من حالمين إلى موظَّفين: المنظّمات المدنيةُ غير الحكومية، والمموِّلون، وعمليةُ التغيير في لبنان

تقديم
الشكّاكون (السينيكيون) قد يَصِفون المنظّماتِ غيرَ الحكومية بأنّها "أسرعُ الصناعات نموّاً" في لبنان، بسبب ارتفاع حجم التمويل، واتّساعِ مجالات النشاط التي تغطِّيها، وازديادِ التوظيف، في حين يعاني الأمرّيْن معظمُ قطاعات الاقتصاد اللبناني الباقية، ولاسيّما في ما يخصّ خَلْقَ وظائف عمل. والحقّ أنّ الحضورَ القويّ للمنظّمات غير الحكومية في مجال توفير الخدمات، والدفاع أو التأييد policy advocacyالهدفُ الأساسي لمنظمةٍ دفاعيةٍ أو تأييديةٍ غير حكومية هو الدفاعُ عن قضية معيّنة والترويجُ لها. وتحاول المنظّماتُ غيرُ الحكومية عادةً رفعَ الوعي، وروحِ التسامح، والمعرفة، وذلك من خلال مجموعات الضغط (اللوبي)، والعملِ الصحافي، والنشاطات يجعلها سمةً طاغيةً في الاقتصاد السياسي اللبناني. فالوحدةُ المخصَّصةُ للمنظّمات غير الحكومية، التي تديرها وزارةُ الشؤون الاجتماعية في لبنان، تحتوي في سجلاّتها أكثرَ من 6000 منظّمة غير حكومية.MOSA and IBSAR, " NGO Roster 2008," (Beirut: MOSA/UNDP Project " Capacity Building for Poverty Reduction," 2008) ويُقدِّر المركزُ اللبنانيُّ للدراسات إجماليَّ الحركة السنوية المالية لهذا القطاع بما يراوح 250 ـ 300 مليون دولار؛الأرقام أعلاه تخصّ العامَ 1998، وهي آخرُ ما توفَّر للباحثين. ولكنْ لمّا كان لبنانُ قد شَهِدَ انخفاظًا في التمويل الدولي في نهاية التسعينيات بعد انتهاء الحرب الأهلية، فإنّه يُرجَّح أن تكون الدورةُ الماليةُ الحالية للمنظمات غير الحكومية أعلى وقليلٌ من المنظّمات غير الحكومية الكبيرة ذو ميزانيةٍ تَبْلغ 5 ملايين دولار، والمتوسطةُ الحجم تَبْلغ ميزانيتُها ما بين 100 ألف ـ مليون دولار. وتُقدِّر إحصائيّاتٌ أخيرةٌ ذكرها عُمر طرابلسي ميزانيةَ المنظّمات الكبرى غيرِ الحكومية ما بين 500 ألف دولار و4 ملايين دولار.Omar Traboulsi, "Mapping and Review of Lebanese Ngos (Attachment 3)," in Republic of Lebanon Poverty Review, ed. World Bank Middle East and North Africa Group Human Development Group (Beirut: World Bank, 2000) والحال أنّ دورةَ مثل هذه الأرقام الضخمة، في ما يُعتبر أحيانًا مجالَ عملٍ قابلاً للجدال، تُثير أسئلةً عدةً عن الدوْر الذي تَلْعبه هذه المنظّماتُ في لبنان. ومن هذه الأسئلة: هل المنظّماتُ غيرُ الحكومية قوّةٌ تَدْفع باتجاه التنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية والدَّقْرطة، على ما يَعِدُ في الغالب مدراءُ تلك المنظّمات ومموِّلوها؛ أم أنَّها تحافِظُ على الوضع الراهن (الستاتوسكو) المتمثِّلِ في مجتمعٍ لبنانيّ مجزَّإٍ طائفيّاً وتابعٍ اقتصاديّاً؟

ينصّ القانونُ اللبنانيُّ على أنّ في استطاعة أيّة مجموعةٍ تضمّ أكثرَ من ثلاثة أشخاص، يَعْملون معًا في نشاطٍ معيّنٍ لا يتوخّى الربحَ الشخصيَّ، أن تتسجَّل كمنظمةٍ غير حكومية. هذا التعريف، كما سجلاّتُ الدولةِ اللبنانية، تَشْمل منظّماتٍ ذاتَ بنياتٍ وأهدافٍ مختلفة مثل أوكسفام، وجميعةِ الشبّان المسيحيين (YMCA)، والمقاصد، وجهاد البناء، ومؤسّسة الحريري، وعددٍ وافرٍ من المنظّمات العائلية غير الحكومية كمؤسّسة الصفدي ومؤسّسة رينيه معوَّض، وروابطِ رجال الأعمال، والكشّافة، فضلاً عن منظّماتٍ غير حكومية تأسّستْ حديثًا وتقدِّم خدماتٍ أقلّ ولكنّها ذاتُ توجُّهاتٍ أكثرَ دَعَويّةً مثل: "جمعية التنمية للإنسان والبيئة" و"نحو المواطنية" و"أمام 5." و"المركز العالمي للّقاء والحوار الثقافي" و"مركز الديموقراطية المستدامة" و"مسار" ومؤسسة GIL وغيرها. على أنّ هَمَّ هذه المقالة ليس المنظّماتِ غيرَ الحكومية المستندة إلى العضوية "التقليدية،" كالروابطِ العائليةِ والكشّافةِ أو الجمعياتِ المهنية، بل الأنماطُ الأحدثُ التي تتلقّى الأموالَ من مصادرَ أجنبيةٍ أو حكوميةٍ ثم توزِّعها على شكل مشاريع تنمويةٍ تركّز على نوعٍ أحدث من العمل الدِّفاعي أو التأييدي (advocacy work) يُعنى بالمشاركة المدنية بوصفها صيغةً من صِيَغِ التنمية.

