الافتتاحية: "احترامُ" النساء... وزيْتُ الرجال
هل تَعْلمون أنّ نظامَنا اللبنانيّ بالغُ التقدّمية حيال... النساء؟
إذن اسمعوا هذه القصّة. طلبتْ منِّي ابنتي سارية أن أستحصلَ لها على طلب إعفاء من الخضوع لامتحاناتٍ رسميةٍ معيّنة بسبب حصولها على جنسيّةٍ أخرى. غادرتُ المنزلَ من طيز الصُّبح باتجاه مبنى الأونَسكو. وبعد دقائق اهتديتُ إلى مكتب السيّدة جهينة (اسمُها على الحائط المجاور يُكْتب هكذا: جوهَيْنة!)، فهالني صفّانِ ينتظران في الممرّ أمامَه. أحدُ الصّفّين طويلٌ (12 شخصًا)، والآخرُ قصيرٌ (ثلاثة أشخاص). بكلّ براءةٍ سألتُ فتاةً في الصفّ القصير إنْ كان الصفّان ينتظران جوووهيْنة. نعم، أجابت الفتاة. فوقفتُ خلفَها، وكان أمامها فتاتان فقط، مستغربًا حماقةَ الصفّ الأوّل الذي لم يتوقّفْ عن الامتداد حتى انعطَفَ بعد قليل إلى الممرّ المجاور. تذكّرتُ نصيحةَ أمّي: "دائمًا اسألْ، يا ابني، قبل أن تقفَ في الصفّ." لكنّ فرحتي بنصيحة أمّي لم تَدُمْ: فما هي إلاّ دقائق حتى تقدَّم منِّي رجلٌ في الستّين طالبًا إليَّ أن أقفَ في الصفّ الثاني. عندها فقط، اكتشفتُ أنَّني أقفُ في صفّ النِّساء (أُسمِّيه صفًّا على سبيل التجاوز: فإذا كانت ثلاثُ نساءٍ ورجلٌ ـ هو العبدُ الفقير ـ صفّاً، فماذا نسمِّي عشرين رجلاً مصطفّين بعضهم وراء بعض؟ رَتْلاً؟ طابورًا؟). شَتمتُ الرَّجُلَ الستّينيَّ في سرِّي، وانتقلتُ من صفّ النساء إلى طابور الرجال. المفاجأة اللعينة هي أنّ نظامَ الأشياء (بالإذن من فُوكو) قضَى بأن يَدْخل مكتبَ جوهينة رجلٌ، فامرأةٌ، فرجلٌ، فامرأةٌ... وهكذا. الألعنُ (والأفكُّ رقبةً) هو أنَّني بعد انتظار ساعتيْن، زادَ صفُّ النِّساءِ ستَّ فتيات (في حين زاد صفّي أكثرَ من عشرين آخرين وقفوا ورائي). وهذا يعني أنَّ الفتاة التي جاءت للتوّ (أي الساعة الحادية عشرة) ستَدْخل قبلي بوقتٍ طويلٍ، مع أنَّني جئتُ قبلها بساعتيْن أو أكثر! فكَّرتُ في الاحتجاج، وفكَّرتُ في الانسحابِ والعودةِ في يومٍ آخر، قبل طيز الصبح، ثمّ قرّرتُ أنْ لا شيءَ يأتي قبلَ هذا الأخير (أو هذه الأخيرة). ثم ضحكتُ في عبِّي حين رأيتُ شابًّا مغرورًا جاء منذ دقيقة ووقف في آخرِ الطابور. فلينتظرْ إلى الغد، قلتُ في نفسي. بيستاهل!
