من المحو إلى الوجود في قلب العالم
جاءني الخبرُ كالصاعقة. هل توقّف حقّاً قلبُ الشاعر عن الخفقان؟ وهل استطاع الموتُ الذي راوغه غيرَ مرة أن يصرعَه وهو يواصل انطلاقاتِه، برغم الوجع الشخصيّ والقوميّ، في أصقاعٍ شعريةٍ لم يُسمع فيها وقعٌ لقدمٍ عربيةٍ قبله؟ هل انتصر الموتُ في نهاية المطاف على الشاعر الذي أَثبت ـ بقوة موهبته، وعمقِ حدوسه، ونفاذِ بصيرته ـ أنّ في الهوان العربي، المنقسمِ على ذاته من المحيط إلى الخليج، والفاقدِ للرؤية والبوصلة معًا، شعرًا وحياة؟
كان الخبر صاعقًا لأنني كنتُ مشغولاً به وقلقًا عليه، أتابع انطلاقتَه من ذروةٍ إلى أخرى: فقد كانت السنواتُ الأخيرةُ بحقّ، وبالتحديد منذ جدارية عام 2000، هي سنواتُ انطلاقه في فتوّةٍ إبداعيةٍ جديدة، من ذروةٍ شعريةٍ غيرِ مسبوقة إلى ذروةٍ أخرى غير مسبوقة، ومن تحقّقٍ شعريّ وإنسانيّ إلى تحقّقٍ شعريّ وإنسانيّ أكبر.
ثالوثُ الإنجاز وفداحةُ الفقد
استطاع محمود درويش أن يحقّق ثلاثةَ إنجازاتٍ شعريةٍ كبيرة لم تجتمعْ قبله في شاعرٍ عربيّ واحد، وهي:
- أن يكون "شاعرََ قضية" بأرقى معاني هذا المصطلح؛ فأصبح الشعرَ وفلسطينَ معًا، وتماهى الشاعرُ مع الرمز في كيانٍ واحد.
- وأن يكون شاعرًا شعبيّاً، له سلطةٌ واسعةٌ على جمهور الشعر والأدب ترتقي به إلى مرتبة الشاعر النجم الذي يَعْشقه جمهورُه ويتكبّد المشقّةَ للذهاب للاستماع إليه.
- وأن يكون شاعرًا طليعيّاً مهمومًا بتوسيع أفق القصيدة وإرهافِ قدراتها التعبيرية والبنيوية عمقًا ونفاذًا.
وفي الجمع بين هذه الإنجازات الثلاثة يَكْمن سحرُ محمود درويش وتحقُّقُه المعجِز. فهي إنجازات تبدو متناقضةً في موروثنا العربي، بل في موروث الشعر الإنساني. ذلك لأنه يستحيل على الشاعر أن يكون شعبيّاً وطليعيّاً معًا: يُرضي الجماهيرَ الواسعة ويعبِّر عن رؤاها وصبواتها، ويستقطب اهتمامَ النخبة المثقفة التي ترنو إلى مستويات شعرية أعمق وتحنّ إلى ارتياد أصقاعٍ مجهولةٍ على الدوام. فقد قرّ في المحفوظ الأدبي أنّ الأمريْن متناقضان، وأنّ مَن ينجح في تحقيق أحدها يُخْفق في إنجاز الآخر، حتى أَثبت محمود درويش عكسَ ذلك. لكنّ هناك تعارضًا ظاهريّاً آخر: وهو أنه يستحيل أيضًا أن يكون الشاعرُ مهمومًا بقضيةٍ ورمزًا بارزًا من رموزها السياسية، من دون أن يورّطه هذا الهمُّ في رمال الإيديولوجيا الناعمة، وبخاصةٍ أنّ القضايا العربية ارتبطتْ بعلوّ النبرة وبالمباشرة وبنوعٍ من الجعجعة التي يَرْفدها الشعرُ بصخبٍ موسيقيّ رنّان. لكنّ درويش استطاع أن يرتقي بقضيته، وهي قضيةُ العرب قاطبةً، إلى آفاق الهمّ الإنساني الأكبر في الحقّ والعدل والحرية.
إنّ كلّ إنجازٍٍ من هذه الإنجازات الثلاثة كفيل بأن يَمنح محقِّقَه مكانةَ الشاعر الكبير. فقد استطاع كثيرٌ من شعرائنا المحْدثين أن يتبوّأوا منزلةً كبيرةً بتحقيقِ واحدٍ من إنجازاته الثلاثة تلك. إذ استطاع أحمد شوقي أو نزار قبّاني أن يكون شاعرًا شهيرًا بلغته السلسة القادرة على مخاطفة مشاعر الجماهير وعواطفهم؛ وهو الأمرُ الذي حقَّقه درويش، بل فاق فيه ما أنجزه الشاعران الكبيران، لأنه لم يقع في أسْر تلك الجماهيرية كما وقع فيها قبّاني مثلاً، ولم يستسلمْ لمطالب الجماهير وذوقها (وهو أمرٌ شديدُ الإغراء والغواية)، وإنما تحرّر منها، وصَحبَ جمهورَه معه في مغامرةٍ مشوّقةٍ تستحقّ دراسةً في حدّ ذاتها. كما استطاع أدونيس مثلاً أن يكون شاعرًا كبيرًا من خلال اهتمامه بتوسيع أفق القصيدة وإرهاف إمكانياتها الشعرية والانطلاق بها في أصقاعٍ تعبيريةٍ جديدة؛ ولكنه بقي شاعرَ النخبة، لا تستسيغُه إلا مجموعةٌ محدودةٌ من القرّاء والمتخصّصين، وظلّ أسيرَ إنجازاته المحدودة يجترّها ويكرّس جهدَه النقديّ لحمايتها في واقعٍ يقاومها أو لا يعبأ بها إلاّ قليلاً. أما شعراء القضايا السياسية والفكرية فكثيرون، لعلّ أبرزَهم محمد مهدي الجواهري، الذي حصرتْه قضيتُه في قالبٍ شعريٍّ واحدٍ كي يرفدَها بما تحتاجه من الصوت الجهير والموسيقى الصاخبة. ومع مراوحته الشعرية في مكانه، كان محتَّمًا أن تسوخَ به قضيتُه في رمال الإيديولوجيات الناعمة.
