الإفتتاحية: الاعتصامُ بحبلِ فلسطين

سماح إدريس

ما أبعدَ فلسطينَ في يوم نكبتها!
أكتبُ هذه الكلمات وبيروتُ تَخْرج للتوّ من فصل جديد من الحرب الداخلية اللبنانية الطويلة (يخطئ مَن يظنّ أنها انتهت بتسليم الأسلحة والمراكز إلى إلى الجيش)، سببُها المباشرُ قراران أحمقان أصدرتْهما حكومةُ السنيورة ويَستهدفان سلاحَ المقاومة. والذريعة هي هي: أمنُ الدولة وسيادتُها.
لا! أنا لا أحنّ إلى الماضي؛ ففي الماضي لم تكن بيروتُ أفضلَ كثيرًا. كنّا نعيش في منطقة الجامعة العربية (معقلِ "تيّار المستقبل" اليوم)، وذُقْنا ويلاتِ أبي الزعيم و"الصاعقة" وقوات الـ 17. أما مبادئُ الحكيم جورج حبش، القائدِ العظيمِ الراحل، ومازِجِ الثقافة بالسياسة والأخلاقِ على نحوٍ فريد، فكانت أعجزَ من أن تتصدّى للزعرنات والخوّات والتشبيحات (التي كنّا نسمّيها "تجاوزات" كي لا نجد أنفسَنا، بغير علمِنا وإرادتِنا، في معسكر العداء للثورة الفلسطينية). ومع ذلك، فلم تكن بيروتُ بمثل بُعْدِها اليومَ عن فلسطين، بل بمثل بعدها عن جزءٍ أساسٍ من تاريخِها نفسِه: تاريخِها العلمانيّ والعروبيّ والمفتوحِ على العالم. صحيح أنه قد صارت لدينا محطّاتٌ فضائيةٌ كثيرة اليوم حتى توهّمنا أننا صرنا في قلب "الحضارة"؛ لكنْ هل لاحظتْم أين بات مراسلونا؟ ها هم انتقلوا من القاهرة والدار البيضاء وموسكو وباريس... واستقرّوا في بربور وعايشة بكّار وحيّ الطمليس! وقريبًا، بهمّة "شعب لبنان العظيم" بمختلف طوائفه ومذاهبه وعشائره، سيصير لكلّ محطّةٍ مراسلون داخل شُوَيْرِعات البلد (هل تسمح لي يا بابا الدكتور سهيل بهذا التصغير)؟