النظام السياسي اللبناني
من أجل موضعةِ هذه الأنماط الجديدة من المنظّمات ضمن النظام السياسي اللبناني، ولمناقشة تداعياتِ نشاطاتها، ستعدِّد هذه المقالةُ أولاً العواملَ الأساسيةَ التي تحدِّد الاقتصادَ السياسيَّ اللبناني. السمةُ التي تحظى بأكبر قدْرٍ من التعليق في الاقتصاد السياسي اللبناني هي مأْسسةُ الطوائف الدينية داخل إطار العمل السياسي، وذلك من خلال تعيين مناصبَ ومحاصصاتٍ سياسيةٍ للطوائف الأساسية. غير أنّ هذه الطوائفَ المسيَّسة، على ما أشار فوّاز طرابلسي،Fawwaz Traboulsi, A History of Modern Lebanon (London: Pluto Press, 2007) ينبغي أن تُعامَل بوصفها نتاجاتٍ تاريخيةً ذاتَ وظائفَ محدّدة، لا بوصفها مفهوماتٍ جوهرانيةً مطْلقة. ففي السياق اللبناني تَعْمل الطوائفُ كشبكاتٍ زبائنيةٍ، إلى حدٍّ ما، يُعَبَّر من خلالها عن التنافس بين ممثِّلي الطبقة الحاكمة على المنافع الاقتصادية ـ الاجتماعية. وتهيمن الأنساقُ غيرُ الرسمية من صناعة القرار، مثلُ اللقاءاتِ والاتفاقاتِ الخاصة (كما يَحْدث أحيانًا بين أعضاء "الترويْكا" الحاكمة، أيْ رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النوّاب)، على الأنساق الرسمية الدستورية، وتحديدًا مجلس الوزراء ومجلس النوّاب.
ولما كانت قدرةُ الحكومة على الخضوع لمحاسبة الناخبين لا تتحقّق بشكلٍ كامل في لبنان، فإنّ "النُّخَب" تُشَرِّع نفسَها من خلال توزيع منافع الدولة على "جماهيرها." وهذا، بدوره، يَطْغى على منطق صناعة القرار السياسي، الذي بات يُعنى أساسًا ـ من ثمّ ـ بتقسيم تلك المنافع. والحال أنّ النُّخبَ السياسية، التي تستمدّ قوتَها من قدرتها على خدمة ناخبيها، لا مصلحةَ حقيقيةً لها في تطبيق أيّة سياسةٍ تفيد المجتمعَ كلّه، سواءٌ تعلَّقتْ بالرعاية الصحيّة أو السياسة التربوية أو الأحكام المدنية العامّة مثل قوانين الأسرة والأحكام الشخصية. لكنّ الجديرَ ذكرُه أنّ النُّخَبَ السياسيةَ في لبنان تميل إلى أن تمتلكَ خطابًا علنيّاً غيرَ طائفيّ، فتَزْعم أنّها تعمل لخير كلِّ اللبنانيين؛ كما تقدِّم على مواقعها الإلكترونية توصياتٍ اجتماعيةً تطاول كلَّ اللبنانيين. ومع ذلك، فإنّ الزعماء الطائفيين حين يتحدّثون عن "الفقراء،" فإنّهم في الواقع يَقْصدون فقراءَ"هُمْ" فقط، أيْ فقراءَ الطائفة التي ينتمون إليها. أما الأحزابُ القليلةُ ذاتُ التاريخ العَلْماني العريق والإيديولوجيا العَلْمانية العريقة، كالحزب الشيوعي اللبناني أو الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهي أحزابٌ تَطْرح فعلاً خطابًا اجتماعيّاً يَشْمل كافةَ اللبنانيين، فقد اصطفّتْ أحيانًا، وعلنًا، خلف المعسكريْن اللذيْن يَقْسمان المجتمعَ السياسيَّ اللبنانيّ. وفي مثل هذا السياق الانقسامي، تَضْعف احتمالاتُ السِّجال اللاطائفي العامّ، ويُفسَحُ المجالُ أمام مزيدٍ من السياسات اليوميةِ القصيرةِ النظر.
سمةٌ أخرى من سمات البنية السياسية اللبنانية لا تقلّ أهميةً، هي بروزُ اللاعبين الأجانب، وتبعيةُ اللاعبين السياسيين المحلّيين لهم. فالحكومةُ، كما المعارضةُ، تلتمسان الدعمَ الخارجيَّ من أجل تقوية مواقعهما المحلّية. وهذا يؤدِّي إلى علاقةٍ متبادلةٍ من الاستخدام وإساءة الاستخدام (use and abuse)، وفيها تتلاعب القوى الأجنبيةُ باللاعبين المحلّيين، ويستدعي هؤلاء الدعمَ الأجنبيَّ لإسناد مطالبهم بزيادةِ نفوذِهم المحلّي.