كنتُ في الشهر الأخير مشغولاً بمحمود درويش، برغم أنّ صلتي الشخصية به تعود إلى عدة عقود. فقد تلقّفتُ شعرَه في مطالع الشباب ضمن مجموعةِ ما عُرف بـ "شعراء المقاومة في الأرض المحتلة" (توفيق زيّاد، راشد حسين، سالم جبران، سميح القاسم...)، حينما هبّت علينا أشعارُهم عقب جائحة 1967 لتردَّ إلينا الأملَ. وكتبتُ عنه وعن رفاقه من الشعراء في مجلة الآداب عقب النكسة وقبل أن ألتقي به حينما وفد إلى القاهرة عام 1971، وكان أولَ عملٍ له فيها أن انضمّ إلى هيئة تحرير الملحق الأدبي لمجلة الطليعة بجريدة الأهرام، وكنتُ أحدَ محرّريه. منذ ذلك الوقت عرفتُه، وتابعتُ شعرَه، والتقيتُ به لمامًا في بيروت وباريس وتونس وغيرِها من المنافي التي توزّعتْ عليها أطرافُ رحلته. ولكنّي في الشهر الأخير كنتُ مشغولاً به بشكلٍ استثنائيّ. فقبل أقلّ من شهر على رحيله، وبالتحديد في السابعة مساء يوم 14 يوليو الماضي، حَضَرْتُ آخرَ أمسياته الشعرية، في مدينة آرل بجنوب فرنسا. كان الصديق محمد برّادة قد أخبرني بأنباء هذه الأمسية، وكنتُ في مدينة آفينيون القريبة أتابع مهرجانَها المسرحيّ السنويّ، فقرّرتُ حضورَها معه. وكنتُ قد استمعتُ بمحض المصادفة في الأسبوع نفسه ـ على قناة الجزيرة مباشر ـ إلى أمسية درويش الشعرية التي عُقدتْ بمناسبة الذكرى المئوية لبلدية رام الله، وتضمّنتْ قصيدتَه الجديدة الجميلة "لاعبُ نرد" التي يؤكّد فيها أنه ـ كأيّ شاعر كبير ـ يواصل باستمرارٍ تجديدَ شعره؛ بل هو يُدخل الشعرَ العربيَّ هنا في حوارٍ تناصّيٍّ خلاّق مع أحد أبرز منجزات الشعر الأوروبي، عنيتُ قصيدةَ "رمية نرد" للشاعر الفرنسي الأشهر ستيفان مالارميه، التي نقلها إلى العربية مؤخّرًا الشاعرُ المغربي الشهير محمد بنّيس.
وآرل مدينةٌ صغيرةٌ في الجنوب الفرنسي تتميّز بضوئها النقيّ الساطع الذي شَدَّ إليه التأثيريون الفرنسيون الرِّحالَ، وأقام فيها الرسّامُ الهولندي الشهير فينسينت فان جوخ ردحًا من حياته. وسطَ هذا الضوء الرقيق الصافي، وقبيْل المغيب بساعتين، وقف محمود درويش، وقد أطّرتْه أشعّةُ الشمس الرقيقة التي تتسلّل من بين أغصان الشجرتين الضخمتين خلفه، يلقي قصائدَه الجميلة على حشدٍ كبيرٍ من الجمهور الفرنسي، بالرغم من أنّ ثمن التذكرة حوالى عشرين يورو. وكان بينهم عدد من العرب بلا شكّ، ولكنّ الأغلبية كانت من عشّاق الشعر الفرنسيين. واستطاع مزيجٌ راقٍ من الشعر العميق الذي يلقيه درويش بالعربية، متبوعًا بممثّلٍ فرنسي محترف هو ديدييه ساندر يلقي ترجمتَه الجميلةَ التي قام بها الشاعرُ الفلسطيني إلياس صنبر، ويتخلّله أو يصاحبه (كما حدث مع قصيدة "جيتارتان") عزفٌ على العود من الأخويْن جبران، أن يأسرَ الجمهورَ وأن يستقطبَ إعجابَه وتقديرَه.
