المثقّف والحقيقة على ضوء الجحيم: حوارات في مصر
أجراها وقدّمها: أحمد الخميسي، مراسلُ الآداب في القاهرة
بلور المصريّون موقفَهم ممّا يحدث في غزّة بعشرات المظاهرات التي اخترقت الشوارعَ في القاهرة وكافّة المحافظات، بالرغم من التصدّي البوليسيّ البشع بكلّ أدوات القمع: من العصيّ، وسيّارات جنود الأمن، والسجون... وقد طالب المتظاهرون بوقف كلّ أشكال التطبيع الاقتصاديّ والسياسيّ مع إسرائيل، وطردِ السفيريْن الإسرائيليين من القاهرة وعمّان، ووقفِ تصدير الغاز إلى إسرائيل، وسحبِ مبادرة السلام العربيّة التي تكرِّس الاعترافَ بالعدوّ الصهيونيّ وتتنازل عن حقوق الشعب الفلسطينيّ كاملةً، وفتحِ معبر رفح بصورةٍ دائمة، وتقديمِ الدعم بكلّ أشكاله للمقاومة في غزّة، وتوفير التأييد السياسيّ للشعب الفلسطينيّ قبل كلّ شيء، أيْ تأييد حقّه المشروع في مقاومة الاحتلال وتحرير وطنه. وبلورت النخبُ المصريّة المطالبَ ذاتَها في اجتماعاتٍ حاشدةٍ داخل نقاباتها وهيئاتها المختلفة. وقد جاء موقفُ المصريين ردّاً على تخاذل النظام المصريّ، وتواطئه، وتكريسه للاحتلال الإسرائيليّ، وذلك حين اعترف بأنّ معبرَ رفح المصريّ يقع تحت سلطة الاحتلال، وبأنّ للاحتلال وحده حقَّ التصرّف فيه، بكلّ ما يعنيه ذلك من اعترافٍ بحقوق الاحتلال لا بحقّ المقاومة! أمّا وزيرُ خارجيّتنا أحمد أبو الغيط فقد صرّح بأنه "حذّر من الأخطار، فلم يستمعْ إليه أحد، ولا يلومنّ أحدٌ إلاّ نفسَه"! وبذلك قلّص أبو الغيط دورَ مصر إلى حدود "زرقاء اليمامة" التي يقتصر عملُها على رؤية المخاطر بعيدًا والتحذير منها، وكأنّ الفلسطينيين مصابون بعمى ألوان: فهم لا يروْن المخاطر، ولا يلزمهم سوى مَن يحذّرهم منها! ولذلك لم يكن مستغرَبًا أن يصرِّح قادةُ إسرائيل بأنّ تصفيةَ حماس (أيْ تصفيةَ المقاومة) مصلحةٌ عربيّة: ذلك لأنّ المقاومة تُحْرج الأنظمةَ العربيّة، وتعمّق الفجوةَ بينها وبين الجماهير، بقدْر ما تعرقل المقاومةُ مشروعَ التسوية السياسيّ المذلّ الذي يقوم على منح الفلسطينيين دولةً كاريكاتوريّةً ملحقةً بإسرائيل ليس لها من علامات الاستقلال سوى العلم وتشريفة الحرس!
ومازالت المقاومة صامدةً حتى بعد انتهاء المعارك في مواجهة دولتيْن: إسرائيل الأقوى في المنطقة، وأمريكا الأقوى في العالم. أكثر من ثلاثة وعشرين يومًا كاملةً قامت إسرائيل خلالها بقصف غزّة جوّاً وبرّاً وبحرًا بكلّ أنواع السلاح، وغزّة وحدها عارية في الجحيم، تستمطر النجدةَ، فلا يصلها سوى هرولةٍ دبلوماسيّة ٍودعواتٍ ومشروعاتٍ مؤجّلة ولقاءاتٍ متباعدةٍ وإدانةٍ لفظيّةٍ ومزايداتٍ لغويّة، تمهل إسرائيلَ المزيدَ من الوقت لتنجزَ المجزرةَ وتصلَ بمهمّتها إلى نهايتها. لكنّ إسرائيل لم تستطع أن تحقّق أيًّا من أهداف حربها: فلا هي أطاحت بحكومة حماس المنتخبة، ولا أوقفتْ صواريخَ المقاومة، ولا حرّرتْ جلعاد شليط الجنديَّ الأسير، ولا أرغمت المقاومةَ على القبول بالتسوية السياسيّة المذلّة، ولا استطاعت أن تؤلّب الشعبَ الفلسطينيّ على المقاومة. لم تنجحْ إسرائيل خلال ذلك إلاّ في إظهار حقيقتها للعالم كلّه: قاعدةً عسكريّةً متقدّمةً للاستعمار الأمريكيّ، يمتدّ عدوانُها إلى القاهرة وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق... وأوسيتيا الجنوبيّة حيث لا يوجد عربيٌّ واحد! وبينما كانت النازيّةُ الإسرائيليّةُ تقيم من لحم الأطفال محرقتََها في غزّة، فإنّها كانت تخسر قسمًا كبيرًا من الرأي العامّ العالميّ، وفي مناطق تُعدّ مرتكزًا لحركاتٍ صهيونيّةٍ عريقة. وكانت تحشد كلَّ مواطنٍٍ عربيّ بحقيقة أنّ ذلك الكيانَ العدوانيّ يفتقر إلى أيّ مستقبلٍ في منطقتنا. كما كانت تعمّق الهوّةَ الشاسعةَ بين الأنظمة العربيّة، التي تعرّتْ كلُّها، وجماهيرها. وكانت أيضًا ـ حيثما أرادت قمعَ المقاومة ـ تنشر المقاومةَ وفكرتَها وجدواها، وترسِّخ في الوعي العامّ أنّ المقاومة الفلسطينيّة، واللبنانيّة، والعراقيّة، هي الطريقُ الوحيدُ للحياة والتطوّر، وأنّ ذلك "السلام" قد قَتل منّا أكثرَ مما يقتله الصراعُ والتحدّي. ولقد شاهد الشعبُ المصريُّ الحقيقةَ من جديد، على ضوء الجحيم المشتعل في غزّة، وشاهدتْها معه ملايينُ الضمائر.