على خلفيّة غياب السجالات حول السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المؤسّسات الرسمية، نَسْأل: هل اتّخذتْ تلك المنظماتُ المدنيةُ غيرُ الحكوميةتعريفُ الحكومة اللبنانية هو الذي سنَسْتخدمه لأغراض هذه المقالة. وهذا التعريف ينصّ على أنّ المنظمة غيرَ الحكومية هي مجموعةُ أفراد يصبّون معارفَهم ومواردَهم من أجل الخير العامّ من دون توخّي الربح الشخصي (غسان مخيبر، "الجمعيات في لبنان: دراسة قانونية،" بيروت: وزارة الشؤون الاجتماعية 2002). وتَخْضع المنظّماتُ اللبنانية غيرُ الحكومية لقانون 1909 العثماني الخاصّ بالجمعيات، الذي كُتِب كجزءٍ من إصلاحات ليبرالية ذات إلهامٍ فرنسي في إطار منح حقِّ تشكيل الجمعيات. ويعرِّف القانونُ الجمعياتِ بأنّها "مجموعةٌ مؤلّفةٌ من عدّة أفراد يوحِّدون معلوماتِهم وجهودَهم بشكلٍ دائم ولا يكون هدفُهم تقسيمَ الأرباح." راجعْ: Kareem Elbayar, "Ngo Laws in Selected Arab States," International Journal of Not-For-Profit Law 7, no. 4 (2005).
هذا القانون من حيث المبدأ ليبرالي جدّاً. وعليه فإنّ المنظّمات غير الحكومية لا يُطْلب منها أخذُ موافقة وزارة الداخلية قبل الإقدام على ممارسة أعمالها. ولكنْ على صعيد التطبيق، فإنّه من المعروف أنّ وزارة الداخلية تَرفض أخذَ العِلْم بخصوص منظّمات غير حكومية تعتبرها الوزارةُ "سياسية." وتبعًا لذلك، يُعتبر الإعلانُ الرسمي في الجريدة الرسمية عن تلقّي الأوراق المقدّمة من قِبل المنظمة غير الحكومية بمثابة ترخيص غير رسمي. أنظرْ:
LCPS, Civil Society & Governance in Lebanon: A Mapping of Civil Society & its Connection with Governance (Beirut: LCPS, 1999).
أيَّ نوعٍ من الأدوار الدفاعية أو التأييدية؟ وإذا كان الجوابُ نعم، فماذا تَسْتتبع أدوارُها تلك؟ وهل المنظّماتُ المذكورةُ مسلَّحةٌ بما يكفي لتخوضَ في مياه المجتمع المدني الكثيفة في لبنان، حيث تتلاقى الطبقةُ والطائفةُ والمصالحُ الدولية؟

المنظماتُ غيرُ الحكومية: نزعُ السياسة عن السياسة؟
في حقبةِ ما بعد التسعينيات من القرن العشرين، أَخذت المنظماتُ العربيةُ غيرُ الحكومية بالحلول محلَّ تنظيمات المقاومة والاتّحادات الشعبية الطلاّبية والعمّالية والمهنية التي سادت في الستينيات والسبعينيات. في تلك السنوات، انبثقتْ تشكيلاتٌ تنظيميةٌ اجتماعيةٌ من قلب الحركات الاجتماعية والسياسية، وكانت تُعرَّفُ بأنّها تقدّمية، إنْ لم تكن راديكاليةً بشكلٍ صريح. واليومَ، تَعْمل المنظّماتُ غيرُ الحكومية على تقديمِ خدماتٍ ثمينةٍ في مجالاتٍ متنوّعة: كحقوق الإنسان، وقضايا الشباب، والتنمية الريفية، والفنونِ، والثقافةِ، وحقوقِ النساء، والتربيةِ المدنية، والتربية البيئية. ولكنّ هذه المنظّمات، بحسب بعض المراقبين، راحت تجزِّئ وتفرِّق (بدلاً من أن توحِّد وتعزِّز) ما كان يُحتمل أن يكون حركاتٍ فعّالةً تَهْدف إلى التغيير الجوهري، سواءٌ على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي.Alan Greish, "The PLO and the Naksa: The Struggle for a Palestinian State," The MIT Journal of Middle East Studies (Spring 2008). Sari Hanafi and Linda Tabar, The Emergence of a Palestinian Globalized Elite: Donors, International Organizations and Local NGOs (Muwatin, The Palestinian Insitute for the Study of Democracy and Institute of Jerusalem Studies, 2005). Islah Jad, "The Ngo-Isation of Arab Womens Movements," IDS Bulletin 35, no. 4 (2004): 34-42 وكما لاحظت كاراپيشو،ـS. Carapico, "NGOs, INGOs, GO-NGOs and DO-NGOs: Making Sense of Non-Governmental Organisation," Middle East Report 30 (214): 12-15 (2000) فإنّ "التمويلَ الأجنبيّ يمكِّن المنظّماتِ غيرَ الحكومية من تعزيز اللَبْرلة من دون أن تُحْدِثَ اضطرابًا اجتماعيّاً،" مُشيرةً بذلك إلى أنّ التغيير الحقيقي لا يُمْكن أن يحصلَ من دون شكلٍ ما من أشكال الوعي السياسي والنشاطِ السياسي والاضطرابِ السياسي. وتبعًا لذلك، فقد باتت المنظّماتُ العَلْمانية غيرُ الحكومية لا تقتصر على تمثيل التجزئة والتفرقة في القواعد الشعبية العريضة فحسب، بل باتت تمثِّل أيضًا نزعَ المضمون السياسي (de-politicization) ونزعَ التعبئة (de-mobilisation) عن النشاط السياسي والاجتماعي في حقبةِ ما بعد الحرب الباردة وما بعد اتفاقيّات أوسلو والشرق الأوسط النيوليبرالي الجديد.