أفضيتُ لمحمود درويش في تلك الليلة بإعجابي الشديد بقصائده الأخيرة، وبأنني سأتوجّه بعد شهر إلى إدنبره للحديث عنه بمناسبة عرض المسرح القومي الفلسطيني لعملٍ مسرحيّ مأخوذٍ عن قصيدته الطويلة جدارية ضمن وقائع مهرجان إدنبرة المسرحيّ لهذا العام. وقلت له إنني أعتزم وضعَ كلّ أعداد مجلته المهمة، الكرمل، على موقع الكلمة الإلكتروني حتى تصبحَ متاحةً للجيل الجديد، وللأجيال القادمة بعده؛ وهو الأمرُ الذي سُرّ به كثيرًا وأوصاني بالمسارعة بإنجازه. ولم أعرفْ وقتَها أنّ هذه من آخر وصاياه. بل خرجتُ ليلتَها من المسرح الروماني، وقد غابت الشمس، ولم أفكّر كثيرًا في اختيارات محمود من القصائد لأنّ استجابة الجمهور الفرنسي والعربي لها استحالت موجةً كاسحةً تؤكّد سلطةَ الشعر على البشر وقدرتَه على الارتقاء بهم وبالحياة معًا. ولكني حينما أستعيد الآن ما جرى، وأتذكّر أنّ القصيدة التي ختم بها أمسيتَه كانت المقطعَ الأخير من جداريّة، وأنه حين واصل الجمهورُ التصفيقَ لكي يقرأ قصيدةً أخرى قرأ "نحبّ الحياةَ ما استطعنا إليها سبيلا،" أُدركُ أنه كان يحدس - وقد كان مشغولاً بفحوصه الطبية التي سيجريها في باريس - أنّ أمامه معركةً مع الموت، وأنه يؤكّد له ولنا ضرورةَ انتصار الحياة.
مسيرةٌ حياتيةٌ وشعرية
والآن كفى مواساةً للنفس عن فداحة الفقد باستعادة آخر لقاء، ولنعدْ إلى محمود درويش الذي وضع الموتُ الغاشمُ نهايةً لحياته الحافلة. وُلد محمود درويش في 13 مارس (آذار) 1941 في قرية البروة التي تَبعد تسعةَ كيلومترات شرق عكّا، ومات في 9 أغسطس (آب) 2008 في مستشفى ميموريال هيرمان في هيوستن بولاية تكساس الأميركية. وبين الموت والميلاد عاش الكثيرَ من أحداث عالمنا العربي وتحوّلاته، وأَنجز الكثيرَ على صعيد الشعر والفكر معًا. ويبدو أنه كان على موعد مع القدر منذ بواكير حياته: فقد وُلد قبل نشوء دولة الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة بسبع سنوات ـ ولرقم سبعة دلالاتُه الشعريةُ والأسطوريةُ الواسعة ـ ليكونَ شاهدًا على أهمّ أحداث الواقع العربي في العصر الحديث، وليكون دائمًا أكبرَ من تلك الدولة. وتزوّج أبوه سليم أمَّه في عام 1936، وهو عامُ الثورة الفلسطينية الشهيرة. وما إنْ بلغ السابعةَ من عمره حتى وقعت النكبة، ولم يستطع الصبيّ الصغير أن يَفهم وقعَ أحداثها المزلزلة التي أنهتْ طفولتَه قبل الأوان وغيّرتْ حياته إلى غير رجعة. انتهى زمنُ الرخاء الذي وفّرتْه له أرضُ الأب وبساتينُه في البروة، أو جاهُ جدّه لأمه "أديب البقاعي" الذي كان مختارَ قرية الدامون المجاورة. وأصبح الأبُ بعد تجريف البروة عاملاً في محجر، يَقْطع من الصخر ـ فعلاً لا مجازًا ـ قوتَ أولاده الثمانية. وبدأ عهدٌ جديدٌ، عهدُ الطفولة الخالية من الطفولة: فبعد أن استعاد أهلُ البروة قريتَهم من أيدي الصهاينة سلّموها إلى جيش الإنقاذ العربي، الذي سرعان ما خسرها، فأزالها الصهاينةُ من الخريطة بسبب مقاومة أهلها الباسلة، فرحلتْ أسرةُ محمود إلى لبنان عامًا تقريبًا، ثم عادت من جديد لتتحوّل إلى "متسلّلين" لا حقَّ لهم في أرضهم، التي ينصّ دستورُها الجائرُ على أنّ لكلّ يهوديّ حقّاً فيها. ولذلك لم يستطع محمود الصبيّ أن يندرج في المدرسة كأيّ طفلٍ عاديّ، وإنما كان يتسلّل إليها لأنه لم يكن مُدرَجًا على كشوف تلاميذها. لقد أَنكرتْ سلطاتُ الاستيطان الصهيوني عليه حقَّ الحياة في وطنه، وحقَّ الوجود. أرادت محوَه كما مَحَتْ قريتَه عن وجه الخريطة. لكنه سيَفْرض في نهاية رحلته وجودَه على العالم كلّه، وسيحظى نبأُ رحيلة بتغطيةٍ دوليةٍ لم يحظَ بها عربيٌّ من قبل، كاتبًا كان أو سياسيّاً. فرحلةُ محمود درويش تنطلق من المحو الجغرافي والإنساني على السواء، وتنتهي بأبهى أشكال التحقّق والوجود في قلب العالم وفي وعيه معًا.
لكنّ محمود الصبيّ، وهو الابنُ الثاني للأسرة، ربّى ذاكرتَه على مخزون جدّه الشفهيّ الخصب من الحكايات والأشعار التي تقاوم المحوَ وتعيد كتابةَ الممحوّ في الذاكرة؛ فذاكرةُ الفلسطيني هي حصنُه أمام عوادي الاغتصاب الصهيوني، وسبيلُه الأول للتصدّي لمخططات محوه واستلاب أراضيه. وفي عام 1953، وكان لا يزال في الثانية عشرة من عمره، كتب قصيدةً في احتفالٍ مدرسيّ (ويا لمرارة المفارقة) بمناسبة تأسيس دولة الاغتصاب الصهيوني، عن معاناة طفلٍ شُرّد، وعاد، ليجدَ الآخرَ يقيم في بيته، ويَحرثُ حقلَ أبيه، ويَلعبُ أطفالُه بألعابه. وفي اليوم التالي استدعاه الحاكمُ العسكري، "وهدّدني بشيء خطير جدّاً، ليس بسجني، بل بمنع أبي من العمل. وإذا مُنع أبي من العمل، فإنني لن أتمكّن من شراء الأقلام والأوراق لكي أكتب. ساعتَها فهمتُ أنّ الشعر حكايةٌ أكثرُ جدّيةً ممّا كنتُ أعتقد. وكان عليّ أن أختار بين أن أواصل هذه اللعبةَ الأكثرَ جدّيةً مما أتصوّر، أو أن أتوقفَ عنها. وهكذا علّمني الاضطهادُ بأنّ الشعر قد يكون سلاحًا"محمود درويش، "لهم الليلُ والنهارُ لي،" من حديثٍ أُجري معه، ونُشر في مجلة الآداب البيروتية، عدد أبريل (نيسان) 1970، ص 5... لكنه سلاحٌ ذو حدّيْن، لأنّه جَرَّ عليه المتاعبَ: فقد سُجن بسببه بين عام 1961 و1967 خمسَ مرات، غير عمليات تحديد الإقامة الجبرية.
