعين معارضين لا التقاءَ بينهما. 2) دخول الثورة السوريّة نفقًا خطيرًا تتجلّى ملامحُه في التخلّي التدريجيّ عن السِّلْميّة. وقد حَسم ذلك إعلانُ «المجلس الوطنيّ» تبنّي «الجيش السوريّ الحرّ» والتنسيقَ معه ودعمَه من خلال مكتب ارتباطٍ مشترك، ليعلِنَ(**) بعدها هذا الجيشُ نيّتَه استهدافَ المرافق الحيويّة. وهذا ما جرى فعلاً في بيانٍ صادرٍ عن كتيبة حمزة بن عبد المطّلب (منطقة الزبداني ومضايا)،(***) وتجلّى على الأرض في قيام «الجيش الحرّ» في الزبداني بطرد قوات الجيش السوريّ من المدينة بتاريخ 18/1/2012 بعد توقيع هدنة.
الثورات ومهامُّ استعادة الدولةِ الوطنيّةِ وإحياء المجتمع المدنيّ
أَعلنتْ جميعُ ثورات الربيع العربيّ منذ انطلاقتها أنها مع التغيير الديمقراطيّ وضدّ الاستبداد، وكثّفتْ هذا التوجّه في شعار «إسقاط النظام.» لكنّ معظم الدعوات الديمقراطيّة التي ارتفعتْ في السابق وإبّان هذا الربيعِ ما زالت تفتقرُ إلى محاولات بسطها في واقعٍ وزمنٍ محدَّدين؛ فالسائد هو لغةُ الدعوة والإيديولوجية، في حين أنّ ما نحتاجه هو لغةُ الفكر ومنطقُ الواقع.
يمكن تسميةُ البسط الواقعيِّ المطلوب باستراتيجيّة التحوّل الديمقراطيّ، التي تنطلق من القيم الديمقراطيّة العالميّة وترسم خطّةً عمليّةً وزمنيّةً في الواقع الذي تعالجه، لتقومَ بإنتاج تجربة ديمقراطيّة تشترك في أسسها العامّة مع الدول والمجتمعاتِ التي عَرفت النظامَ الديمقراطيّ، وتختلف عنها ببعض الخصائص التي يفرضها البشرُ وتوازناتُ القوى ودرجةُ التقدّم والمستوى الاقتصاديُّ في الدولة أو المجتمع المعنيّ.
العقباتُ القائمة في وجه المشروع الديمقراطيّ
تذهب لغةُ الفكر نحو دراسةِ منطق الواقع واتجاهاته وإمكانيّاته، ولا تنظر إلى الخيار الديمقراطيّ بمنطق الحتميّة العلميّة أو التاريخيّة بل كأحد ممكنات الواقع العديدة؛ أما لغة الإيديولوجيا فتهتمّ بالشعارات وحسب.
الكُرد جزءٌ من الانتفاضة السوريّة ولكنْ...
لم تغب أعلام الكُرد القوميّة وبعضُ مفردات لغتهم الأمّ عن الحراك الشعبيّ السوريّ منذ أن بدأ في 15 آذار 2011. وفي الوقت الذي كانت فيه بعضُ القوى، قبل الحراك المذكور، قد فَقَدت الأملَ في تغيير النظام، ولا سيّما بعد تحسّن علاقته بالجهات الدوليّة، وبعد تجاوز مشاكله مع تركيا التي لعبتْ دورًا ملحوظًا في تحسين صورته لدى المجتمع الدوليّ منذ العام 2005، أصرّ الكُرد على متابعة النضال.
المفارقة أنه كلما ازداد عنادُ النظام وممانعته للتغيير ازداد تصميمُ الشارع على مراده. وبمعنى آخر، فإنّ حرصَ الشارع على التغيير وإسقاط النظام الحاكم منذ تسعة وأربعين عامًا لا يقلّ ضراوةً عن إصرار النظام على البقاء ورفض الواقع الذي فرضته الانتفاضةُ السوريّة.