ما هو دورُ المثقف في تلك اللحظات الفارقة؟ ما الذي يستطيعه؟ ما الذي ينبغي عليه أن يقدِّمه؟ وما الذي يعطّله عن دوره؟ كيف يمكن لصوت المثقف أن يكون مسموعًا ومؤثّرًا؟ هذا هو موضوع هذه اللقاءات مع مجموعة من المثقفين المعروفين في مصر.
مريد البرغوثي: شاعر فلسطيني له 12 مجموعة شعرية. حصل على جوائز عديدة، ومنها: جائزة فلسطين في الشعر عام 2000، وجائزة نجيب محفوظ للآداب عام 1997 عن "رأيت رام الله". تُرجم إلى العديد من اللغات.
* غزّة تطرح السؤالَ بقوةٍ عن دور المثقف في مواجهة المجزرة، وبخاصةٍ حين يكون المثقف شاعرًا.
ـ عندما يندلع الحريقُ الهائلُ كما يحدث الآن، يصْعد إلى المقدّمة دورُ المثقف بصفته مواطنًا بالدرجة الأولى. لكنْ خلال مسيرة المجتمع نحو التطوّر يَصْعد دورُه الإبداعيّ ليساهم بأعماله الفنيّة والأدبيّة والفكريّة في جهدٍ إنسانيّ عامّ لتطوير الحياة والمجتمع. كمواطن، لا بدّ أن تفعلَ كلَّ ما في وسعك لوقف المجزرة: فتساعد بتبرّعاتٍ عينيّة، بوقفةٍ تضامنيّة، بمظاهرة، بكلِّ ما ينفع نفعًا فوريّاً مباشرًا ملموسَ الأثر. وإذا استطعتَ أن تكتبَ أو ترسمَ أو تنحتَ أو تغنّي، فافعلْ ذلك؛ ولكنْ لا تفتعلْه أبدًا، لأنّ الفنّ المفتعَل لا يفيد أيّة قضيّة مهما حسنتِ النوايا. وفي ظلّ محرقة غزّة الآن، ينبغي أن يتصدّى المثقفُ للمفاهيم المغلوطة التي تشوِّه كفاحَ الشعب الفلسطينيّ، كالادّعاء أنّ صواريخَ حماس هي التي تسبّبتْ في المذبحة. لقد حوصرت الضفّة وما تزال محاصرةً بستمائة حاجزٍ عسكريّ، وضُربتْ "فتح" ومنظّمةُ التحرير من قبل، وذُبحتْ مدنُ الضفّة ومخيّماتها من دون أن يُطلَقَ منها صواريخ! إذنْ، هناك صراعٌ واضحٌ في صفوف مثقفينا: بين مَن يعمل على تشويه نضال الشعب الفلسطينيّ، ومَن يضع ذلك النضالَ في موضعه الصحيح. هناك تشويهٌ لفكرة المقاومة كحقٍّ مشروعٍ للشعب المحتلّ، وهو ما فعله البعض من قبل عندما وجّه اللومَ إلى المقاومة اللبنانية وحزب الله. أنا لم أعد أحلم بمثقفٍ جديد، بل فقط بألاّ يصل أولئك المثقفون الصغار إلى حدّ تمنّي النصر لإسرائيل!
غزّة على حقّ لأنها أرضٌ محتلّة، ويمنحها القانونُ وشهوةُ الكرامة الحقَّ في مقاومة المحتلّ. غزّة الآن تحمي طفلتَها الوحيدةَ الجميلةَ وتحتضنها بين أزقّة الحرائق والدخان، طفلتَها التي اسمُها: الحريّة.
* هل يمكن أن تَخلق المذبحةُ مثقفًا جديدًا؟
ـ كنتُ أتمنّى ذلك، وتوقّعتُ في ظلّ ما يجري أن يراجع البعضُ نفسَه. لكننا للأسف نعيش في عالمنا العربيّ الآن ما أسمّيه "عصرَ القادة الصغار والمثقفين الصغار،" وهؤلاء لا يفكّرون في ما يروْن بل يروْن ما يفكّرون فيه. من الفاجع أن نرى مثقفي العالم الأكثرَ احترامًا في الشرق والغرب يعلنون يوميّاً إدانتَهم للعدوان الإسرائيليّ وتأييدَهم لمقاومة أهل غزّة بأوضح العبارات وأعلى الأصوات، بينما ينهمك مثقفونا الصغار بجعل عدم إعجابهم بحماس مقياسًا وحيدًا لمواقفهم المريضة. والحال أنه ليس شرطًا أن يكون المثقفُ مؤيّدًا لحماس كي يتّخذ موقفًا حاسمًا واضحًا عادلاًً ضدّ المحرقة الإسرائيليّة.