وكان محمود قد انتمى إلى الحزب الشيوعي وأخذ يعمل في جريدته، الاتحاد، التي كان يرأس تحريرَها إميل حبيبي، والذي جعلها هي ورديفَها الأدبي، الجديد، منفذَ التعبير العربي عن الهوية الفلسطينية. وفي عام 1971 أرسله الحزبُ في دورة دراسية مع الكموسمول في موسكو، وقرّر بعد انتهائها ألاّ يعود إلى الأسْر الصهيوني مرةً أخرى، بل توجّه إلى القاهرة التي استقبلتْه مفتوحةَ القلب والذراعيْن. وفي عام 1973 انتقل إلى بيروت وعمل في مركز الأبحاث الفلسطينية، ثم رئيسًا لتحرير شؤون فلسطينية، وبعدها أسّس درويتَه المهمّة الكرمل عامَ 1981. وعقب اجتياح بيروت عام 1982 غادرها إلى تونس، ثم إلى فيينا لإجراء عملية تدخّل جراحيّ في القلب عام 1984. عاد بعدها إلى باريس وبقي فيها حتى عام 1995. ثم سافر إلى رام الله واستأنف إصدارَ الكرمل من هناك، حتى توقّفتْ من جديد عام 2006. لكنه عاد إلى باريس مرةً أخرى عام 1998 لإجراء جراحة ثانية للقلب المفتوح هذه المرة، وهي الجراحةُ التي كَتب عنها قصيدتَه الطويلة جداريّة. رجع بعدها ليعيش بين رام الله وعمّان، حتى كانت رحلتُه الأخيرة إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة حيث تمّت جراحةٌ لتغيير 26 سنتيمترًا من شريانه الأبهر في 6 أغسطس، ومات بعدها بأيامٍ ثلاثة.
ولا يمكنني هنا مقاومةُ السؤال الذي يتخلّق من ملابسات الجراحة والموت -- وقد كنتُ خائفًا من أن يُجري درويش، رمزُ فلسطين وتجسيدُها الأنقى، أيَّ جراحة في أمريكا، حاضرةِ دولة الاستيطان الصهيوني وحاميتِه وشريانِ حياته الغاشمة. والحقّ أنّ الرمزيةَ التي تنطوي عليها الملابساتُ مرعبةً ومترعةً بالقسوة.
هذه الحياة، التي تشتّتتْ بين المنافي، استحالت رحلةً أوديسيةً كبيرةً في البحث عن الشعر والوطن والحقيقة، وشكّلتْ على صعيد الإبداع واحدةً من أغنى مسيرات الشعر العربي في العصر الحديث، كما أنّها رَفدتْ شاعرَنا ـ الذي أخلص للشعر ولقضيته معًا، وواصل تكوينَه الثقافي بالقراءة الجادة والبحث العميق ـ بحصادٍ وفيرٍ من الأعمال الشعرية التي بلغتْ خمسةً وعشرين عملاً شعريّاًهذه الدواوين هي بترتيب صدروها: عصافير بلا أجنحة (1960)، أوراق الزيتون (1964)، عاشق من فلسطين (1966)، آخر الليل (1967)، العصافير تموت في الجليل (1969)، حبيبتي تنهض من نومها (1970)، أحبّك أو لا أحبّك (1972)، محاولة رقم 7 (1973)، تلك صورتُها وهذا انتحارُ العاشق (1975)، أعراس (1977)، مديح الظلّ العالي (1982)، حصار لمدائح البحر (1984)، هي أغنية .. هي أغنية (1986)، وردٌ أقلّ (1986)، مأساةُ النرجس ملهاةُ الفضة (1989)، أرى ما أريد (1990)، أحدَ عشرَ كوكبًا (1992)، لماذا تركتَ الحصان وحيدًا (1995)، سرير الغريبة (1999)، جدارية (2000)، حالة حصار (2002)، لا تعتذرْ عمّا فعلتَ (2004)، كزهر اللوز أو أبعد (2005)، في حضرة الغياب (2006)، أثر الفراشة (2008). توزّعتْ بين المجموعات الشعرية والقصائد الطويلة التي صدرتْ في دواوين مستقلة، وثمانية أعمال نثريةهذه الأعمال النثرية الثمانية هي: شيء عن الوطن،يوميات الحزن العادي،ذاكرةٌ للنسيان،في وصف حالتنا،عابرون في كلامٍ عابر،رسائل مع سميح القاسم، وداعًا أيتها الحرب وداعًا أيها السلام،بحيرة العائد. استطاعت ذاكرةٌ للنسيان أن تتألّق بينها كعملٍ سرديّ إبداعيّ متميّز. ونجحتْ هذه الأعمال في أن تعيد طرحَ القضية الفلسطينية ـ قضيةِ العرب الأساسية مع التاريخ ومع الحداثة معًا ـ كقضيةٍ إنسانيةٍ كبرى لها أبعادُها العامةُ والخاصة: المشخصنةُ أحيانًا في معاناة الشاعر/الإنسان والإنسان العادي معًا (لماذا تركتَ الحصانَ وحيدًا)، والمفتوحةُ أحيانًا أخرى على التاريخي