التباين في الرؤى
بيد أنّ الرياح لا تجري بما تشتهيه سفُن الكُرد. فعلى الرغم من أنّهم يَعتبرون حركتَهم السياسيّة والشبابيّة جزءًا من النسيج السوريّ وحالته الثوريّة، فإنه يَصْعب أن تَقبل المعارضةُ السوريّةُ هذه الحالةَ الكرديّة إلاّ من منظور انحلال خصوصيّة الكرد الثقافيّة والسياسيّة في جسد المعارضة. والحقّ أنّ هذا الأمر خلق معوّقاتٍ حقيقيّةً، وحال دون اندماج الكرد في «المجلس الوطنيّ السوريّ» المعارض مثلاً. ومن أبرز هذه المعوّقات:
جمهورية من غير جمهوريين
إعداد وتقديم: ناريمان عامر ويوسف فخر الدين
تبدو فكرةُ الجمهوريّة للوهلة الأولى واضحةً إلى الدرجة التي يمكن أن يُثير طرحُها استغرابَ البعض. لكنّ وقفةً متأمّلةً للثقافة العربيّة تبيّن حجمَ التباس هذه الفكرة في الوعي العربيّ. ذلك أنّ التعامل النظريّ العامّ مع هذه الفكرة جاء حصيلةً لاختزالها إلى نمطِ حكمٍ نقيضٍ للملَكيّة؛ في حين أنها غالبًا ما تحتاج إلى صفةٍ تُلحق بها (ديمقراطيّة، استبداديّة، أوليغارشيّة،...) ليكتمِل المعنى.
تأتي راهنيّةُ الطرح من انفتاح الفضاء السياسيّ العربيّ الذي رافقَ موجةَ الثورات العربيّة، وهو انفتاحٌ يُلزم المثقفين والسياسيين إعادةَ النظر في المفاهيم والتشكيلات السياسيّة التي نظمت المنطقةَ العربيّة في الفترة الماضية. ولمّا كانت الجمهوريّة هي الإطار السياسيّ لنمطِ الحكم في معظم الدول التي تشهد التغييرَ، فإنّنا نرى ضرورةً ملحّةً في إعادة التفكير فيها، بحيث لا تقتصر دلالتُها على نظام الحكم، بل تتجاوز ذلك إلى اعتبارها فضاءً عامّاً قوامُه حكمُ القانون الوضعيّ. فالجمهوريّة ليست فكرة متعالية أو قبْليّة، بل نتاجٌ للأحداثِ التاريخية والوعي المُتصل بها لدى صنّاع التّاريخ.
الجمهوريّة: تاريخُ المفهوم وأهمُّ تجلّياتِه في الفكر والسياسة
الجمهوريّة republic كلمة لاتينيّة الأصل مؤلّفةٌ من مقطعين: res ومعناها شيءٌ أو أمرٌ أو شأن، وpublica التي منها public في الإنكليزيّة، ومعناها حكوميٌّ أو عامٌّ أو عموميٌّ أو شعبيٌّ أو مدنيٌّ أو وطنيٌّ أو اجتماعيٌّ أو مشاع، وتعني الجمهورَ والشعب. فالدلالة اللغويّة تعني الشيءَ العامَّ أو الشأنَ العامّ، وعلى هذه الدلالة تأسّسَ المعنى الاصطلاحيّ أو الدلالةُ المفهوميّة. وقد أُطلقَ اسمُ الجمهوريّة respublica أول مرة على نظام الحكم الذي قام على أنقاض النظام الملكيّ الرومانيّ نحو عام 509 ق.م، وأطلقَ الرومانُ على ذلك العام اسمَ «عام المجد» إذ كان منعطفًا في حياتهم الاجتماعيّة والسياسيّة، أفضى إلى قيام الحكم الجمهوريّ الذي استمرّ نحو 450 سنة، وانتهى إلى نظام إمبراطوريّ نحو عام 27 ق.م.
ويذهب بعضُهم إلى أنّ كلمة respublica ترجمةٌ رومانيّةٌ لكلمة politeia اليونانيّة، التي تعني النظامَ بوجهٍ عامّ، ونظامَ الحكم في المدينة/الدولة بوجهٍ خاصّ، وتعني «الدولة» أيضًا، تقابلُها في الإنكليزيّة كلمةُ commonwealth، وفي الألمانيّة كلمةُ republik. إلا أنّ النموذج الرومانيّ هو النموذج الأصليّ للجمهوريّة في العصور القديمة والوسطى.
