أسعد أبو خليل*
... والحديثُ عن المذكّرات يجب أن يتطرّق إلى مذكّرات عبد الرحمن بدوي في جزءيْها. هذا الفذّ الموسوعيّ، ماذا تقول عنه؟ أتقول إنه في السياسة رجعيٌّ مع ميلٍ إلى الفاشية؟ أتقول ذلك وتكتفي؟ لا، بل يستحقّ أكثرَ من ذلك. ذلك أنّ تأثيره في الثقافة العربية أكبرُ ممّا يُدرك البعض، وإنْ كنّا نعيش في عصرٍ يسيطر فيه الوليدُ بن طلال على الثقافة: عصرٍ أهدى فيه محمد عابد الجابري (الذي كتب مذكّراتٍ لا تُقرأ لأنه لا يَسْبر غورَ نفسه كما يقتضي هذا النوعُ من الكتابة) الأميرَ طلال بنَ عبد العزيز آخرَ كتبه!
كتب بدوي أولَ مؤلَّفٍ عن الوجودية في العالم العربي، وجعل من الوجودية موضةًً فكريّةً في مصر ما قبل الثورة. ثم إنه نبش في التراث، فانتقى منه ما يَخدش التقليديَّ والسائدَ، مسْديًا لنا بذلك خدماتٍ جلّى. لم يصدّقْ يومًا أنّ مَن تمنطقَ فقد تزندق... وإنْ تزندق فعلاً. آمن بالعقلانيّة وإنْ شطح (لكنّ شطحه لم يكن صوفيّاً). عَرّف القرّاءَ العربَ إلى ما لم يدركوه عن تراثهم: فقد نَشر في الإلحاد، وفي الصوفيّة، وفي التراث العقلاني، وفي غير ذلك، قبل عقودٍ من كتاب حسين مروّة المهمّ، النزعات المادّية في الفلسفة العربية الإسلامية.
كما أنّ بدوي ترجم الكثيرَ: عن اليونانية، والألمانية، والفرنسية، والإنكليزية. غير أنّّ ترجماته (وخصوصًا عن الألمانية) لم تكن دقيقة. فلقد علّم نفسَه عددًا من اللغات وزها بذلك زهوًا كبيرًا، إلاّ أنّ التعلّم الذاتي للغات يبقى ناقصًا ولا يؤهّل صاحبَهَ للترجمة أبدًا؛ ثم إنّ اللفظ (قبل عصر الكمبيوتر والتسجيلات) يبقى غائبًا. ومثالُ ترجمة سليمان البستاني لـ إلياذة هوميروس بالغُ الدلالة: فقد أصرّ البستاني على تعليم نفسه اليونانيةَ، فترجم الإلياذة قاموسيّاً، كلمةًً كلمةًً، فكانت النتيجة كتابًا شعريّاً جديدًا، لا ترجمةً للملحمة (وهي، بالمناسبة، غيرُ ملحمة يحيى جابر في رثاء رفيق الحريري، وفيها بزَّ هوميروس طبعًا).
كان بدوي ينجذب إلى نظريات خرافية ومؤامراتية، بالرغم من عبقريته: فمثلاً روى لي الراحل محسن مهدي أنه كان في زيارة إلى باريس في الثمانينيات، والتقى بدوي هناك، فلاحظ أنه طرِِبٌ وجذلٌ على غير عادته، فسأله عن السبب. "وجدتُها، وجدتُها،" ردّ بدوي، مضيفًا أنه عثر على "دليل" على أنّ جمال عبد الناصر كان يهوديّاً، وأنّ ذلك هو ما يفسِّر أسبابَ الهزائم العربية (هناك في المعارضة السعودية، بالمناسبة، مَن يعزو طامةََ آل سعود إلى أصلٍ يهوديّ مزعومٍ للعائلة، فتأمّلوا).
نشر بدوي مذكّراته في جزءين قبل سنواتٍ فقط، أيْ قبل وفاته بسنواتٍ قليلة. المذكّرات أخّاذةٌ وجذّابةٌ، من دون أن يدري هو نفسُه ذلك ربّما، وإنْ شابها تطويلٌ في وصف المدن والبلدان. وهي تعبّر عن شخصيّة فذة وغريبة الأطوار. فهو مثلاًً يتحدّث عن لقاءاته الغرامية في أوروبا. تقرأ ذلك وتضحك: تتصوّر بدوي، بشخصيّته القاسية والغارقة في الإكاديمية، في لقاءٍ غراميٍّ يقصّ على المحظوظة تاريخَ الفلسفة اليونانية أو الشعر الصوفي!
كان بدوي، في مذكّراته، صريحًا ونزقًا وعصبيّاً وغاضبًا ومنتقمًا وصارخًا ورجعيّاً. أيْ إنه كان كما هو في الحقيقة، من دون تجميل. لم يرحمْ أحدًا؛ وهذا أمرٌ حسنٌ لأنّ الصراحة نادرةٌ في المذكّرات العربيّة أو في غيرها أيضًا (تقرأ مذكّرات كريم مروّة، على سبيل المثال، فلا تصدّق الكثير؛ وهو يريد أن يقْنعكَ بأنه كان صديقًا للكلّ من دون استثناء، في اليمين الفاشي اللبناني وفي الوسط الشيوعي العربي).