* تتحدّث عن المثقفين الصغار. ماذا تقصد؟
ـ المثقفون الصغار، الذين يشكّلون الفئةَ الأكبرَ والأعلى صوتًا للأسف هذه الأيّام، لا يروْن من الظواهر سوى جوانبها الجزئيّة. إنهم يصغّرون كلَّ قضيّة وكلَّ فكرة لتنسجم مع حساباتهم الضيّقة التي يتمترسون خلفها. كلّما دخلتْ قضيّةٌ ما إلى حالةٍ مركّبةٍ متعدّدةِ الطبقات والمستويات، يرتبك مثقفُنا الصغير: فقد اعتاد أن يتّخذ موقفًا (مع أو ضدّ) من مسائلَ صغيرةٍ واضحة. وفي بعض الدوائر، خلال المجزرة، وصل بنا الانهيارُ الثقافيّ حدَّ تصغير كلّ قضايا الحاضر والمستقبل، وكلّ نقاشٍ فكريّ أو سياسيّ، إلى قضيّة صغيرة في النهاية، اسمُها: حماس/فتح. أيُّ فقرٍ هو هذا! نحن لا نشكو فقط من القادة الصغار، بل من المثقفين الصغار أيضًا! فيما مضى كنّا ندعو ونلحّ على استقلال المثقف عن الحكومة، أما الآن فنرى تسابقَ المثقفين إلى الجلوس في حضن السلطة وأجهزتها. لم تعد الحكوماتُ تسعى إلى "استيعاب" المثقفين كما كان يحدث من قبل، بل صار المثقفون هم الذين "يلهثون" ليلتحقوا بالحكومات.
* لكنّ المشهدَ لا يخلو، بالتأكيد، من مثقفٍ مختلف؟
ـ هناك العديد من المثقفين الشرفاء، لكنّ أزمتهم أنهم بلا منابر مؤثِّرة بعد أن فسدتْ وأُفسدت المنابرُ الثقاقيّة، كالنقابات واتحادات الكتاب وروابطهم. إنهم فرادى متناثرون، لا يَجْمعهم جامع. المنظَّمون حقّاً كعصابة متجانسة هم الليبراليّون الجدد، مروِّجو الأكاذيب الرسميّة. أولئك هم الأعلى صوتًا، والأكثرُ وقاحةً، وبعضُهم يقف على يمين الحكومة نفسها!
* ما سببُ ذلك الشتات في رأيك، في مصر على الأقلّ مثلاً؟
ـ هناك أسبابٌ كثيرة. لقد اختارت معظمُ أحزاب المعارضة العلنيّة أن تلتقي مع النظام بدرجاتٍ متفاوتة. وحين أفرجت الحكومة ـ بعد اغتيال السادات ـ عن المعارضين سألتْهم: أأنتم معنا أمْ مع الإرهاب؟ فأجاب معظمُهم بأنهم مع الحكومة ضدّ الإرهاب! اختاروا الإجابةَ الخطأَ عن السؤال المطروح أصلاً بصيغة غير صحيحة. ومن ثم تُركت الساحةُ السياسيّةُ للإخوان المسلمين الذين يتصرّفون بنوعٍ من الأنانيّة التنظيميّة، ويتردّدون كثيرًا قبل إشراك قوًى أخرى معهم في الحركة، ويختارون متى يضعون ثقلَهم وأين، ومتى ينسحبون من المشاركة ليتركوا الآخرين وحدهم بهدف إظهار قلّتهم! وقد أدّى المأزقُ الذي وضعت المعارضةُ نفسَها فيه إلى بلوغنا مرحلةً لم تعد فيها القوى العلمانيّةُ والوطنيّةُ تتجاوز في فعّاليّاتها ألفيْ شخص على أحسن تقدير! وبالرغم من ذلك، فإنّ الزخم الشعبيّ المؤيِّد لكفاح غزّة يتصاعد يومًا بعد يوم ويشكّل حقيقةً تنمو وتواصل تأثيرَها في الوعي والحركة.
* هل تعتقد أنّ لاتفاقيّة كامپ ديفيد دورًا في عزل المثقفين الشرفاء؟
ـ هذه الاتفاقية هي السببُ الرئيسُ في معظم وأخطر ما نمرّ به الآن، ولا يقتصر الأمرُ على عزل المثقفين. لقد أخرجتْ كامپ ديفيد مصرَ من الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ، ومنذ ذلك الوقت دخل العربُ عصرَ المواجهة الثنائيّة مع العدوّ الإسرائيليّ: فتنفرد إسرائيلُ بلبنان في اجتياحها عام 82، وتنفرد بالضفّة في الانتفاضتين، واليوم تنفرد بغزّة وحدها بلا معين ولا نصير. بعد الاتفاقيّة المذكورة راحت إسرائيل تُدخل كلَّ طرف من أعدائها إلى غرفةٍ مغلقةٍ لتقوم بضربه معزولاً عن الكل العربيّ ـ وهذا ما تنوي أن تفعله مع الجميع، واحدًا بعد الآخر، إنْ لم نستيقظْ وننتبهْ إلى مستقبلٍ خطرٍ كهذا.