جمهوريّةُ اللَّه: من مكّة إلى طهران
«في إيران فُصل بعد الثورة فقط بين الملكيّة والديكتاتوريّة. لكنّ الأخيرة أُعيد إنتاجُها (...) بشكلٍ غريب سُمّي الجمهوريّاتيّة الإسلاميّة.» (فريدة فرحي)(1)
في 1/2/1979، وصل الخميني (1902 - 1989) إلى طهران قادمًا من فرنسا، فعَقد مؤتمرًا صحافيّاً حدّد فيه برنامجَه السياسيّ على الوجه الآتي 1 ـ أنّ الرأي العامّ والشعب اعترفا به زعيمًا للبلاد. 2 ـ أنه عَيّن حكومةً مؤقتةً لإجراء استفتاء. 3 ـ أنّ معارضة الحكومة التي عيّنَها تُعدُّ معارضةً لحكم الله. وعلى الفور كلّف مفكّرَ الثورة الإيرانيّة ومهندسَها مهدي بازرجان (1907- 1959) رئاسةَ الحكومة المؤقتة، كما كلّفَه بإجراء استفتاءٍ عامّ حول تغيير النظام السياسيِّ من الملَكيّة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة.(2)
التمثيل الوطنيّ الفلسطينيّ
ملف من إعداد وتقديم: يوسف فخر الدين
بعد أكثر من 18 سنةً على توقيع اتفاقيّة أوسلو المشؤومة، تعيش الحالةُ السياسيّة الفلسطينيّة أسوأ مراحلها. فحركة التحرّر التي كانت فخرَ الشعب الفلسطينيّ، ومنجزَه الأبرز بعد النكبة، انتهت إلى سلطة حكمٍ ذاتيّ محدودة أخلّت بالوحدة الوطنيّة التي بُنيتْ على أساس برنامجٍ سياسيٍّ جامع. كما أنها باتت ساحةً لانقساماتٍ سياسيّةٍ وجغرافيّةٍ نتيجةً لمغامرة القيادة السياسيّة في التخلّي عن الحقوق الوطنيّة الجامعة، ولطرحِها برنامجًا خاصّاً ترى فيه مصلحةً لقطاعات فلسطينيّة معيّنة. الملاحَظ أنّ هذا الانهيار ما كان ليحدث لولا تخريبُ المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ، ومنعُ عموم الشعب الفلسطينيّ من المشاركة السياسيّة عبر انتخاب مندوبيهم وعبر المؤسّسات الشعبيّة من نقاباتٍ واتحادات.
منظّمة التحرير ودروب الإصلاح الوعرة
لعلّ من أكثر الأمور اللافتة في الثورات والانتفاضات العربيّة، التي ما زالت تتقلّب على نارٍ حاميةٍ، هو عدمُ امتلاكها (أقلّه حتى الآن) حساسيّةً قوميّةً واضحةً تجاه فلسطين وشعبها.
على أنّ هذا الشعب، وإنْ كان لا يستطيع، بحكم تجربته وتضحياته، أن ينْكر على أشقّائه سعيَهم إلى الحريّة والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، وإيلاءَهم هذه العناوينَ الأولويّةَ في برامجهم وحراكهم، فإنّه يحاول إيجادَ موطئ قدمٍ له في خريطة اللوحة المعقّدة التي ترتسم في المنطقة على وقع أمورٍ أربعة: 1) النزاعات الأهليّة التي تعمّ معظمَ البلدان العربيّة. 2) ارتفاع منسوب التدخّل الدوليّ والإقليميّ الهادف إلى انتزاع مكاسب ومناطق نفوذ تؤهّل صاحبَه لاحتلال موقعٍ مؤثّرٍ في النظام الدوليّ والإقليميّ المقبل. 3) تصعيد إسرائيل إجراءاتها الاستيطانيّة في القدس والضفّة الغربيّة. 4) ارتباك القيادات الفلسطينيّة التي تنوس بين التوجّه الجادّ نحو المصالحة الداخليّة، وبين العودة إلى المفاوضات التي تُخرج إسرائيلَ من العزلة وتمنحها المزيدَ من الوقت لاستكمال أعمال التهويد والاستيطان.
إبداعات فلسطينية
ملف من إعداد مجلة الآداب
لا ميزة للفلسطينيّ في ذاته. هو كباقي البشر: يأكل إنْ جاع، ويبكي إن اضطرمتْ مواجعُه. ما يميّزه هو واقعُه الضاري في الوطن والشتات، وإصرارٌ مدهشٌ على رواية حكايته بنفسه، وبسبل شتّى: طَرْقًا على جدران الخزّان، أو أنينًا من وجعٍ مقيم...