والفلسفي والمطلق (في حضرة الغياب)، والقادرةُ في أحيانٍٍ ثالثةٍ على أن تخلق أساطيرَها الخاصة، وأن تقارعَ بها أساطيرَ العالم الراسخة من زمن الكنعانيين حتى زمن الهنود الحمر، ومن تشرّد أوديسيوس حتى تصالُح الشاعر مع المنافي المتجسّدة في قلب الوطن، ليضيف الواقعيُّ إلى الأسطوريّ أبعادًا جديدة، بينما يحقّق الواقعيُّ انفتاحَه على الإنساني والكوني، بصورة تتحوّل معها القضيةُ الفلسطينية الخاصة إلى تجلٍّ جديدٍ من تجلّيات المأساة الإنسانية عبر التاريخ. ولم يكتفِ درويش بتحويل قضيته العادلة إلى قضية إنسانية كبرى فحسب، بل ساهم بها وعبرها أيضًا في الإضافة إلى ضمير الشعر نفسِه من خلال مغامراته الإبداعية المستمرة مع شكل القصيدة وبنيتها ولغتها معًا، وبصورةٍ جعلتْه شاعرًا فاعلاً في الساحة الشعرية الدولية.
أرقُ البحث والسؤال
يوشك محمود درويش في هذا المجال أن يكون الرديفَ الشعري لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ من حيث مرورُه بعددٍ من المراحل الأدبية المختلفة، وتجاوزُه المستمرّ لإنجازه، في زمنٍ يستنيم فيه المبدعون إلى دَعَةِ ما يحقّقون. فبينما نجد لدى أكثر كتّابنا المُجيدين مرحلةً أو مرحلتين، يمرّ إنتاجُ نجيب محفوظ مثلاً بخمسِ مراحل أو ستّ: من الرواية التاريخية، إلى الرواية الواقعية، إلى الرواية النقدية، إلى الرواية الحداثية، إلى الرواية التي تحاور التراثَ وتحقِّق تناصَّها الفريدَ مع روائعه. وهذا هو الحال مع محمود درويش. الذي بدأ في ديوانيْه الأوليْن شاعرًا أقربَ ما يكون إلى شعراء الرومانسية والتحدّي الانفعالي، وإنْ كتب في تلك المرحلة الباكرة قصيدتَه الشهيرة "بطاقة هوية" التي اشتُهرتْ بـ "سجِّلْ أنا عربي"وأصبحتْ رايةً على العصيان الفلسطيني أمام محاولات الصهاينة المستمرة لمحوِ هويتهم وإنكارِ وجودهم نفسِه حسب مقولات الصهيونية البشعة غولدا مائير. في هذه المرحلة كان درويش يحوِّل المعاناةَ الفلسطينيةَ إلى أغنيةٍ عذبةٍ استطاعت أن تستقطب الجماهيرَ وأن تعبّر عن صبواتهم. ثم تحوَّلَ في دواوينه الثلاثة التالية ـ وبخاصةٍ بعد نكسة حزيران 1967 ووقوع بقية الوطن الفلسطيني في الأسْر الصهيوني - إلى شاعرٍ للمقاومة بكلِّ ما ينطوي عليه معنى المقاومة من تمرّدٍ على المحفوظ الشعري والفكري على السواء، لا مجرد الثورة على وضعٍ جائرٍ فحسب.
في هذه المرحلة كان الشاعر يؤسِّس لغتَه الخاصة، وبنيتَه الشعريةَ المتفرّدة، واستعاراتِه التي تتجذّر فيها فلسطينُ وتتخلّق بها الذاكرةُ المضادّةُ لكلّ محاولات الطمس والنسيان. وفي هذه المرحلة أيضًا بلور درويش "الحسَّ الجماهيريّ لشعره،" أي القدرةَ على التعبير عن الوجدان الفلسطيني الجمعي (والعربي بالضرورة)، فمَنَحَ قارئَه نوعًا من التماهي مع رؤاه التي يرى نفسَه فيها ويجد في شعر درويش التعبيرَ الأمثلَ عما تريد الجماعةُ صياغتَه ولا تستطيعه من دون شاعرها. كان الواقعُ الجمعيّ قد وَجَدَ نفسَه غيلةً في نفق الهزيمة المظلم، ولم يَعرف كيف يعبّر عن نفسه حيال ورطتها. وجاء شعراءُ المقاومة، الطالعون من الأسْر الصهيوني الجديد، ليقدّموا إليه مَخرجًا: رفْضَ الأسرِ وهوانِ الهزيمة، واعتبارَ المقاومة إنجيلاً للخروج من مهاوي النكسة وإحباطاتها. كانت صدمةُ هزيمة 1967 المدوّية والجارحة تتطلّب صرخةً تتّسم بالأمانة، وإنْ تضمّختْ بالألم واتّسمتْ بشيء من المباشرة من نوع: "سجِّلْ أنا عربي." ومع أنّ سخرية إميل حبيبي المُرّة في سداسية الأيام الستة ثم في سعيد أبي النحس المتشائل كانت أكثرَ عمقًا وحكمةً، إلاّ أنّ الواقعَ العربي كان في حاجة إلى صوتِ شعرِ المقاومة غيرِ الملتبس، وإلى نبرته الجهيرة.