أقولُ يا سادة يا كرام: كلّما ابتعدْنا عن فلسطين، صَغُرتْ أحياؤنا، وضاقتْ آفاقُنا، وتقزَّمَ فهمُنا لـ "العمل الوطني" والمقاومة، وتحوّلتْ أديانُنا إلى طوائف، وطوائفُنا إلى مذاهب، ومذاهبُنا إلى زوايا، وزوايانا إلى جحورِ جرذان. ولا أقصد بـ "فلسطين"، فقط، تلك الرقعةََ الجغرافيةََ التي دُمِّر منها 500 قرية وهُجّر منها 800 ألف مدني بريء عامَ 1948؛ فهذه الرقعة تخلّى عنها كثيرٌ من الفلسطينيين أيضًا، منذ اتفاق أوسلو المشؤوم، لصالح سلطةٍ صغيرةٍ ووعودٍ خُلّبية! ما أقصده بفلسطين هو "فكرةُ فلسطين"، كما سمّاها المثقفُ الكبير إدوارد سعيد: أيْ تحقيقُ العدالة لأرضٍ مظلومة، وهزيمةُ آخر الاحتلالات وأطولِها في زمننا المعاصر، ودقُّ مسمارٍ في نعش المشروع الأميركي، وحقُّ عودةِ أبناء فلسطين وبناتها إلى بيوتهم، وبناءُ دولةٍ علمانيةٍ ديموقراطيةٍ ينتفي فيها الاضطهادُ والتمييزُ العنصري والديني وتكون جزءًا من الوطن العربي الحرّ التعدّدي المنشود. وأقصد بـ" فكرة فلسطين"، إضافةًً إلى ذلك، الخروجَ من قوقعة الانتماء الضيّق نحو أفق العروبة... لا بوصف هذه الأخيرة هويةً معطاةً سلفًا وبشكلٍ مسبَّقٍ وجامدٍ، بل بوصفها مسعًى دائبًا لبناءِ تقاربٍ عربيّ شعبيّ، وصولاً في المستقبل إلى نوعٍ من الاندماج السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ يكون قادرًا على الحياة والمنافسة في عالم التكتّلات العالمية الكبرى. فليس ثمة عنوانٌ عندي للعروبة الجديدة، ومقاومةِ الاضطهاد، أشملُ، وأكملُ، وأكثرُ عدالةً وإنسانيةً، من فلسطين: فلسطين غسان كنفاني، وناجي العلي، وجبرا، والحكيم جورج... لا فلسطين دَحلان والرجوب والعصبياتِ الغزّاويةِ الجديدة!
على أنّنا، لبنانيين وعربًا، لا نكتفي بالابتعاد عن فلسطين كلما تقوقعنا في مذاهبنا وزواريبنا. فالحال أنّنا نُسْهم أيضًا، وبفعّاليةٍ كبرى، ومنذ عشرات السنين، في إدامة نكبة فلسطين، ونكبةِ "فكرة فلسطين". فلئن بدأتْ نكبةُ فلسطين عامَ 1948، فإنّها تتواصلُ بشكلٍ يوميّ، ونَلْعب نحن، كمواطنين ـ وأحيانًا من دون أن نَعلم ـ دورًا رئيسًا في استمرارها. أما كيف ذلك، فلأنّنا نواصل دعمَ الكيان الصهيوني بشراء المنتوجات التي تمدُّه بأسباب الحياة والازدهار. فمَن مِنّا يَعْلم أنّ مكاتبَ كوكاكولا الرئيسية في أتلانتا (الولايات المتحدة) تَرْعى ـ بفضل أرباحها القادمة من كلّ فروعها "المحليّة" (التي يُزعم أنَّها "وطنية" 100%) ـ "الاتحادَ اليهوديَّ الموحَّد لأتلانتا الكبرى" الذي يموِّل بدوره عمليةَ الاستيطان في فلسطين؟ ومَنْ يَعْلم أنّ مكاتبَ ماكدونالدز الرئيسة في شيكاغو تقدِّم قسمًا من الأرباح التي تجنيها فروعُها في بيروت والقاهرة و... إلى الاتحاد اليهودي الموحَّد، الذي يقدِّم بدوره المالَ إلى الصندوق القومي اليهودي؟ ومَنْ يَعْلم أنّ شركة نستله اشترت 50،1% من شركة أوسم الإسرائيلية للأغذية لقاء 140 مليون دولار؟ وهل نَعْلم أنَّ مجموعَ الاستثمارات التي تُنْفقها شركاتٌ مثلُ هذه الشركات (كفيليب موريس وبيرغر كنغ وستاربكس وإستيه لودر) التي نشتري منتوجاتِها بشكلٍ دائم، هنا في لبنان وفي غيره، بَلَغَ 40 بليون دولار في السنوات العشر الأخيرة، صُبّتْ جميعُها في الاقتصاد الإسرائيلي... لتكرِّسَ النكبةَ، ولتُديمَها، بل ولتديمَ دونيّةَ الاقتصادِ العربي بأجمعه؟
