التحرّر في زمن الفوسفور: الاضطهاد، والمقاومة، وأولويّة الإنسان
عايدة امرأٌة فلسطينيّة تتوق إلى أن تصبح اسمًا على مُسمّى، وأمٌّ لستّة أطفال. كلَّ ليلة خلال العدوان، قبلَ النوم، كانت تحضنهم بكلّ ما تبقّى لديها من حبّ، وتودّعهم كما لو كانت تلك هي ليلتهم الأخيرة معًا. وهي لاجئة تقطن في بيت لاهيا في قطاع غزّة المحتلّ والمجوَّع والمعذَّب، حيث الحرمانُ من أساسيّات الحياة والتشبّث بها رغم كلّ شيء، وحيث الموتُ يكتسب أشكالاً مريعة: بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، فوسفوريّةً وانشطاريّة، محرَّمةً دوليّاً أو تجرَّب "في الميدان" لأول مرّة. ومع ذلك، فإنّ عايدة كانت في كلّ صباح تَعُدّ نفسَها وأولادَها من المحظوظين الذين لم يفارقوا الحياة (أيّ حياة؟!)، ولم يصبْهم أذًى يجعلهم يتمنّوْن لو فارقوها، كما حدث مع الآلاف غيرهم. لم تغادرْ بيتَها، لا من باب المقاومة السلبيّة فحسب، بل لأنّ قفصَ غزّة المحْكمَ لا مكانَ آمنًا فيه أيضًا، بحسب تصريح مسؤولي وكالة الغوث.
منذ يومين تلقّيتُ خبرَ استشهاد أحد أبناء عايدة، وهو طفلٌ صغيرٌ خرج ليُحْضر طعامًا يسدّ به جوعَ أمه وأخواته بعد أيّام من الحبس في المنزل، فقتلوه دونما اعتبارٍ لعمره وحجمِه. بكيتُ بصمت، ولكنْ بحرقة، لأول مرة منذ بدء العدوان الإسرائيليّ على غزّة. لأيّ هدفٍ ثُكلتْ عايدة؟
غزّة اليوم، كما كانت بيروتُ أيّامًا، رمزُ المقاومة وعنوانُ الجريمة. تجسيدٌ للظلم بأبشع صوره، وللإنسانيّة بأبسط صورها أيضًا. هي الصمودُ والفجيعة. بدايةُ النهاية لفكرة إسرائيل ككيانٍ استعماريّ، ونهايةُ النهاية لفكرة سلطةٍ "وطنيّةٍ" تحت الاحتلال وبإذنه. وغزّة هي اختبارُ الإنسانيّة في زمن الفوسفور الأبيض، كما كان جنوبُ لبنان في زمن القنابل العنقوديّة؛ اختبارٌ رسبتْ فيه قوًى عديدة: من أباطرة روما الجديدة، إلى أرانبِ بروكسل العتيقة، ومن قاهرةِ المعزّ المذلولة بعار التبعيّة والتواطؤ، إلى رام الله التي تشْهد ولادةَ حالةٍ مريضةٍ جُلّ طموحِها أن تصبح نظامًا بوليسيّاً ينافس جيرانَه في كسب رضى روما وبروكسل... وتل أبيب.
لماذا ذُبحتْ غزّة؟ أكان بإمكاننا تفادي ذبحِها؟ أيحتاج النازيّون الجدد حجّةً أو عذرًا للذبح وهم الذين يَشْحذون سكاكينَهم كلّ يوم ترقّبًا لأيّ فرصةٍ تتاح من نفسها، أو يستفزّونها لكي "تتاحَ" فيذبحوا ويذبحوا استكمالاً لمسيرتهم الدمويّة والإحلاليّة منذ مئة عام؟ ولكنْ، إنْ كنّا نعرف كلّ ذلك عنهم ـ بطشَهم، غدرَهم، انعدامَ أخلاقهم، نقاطَ قوتهم المطلقة المنفلتة من عقالها، حصانتَهم غيرَ المسبوقة ـ فهل استمررنا بعنادٍ، وبقوة العادة، في تحدّي نصالهم برقابنا العارية، بشجاعةٍ بطوليّة، وبعقيدةٍ راسخةٍ تصرّ على تحقيق الفكرة... ولو بالتضحية بالإنسان أحياناً؟ هل فكّرنا بأفضل وسيلةٍ لمقاومة سكاكينهم؟ ولكنْ ما المقصودُ بـ "أفضل" هنا؟ أفضلُ لمن، بالضبط؟ لمن تُطلق الصواريخ؟ لمن تُحفر الأنفاق؟ لمن يُبذل الغالي؟ لمن تُكتب الأشعار؟ ولماذا؟
لا تعريفَ لـ "أفضل" سوى أنه أكثرُ ما يَخْدم الإنسانَ في النهاية.