ثمة براهينُ وافرةٌ في حالتيْ فلسطين ومصر تبيِّن أنّ المنظّمات غيرِ الحكومية ـ بتأثيرٍ من معايير المانحين وأولويّاتهم ـ تحوّلتْ إلى منظماتٍ محترفةٍ أعادت تصميمَ مشاريعها لتُكْملَ الأجَنْدةَ الحديثةَ لما يسمّى "التنميةَ الدولية".جاد، مصدر مذكور. وراجع:
Maha Abdelrahman, Civil Society Exposed: The Politics of NGOs in Egypt (London: I.B. Tauris, 2004). Rima Hammami "NGOs: The Professionalizations of Politics," Race & Class 2 (37): 51-63 (1995)
وفي كثير من الحالات انتقلتْ تلك المنظّماتُ من البرامج المدعومة شعبيّاً إلى مجال "الدفاع أو التأييد،" أيْ إلى الكلام بالنيابة عن الجماهير وعن حاجاتها، بدلاً من تعبئة هذه الجماهير أو تمكينها لتكون قادرةً على الجَهْرِ برأيها والعملِ من تلقاء نفسها ــ وهذا عملٌ سياسيٌّ في جوهره. ويسمّي أسكوبار هذا الانتقالَ بـ "تمهين أو حَرْفنة]" التنمية، بحيث غدت ممكنةً "إزاحةُ كلّ المشاكل من الميدانيْن السياسي والثقافي وإعادةُ طرحهما في مجال العِلْم الذي يبدو وكأنّه أكثرُ حياديةً." وهنا ينبغي أن نَلْفت النظرَ إلى أنّ خطابَ "حرفنة" التنمية professionalisation of development أو نزعِ السياسة عنها، ظاهرةٌ يُسلَّط عليها الضوءُ بشكلٍ متزايدٍ في أدبيّات التنمية في أصقاعٍ أخرى من العالم، لا في العالم العربي وحده.ـArturo Escobar, Sonia S.E. Alavarez, The Making of Social Movements in Latin America: Identity, Strategy and Democracy (Boulder, Colorado: Westview Press, 1992). James Ferguson, The Anti-Politics Machine: Development, De-politicization, and Bureaucratic Power in Lesotho (Cambridge and New York: Cambridge University Press, 1990)

المنظمّات المدنية غير الحكومية في لبنان: هل تحافظ على الوضع القائم أمْ تتحدّاه؟
في ضوءِ هذا النقد الموجَز الموجَّهِ إلى المنظّمات غير الحكومية، كيف عمدتْ "المنظّماتُ المدنيةُ غيرُ الحكومية" (Civic NGOs)، التي تَعتبر الشبابَ من أهمّ فئات المنتفعين، إلى نزعِ السياسة عمّا هو سياسيٌّ في الصميم؟ تَعْمل المنظماتُ المذكورةُ على ترويج مشاركة المواطنين، ولاسيّما الشباب، في التربية المدنية. وهذه الأخيرة تَشْمل مفاهيمَ مثلَ القيم الديموقراطية، والمواطَنةِ الفاعلة، والأعمال التأييدية/الضغطيّة، وحلِّ الأزمات، والحوارِ عبر الطوائف، والصحافةِ الحرّة... وكلُّها مفاهيمُ سياسيةٌ جدّاً في العمق. غير أنّ التأثيرَ المتناقص للحركات العَلْمانية المحلّية في جذب الشباب العرب، مترافقًا مع حملةٍ خارجيةٍ وداخليةٍ لنزع السياسة عن الحركات الجذرية والأهليّة عبر تقديم الدعم التقنيّ والماديّ المُرْبِح في الأعوام الأخيرة، أدّيا إلى حَرْفنة تلك المنظّمات، وإلى تمييع ما هو في الأصل قضايا سياسيةٌ في الجوهر.لمعرفة كيفية صيرورة ما هو سياسيٌّ في جوهره "مُحَرْفَنًا" و"مُؤَنْجَزًا" من Ngo، أيْ مشكَّلاً بحسب استراتيجيات المنظّمات غير الحكومية]، راجع:
Rima Hemmami, opcit.