نعم، كان بدوي في مذكّراته قاسيًا صارمًا في أحكامه، وإنْ كان بعضُها صائبًا وثاقبًا مثل حُكْمه في بيار الجميّل. وهناك نقمةٌ باديةٌ فيها. غير أننا لا نستطيع أن نلومَه: فالحياة الجامعية في العالم العربي تشكو من سطوةٍ مخابراتيةٍ وحكوميةٍ قاتلة (وإيّاك أن تظنّ أنّ الجامعات الخاصة أفضل حالاً: فالجامعة الأميركيّة في بيروت، مثلاً، تُدار كأيّ مكتبٍ حكوميّ في عهد الاستعمار، و"الرجل الأبيض" الأميركي هو الذي يقرّر بالرغم من مرور سنوات على استقلال لبنان الرسمي أو المزعوم). فكيف لا تعبِِّّر مذكّراتُ بدوي عن مرارةٍ حيال ما لاقاه من صعوباتٍ ومؤامراتٍ جامعية لم تتوقّّفْ بالرغم من تدريسه في عدد من الجامعات العربية؟! في هذه الجامعات عليكَ ان تقبلَ بأن يكون رئيسُك أقلَّ كفاءةً وذلك لأنه (والرؤساءُ غالبًا ذكور) على علاقةٍ خاصةٍ بدوائر القرار البوليسي والعسكري والاستخباراتي، وفيها يتحوّل المدرِّسُ إلى مُخْبر وكاتبِ تقارير.
الحكْم الإيديولوجي الصارم على بدوي مجْحف. فللرّجل ما له، وعليه ما عليه، ولكنْ يبقى أنه فَتحَ آفاقًا وعرّف جمهورًا واسعًا إلى بعض المدفون في التراث العربي. ولو كان الأمرُ بيد المؤسّسة الدينية في بلادنا، لما قرأنا ـ أو لما فُرضَ علينا ـ إلاّ الغزالي وابن تيميّة (والأخير رجعيّ ولكنه فذٌّ من الطراز الأول ويصْلح لكتابة البيان السياسي). صحيح أنه تعلّم على يد مستشرقين، وتقلّب بين تأييد الاستشراق والتنديد به، ولم يبلورْ نقدًا منهجيّاً له على ما فعل عبداللطيف طيباوي، إلا أنه غاير المستشرقين في تقييم الفلسفة العربية ـ الإسلامية. ففي حين يكرّر الاستشراقُ المعادي للعرب والمسلمين أنّ الفلسفة المذكورة لم تأتِ بجديد، وأنها نَقلتْ واقتبستْ من اليونان فحسب (وهذه مقولةٌ تكرّرتْ على يد بعض دارسي لبنان من خرّيجي الاستشراق، مثل شارل مالك وماجد فخري)، أثبت محسن مهدي وشارل بتروث وغيرُهما أنّ هناك جدّةً في الإسهامات العربيّة ـ الإسلامية في حقل الفلسفة، وبات هذا الحكْمُ هو السائد اليوم في حقل الدراسات الفلسفية الغربية. وليو شتراوس (الذي ألمّ بالعربية كما روى لي زميلُه في جامعة شيكاغو ليونارد بايندر) كان معجبًا جدّاً بالفارابي وأصرّ على إدراجه في كتابه عن تاريخ الفلسفة السياسية لأنه تأثّر بإعجاب ابن ميمون به (سمّاه المعلّم الثاني). واليسار مخطئ في هذا المجال: فالدوغمائية الجدانوفية (المانويّة في تقسيمها الصارم) حكّمت التقييمَ اليساري للتاريخ والتراث؛ وهذه السمة أثّرت مثلاً في الكتاب المهمّ لحسين مروّة عن النزعات المادية (وإنْ كان هذا الكتاب أكثر جديةً وجدّةً ورحابةً من ذلك الكتاب السهل والتبسيطي في تبنّيه للابتذال الاستشراقي، عنيتُ كتابَ أدونيس: الثابت والمتحوّل). والنتاج الفكري الغني لا يستقيم من دون إتاحة المجال أمام تصارع وتعارض بين التيارات والنزعات. وكان أقطاب اليسار في القرن التاسع عشر يرحّبون (ويرحّبن) بالمنازعات الفكريّة، كما فعل أيضًا فرح أنطون مع محمد عبده.
كان بإمكان عبد الرحمن بدوي في عالمٍ عربيّ مختلف أن يدير مركزًا للدراسات الفلسفية في واحدةٍ من الجامعات العربية. وكان بإمكان مذكّراته أن تكون أقلَّ مرارةً لو لم يتعرّضْ لما تعرّض له من إهمالٍ وإجحافٍ وإهانة، ولو لم يعشْ ليرى التكريمَ الرسمي والشعبي لزائرٍ مستشرقٍ لمجرّد أنه "الرجل الأبيض،" ولو لم تَحْكم مخابراتُ العالم العربي جامعاته. هذا الواقعُ المريرُ يفسّر مرارةَ بدوي وغضبَه، ويستدعي مرارةً وغضبًا إضافيين.
أقول ذلك بالرغم مع اختلافي العميق مع سياسة بدوي وشخصيته. وللحديث صلة.
كاليفورنيا
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا ـ ستانسلوس.