بعد أن أطلّت الآداب على إبداعات ثلّةٍ من كتّاب غزّة الشباب في عددها السابق، تعود لترتكب «جرْمَ» محبّة الفلسطينيّ والإصرار على نقل صوته. وبتعاونٍ مشكورٍ مع الكاتب مهنّد صلاحات، والشاعر أيهم السهلي، تستمرّ الآداب في إطلالاتها الإبداعيّة الفلسطينيّة، يحدوها الأملُ في أن تصبح «الإطلالات الإبداعيّة» بابًا ثابتًا، يعمَّم على إنتاجات أخرى من بقيّة أقطار الوطن العربيّ.
أن تطأ فلسطين
لطالما توقّفتَ عند الحدود ممسكًا حفنةً من ترابٍ يمتدّ نحو بلادك، نحوك، قاصدًا أن يحمل النسيمُ مسامَّك إلى القدس وحيفا ويافا ورام الله وغزّة وكلِّ بقعة من فلسطين.
ما أشدّ حبَّكَ لنفسَك، أيها المنفيُّ خارج الأرض، اللاجئُ في أرضٍ أخرى هي أرضُكَ بامتداد الانتماء إلى عروبتك.
ما أشدّ حبّكَ لهذه النرجسيّة: فلكونكَ فلسطينيّاً، تجدك من كلّ الأماكن ومن فلسطين في الوقت نفسه.
فكم أنت واحدٌ، وكم أنت كلٌّ! تجمع الكونَ في راحتيك وأنت ممتدّ على خارطة العالم كلّها، حاملا اسمَك واسمَها.
كبير أنت، وبها تكبر، رغم الدروب الطويلة والمنافي الكثيرة.
لطالما توقّفتَ عند الحدود، صارخًا في وجه جنديّ عند الطرف الآخر: «ها هنا أرضٌ عربيّة، ولا بدّ أن تمضي قدماي عبرها إلى فلسطين.» وببارقة حلمٍ يشتدّ بك الحنينُ، فيصيرُ امرأةً تعانقكَ حدّ الاعتصار لتتقاطر مطرًا عليها.
ها هنا لاجئ: سنواتِ طويلةً وقفتَ، مع غيرك من اللاجئين، تنتظرون، وتنظرون حولكم كلّما زاد البعدُ يومًا، متسائلين إلى متى؟ إلى أن أعود! المخيّم باقٍ هويّةً تصدح، ولن يموتَ ما لم أولدْ من جديد، من رحم أرضٍ أنا منها وهي مني.
ما دَلَّنا أحدٌ على الطريق. يولد الفلسطينيُّ، أينما وُلد، على الفطرة: على أزليّةِ فلسطينيّته. وتأخذ عروقُه شكلَ خارطة بلاده: ها هنا مدنُها وقراها، مساجدُها وكنائسُها، وشجرُها الممتدُّ من أقصاها إلى أقصاها.
وأصعدُ وحدي
صاعدًا
نخيلَ الخيبةِ الظمأى
بأشباحِ السراب،
أبعثرُ الشوقَ الثقيلَ
على رملِ الذهول،
وأضمُّ أسئلتي
خيطَ ضوءٍ يابسٍ في مقلتي.
كان لدينا مزيدٌ من الوقت لقبلةٍ...
أو رعشةٍ...
أو صرخةٍ أُخرى...
أو عناقٍ لائقٍ بما اقترف الفؤادُ الناشبُ
في جسدي من الهوى...
أو طعنةٍ في الظهرِ أبهى
من فِراقٍ ضيّقِ الطلعة
لا يُمهلُ المذبوحَ على حجرٍ
لكي يلقي ــ
على أعشابِ نجيعِهِ المرتدِّ ــ
صرخَتَه الأخيرة.
كان لدينا طريقةٌ للذبحِ
أرحمُ:
فالموتُ في دربِ الصعودِ أشهى
من حليبِ الأم،
ومن رغيفِ حلمٍ يابسٍ في الحلقِ
يكاثرهُ الحنين.
...
قصتان
1 - أحلام ناشفة
تقف على المجلى المُطلّ على الساحة. تراقب الشبّانَ يلعبون كرةَ القدم، بأجسادهم الفتيّة، وشورتاتهم الكالحة، وعضلاتهم الصغيرة البارزة.
لم تكن لتقايِض الجليَ بأيٍّ منَ الأعمالِ المنزليّة الأخرى؛ فَقد كان الشُّباكُ الذي تغطّيه بردايةُ القـشّ سينما حيّـةً، تبدأ عروضها كلّ يوم عند الواحدة والنصف ظهرًا، حين يعود الفتيانُ من المدرسة ليتوقفوا في الساحة نفسها ـ التي يُطلُّ عليها شُبّاكها - ليلعبوا كـرة القدم.