* تقول إنّ ما هو وطنيّ وما هو إبداعيّ يمتزجان عند المثقف، وإنْ شَغَلَ أحدُ الدوريْن الصدارةَ في لحظات. فهل تتقدّم بقصائدك إلي المعركة؟
ـ أقول لكَ بدايةً إنّ الفنّ ينبغي أن يكون جميلاً في كلّ حالاته، وإنّ الإبداع فعلٌ بحدّ ذاته. لكنّ أيَّ كتابةٍ رديئةٍ في زمن السلم أو الكفاح تصبح عملاً ضارّاً مهما توارى خلفَها من حسٍّ وطنيّ. أما عن قصائدي فإنني أكتبها ولا أفتعلها، وأتقدّم بها للنشر في دواوين شعريّة، لا في الأمسيات الشعريّة التي أجدُني مضطرّاً إلى الاعتذار عن تسعين في المئة منها لأنها مرتّبة غالبًا، بل دائمًا، بمنطقٍ مختلفٍ عمّا أتصوّره.
* * *
أشرف البيومي: مفكّر وكاتب، أستاذ الكيمياء الطبيعية في جامعة الإسكندرية وولاية ميشيجين، رئيسُ فريق الملاحظين في الأمم المتحدة لتوزيع الغذاء في العراق سابقاً.
* ما هو دور المثقف في مواجهة مجزرة غزّة يا دكتور؟
ـ في اعتقادي أنّ على المثقف الملتزم الذي تضعه الظروفُ بعيدًا عن المعركة، كما هي الحال بالنسبة إلى البعيدين عن غزّة وفلسطين، أن يقف مدافعًا بكلّ ما أوتي من قوة عن المقاومة، لأنّ المقاومين في غزّة الآن يدافعون عن مستقبل الأمّة العربيّة كاملةً. دور المثقف هو أن يواجه كلّ المغالطات والأكاذيب التي تنشرها، بدأبٍ، قوى المهادنة، وأن يتحرّك لحشدِ أوسعِ دائرةٍ ممكنةٍ تأييدًا لرؤية المقاومة، وذلك عبر الصحف والاجتماعات والمؤتمرات والمظاهرات أيضًا. يحْدث أحيانًا أن يستهينَ الناسُ بالكلمة، بالوعي، مطالبين بالعمل؛ يقولون "كفانا كلامًا ولنعملْ." لكنْ من دون وضوحٍ في الرؤية لا يمكن أن نتقدّم إلى الأمام! فعلى سبيل المثال، تروِّج القوى الفكريّةُ المواليةُ لأمريكا وإسرائيل أنّ المعركة في غزّة تدور بين إسرائيل وفصيلٍ فلسطينيّ، والبعضُ يروّج فكرة أنّ إسرائيل المعتدية هي الضحيّة! هذه الأفكار، إذا لم تجد مَن يواجهها، تسري في الوعي بلا عائق. دور المثقف ]المصريّ] هو أن يطْرح القضيّةَ طرحًا صحيحًا، أن يفسّر الطبيعةَ الحقيقيّةَ للصراع الدائر، وأن يوضحَ أنّ الموضوع الفلسطينيّ هو موضوعٌ مصريٌّ في الأساس.
* قمتَ أنتَ شخصيّاً في السابق بدور في "اللجنة القوميّة لمناصرة الشعب الفلسطينيّ واللبنانيّ" عام 1982، ثم بدورٍ مماثلٍ في فضح الغزو الأمريكيّ للعراق. ألا تلاحظ أنّ زخمَ التأييد الشعبيّ للمقاومة الفلسطينيّة جديرٌ بتطوير أشكال عمل المثقف؟ ثم ألا تعاني المعارضةُ المصريّةُ ضعفًا في التنسيق في ذلك الصدد؟
ـ بالطبع، ما يجري حاليّاً جديرٌ بأقصى قدْرٍ من تطوير وسائل الحركة. وهذا التطوير بحاجة إلى تنسيقٍ واسعٍ لكي يصبح مؤثّرًا. والملاحَظ أنه في عام 2003 اشتدّت في مصر موجةُ المقاطعة، والعداء للتطبيع، ثم تراجعتْ هذه الموجة لأنّ القيادات السياسيّة للأحزاب والحركات في مصر انكفأتْ على قضيّة الإصلاح والتغيير. هذا بينما التزمت الحركةُ الوطنيّةُ المصريّة كلُّها منذ ثورة 1919 بمطلبيْن على مساريْن: الدستور والاستقلال، أي التزمت الربطََ بين القضيّة الداخليّة والقضيّة الوطنيّة الأعمّ. الآن تتحدّث أحزابُنا في الأغلب فقط عن "الإصلاح" في الداخل. وهذه الانعطافة أضعفت المعارضةََ المصريّةََ كثيرًا، وحين بدأتْ مجزرةُ غزّة لم تستطع تلك القوى أن تنسّق فيما بينها.
* هل هناك أسبابٌ أخرى ذاتيّة لذلك الضعف، أيّ تتعلّق بالمثقفين أنفسهم؟
ـ بالطبع. هناك قضيّة (أو مأساة) التمويل الأجنبيّ لشريحةٍ كبيرةٍ من المثقفين؛ وأقصد الأموالَ التي ترِدُ من الاتحاد الأوروبيّ والمؤسّسات الأمريكيّة والتي جعلتْ أولئك المثقفين يدورون في فلكٍ آخر. ولنسألْ: أين هو دورُ منظّمات حقوق الإنسان في معركة غزّة؟ لقد ساهم التمويلُ في إضعاف دور المثقف بشكل واضح. كما ساهم في حرف دور المثقف: من الصراع الأساس مع الاستعمار، إلى قضايا فرعيّة.