هذه العلاقة العضوية التي أَخذتْ تتخلّق وتتوطّد منذ استقبال الواقع العربي الحماسي لدرويش ولشعراء المقاومة في الأرض المحتلة، باعتبارهم النورَ الذي ظهر في نفق الهزيمة المظلم، هي التي أسّستْ بدايةَ شعبيةِ محمود درويش الكاسحة... وبخاصةًٍ أنه كان أكثرَ شعراء هذه الجماعة موهبةً، وأذكاهم حسّاً في استخدام تلك الموهبة وتطويرها، وأكثرَهم مغامرةً، لا في تجربته الشعرية فحسب، وإنما في تجربته الحياتية أيضًا، إذ غامر بالخروج الذي كان يَحدس ألاّ عودةَ بعده. وقد طرحتْه هذه المغامرةُ في قلب الواقع العربي ممثِّلاً لفسطينيي الأَسْر الذي انضمّ إلى فلسطينيي الشتات، فأصبح المعبِّرَ الفعلي عن كلّ فلسطين/ ومِنْ ورائها عن كلّ العرب. استطاع بسرعةٍ أن يكون حاديَ الجماعة ومغنِّيَها، بل أكثرَ مغنّيها قدرةً على تلمّس حاجاتها والاستجابةِ الخلاّقةِ "لبنْية مشاعرها" ـ بالمعنى العميق لهذا المصطلح عند رايموند وليامز ـ في تلك المرحلة. والواقع أنّ هذه المقدرة الشعرية على استشعار بوصلة مزاج الجماهير هي التي دَفعتْ مؤسّساتِ السلطة العربية إلى الاحتفال به والحرصِ على احتوائه وتبنّيه، سواء أتعلّق الأمرُ بالمؤسّسة المصرية التي حَلّ ضيفًا مدلَّلاً عليها حينما قرّر عدمَ العودة إلى الأسْر في الأرض المحتلة بعد رحلته التدريبية في روسيا، أمْ بالسلطة الفلسطينية التي حَرِصتْ على استقطابه منذ انتقاله إلى بيروت أوائل السبعينيات. لكنّ درويش استطاع في هذا المجال أن "يَرْكب الأسدَ" ـ وفق استعارة ابن المقفّع الشهيرة ـ بمهارةٍ نادرة، وأن يَستخدمَ حرصَ السلطة عليه لصالح مشروعه الشعري والفكري على السواء، وأن يحقّقَ المعادلةَ الصعبةَ بين السلطة السياسية والسلطة الشعبية (التي تَكْفلها له جماهيريتُه الواسعة)، وأن يَقْبضَ على استقلاله الفني والفكري، برغم موقفه الضعيف بسبب افتقاره إلى الاستقلال الاقتصادي عن تلك المؤسّسات.على العكس من إدوارد سعيد مثلاً، الذي كَفل له عملُه أستاذًا في جامعة كولومبيا استقلالاً اقتصاديّاً عن المؤسّسة الفلسطينية وحريةً واسعةً في انتقادها، أصبح محمود درويش شديدَ الاعتماد على المؤسّسة الفلسطينية، وعانى هذا الوضعَ بصلابةٍ نادرةٍ حينما مارس عرفات ضغوطَه الاقتصادية عليه واضطرّه إلى مغادرة باريس التي يحبّها. راجعْ في هذا الأمر مقالَ عبد الباري عطوان، "محمود درويش كما عرفتُه،" القدس العربي، لندن، 11/8/8002
والواقع أنني، كما ذكرتُ من قبل، كنتُ قريبًا من موقع محمود درويش في مرحلة الأهرام تلك. فقد وضعه محمد حسنين هيكل، رئيسُ تحريرها الشهير الذي كان وقتَها في أوج سلطته، في غرفة الكبار بـ الأهرام، وهي الغرفة التي حَوَتْ مكاتبَ نجيب محفوظ ويوسف إدريس وحسين فوزي وعائشة عبد الرحمن، وكانت تُجاور غرفةَ توفيق الحكيم التي كانت تتحوّل كلَّ يوم إلى صالونٍ أدبيّ يؤمّه أبرزُ الفاعلين في الحقل الثقافي. وكنتُ أتردّد يوميّاً تقريبًا على تلك الغرفة بحكم عملي في ملحق مجلة الطليعة الأدبي آنذاك. وأظنّ أنّ هذه التجربة كان لها دورٌ تثقيفيّ كبير في حياة درويش: فقد علّمتْه طبيعةَ الحراك الثقافي العربي، ودورَ السلطة البارزَ فيه، ووضعتْه في قلب خريطةٍ ثقافيةٍ معقّدة استطاع قراءتَها بمهارة والاستفادةَ من دروسها فيما بعد. كان درويش وقتَها في الثلاثين من عمره، ولكنه وَجَدَ نفسَه فجأةً ليس مع أبناء جيله من الكتّاب والمثقفين المصريين من جيل السيتينات ـ وأغلبُهم في صفوف معارضي المؤسّسة أو لهم تحفّظاتٌ أساسيةٌ عليها ـ بل وسط نجوم الحياة الثقافية المصرية الكبار الذين احتضنتهم المؤسسةُ في قلب قلعتها الإعلامية (الأهرام).