وبحسب تقريرٍ لمنظّمة اليونيسف يتناول آثارَ حرب إسرائيل على لبنان عامَ 2006، فقد شهدت الفترةُ التي أَعْقبت الحربَ أعدادًا أكبرَ من الشباب الذين غَدَوْا أكثر تسيُّسًا (more politicized)، من دون أن يصبحوا في الوقت نفسه بالضرورة أكثرَ وعيًا سياسيّاً يحيل التقريرُ على كيفية نزولِ الشباب إلى الشوارع وتوزُّعهم عى معسكريْ 8 آذار و14 آذار عقب حرب صيف 2006، بحيث صاروا أكثرَ تسيُّسًا من دون أن يكونوا قد صاروا بالضرورة أكثرَ وعيًا بالمفاهيمِ السياسيةِ ذاتِ الصلة. وبالمثل، يَشْرح كمال شيّا، وهو مديرُ "مسار" (منظّمة شبابية غير حكومية)، في مقابلةٍ أجريتُها معه، أنّ الشباب، على كونهم مشاركين مهمّين في صياغة المُطالبة بالانسحاب السوري من لبنان عام 2005، لم يستطيعوا تفسيرَ مفاهيمَ بالغةِ الرواج مثل "السيادة" و"الاستقلال." "more politically aware" يحيل التقريرُ على كيفية نزولِ الشباب إلى الشوارع وتوزُّعهم عى معسكريْ 8 آذار و14 آذار عقب حرب صيف 2006، بحيث صاروا أكثرَ تسيُّسًا من دون أن يكونوا قد صاروا بالضرورة أكثرَ وعيًا بالمفاهيمِ السياسيةِ ذاتِ الصلة. وبالمثل، يَشْرح كمال شيّا، وهو مديرُ "مسار" (منظّمة شبابية غير حكومية)، في مقابلةٍ أجريتُها معه، أنّ الشباب، على كونهم مشاركين مهمّين في صياغة المُطالبة بالانسحاب السوري من لبنان عام 2005، لم يستطيعوا تفسيرَ مفاهيمَ بالغةِ الرواج مثل "السيادة" و"الاستقلال."فزادوا وعَزّزوا من ثم التقسيماتِ الموجودةَ بين معسكرَي المعارضة والموالاة.UNICEF Draft Report, The Impact of the July 2006 War on Youth in Lebanon. Prepared by Rindala Abdel Baqi ونتيجةً لذلك يؤكّد التقريرُ أنّ "التوتّرات بين المجموعات الشبابية في فترةِ ما بعد الحرب بقيتْ عاليةً بحيث يُمْكن اعتبارُها ذاتَ طبيعةٍ انفجارية." والحقّ أنّ تقاريرَ مثلَ تقرير اليونيسف، فضلاً عن تقاريرَ أخرى ومؤتمراتٍ لا تُحصى ـ وجميعُها يؤكِّد الحاجةَ الملحّةَ إلى إشراك الشباب اللبناني، والعربيّ عامةً، في إصلاحاتٍ أكثر ديموقراطية، من خلال الاستثمار في مجال تربيتهم المدنية ـ هي ما يَشتغل عليه كثيرٌ من المانحين الدوليين. واللافتُ للانتباه أنّ هذا ترافَقَ مع زيادة تمويل "الحوار" مع العالم الإسلامي عقب حوادث 11 أيلول (سبتمبر).أنظرْ مثلاً المؤتمرَ الوزاري الأوروبي ـ المتوسطي المنعقد في 22 ـ 23/5/2006 في فالنسيا. وقد وافق الاتحادُ الأوروبي وشركاؤه الأوروبيون ـ المتوسطيون السبعةُ والعشرون على إنشاء مؤسّسةٍ أوروبية ـ متوسطية لترويج حوار الثقافات والحضارات ولعلّ ما يخصّ حالةَ لبنان بشكلٍ أكبر هو ما قدَّمتْه مديرةُ "مكتب المبادرات الانتقالية" في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) في لبنان لتفسير اهتمام الوكالة مؤخّرًا بهذا البلد. فقد قالت: "تؤيِّد حكومةُ الولايات المتحدة واقعَ أنّ هذه الفترة (وهي تعني ما بعد عدوان تموز 2006) كانت فترةً شديدةَ الحيوية في لبنان، وأنّ الأمور قد تتبدّل إيجابًا أو سلبًا. ثمة حاجةٌ إلى مساعدة المنظّمات اللبنانية على الحفاظ على الفضاء الديموقراطي هنا، إمّا عبر الدفع بالإصلاح قُدُمًا وإمّا عبر المحافظة على السِّلم المدني."
والحال أنّ المنظّمات غيرَ الحكومية ذاتَ التركيز الخاصّ على الشباب قد شهدت ازديادًا دراماتيكيّاً في أعدادها، عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري أولاً، وبعد حرب إسرائيل على لبنان عام 2006 ثانيًا. وفي مقابلةٍ أجريتُها لهذه الدراسة، أشار غسان مكارم، وهو ناشطٌ سياسيٌّ مستقلّ وعضوٌ في مجموعة Lebanon Support (دَعْم لبنان) للإغاثة، إلى أنّ ارتفاعَ اهتمام المانحين الدوليين بقضايا المشاركة المدنية، على ما تبيِّن وفرةُ المشروعات والمؤتمرات ووِرَشِ العملِ المعقودةِ لهذا الغرض، هو أحدُ الدلائل على ظاهرة الازدياد تلك، وإنْ كان لا يُمْكن حسابُها بالأرقام الآن بسبب الصعوبة المزمنة في الحصول على إحصائيّاتٍ تخصّ المنظّماتِ غيرَ الحكومية، وبسبب جِدّةِ الظاهرة نفسِها. وبحسب عاملِين مختلفِين في هذا الحقل، فإنّ "المواطنيةَ" و"الديموقراطيةَ" و"المحاسبةَ" و"الحوارَ" هي الكلماتُ المفاتيحُ في قوائم المانحين المرغوبة، وعلى جداولِ ما هم مستعدّون لتمويله. فالمانحون يحبّون أن يموّلوا اللبنانيين لكي يُقيموا حوارًا مخلصًا ومفتوحًا في ما بينهم، ولاسيّما في ضوء الانقسامات الأخيرة بين معسكريْ 8 آذار و14 آذار. ومع ذلك، فإنّ سليم معوَّض، وهو من "مركز الديموقراطية المستدامة،" يسأل: "كيف، ولماذا، يَرْغب مموِّلٌ في دفع 20 ألف دولار للحوار بين شبابِ معسكَرَي البلد، من دون وجودِ أحدِ المعسكريْن؟!"