* هل تعتقد أنّ لكامپ ديفيد دورًا في شلّ حركة المثقف المصريّ؟
ـ بالتأكيد. وللأسف، كما قلتُ سابقًا، فقد تراجع الاهتمامُ بالقضيّة الوطنيّة، ولم يقم المثقفون بدورٍ كافٍ للتعريف بأخطار تلك الاتفاقيّة، والتي بموجبها لم يكن لمصر حتى عام 2005 أيُّ جنديّ في سيناء، وبعد ذلك أصبح من حقّها أن تضع على أرضها سبعمائة وخمسين جنديّاً فقط تقريبًا بلا سلاح! لقد عََزلت اتفاقيّةُ كامپ ديفيد مصرَ عن دورها العربيّ، وحيّدتْها، وسلبتْنا استقلالَنا السياسيّ والاقتصاديّ. ولهذا فإنّ أمنَ مصر القوميّ منتقََصٌ ومهدَّد، ويواجه النظامُ عندنا كلَّ دعوةٍ إلى مراجعة تلك الاتفاقيّة بمختلف الوسائل، الأمرُ الذي يعرقل من دون شكٍّ حركةَ المثقف الملتزم.
* هل في إمكان التأييد الشعبيّ الجارف للمقاومة في غزّة أن يصل إلى حدّ فتح معبر رفح؟
ـ المفترض أن يصل إلى ذلك. لكنّ هناك معوِّقاتٍ مهمّةً، منها أنه ليس في سيناء ثقلٌ سكّانيّ رغم مضيّ ثلاثين عامًا من "الصلح." وهي (ومن ثم المعبر) بعيدان نسبيّاً. ومع ذلك فقد شهدنا مظاهراتٍ في العريش وفي غيرها تأييدًا للمقاومة؛ وذلك لأنّ الناس يشعرون ويدركون أنّ مَنْ يقاومون في شوارع غزة الآن إنما يواجهون مشروعًا إمبرياليّاً صهيونيّاً يهدّد الأمةَ العربيّة كلَّها. وكما احتضن الناسُ بمشاعرهم المقاومةَ العراقيّة والمقاومةَ اللبنانيّة، فإنهم يلتفّون حول المقاومين في غزّة. أخيرًا، كنتُ أودّ أن أشير إلى ضرورة التنسيق بين المثقفين العرب. وهناك أطرٌ تحتمل ذلك، مثل "المؤتمر القوميّ العربيّ"؛ لكنها أطرٌ ليست فاعلةً بما يكفي.
* ما هو دور المثقف، وبخاصةٍ في مجالٍ كالسينما في مواجهة مذبحة غزّة؟
ـ أعتقد أننا حين نتحدّث عن "دور المثقف،" فإننا نقصد المثقفَ الثوريّ. فهناك، كما تعلم، مثقفون رجعيّون، وهناك مثقفون تقليديّون، وهناك أيضًا مثقفون حكوميّون ، بل مثقفون من أتباع الاستعمار كذلك!
نحن إذن نتحدث عن مثقفٍ منحازٍ إلى قضايا شعبه، ولديه مشروعٌ للتغيير الاجتماعيّ والوطنيّ. وبالنسبة إلى دور هذا المثقف، فثمة إشكاليّةٌ واضحة، وهي أنّ كلّ المثقفين المعنيّين بتفعيل اللحظة السياسيّة الراهنة على ضوء حريق غزّة يفتقرون إلى آليّاتٍ تنظيميّةٍ تبلور مشروعَهم البديل. المثقف الثوريّ هذا يَظهر كومضات هنا وهناك، وبطرقٍ مختلفة، وعبر جهودٍ متعدّدة، لكنه للأسف يعجز عن القيام بدورٍ جذريّ. المسألة المطروحة هي: كيف يمكن أولئك المثقفين أن يخلقوا معًا مشروعَهم الجديد؟ العديد منهم يعمل داخل مؤسّسات في الدولة، ويؤثّر بدرجةٍ ما عبر تلك الإطر القائمة، ومن ثم فإنه يساهم بشكلٍ ما في بناء الحركة الشعبيّة. لكنّ تلك المساهمة الجزئيّة لا تمثّل بالطبع ما أسمّيه مشروعًا اجتماعيّاً بديلاً بالكامل.
* * *
عرب لطفي: مخرجة سينمائيّة، لها عدّة أفلام تسجيليّة امتازت برؤاها الاحتجاجيّة والوطنيّة.
* في اعتقادكِ، ما الذي يمكن أن يوسّع دائرةَ تأثير ذلك المثقف؟
ـ هناك جدليّة بين دور المثقف النوعيّ كمثقف، وبين دوره كإنسان ومواطن. كمواطن، لا بدّ أن يشارك في خلق حركةٍ ووعيٍ اجتماعييْن معارضيْن. ولكي يقوم بذلك، وتتسعَ دائرةُ تأثيره، فلا بدّ له من الاشتباك في الصراع الدائر داخل مجتمعه. على سبيل المثال، أفضلُ كتّابنا الآن هم الذين ارتبطوا بفترة نهوض الحركة السياسيّة في السبعينيّات، وبالنقد الموجّه إلى السلطة وبنية النظام وعلاقته الاستعمار. وفي الأجيال الأسبق نفسها، كان أفضلُ الكتّاب هم الذين ارتبطوا بحركة معاداة الملَكيّة والاحتلال. ومن ثم، فإنّ قدرة المثقف على تقديم شيءٍ ما مرتبطٌ، بالضرورة، باشتباكه بحركة نضالٍ شعبيّة.