وقد استطاع محمود، بسرعةٍ، التأقلمََ مع هذا المناخ المتميّز. ولكنّه حافظ على علاقةٍ ما بأبناء جيله، وتمكّن من الاستفادة من هذه العلاقة في قراءة الخريطة الثقافية المعقّدة في مصر وقتها. فثمة طريقةُ الموظّف الحريص على ألاّ يدخل أبدًا في مواجهةٍ من السلطة، وأن يستفيدَ قدرَ الإمكان ممّا توفره له؛ وقد تمثّلتْ في منهج توفيق الحكيم ونجيب محفوظ. ولكنْ كانت هناك أيضًا طريقةُ يوسف إدريس بتمرّده الصِّدامي، ونقدِه الحاد للمؤسّسة (خاصةً بعدما تسلّمها السادات)، ودفعِه المستمرِّ لثمن هذا الصدام من دمه وأعصابه. وكان هناك أيضًا في الدوْر السادس من الأهرام، حيث كانت مجلةُ الطليعة ومكتبُ لويس عوض، مَن يمكن اعتبارُهم أقربَ الناس إلى درويش الشيوعي القادم من موسكو مباشرةً، وإنْ حَرِصَ منذ البداية على أن يضع مسافةً بينه وبينهم. راقَبَ محمود كلَّ هذا عن كثب، وتذرّع بفلسطينيته كي تمكّنَه من كسب ودّ الجميع، وعَرف أيضًا طريقَه بين ألغام ذلك الواقع. لم يكن يريد أن يكون سلبيّاً كمحفوظ، ولا متمرِّدًا كيوسف إدريس، بل أراد أن يشقّ طريقًا بين الطريقين. واستفاد كثيرًا من دروس تلك التجربة حين انتقل إلى بيروت عامَ 1973، وكانت غابةً متشابكةً من القوى الفلسطينية المتصارعة. فاستخدم ذكاءه العملي إلى أقصى حدّ كي يحافظَ على مسافة نسبية تَفْصله عن المؤسّسة السياسية، وإنْ لم تَحْرمه من فيوضها التي توفِّر له الراحةَ والدوْر. وكان يدرك أنه لو استسلم لغوايات السلطة، وهي كثيرة، فإنّه سيَفْقد جماهيرَه الواسعة التي كان أحرصَ عليها من أيّ شيء آخر: فهي سرُّ أهميته ومكانته بالنسبة إلى السلطة، بل هي (في مستوى من المستويات) حاميتُه من احتواءاتها.
لذلك أَخذ درويش بالتدريج ـ وخاصةً على الصعيد الشعري ـ يضع مسافةً بينه وبين السلطة من ناحية، وبينه وبين التغنّي الشِّعاري بقواسم الجماهير المشتركة من ناحيةٍ أخرى. وراهن على القدرة على الحفاظ على دوره النقدي المقاوم الذي تحتاجه جماهيرُه، وعلى إرضاء ربّات الشعر التي لا ترضى بغير التفاني الكامل في محرابها، بصورةٍ تتقدّم فيه الأنا على النحن الجمعية، من دون أن تتخلّى عنها، بل لتشدّها معها إلى آفاقٍ جديدةٍ وبقاعٍ لم تعتدْها. ومع مجموعته السادسة، حبيبتي تنهض من نومها، وحتى مجموعته العاشرة، تلك صورتُها وهذا انتحارُ العاشق، بدأتْ مرحلةٌ جديدةٌ دعاها الصديق صبحي حديدي "مرحلةَ البحث الجمالي" التي يؤسِّس فيها درويش مشروعًا جماليّاً موازيًا لمشروع القضية الفلسطينية ومتفاعلاً معه باستمرار. فقد بدأ الاهتمامََ بالصوت والمعنى الخافت الموارِبِ المضمَر، وتجنّب الأصوات والمعاني الجهيرة الشعارية الصارخة أحيانًا، التي تستثير هيستيريا الجماهير. بدأ درويش، إذنْ، يتجنّب كلَّ ما يستدعي التصفيقَ المباشر، من دون أن يتخلّى عن الهمّ القومي والفلسطيني، بل العكس: انطلق به في آفاقٍ توصله إلى كلّ قرّاء الشعر في العالم. أخذ يبحث عن كيمياء جديدةٍ قادرةٍ على تقطير الغنائي وصبِّه في آنيةٍ مغايرةٍ ذاتِ طبيعةٍ سرديةٍ تركيبيةٍ وتفكيكيةٍ معًا، وكأنه يريد أن يعيد تثقيفَ جماهيره. والواقع أنّ بداية انفصال الأنا عن النحن الغنائية كان بدايةً لتخلّق حواريةٍ من نوعٍ جديدٍ في عالمه الشعري، وبدايةً لبنية تعدّد الأصوات التي ستُغْني هذا البحثَ الجمالي بالعديد من الاستقصاءات الشعرية المهمة، وبدايةً لطرح الأنا والنحن معًا في أفقٍ دلاليّ ورؤيويّ جديدٍ وَضَعَ الشاعرَ والقضيةَ معًا في قلب العالم.
هذا البحث الجمالي اتّخذ منعطفًا جديدًا بعد اجتياح بيروت عام 1982، وبداية تخلّق نَفَسٍ ملحميّ متميّز بدأ مع قصيدته الطويلة، مديح الظلّ العالي. واستمرّ بعد ذلك في قصائد طويلة أخرى تشكّل نوعًا من الصيرورة الشعرية المتواصلة التحوّلات، والتي أَخذتْ فيها القصيدةُ تزداد مع الزمن كثافةً وعمقًا وتعقيدًا. ويصل هذا المسارُ في قصائد كـ جدارية أو حالة حصار إلى بناءٍ ملحميّ جديد يعتمد على جماليات التراكم والتجاور وتحاوُرِ الجزئيّات، وعلى التوتّر الداخلي الذي يَخْلق دراميّتَه الخاصة والمتفرّدة. في هذه الأعمال يعيد درويش للقصيدة الطويلة ذاتِ النفَس الملحمي ـ أو بالأحرى معلّقة العصر الحديث ـ أهميتَها ووجودَها الفاعلَ في الواقع والوجدان معًا.