مقابلة مع المؤلِّفة. معوّض هنا يُشير إلى حظر إشراك شباب حزب اللّه إشراكًا مباشرًا في أيّ نشاطٍ من نشاطات المجتمع المدني المموَّلة والمصمَّمة من طرف حكوماتٍ أو منظّماتٍ غربيةٍ مانحة أو/ومن قِبل شركائها المحلّيين في لبنان. وتتعزّز هذه النقطةُ عند تأمُّل تفسير "مكتب المبادرات الانتقالية" في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، كما عبّرتْ عنه مديرتُه في لبنان: "نهتمّ بالعمل عَبْر الطوائف وعَبْر الإيديولوجيات السياسية... وثمة حظْرٌ واضحٌ جدّاً من قِبل الحكومة الأميركية على العمل مع حزب اللّه. إذنْ، نعمْ، نحن نَعْبر كلَّ الخطوط السياسية وكلَّ الخطوط الطائفية."مقابلة مع المؤلِّفة
وبدلاً من ممارسة "المواطنية" بمعالجة الاختلالات المتأصِّلة في السياسات العربية الحاكمة وبنى الأنظمة العربية التي تَمنع التطبيقَ الحقيقي للمواطنية ـ وهي تعود جزئيّاً إلى التدخّل العسكري الأميركي (والتدخّلاتِ الأخرى) في المنطقة وإلى استمرار احتلالِ فلسطين (الذي يؤثِّر تأثيرًا جوهريّاً في استقرار لبنان) وتهجيرِ سكّانها، وإلى الحرب على العراق ونهبِ موارده ـ فإنّ ما يَكْثر حضورُه هو النقاشاتُ وإصدارُ المنشورات التي تدور حول قضايا المواطنية!أنظر مثلاً سلسلة:"Annuel Summer School for Conflict Prevention & Transformation" (UNDP & The Lebanese Center for Policy Studies) or the "Youth Coalition for Advocacy & Reform in Lebanon" Partners for Democratic Charge & the LCPS).).
وأنظر أيضًا: "Citizen Lebanon" (وهو مشروعٌ مدعومٌ من "المعهد الوطني الديموقراطي" ويركّز على التربية المدنية والدعوى المدنية). وانظرْ كذلك سلسلةً من المنشورات التي تُصدرها "جمعيةُ التنمية للإنسان والبيئة" في صيدا لترويج المشاركة الشبابية الفعّالة في كلّ قطاعات المجتمع. اللافت أنّ معظمَ هذه المنشورات صَدرتْ بالإنكليزية أو العربية، أو بالإنكليزية وحدها، الأمرُ الذي يَدْفع إلى السؤال عن الحاجة إلى المنشورات بالإنكليزية!
إذنْ، بدلاً من تشكيل حركاتٍ من الناشطين على مستوى القاعدة الشعبية تتولّى معالجةَ هذه الأمور، فإنّ مفاهيمَ "حُكْم القانون" و"الحُكْم الصالح" و"تخفيف الفقر" و"الحوار" و"التنمية الثقافية" و"حقوق الإنسان" و"المجموعات المهمَّشة" و"العالمية في مقابل الخصوصية" هي ما يتمُّ تشجيعُ الشباب العرب الواعين سياسيّاً واجتماعيّاً على مناقشته.
وغالبًا ما تتمُّ هذه "المناقشاتُ" من خلال سلسلةٍ من وِرَشِ العمل، والمؤتمرات، والمنشورات، والمنتديات، وتدريبِ المدرِّبين، والسِّجالات، حيث يكون اللبنانيون، وأحيانًا (ويا لَلْمفارقة!) "الشباب" الفلسطينيون اللاجئون "الشبابُ" في لبنان، هم المشاركين الأساسيين، وحيث تكون الثقافةُ اللبنانيةُ و/أو العربيةُ، والثقافةُ السياسيةُ على وجه التخصيص، هي محطَّ الاستجوابِ الدقيق. والحال أنّ كلمات "المواطنية" في مقابل "الجنسية" و"الهوية" و"الوطنية" و"الوطن" و"الدولة،" وغيرِها، هي التي باتت مُرْتَكَز لغةٍ جديدةٍ كلّيّاً، صاغها المانحون الدوليون، ويتشدّق بها الأعضاءُ الشبابُ في المنظّمات الجديدة في لبنان. وتفسِّر مقابلةٌ أجريتُها مع "المعهد الوطني الديموقراطي" في بيروت (وطلَبَ منِّي مديرهُ بالذات ألاّ أَستخدمَ آلةً مسجِّلةً، وهو ما وَفَيْتُ به) تفسيرًا جزئيّاً منطقَ تلك "النقاشات" الجارية في الوِرَشِ والتدريباتِ والمؤتمراتِ المذكورة أعلاه. فثمة أولاً، كما تَشْرح ميرنا عطا اللّه من المعهد المذكورة، إيمانٌ سائدٌ بوجود فرصةٍ "لامتناهيةٍ" لممارسة الديموقراطية الحقيقية في لبنان منذ أن غادره السوريون ]عام 2005]. وتبعًا لذلك، على ما مضَت الآنسة عطا اللّه في الشرح، فإنّ المعهد يؤْمن إيمانًا قويّاً بتعليم الشباب "المهاراتِ" لكي يتابعوا الأمورَ مع نوّابهم وليُخْضعوهم للمحاسبة والمساءلة. وحين سألتُها كيف يُتابع الشبابُ الأمورَ مع نوّابهم الذين لا يكلِّفون أنفسَهم مجرّدَ المجيء إلى مجلس النوّاب، جاءني الردُّ على شكلِ نصيحةٍ بألاّ أكونَ قصيرةَ النظر: فذاتَ يومٍ، كما قالت، سيكون على النوّابِ ممارسةُ عملهم؛ وحينها سيطبِّق الشبابُ المهاراتِ التي تعلَّموها!