* كمخرجة سينمائيّة، هل العثورُ على فنّانين ثوريين داخل حقل السينما أصعبُ من المجالات الأخرى؟
ـ لا. الضعف في الحقل السينمائيّ، وقلةُ الفنّانين والمخرجين من أصحاب المواقف، جزءٌ من حالة الضعف العامّ. فإذا أردنا أن نقدّم سينما بديلةً مثلاً، فإنّ علينا أن نتحرّك نحو مشروع عملٍ جماعيّ. أما إذا ظلّ الفنّانون مستغرقين في ذواتهم، فلن يستطيعوا أبدًا أن يشكّلوا حركةً عامةً يبرز خلالها دورُ المثقف.
* الآن في مصر، ما هي تجلّيات وجود المثقف في مواجهة مجزرة غزّة؟
ـ يقوم الكثيرون بأعمال عديدة مهمّة. فهناك مَعارضُ فنّ تشكيلي قَدّم أصحابُها أعمالََهم للبيع لصالح غزّة، ومن أولئك الفنّانين التشكيليين فنّانٌ كبير هو د. عبد الهادي الوشاحي. وهناك حفلاتٌ موسيقيّة يخصَّص دخلُها للهدف ذاته. هذا على المستوى الثقافيّ. أمّا على المستوى العامّ فهناك لجانٌ في القاهرة والأقاليم، في كلّ منطقة تقريبًا، تجْمع التبرّعات العينيّة والماليّة والأدوية لإرسالها لإخواننا في غزّة. ووراء كل ذلك يقف مثقفون يبذلون من وقتهم وجهدهم الكثيرَ.
* هل تعتقدين بجدوى المظاهرات سلاحًا للتعبير عن الدعم؟ وكيف يمكن تطويرُها لصالح الشعب الفلسطينيّ الآن؟
ـ لا شكّ في أنّ المظاهرات ذاتُ أثر ملموس، خلافًا لما يكرّره كتّابُ الحكومة. فالمظاهرات تحطّم حاجزَ الخوف من الحكم لدى الناس، وتثير شعورَهم بقوةِ وجودهم وبقدرتهم على التضامن مع قضيّة عادلة. كلّ هذا الأثر الإيجابيّ مهمّ جدّاً. لكنّ التظاهر وحده، وبحدّ ذاته، غيرُ كافٍ. فلا بدّ له أن يرتبط بمشروعٍ سياسيّ أعمّ، أيْ لا بدّ أن تكون المظاهراتُ خطوةً في سياق، وإلاّ أصبحتْ في نهاية المطاف نوعًا من التنفيس عن الغضب لا أكثر.
* في تقديركِ، ما هي مسؤولية النظام المصريّ عن مجزرة غزّة؟
ـ النظام المصريّ ليس مسؤولاً فقط، بل هو متواطئ أيضًا مع إسرائيل في ضرب غزّة ومحاولة سحق المقاومة. فقد ساهم النظامُ في إحكام الحصار على غزّة طوال عامٍ ونصف، ثم قام بإغلاق معبر رفح أمام الفلسطيينيين خلال المجزرة. ومن ثم فتلك شراكةٌ واضحةٌ مع المشروع الاستعماريّ ــ الصهيونيّ، ولا يمكن صياغةُ ذلك الموقف بعبارة أخرى.
* هل لكامپ ديفيد دورٌ في شلّ يد المثقفين؟
ـ كامپ ديفيد لم تشلَّ يدَ المثقفين فحسب، بل أيادي مصر كلّها! فقد عزلتْ مصرَ عن هموم التحرّر العربيّة، وعطّلتْ مصالحَ مصر محوِّلةً إيّاها من دولةٍ مركزيّةٍ إلي شيءٍ هامشيّ. أين ذلك من حجم مصر وتاريخها؟!
* أحيانًا يتساءل البعضُ لماذا توجَّه سهامُ النقد كلها إلى الموقف المصريّ الرسميّ، ولا يتحدّث أحدٌ عن سوريا التي لا تحاول دخولَ المعركة؟
ـ الموقف السوريّ الرسميّ يختلف عن المصريّ من دون شكّ. فالاتجاه المهيمن في السلطة السوريّة هو اتجاهُ الممانعة للتسوية السياسيّة بالشروط الأمريكيّة. وهذه الممانعة تشكّل حالةً من حالات الدعم لعناصر المقاومة اللبنانيّة والفلسطينيّة حتى الآن. وبالتالي هناك فارق ضخم بين الموقفين. أما إلى متى يستمرّ النظامُ السوريّ في دوره الإيجابيّ النسبيّ هذا، فتلك مسألة مرتهنة بالتطورات داخل سوريا وفي المنطقة.
* * *
أحمد بهاء الدين شعبان: كاتب وباحث معروف في الشؤون الصهيونية.