الحاصل أنَّني دخلتُ مكتب جووهينة، وأنهيتُ معاملتي خلال عشر دقائق لا غير (كنتُ قد جئتُ إلى المبنى ثلاثَ مرات من قبل لأخذ المعلومات). بَشَّرَتْني جوهينة (وعندَ جُهَينةَ الخَبَرُ اليقينُ!) بأنّ كلّ ما عليَّ فعلُه الآن هو أن أسجِّلَ المعاملةَ في مكتبٍ آخر، عند "اللَّفْتة." ذهبتُ إلى المكتب عند اللَّفْتة، فراعني أنْ وَجَدْتُ صفًّا (نسائيًّا)، وطابورًا (رجاليًّا) ألعنَ (وأفكَّ رقبةً) من الأوّل. وقفتُ كالأهبل، عرقانًا وذليلاً. كنتُ رقم 22 من بين رجال الطابور الجديد، في حين لم يتجاوزْ صفُّ النساء الجديدُ خمسًا. صارت الساعة قرابةَ الثانية عشرة ظهرًا. رجلايَ لم تعودا تقويان على حملي، وقميصي التصق بلحمي. فجأةً انبثقتْ فتاةٌ، من لامكانٍ، فدخلتْ مكتبَ اللفتة بعد دقائق. غضِبتُ وصِحتُ بموظَّف الأمن، المسؤولِ عن النظام، قائلاً إنَّ ما يَحْدث ليس عدلاً. ردّ بغضب: "وهل تَقْبل أن تقفَ أختُكَ في صفِّ الرجال؟". "وما العيب في ذلك؟" سألتُه بدوري. أدار لي موظَّفُ الأمن ظهرَه وقال إنَّه لا يَقْبل لأُختِه هذه المهانة. سألتُه عن أيّة مهانةٍ يتحدَّث؟ وذكَّرتُه بأنَّ الدستور اللبناني لا ينصُّ على التمييز بين الرجال والنساء في صفوفٍ أو طوابيرَ أو أرتال. تدخَّل رجلٌ ملتحٍ فنَهَرني غاضبًا، قائلاً إنَّ الاختلاطَ بين الذكور والإناث لا يجوز شرعًا. جاوبتُه، بكلِّ العرقِ والغيظ اللذيْن تملَّكاني، بأنَّنا لم نَصِرْ "دولةً إسلاميةً" بعدُ؛ وإلى أن نصيرَ كذلك، فإنّ التمييز مخالفٌ للقانون. انبرى رجلُ الأمن من جديد، وأمرني بألا أتدخَّلَ في شؤونه لأنَّه ينفِّذ النظام. جاوبتُه بأنَّ "أخلاقَه" شيء، والنظامَ شيءٌ آخر. في هذه اللحظة جاء رجلُ دين، من لامكانٍ هو الآخر، فتجاوَزَ طابورَنا وسَلَّم على راعي النظام... ودَخل المكتبَ فورًا! بدأتُ بالغليان (صرتُ آكُلُ نفسي كما يقول المصريّون). صِحْتُ بأنّ التمييزَ الآن انتقلَ إلى طابور الرجال: فقبلي لن تَدْخل النساءُ وحدهنّ، بل رجالُ الدين أيضًا، ومن المؤكَّد أنَّ السياسيين إنْ جاؤوا فسيَدْخلون قبلي هم كذلك لأنَّهم الأشدُّ حفاظًا على "النظام" اللبناني. غير أنَّني رغبتُ في أن أحْصرَ هجومي في مسألة النساء. قلتُ لرجل النظام إنَّني مع المساواة طبعًا، لكنْ أن يصبحَ "احترامُ" النساء كنساء سببًا لإساءة معاملة الرجال كرجال، فهذا ما لن أستطيعَ هضمَه. وزِدْتُ أنّ "احترامَ" النساء بهذا الشكل إهانةٌ فظيعةٌ لهنّ: إنَّه الوجهُ الآخرُ للتحكّم بهنّ، وقَذْفِهنّ إلى خانةِ البضائع الهشّةِ السريعةِ العطب. وقلتُ لرجل النظام إنَّه لو كان حريصًا على النساء (وكدتُ أقول "...وعلى مؤخّراتهنّ تحديدًا")، لكان أعطى الجميعِ رقمًا، بحيث يَدْخل الجميعُ ـ نساءً ورجالاً ـ بحسب أرقامهم من دون أن يُضطرّوا بالضرورة إلى الانتظار في صفٍّ أو طابورٍ "يَخْدش الحياءَ"!