والحقّ أنّ هذه المفاهيمَ والأفكارَ المشارَ إليها أعلاه ليست المشكلةَ في ذاتها (بل الواقعُ أنّها متّصلةٌ بالحلّ). يَشْرح جيلبير ضومط من جمعية "نحوَ المواطنية" أنَّ "المواطنية والديموقراطية والمحاسبة أولويّاتٌ عليا للمنظّمات الشبابية اليوم، وتتلاقى في ذلك مع استراتيجيات المانحين الدوليين واهتماماتهم المركّزة بالنسبة إلى لبنان والشرق الأوسط." ومع ذلك، فإنّ المسألة في رأيي هي في كيفية تقديم هذه المفاهيم. ففي هذه الحقبة من "حَرْفنة" المنظّمات السياسية نفسِها و"حرفنةِ" التعبئة الجماهيرية نفسِها، فإنّ الأمور السياسيةَ الجوهرِ تُطْرَحُ وكأنّها موضوعاتٌ قائمةٌ في ذاتها، مستقلّةٌ عن قضايا العدالة الاجتماعية الأخرى. والحقّ أنّ الهمومَ الاجتماعية ـ الاقتصادية اللبنانية، على كونها شديدةَ الإلحاح، لا تَبْرز في تدريب المنظّمات المدنية غير الحكومية إلاّ لمامًا. وفي رأيي أنه ينبغي على المهارات (skills) أن تتجاوزَ تطبيقَ تلك المفاهيم تطبيقًا سطحيّاً يتجاهل طرحَ الأسئلة العميقة عن علاقتها بالبيئة المحليّة. كمال شيّا، رئيسُ إحدى المنظّمات الشبابية غير الحكومية، يَشْرح ذلك بنفسه قائلاً: "ما حكايةُ 'حلّ النزاعات' التي يَعْمل عليها الجميع؟ عمَّ نتحدَّث هنا؟ كأنَّ النزاعَ لم يَحْدث قطُّ في التاريخ! أحيانًا النزاعُ بشعٌ جدّاً، وهذا مؤكَّد؛ ولكنّه ليس بالضرورة خطأً... بل هو أحيانًا ما نريدُه فعلاً لكي نتقدّم!" ويمضي شيّا فيقول: "علينا أن نعودَ إلى الحُلم. في أيّامي السابقة كنّا نَحْلم... أما اليومَ، فلا يتعاملون إلاّ مع الأهداف (objectives). ينبغي أن تكون الأحلامُ أعلى من الأهداف..."مقابلة مع المؤلِّفة
ومع أنّ النموَّ الظاهرَ في أعداد هذه المنظّمات المدنية غير الحكومية الجديدة، التي يقودها شبابٌ أو تتركّز على قضايا الشباب، هو نتيجةٌ (نوعًا ما) لغيابِ خطابٍ عَلْمانيّ ونقاباتٍ فاعلة، فإنّ تلك المنظّمات ليست ولا يمكن أن تكون بديلاً، لأنّها تتهرّب ـ بشكلٍ متزايدٍ ـ من التعاطي المباشر مع الشؤون التي تهمُّ حياةَ اللبنانيين اليومية. وليست حوادثُ القتل التي حَصَلتْ في ضاحية بيروت (الشيّاح) في 27/1/2008، حين اصطدم بالجيش اللبناني شبّانٌ يحتجّون على قطع التيّار الكهربائي وعلى أمورٍ مُقْلقةٍ أخرى، إلاّ مثالاً على لزوم الدَّفْع قُدُمًا بخطابٍ يتناول بشكلٍ مباشرٍ الأسبابَ والحلولَ المتعلّقةَ بما يسمّى "الحاجةَ إلى الإصلاح العربي" ـ وهي حاجةٌ لا ينفكُّ "سماسرةُ الديموقراطية" الدوليون وشركاؤهم في المنطقة يسلِّطون الضوءَ عليها. إنَّ الوضعَ الاقتصاديّ المتدهورَ في لبنان ـ وتحديدًا البطالة، والأجور الراكدة، المترافقة مع غلاءِ أسعار الموادّ الضرورية كالمحروقاتِ والخبزِ وأقساطِ المدارس وأجورِ الطبابة، ومع انقطاعات التيّار المتكرِّرة، وإلغاءِ الدّفعةِ الثانيةِ من التعويضات الحكومية لمن هَدَمتْ إسرائيلُ بيوتَهم صيفَ 2006 ـ يبدو همّاً أكثرَ إلحاحًا في ضوء اللامساواة الاقتصادية المتفاقمة والفساد المستشري. ويحتاج الوضعُ الاقتصاديُّ، من ثمّ، إلى محاسبة البنية السياسية اللبنانية على نحوٍ أعمقَ ممّا يقدِّمه الخطابُ الحاليُّ للمنظّمات المدنية غيرِ الحكومية، وهو خطابٌ يركِّز على الأعراض بدلاً من الأسباب.لقراءاتٍ أكثر تفصيلاً أنظر: Shukr, in Ben Neffissa et al (ed), NGOs and Governance in the Arab World (Cairo: AUS Press, 2005), p. 123 28 حول أدوار المنظّمات الإسلامية غير الحكومية في تعزيز التراتبيات. وأنظر Nicola Pratt، في المصدر نفسه، حول كيفية إعادة المنظّمات غير الحكومية ـ في ممارساتها الخطابية ـ إنتاجَ البنى السلطوية للدولة، في الوقت الذي تواجه فيه هيمنةَ الدولة.