* يسأل الجميع: غزّة مشتعلة، فما العمل؟ أين المثقف في الإجابة عن ذلك السؤال؟
ـ يطرح المثقفون إجابة على ذلك السؤال حركاتٍ وردودَ أفعال لا ترقى إلى حركةٍ كبيرةٍ متّحدةٍ ذاتِ أثر. وللأسف فإنّ أوضاع المثقف سيّئة؛ فقد شهدت العقودُ الماضيةُ تراجعًا واضحًا في دور المثقف لأسبابٍ عديدة. لماذا لم يستطعْ، أو لم يتحرّك المثقفون لعقد مؤتمرٍٍ واسعٍٍ لهم يَطْرحون فيه آراءهم بشأن المجزرة الدمويّة في غزّة؟ أعتقد أنّ المثقف العربيّ، لا المصريّ وحده، أمام لحظةٍ فارقةٍ في التاريخ، لم يعد ينفع فيها لا الحزنُ على ما يجري ولا التألّمُ ولا الإدانةُ اللفظية ولا الغضبُ نفسُه. فلا بدّ لنا من أن نرتقي بالحزن والألم إلى مستوى الحركة المنظّمة. إنّ الهولوكوست الذي تقيمه إسرائيلُ الآن في غزّة ليس الأولَ من نوعه، بل هو مسلسلٌ إسرائيليّ ـ أميركيّ دوريٌّ: فقد عشنا هذه الحالة عند العدوان على لبنان واحتلالِ عاصمته عامَ 1982، وعشناها عند ضرب العراق فاحتلاله، ثم عشنا مذبحةَ جنين عام 2002، وغزوَ لبنان مجدّدًا عام 2006. وفي كلّ مرة نلمس ضعف صوت المثقف العربيّ، فلا نسمع سوى النحيب ولطم الخدود واستمطار اللعنات على الصهاينة، وما إنْ ينحسر العدوانُ حتى يلتهي المثقفون بحياتهم الشخصيّة وهمومهم. الآن أصبح علينا أن نَخْلق آليّةً مستمرةً تتجاوز ردودَ الآفعال لمواجهة ذلك المخطط. وخلقُ هذه الآليّة جزءٌ من دور المثقف الطليعيّ القادر على استكشاف المستقبل وتحديدِ سبل مواجهة التحدّيات. واجبنا الآن أن ننخرطَ في عمليّة نشر الوعي والنضال من أجل انتزاع الحريّات الاجتماعيّة والسياسيّة من الأنظمة العربيّة المستبدّة والمتخلّفة والتابعة. هذا في اعتقادي المدخلُ إلى حلّ الأزمة، وطريقُ المثقف. فهل ننجح؟
* لا شكّ في أنّ هناك عواملَ تؤدّي إلى ما أسميتَه "ضعفَ صوت المثقف العربيّ." فما هي؟
ـ هناك أولاً مطاردةُ السلطة للمثقفين الأحرار؛ وهي مطاردةٌ تبدأ بالإهمال، وتمرّ بالسجون، وتنتهي بالتجويع والعزل. وهناك الجهد الطويل الذي بُذل لتحييد المثقف، وتحويلِه إلى بائعِ معرفة مقابلَ ملاليم. وهناك التمويلُ الأجنبيّ الذي التهم شريحةً كبيرةً من المثقفين الذين صاروا يتلقّون الدعمَ من فورد فاونديْشن وغيرها، فانفتح بابُ التمويل المشبوه أمام المثقفين ومشاريع حقوق الإنسان، والمرأة، وكلّ "الحقوق الجزئيّة،" بحيث يعجز العقلُ عن إدراك القانون الجامع ولا يرى من الصورة العامة سوى التفاصيل. وفي الوقت ذاته اكتسحت الساحةَ مذاهبُ فكريّةٌ يُنفَق على ترويجها الملايينُ من الدولارات لنشر فكرةٍ مؤدّاها أنّ عصرَ القضايا الكبرى قد انتهى، بما في ذلك قضيّةُ تحرير الأوطان. ومن ثم نجد في النهاية أنّ قسمًا كبيرًا من المثقفين قد ابتعد عن قضايا المجتمع وعكف على تهويماتٍ ذهنيّةٍ وذاتيّةٍ بعيدة عن الواقع الاجتماعيّ.
* هل كان لإسرائيل أن تقْدم على جرائمها في ظروف أخرى؟
ـ كلا بالطبع. لم يكن لإسرائيل أن تصلَ إلى صنع المحارق للشعب الفلسطينيّ لو لم تكن أوضاعُنا على ما هي عليه من تردٍّ يعود إلى الجهود الجهنميّة التي بُذلتْ في العقود الأخيرة لتفتيت المنطقة العربيّة على مستوى الواقع الماديّ، وتفتيتها معرفيّاً على مستوى قراءة الواقع وفهمِه والتفاعلِ معه. في الخمسينيّات والستينيّات كانت هناك معركة واضحة ضدّ الاستعمار والصهيونيّة، وبعد هزيمة 1967 بدأتْ أكبرُ عمليّةٍ إعلاميّةٍ وثقافيّةٍ رسميّةٍ لتفكيك العقل الوطنيّ.
* رغم الجهود الكثيرة لمجمل الحركة الشعبيّة المصريّة في مساندة غزّة وكفاحها الأسطوريّ، فإنّ ثمة شعورًا بأنّ هناك ضعفًُا في التنسيق.
ـ نعم. هناك أشكال عديدة ظهرتْ في كلّ مكان في مصر لدعم غزّة بكلّ شيء ممكن. هناك ذلك الشعورُ الشعبيّ الجارف بالغضب وبالاستعداد لبذل أيّ شيء من أجل غزّة والشعب الفلسطينيّ. لكنّ تلك الأشكال عجزتْ عن التحوّل إلى مؤسّسة، أو إلى إطارٍ ثابت، له وظائفُه المستمرةُ في مواجهة مخطّط مستمرّ. لذلك تظهر تلك الأشكال وتختفي. وقد اقترحتُ أكثرَ من مرة إنشاءَ هيئةٍ قوميّةٍ جامعةٍ لكلّ فصائل المثقفين الوطنيين لمكافحة الصهيونيّة، تتولّى التنسيقَ، وترْصد التطوّرات، وتعبّئ المشاعرَ، وتوضح أبعادَ الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ ومخاطرَه ليس على فلسطين وحدها بل على مصر وغيرها أيضًا. لكنْ للأسف مازالت تسود عندنا "عقليّةُ القبيلة" التي تقود كلَّ مجموعةٍ إلى تفضيل معارفها، وإبرازِ حركتها، وإعلاءِ ما هو ذاتيّ على ما هو موضوعيّ.