في الغرب اليومَ، وفي عشرات البلدان الأخرى، حملةٌ واسعةٌ لمقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل. وهناك حملةٌ متعاظمةٌ لمقاطعة إسرائيل نفسها، اقتصاديّاً وثقافيّاً وأكاديميّا ورياضيّاً،ً بسبب سياساتها الاحتلالية والاضطهادِ الذي تمارسه في أماكن الشَّتات الفلسطيني الثلاثة: مناطق 67، ودولِ التهجير، وداخل فلسطين 1948 (يجب ألاّ ننسى مليونَ فلسطينيّ هناك يعيشون في ظلّ نظامِ فصلٍ عنصريّ أپارتهايديّ شَرِس). وعلى سبيل المثال، هناك اليوم 200 ألف عضو في فرع أونتاريو لأضخم اتّحادٍ كنديّ (هو "الاتحاد الكندي للموظَّفين العموميين") دَعَموا نداءً وجَّهه المجتمعُ المدنيّ الفلسطينيّ في 9 تموز 2005 لمقاطعة إسرائيل وسَحْبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها. ولعلّ أقوى مجالات المقاطعة اليومَ ضدّ إسرائيل هو المجالُ الأكاديمي، وذلك بسبب تواطؤ الأكاديميين الإسرائيليين مع المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية. وفي هذا الصدد يَكْتب إيلان پاپه في العدد الذي بين أيديكم أنّ جدارَ الفصل العنصري الإسرائيلي هو "مِنْ بناتِ أفكارِ علماءِ الجغرافيا في جامعةِ حيفا"، وأنّ مَنْ خَطَّط له مهندسون معماريون جامعيون، ونفّذه مهندسون من "معهد تخنيون" الإسرائيلي. ويضيف پاپه أنّ القضاةَ في المحاكم العسكرية الإسرائيلية هم مِنْ خرِّيجي كليّات القانون في الجامعات الإسرائيلية، وأنّ خرِّيجي كليّات الطبّ يعاونون مؤسسةَ التعذيب الإسرائيلية! هذا ناهيكم بإسهام الأكاديميين الإسرائيليين في بناء "سرديةٍ" إجراميةٍ تبرِّر الاحتلالَ، وتبرِّر فظائعَ النكبة، بل وتدعو إلى ترحيلِ مَنْ تبقّى من فلسطينيي 48 للحفاظ على "يهودية" الدولة. ومع ذلك، فإنّنا نجد بعضَ مثقّفينا اللبنانيين والعرب، المتباهين بليبراليّتهم، يَسْخرون من دُعاة المقاطعة ورفضِِ التطبيع، بحجّة "القرية الكونية الواحدة" و"وجوب تلاقُح الثقافات" و"التواصل مع الآخر" و"كراهية الدكتاتوريات العربية". وعليه، فليس من المبالغة في شيء اعتبارُ أحد أسباب نكباتنا المستمرّة (بصيغة الجمع) ثقافيةً، لا عسكريةً ـ سياسيةً فحسب. فثمة فئةٌ لا يستهان بها من المثقفين العرب خانوا وظيفتَهم النقديةَ (لا الوطنيةَ فحسب) حين سَخَّفوا كلَّ دعوةٍ إلى الالتزام بأيّ قيمةٍ وطنيةٍ أو قوميةٍ أو إنسانية، واعتبروها انغلاقًا أواندراجًا في سياسات الأنظمة الديكتاتورية العربية. هنا، ربّما، ينبغي أن نذكِِّر هؤلاء المثقفين، وأكثرُهم في مصر ولبنان، أمثال عبد المنعم سعيد وعلي سالم، بذلك التمييز الذي أقامه مثقفٌ يساريٌّ قومي فذٌّ من لبنان، هو رئيف خوري: إنه التمييز بين الالتزام والإلزام. فالالتزام طوعيٌّ، مبنيٌّ على الاقتناع والشغفِ في البحث والتدقيق؛ وأما الإلزام فجَبْريٌّ إكراهيٌّ "يُوَصوص صاحِبُه من نويْفذةٍ حزبٍ أو حكومة" (كما كان رئيف يقول).
إنّ على الذكرى الستّين لنكبة فلسطين أن تكون مناسبةً أخرى لتجديد التزامنا، الطوعيِّ والحرّ، بتحرير كامل فلسطين، وحقِّ العودة، والدولة العلمانية على كامل فلسطين التاريخية (الانتدابية). ولكنّ الذكرى الستّين ينبغي أن تكون أيضًا مناسبةً أخرى لتجديد الالتزام، الطوعيِّ والحرّ أيضًا، بـ "السردية" التحررية الكبرى، سرديةِ التحرير والتجديد والمقاومة، التي قضى من أجلها أبرزُ عقول هذه الأمة.
كان المثقفُ الباكستاني الكبير الراحل إقبال أحمد يقول لنا، حين كنّا طلاّبًا في الولايات المتحدة، وبلكنته الإنكليزية الجميلةِ البطيئةِ الحادّة: "كلَّ ليلةٍ، حين تضعون رؤوسَكم على الوسائد يا أصدقائي، اسألوا أنفسَكم: ماذا فعلنا اليومَ من أجل فلسطين؟"
ترى هلاّ نسأل أنفسَناَ يومًا: ماذا نفعل كلَّ يومٍ من أجل ألاّ نقوِّض، إلى الأبد، "فكرةَ فلسطين"؟

بيروت

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 4-6 / 2008


التعليقات

مقالة

رائعة انا اهنئك يا استاذ سماح

مقالة

رائعة جدا جدا

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.