أثناء عراكي مع رَجُلِ النظام حَصَلَ أمرانِ لم أكن أتوقّعُهما. الأوّل هو أنَّ الرجل ورائي بدأ في تأييدي... ولكنَّه انتهى إلى عكسِ ما كنتُ أطالِب به!. فهو انطلقَ من رفضِ التمييز مثلي، إلا أنَّه راح بعد قليلٍ يتفوَّه بعباراتٍ تدلّ على احتقاره للنساء. فقد قال مثلاً إنَّه، في المرّة القادمة، سيرتدي تنّورةً! وشَخَر: "واللَّه العظيم، صارت التنانير تحْكم البلد. اِخسْ على هالآخرة!". استدرتُ نحوه متأهِّبًا لعراكٍ جديد. بدأتُ أشعرُ بأنَّني واقفٌ بين ناريْن: نارِ رَجُلِ النظام أمامي يكاد يَفْتكُ بي بحجّة "الأخلاق،" ونارِ رَجُلِ المجتمع من ورائي يكاد ينقلب عليّ بحجّة "العدالة." ولوهلةٍ، أحسستُ بأنَّ الرجلين لا يختلفان كثيرًا، وأنَّهما ذاتَ يومٍ قد يتحالفان: فالأول لا يريد المساواةَ بذريعة "احترامِ" المرأة، والثاني يدّعي المساواةَ لكنَّه يُضْمر للمرأة الضغينةَ والدونيّة.
أما الأمر الثاني فهو اللاتطوُّرُ في صفّ النساء. فلقد ظننتُ (ويا لَسَذاجتي!) أنهنّ (أو أنَّ بعضَهنّ على الأقلّ) سيُدافِعن عنِّي لأنَّني أدافعُ عن المساواة بمفهومٍ خِلْتُهُ أكثرَ صدقًا: المساواة تحت ظلّ العدالة، لا "المساواة" كما يَفْهمها المتفضِّلون الذكوريّون. لكنَّهنّ لُذْنَ بالصمت، بل أَشَحْنَ بوجوهِهِنَّ عنِّي. بدا لي كما لو كنّ يستمتعنّ بالفتات الذي قَذَفه إليهنّ النظامُ البطريركي، أو كنّ يَسْتغلِلْنَ "قدسيّتَهنّ" في عيون ذلك النظام لينتزعْنَ حقوقًا سريعةً... ولو على حساب المساواة الحقيقية. لا، لم تكن إلاّ واحدةٌ منهنّ ترتدي الزيَّ الدينيّ. الباقيات كنّ يرتدين آخرَ الصرعات، وإحداهنّ وَضَعَتْ قرطًا لطيفًا في أنفها، وأُخرى وشَمَتْ بطنَها بصورةٍ لم أتبيّنْها (لعلّها تنّينٌ أو حيّة). شعرتُ بأنَّ عليّ أن أصرخَ في وجوههنّ: "أيَّتها الانتهازيات، أمسروراتٌ أنتنّ بمكاسبكنّ السخيفة؟" ولكنَّني لم أفعلْ وقتَها، وها إنِّي أفعل الآن. وفكّرتُ: سأقول لصديقتي التي تَعْمل من أجل "الكوطا" النسائية أن تنتبهَ جيِّدًا؛ فبعضُ النساء لسن أكثرَ من زيتٍ لتسهيلِ ماكينةِ الرجال. والدليل؟ أنظري يا صديقتي إلى صفّ تلك النسوة... أو إلى نائباتنا العظيماتِ في برلماننا المحترم!
بيروت
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| editorial_10-11_2008.pdf | 83.15 ك.بايت |










التعليقات
"احترامُ" النساء... وزيْتُ الرجال
Marhaba
Un bel article qui mérite être lu et rélu à chaque qu'on a le besoin de dire aux femmes istaykzna
leila
علِّق