وبموازاة هذه الانعطافة نحو البنْية الملحمية، والتي تشكّل مرحلةً استمرت في إنتاجه حتى بدايات القرن الجديد، ووصولاً إلى حالة حصار و"لاعب نرد،" تتخلّق في أعماله انعطافةٌ خامسةٌ أُحبُّ أن أدعوها مرحلةَ التقطير والتكثيف وتنقية اللغة والقصيدة والموسيقى معًا، وهي تبدأ مع ورد أقلّ، وتستمرّ حتى أثر الفراشة. تتّسم هذه المرحلة بالصفاء، والسلاسة، والتخلّصِ من فوائض اللغة، والتكثيفِ والتركيزِ على عناصر الكتابة عند درجة صفر الوجود، سواء أتعلّق الأمرُ بلقطةٍ مركّزةٍ صغيرة أمْ ببنوراما عريضة مترامية الأطراف في الزمان أو المكان. في هذه المرحلة استطاع درويش أن يَخْلق في قصائده المعادلََ الشعريَّ لكرونوتوپ باختين في الرواية. فقد تضافرت الغنائيةُ الدرامية، وسلاسةُ التدفّق الشعري، بتوتّرات المواقف ومفارقات الصور، لتموضع الزمان في المكان، والزمكان في الذات والنحن معًا، ولتقوم تلك البنيةُ الكرونوتوپية الجديدة بنوع من التركيب والتفكيك الشعري للمواقف والوحدات، والدخول بها في جدلٍ حواريّ مع نظائرها على مدى التاريخ يوسّع من أفقها ويعمّق من إدراكنا لخوافيها.
الشعرُ قريةٌ كونية: هزيمة الموت
انطلق محمود درويش من البروة التي محاها الصهاينةُ إلى العالم، فخَلَقَ عبر إبداعه قريةً من الشعر، توشك أن تكون قريةً تُخايل كلَّ مخيلةٍ تحسّ الشعرَ وتتلقّاه: فهي قريةٌ كونيةٌ راسخةٌ أبدًا في الضمير الإنساني، يتشوّف للتعرّف إليها الناسُ في أربعة أركان المعمورة. فعندما ذهبتُ قبل شهر إلى إدنبره، كي أتحدَّث إلى جمهورٍ مغايرٍ عنه، ولنشاهدَ في المساء جداريّته التي مَسْرَحَها خليفة الناطور، تأكّد لي أنه استطاع بحقٍّ أن يعيد خلقَ قريته الممحوّة في ضمير العالم، وأن يرقشَ ملامحَها على جغرافيا إنسانيةٍ عامة، يتشوّف إليها إنسانُها وهو يستمع إليه يصرخ في وجه الموت: "هزمتُكَ يا موتَ الفنونِ جميعِها/هزمتكَ يا موتَ الأغاني في بلاد/الرافديْن، مسلّةِ المصري، مقبرة الفراعنة/النقوش على حجارة معبد هزمتك/وانتصرت، وأفلت من كمائنك/الخلود./فاصنعْ بنا، واصنعْ بنفسكَ ما تريد/وأنا أريد أن أحيا!"
عندئذ سنردّد جميعًا: نعم ستحيا يا محمود، ستحيا وسيُكتب لك الخلود! فقد هزمتَ الموتَ بشِعْرك الجميل الذي ينفتح على العالم، من آرل في جنوب فرنسا حتى اسكتلندا في شمال بريطانيا، ويتجذّر في كلّ نفسٍ عربيةٍ تتوق إلى العدل والخير والحرية.
وأخيرًا، إذا كان الوقتُ قد آن ليستريح قلبُ درويش المتعب بعدما أثرى وجدانَنا ووجدانَ العالم بشِعْره الجميل، أفلا يستحقّ هذا القلبُ المتعبُ، بعد كلّ هذا العطاء الخصب، أن يؤوبَ إلى مسقطِ رأسه في البروة وإلى الجليل التي أراد أن يوارى في ثراه؟ لقد نادى أصدقاؤه بذلك عقب وفاته، ولكنْ لا حياة لمن تنادي! فالمؤسّسة السياسية التي رفضها محمود درويش واستقال منها عقب أوسلو أرادت أن تنتقم منه بعد موته، وقد عجزتْ عن ترويضه حيّاً، وقَرّرتْ دفنَه في رام الله التي قال أكثرَ من مرة إنها لا تعني له شيئًا. حتى جريدة هاآرتس الصهيونية نادت بدفنه في البروة، بينما لم تجرؤ السلطةُ الفلسطينيةُ على إزعاج العدوّ الصهيوني بمثل هذا الطلب، وأرادت أيضًا أن تتاجر به. ولكنّ العزاء أنّ وثيقةَ إدانته الدامغة لكلٍّ من السلطة و"حماس" معًا في قصيدته قبل الأخيرة تعلن تنصُّلَه من كلّ العروش الخاوية. وإذا كان للفنّ الجميل وللحقّ والعدل أن تنتصر في نهاية المطاف، ومهما طال الأمد، فإنّ محمود درويش سيعود إلى الجليل. حتمًا سيعود... كما سيعود الحقُّ الذي لن يضيع أبدًا ما دام وراءه شعبٌ واعٍ وأدبٌ عظيم.
لندن










التعليقات
علِّق