كانت أجسادُهم الطريّة مثل قطع المارشملو، وعضلاتُهم الصغيرة مثل بالونات الماء، تشدُّها بشكلٍ غريب، وتُحرّك في الجسد المخبّأ تحت الجلباب الرماديّ قطيعَ مشاعر بريّةٍ، يقودها ثورٌ فحل.
كانت كلّ التفاصيل تصبح مادةً دسمةً لأَحلامها الهَرمة. كلّ يومٍ تختار أحدَهم لتلهو معه في أحلامها. تندسّ في فرشتها الإسفنجيّة، التي تتغيّر وفقًا لحلمها الليليّ ومزاجها الجنسيّ: فيومًا تغدو «سريرًا مائيّاً،» وليلةً تصبح كنبةً مقابلةً لشاشة تلفزيون مسطّحة كتلك التي تراها في الإعلانات التجاريّة، ويومًا آخر تصبح طاولةَ مطبخ. وفي كلّ الأحوال تبدأ الأحلامُ بفتًى يَدخل رطبًا تَفـوح منه رائحـةُ العَرق النَّـديّ، يحمل كـرةَ قدمٍ في يده، تنتزعُها منه لتنقضّ عليه بشبق!
الأباتي بولس نعمان مشوِّهاً تاريخ لبنان
بولس نعمان راهب وأكاديميّ وسياسي معاً. فهو كان في إحدى الفترات عميداً لكلّية الآداب في جامعة الروح القُدُس، وخَلَف الأباتي شربل قسّيس في رئاسة الرهبانية اللبنانيّة المارونيّة، وكان في الوقت نفسه عضواً في "الجبهة اللبنانية" التي ضمّت حزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار وأحزاباً ميليشاويّة صغيرة أخرى، علاوة على بعض الشخصيات مثل إدوار حنيْن وشارل مالك وفؤاد أفرام البستاني. وقد كتب مذكراته ليبرهن "أن الأرض اللبنانية لولا الماروني لأصابها القحط والبوار" (ص3). وهذه المذكرات، التي تتعقب أحداث لبنان بين عاميْ 1968 و 1982، أرادها الكاتب، من وجهة نظره بالطبع، توثيقاً للمشكلات التي بدأتْ تحوم في سماء لبنان منذ الصدامات الأولى بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش اللبنانيّ، وتحليلاً للوقائع المتراكمة التي انتهت باغتيال بشير الجميّل في 14/9/1982.
الغرافيتي والانتفاضات العربية
غريبة هي العلاقة بين المدينة والطاغية. لا يُذكر طاغية إلا ويليه اسم مدينة سيطر عليها، أو دمّرها، أو حاول تدميرها. هكذا يترافق اسم هولاكو مع بغداد، ونيرون مع روما، وهتلر مع ستالينغراد، إضافة إلى الطغاة الآخرين الموزعين في العالم. لقد استطاعت المدن أن تجذب الطغاة؛ فلكي يستحوذ الطاغي على كل شيء، ما عليه سوى أن يُخضع الفضاء العام لسيطرته. وهو يبدأ، أولاً، بالغاء ملامح المكان، ورسم ملامح أخرى تشبه إلى حد بعيد ملامحه. هكذا، توضع صورة الدكتاتور في جميع الساحات العامة والشوارع الكبرى، ليُتاح لجميع قاطني المدينة أن يُشاهدوا "الأخ الأكبر" الذي يُراقبهم في النهار و"يسهر" عليهم في الليل. ومع مرور السنين يغدو المشهد "مألوفًا" للجميع. ولا يغيب عن بال الدكتاتور أيضاً استخدام الجدران لأقواله، لكي يؤبد قبضته على السلطة، ما حيا بذلك ملامح الفضاء العام الذي عادة ما يتألف من أفكار سكان المدينة وانفعالاتهم، فتصبح المدينة فضاء خاصاً به، يخضع له الجميع. لكن "الربيع العربي" أتى ليقلب الصورة رأساً على عقب. إنها معركة طويلة تخوضها الشعوب لاسترجاع الفضاء العام وإعادة تشكيله. وقد برز الغرافيتي واحدة من أهمّ أدوات هذه المعركة.