* لكنْ ألا تلوح في ذلك الواقع صورةُ "المثقف الحقيقيّ"؟
ـ لا شكّ في ذلك، وإلاّ لكان المشهدُ معتمًا تمامًا. فالمثقف المصريّ والعربيّ لم ينسَ واجبَه رغم كلّ شيء، والقوافلُ التي تتحرّك بالدواء والغذاء والملابس كلّ فترةٍ إلى رفح دليلٌ على هذا؛ وخَلْفَ حركتها مثقفون شرفاء، مازالوا قابضين على الجمر، يروْن الصراعَ مع إسرائيل في أبعادَه الحقيقيّة والكاملة. ومن ثم تجد حركةَ مقاطعة العدوّ وبضائعه، ومناهضة التطبيع؛ حتى إنّ أكاديميين إسرائيليين أدلوْا بتصريحاتٍ مريرةٍ ضدّ المثقفين المصريين واتهموهم بأنهم وراء "فشل التطبيع" بعد ثلاثين عامًا من معاهدة السلام. وهناك بؤَرٌ كثيرة انخرطتْ منذ البداية في خلق تيّار مناهضة التطبيع: بدءًا من "لجنة الدفاع عن الثقافة القوميّة" (لطيفة الزياّت ورضوى عاشور...)، مرورًا بمواجهة مجموعة "كوپنهاغن" المصريّة الشهيرة التي رَوّجتْ أكاذيبَ السلام، ثم اللجان الشعبيّة لدعم نضال الشعب الفلسطينيّ عقب انتفاضة الأقصى. ووراء ظهور تلك اللجان وحركتها، ثمة مثقفون أخلصوا لدور المثقف الطليعيّ في التصدّي لتزييف الوعي.
* ما مسؤوليّةُ النظام المصريّ في مذبحة غزّة؟ أهو أضعفُ من أن يقوم بدور؟ أهو متواطئ؟ أهي شراكة مع الاستعمار وإسرائيل؟
ـ هناك دوافعُ تحرّكِ النظامَ المصريّ في موقفه من غزّة. أوّلُها، أنه حسم موقفَه من احتمال قيام "إمارة إسلاميّة" على حدوده تتقوّى بوجودها حركةُ الإخوان داخل مصر بحيث تشكّل تهديدًا للنظام. ثانيًا، أنّ النظام المصريّ يضع نصب عينيْه عمليّة "التوريث،" أو نَقْلِ السلطة التي ستتمّ عام 2011، وهو ما يستلزم استمرارَ رضى الأمريكيين عن النظام السياسيّ المرتهِنِ باستمرارِ التحالفِ مع إسرائيل. هناك لقاءٌ بين المصالح الرسميّة المصريّة والإسرائيليّة، ولهذا لا نلمس أيَّ جهدٍ حقيقيّ لوقف المجزرة في غزّة. ولا ننسى أنّ النظام عندنا لم يأتِ بطريقٍ ديمقراطيّ؛ ومن ثم فإنه ليس مدينًا بوجوده للجماهير، بل للحماية الخارجيّة.
* المظاهرات.. إلى أيّ مدى مجْدية؟ وهل يمكن أو ينبغي تطويرُها؟
ـ المظاهرات تعكس الحسّ الشعبيّ اليقظ المؤيِّدَ لتحرّر الشعب الفلسطينيّ. هذه ميزتُها. لكنها غير مؤثّرة في صُنّاع القرار. وفي الدول الأوروبيّة نفسها، التي يُفترض أنّ تجربتَها الديمقراطيّة أبعدُ مدًى، ويُفترض أن يتأثّر صنّاعُ القرار فيها بحركة الشارع، لن تلمسَ أيَّ أثرِ للمظاهرات. السؤال هو: كيف يمكن تطويرُ آليّاتِ ضغطٍ شعبيّ حقيقيّ؟ كيف يمكن تنظيمُ القوى الشعبيّة بحيث تصطفّ خلف المطالب الوطنيّة، وفي مقدّمتها الآن: وقفُ كلّ أشكال العلاقة مع العدوّ الصهيونيّ، ومراجعةُ اتفاقيّة كامپ ديفيد ووقفُ العمل بها، وإنهاءُ التطبيع الاقتصاديّ والعلميّ والثقافيّ والسياحيّ والتجاريّ مع إسرائيل، وبالذات في مجال بيع الغاز والبترول المصريّ الذي يتحوّل وقودًا للعدوان على إخوتنا في غزّة، والضغطُ لإحياء اتفاقيّات الدفاع العربيّ المشتركة والسوق العربيّة، وبالطبع فتحُ المعابر، وفي مقدّمتها معبرُ رفح؟ كيف يمكن أن ننظّم حركةً شعبيّةً تضغط لتحقيق ذلك وتنجح في تحقيق ذلك؟ هذا هو السؤال، وهذه هي المهمّة المطروحة علينا كمثقفين الآن، دفاعًا عن غزّة، وعن مصر، وعن بيروت، وعن بغداد.
القاهرة










التعليقات
علِّق