* * *
لا، لم يعد مبكّرًا طرحُ الأسئلة الصعبة. بل كان تأجيلُها رفاهيةً، وأصبح الآن هروبًا من وضوح الرؤيا والأهداف والتحالفات الضروريّة إلى ضبابيّة ردود الفعل وسلوك طريق أسلافنا وإنْ لم توصلهم إلى أيّ مكان، بل قادتْهم في معظم الأحيان إلى التهلكة أو اليأس أو النسيان. فلئن كان الكفاحُ المسلّحُ الفلسطينيّ على مدى عقود هو الرافعةَ الحقيقيّةَ لقضيّة فلسطين ولاعتراف العالم بحقوقنا، فإنّ هذا الكفاح ـ منذ خروج منظّمة التحرير من بيروت عام 1982، وبالذات منذ تشكيل "السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة" في أوسلو باتفاقٍ مع إسرائيل و"رعايةٍ" أميركيّة ـ فَقَدَ احتمالَ التطوّر الكمّيّ والنوعيّ لبدء صيرورة النصر على عدوّنا الصهيونيّ، بل فَقَدَ احتمالَ تحقيق إنجازاتٍ تُذْكر على صعيد استرجاع حقوقنا غير القابلة للتصرّف، وأهمُّها حقُّ تقرير المصير. لقد أصبح كفاحُنا المسلّح في الحقبة الأخيرة أداةً للممانعة والصمود، في أفضلِ تقدير.
فمنذ سنة 1982 ونحن في تراجعٍ يكاد يكون خطّيّاً على الصعيد السياسيّ والدبلوماسيّ، باستثناء الطفرة القصيرة في الانتفاضة الأولى. ولذا، لا يمْكن عاقلاً إلاّ أن يستنتجَ أنّ أشكالَ كفاحنا واستراتيجيّتنا النضاليّة باتت في حاجةٍ ماسّةٍ إلى المراجعة. لن أكرّرَ في هذا الخصوص كلَّ طرحي الذي نُشر على صفحات الآداب، ولكنْ لا يمْكن إلاّ أن أستعيدَ جوهرَ موقفي السابق، الذي أصبح في رأيي أكثرَ رسوخًا من قبل، رغم السِّمة البطوليّة للمقاومة في غزّة مؤخّرًا: وهو أنّ الكفاح المسلّح في الحالة الفلسطينيّة المحدّدة، وضمن السياق المحلّيّ والإقليميّ والعالميّ الحاليّ، لا أفقَ حقيقيّاً له في إنجاز أهداف نضالنا الوطنيّ. وللتذكير، فأنا أختلف جذريّاً مع "الپرغماتيين" والليبراليين الجدد الذين ينادون بـ "حلّ سلميّ" ينتقص من حقوقنا، وعلى رأسها حقُّ العودة إلى الديار والتعويض؛ بل إنّني من أنصار الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة التي تزيل كيانَ إسرائيل من الوجود من حيث هي دولةٌ عنصريّةٌ إحلاليّة.
لقد أَسقطتْ سلسلةُ الجرائم والمذابح المفتوحة، التي سُمّيتْ بـ "الحرب الإسرائيليّة على غزّة،" أقنعةً عدّة، أكثرَ بما لا يقاس من ذي قبل. فهي الحربُ الأولى التي تُشنّ على شعب فلسطين، و"قيادتُه" قابعةٌ في الجهة الأخرى من السور، تشاهد "المعركةَ" بترقّبٍ وتحفّزٍ من ثقوب السور، وتهلِّل لكلّ ضربةٍ ينزلها حليفُها/عدوُّها بعدوّها/أخيها، وتُعِدّ العُدّةَ لصعود ظهر دبّابة الأول حين تَسْحق عظامَ الثاني، ولتدخلَ غزّةَ كما دخلتْها في المرّة الأولى.