خاتمة: بين الداخل والخارج
تفسِّر كلماتُ ناشطٍ مدنيّ شابّ، يَعْتبر نفسَه شيوعيّاً سابقًا، وطَلَبَ ألا يُذْكَرَ اسمُه في هذه المقالة، مأزقَ المنظّمات المدنية غير الحكومية: "لقد أَجْبَرَنا الوضعُ الاقتصاديُّ الرهيبُ في البلد على تحويلِ أنفسنا من حالمين بالتغيير إلى موظَّفين للتغيير... إنّنا نَعْمل اليومَ في هذه المنظَّمات غيرِ الحكومية. إنّها وظيفتُنا. وهي تَدْفع لنا معاشاتٍ جيدةً نسبيّاً، ولكنّها ـ في الوقت نفسه ـ تَمْنحنا هامشًا واسعًا للحركة من داخلها... لقد تغيّرتِ الدنيا، وعلينا أن نتغيَّرَ معها."
على أنّ هناك ناشطين في لبنان اختاروا أن يَعْملوا خارج إطار المنظَّمات غير الحكومية المُنشأة. فشكّلوا أُطُرًا جديدةً، منها: "حملةُ المقاومة المدنية،" و"التجمُّعُ اليساري من أجل التغيير،" و"الحملةُ الشعبيةُ للتضامن مع الشعب الفلسطيني،" و"لجنةُ العمل على إعادة إعمار مخيَّم نهر البارد،" و"حملةُ مقاطعة داعمي إسرائيل." ويهتمُّ أعضاءُ مثل هذه المجموعات بمعالجة المشاكل الإنسانية وغيرِ ذلك من المشاكلِ الناجمةِ عن الحروب الأخيرة وعن انتهاكات حقوق الإنسان، عبر تجاوز هياكل القوّة والهيمنات الموجودة التي يَعْتبرون أنّ المنظّمات غيرَ الحكومية جزءٌ لا يتجزّأ منها. هذه المبادراتُ، على صِغَرِها وتشرذُمِها، يُمْكن عَدُّها نوعًا من "ميكانيزمات التعاطي" (coping mechanism) مع المساحات السياسية المحدودة جدّاً أمام الناشطين للعمل. يقول عبد الرحمن زُعْزُع، وهو عضوٌ مؤسِّسٌ في "حملة المقاومة المدنية،" إنّ مثلَ هذه المجموعات تبتعد عن الهياكل التراتبية التي تتطلّب الكثيرَ من المال، والتي غالبًا ما ترتبط بسياقات المعونات الدولية. ويقول إنّها (أي المجموعات) تُؤْثر أن تبقى شبكاتِ عملٍ ناشطةً غيرَ رسميةٍ خشيةَ أن يتمّ استيعابُها واحتواؤها، ولو أدّى ذلك إلى أن يكون على حساب استمرارها على قيد الحياة. اللافتُ أنّ هذه المجموعات غير الرسمية هي التي تقدِّم بصيصَ أملٍ ضئيلاً في هذا الوضعِ الكئيبِ. ويَعتقد كثيرٌ من العاملين في هذه المجموعات أنّهم في صدد التحضير لعملٍ على مستوى القاعدة، يمثِّل تغييرًا في الوعي السياسي، يكون لازمًا لإعادة صياغةٍ في المعادلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يبدو أنّ على لبنان أن يُنْجِزَها في خاتمة المطاف.

بيروت

* ـ طالبة دكتوراه في السياسة والدراسات الدولية في جامعة لندن (كلية الدراسات الشرقية والأفريقية) حيث تبحث في موضوع المعنويات والإنتاج الثقافي في العالم العربي (مع التركيز على لبنان). كما أَجرت أبحاثًا عن مشروعاتٍ تتعلّق بالتنمية الشبابية وغيرِها من أشكال التنميد في الأردن ولبنان وفلسطين. والمؤلّفة تودّ أن تشكر Karen Seyfert لإسهامها ودعمها.

التعليقات

more politically aware

مقالة جيدة مليئة بالمعلومات ولا شك في الجهد المبذول. ولكن رغم ذلك سأعلق على بعض الصياغات:
لا بأس بكتابة بعض المصطلحات الأجنبية لشرح المقصد من وراء بعض الألفاظ ولكن يجب ألا نغالي في ذلك فنضعها بعد مصطلحات معروفة مثلا

- تقولين "غَدَوْا أكثر تسيُّسًا (more politicized)" التسيس مصطلح متداول منذ منتصف القرن الماضي ولا داعي لشرحه كذلك الأمر بالنسبة لـ أكثرَ وعيًا سياسيّاً 12 "more politically aware"....
- مهارات (skills) لقد ورد ذكر كلمة مهارات عدة مرات في المقالة قبل ذلك ثم تشرحين هذه الكلمة المفهومة.
- "ميكانيزمات التعاطي" (coping mechanism) برأيي ترجمة "آليات التأقلم" أفضل.

على كل أنتظر مقالاتك القادمة

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.