ولكنها ربما هذه أكثرُ مرّة يساهم فيها، وبهذه العلنيّة، معظمُ أنظمة القهر والتبعيّة العربيّة في حصار الفلسطينيين، حتى لم يعد الموتُ أسوأَ الخيارات، وانتشرت الأمراضُ المزمنةُ، وتفاقَمَ سوءُ التغذية، وانعدمتْ فرصُ النموّ والكرامة، وعاد أطفالُنا ينسون، من جديد، شكلَ الفاكهة أو طعمَ الدفء في الشتاء. وهذا كلُّه لم يكن وليدَ رغبة الأنظمة العربيّة في مصادرة قرار الفلسطينيين الوطنيّ، وتصفيةِ حساباتٍ إقليميّةٍ مع قادتهم وسلاحهم المقاوم، كما في تلّ الزعتر وعمّان؛ ولا تعبيرًا عن التجاهل واللامبالاة، كما في بيروت وجنين وغيرهما؛ وإنما كان الدورُ الرسميّ لمعظم الأنظمة العربيّة (غيرِ الشرعيّة وغير المنتخبة) عبارةً عن تواطؤٍ كاملٍ، وقحٍ، فجٍّ، يُنهي مرحلةَ الغموض التي كانت قد بدأتْ بالانقشاع منذ تموز 2006. ففي تمّوز (يوليو) أضاف النظامُ السعوديّ وأتباعُه اللبنانيّون والمصريّون والأردنيّون، بل بعضُ الفلسطينيين أيضًا، وغيرُهم، وبإيعازٍ أمريكيّ بالطبع، سلاحًا جديدًا شارك ببسالةٍ ومثابرةٍ نادرتيْن أسلحةَ الجوّ والبحر والبرّ الإسرائيليّة التي تحطّمتْ على أسوار بنت جبيل ووادي الحجيْر ومارون الراس: إنه سلاحُ التحريض المذهبيّ الحاقد، والدعاية الإعلاميّة الباعثة على اليأس والإحباط من كلّ فعلٍ مقاوم. ولكنْ في زمن غزّة، حصل انهيارٌ أفظع، إذ رأينا معسكرَ روما الجديدة، من المحيط إلى الخليج مرورًا بـ ... رام الله (كم يَقْهرني ألاّ يَرِدَ اسمُ مدينتي الجميلة سوى في سياق عبيد روما!)، يقف وقفةَ قزمٍ واحدٍ لنصرة أسياده، وضدّ شعوبه الغاضبة المتطلّعة إلى قيادةٍ ثوريّةٍ بحقّ، والتي حوّلها قمعُ الأنظمة وإرهابها إلى مفعولٍ به منصوبٍ فوق صليب الحلم الضائع.
وبعد حصار غزّة الكامل لعامٍ ونصف العام، وقبلها لسنين بشكلٍ جزئيّ، وبمشاركةٍ مصريّةٍ ـ فلسطينيّةٍ ـ رجعيّةٍ عربيّة، يَعْرض عربُ أمريكا علينا مئاتِ الملايين من الدولارات لـ "إعادة البناء" و"تضميدِ الجراح النازفة في غزّةَ هاشم،" متجاوزين مَثَل "مَنْ يقتل القتيلَ ويمشي في جنازته،" ليضربوا، ضربةَ رجلٍ واحدٍ طبعًا، مثلاً جديدًا: إنهم كَمَنْ باع ابنتَه لثريٍّ يغتصبها، ثم عَرض عليها مُسكِّنًا لآلامها ومحارمَ لتجفيف دموعها، وانتقد الغاصبَ لقساوة قلبه! والمثلُ الثاني أشدُ إيغالاً، لا في فقدان البوصلة القوميّة فحسب، بل في فقدان أيّ سمةٍ تمتّ إلى الإنسانيّة بصلةٍ أيضًا.
وغزّة هي الحالة الأوضح، في رأيي، التي نَشْهد فيها انتقالَ الأمم المتّحدة من موقع المتفرّج الممنوعِ من الكلام والإحساس منذ نشوء عالم القطب الواحد، كما تجسَّد في تمّوز 2006، إلى موقع الشريكِ الخجولِ في "الحرب على الإرهاب،" العربيّ ـ الإسلاميّ الملامح بالضرورة منذ هجمات سبتمبر 2001 الإجراميّة. فالجيش الإسرائيليّ قَصَفَ مدرسةً في بيت لاهيا لوكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة، بينما كان الأمينُ العامّ للمنظّمة الدوليّة في زيارةٍ رسميّةٍ إلى رئيس الوزراء الإسرائيليّ إيهود أولمرت لمناقشة "الأوضاع" في غزّة! ولم يكن هذا الصلفُ الإسرائيليّ والإجرامُ أمام شاشات التلفزة ليحصلا لولا الشعورُ الإسرائيليّ بالمنعة من النقد، وهو شعورٌ زاد قوةً في ظلّ تراكم حالات السكوت الأمميّ عن مجازر إسرائيليّة سابقة ارتُكبتْ ضدّ مواقع أخرى للأمم المتحدة، من قانا 1996 إلى جباليا 2009.
وهي المرةُ الأهمّ، ربما، منذ الحرب العالميّة الثانية، التي يصبح فيها النظامُ الأوروبيّ الرسميّ شريكًا متحمّسًا في الرقص على دماء شعبٍ يحاصَر ثم يُذبح في القفص، حيث لا مفرّ. صحيحٌ أنّ الاتحاد الأوروبيّ هو الشريكُ الأكبرُ لإسرائيل تجاريّاً وثقافيّاً وأكاديميّاً، وأنّه وقّع اتفاقيّةَ شراكةٍ معها رغم احتلالها ونظامها العنصريّ. وصحيحٌ أنّ بلدان الاتحاد المذكور هي التي خلقتْ إسرائيلَ أصلاً، وهي التي تجاهلت النكبةَ والتطهيرَ العرقيّ الهائلَ الذي صاحبها. وصحيحٌ أنها أبرزُ مَن ساعد إسرائيل على تملّك أسلحة الدمار الشامل والعدوان على مصر عام 1956، وأبرزُ مَن مَدّها كلّ عامٍ بمليارات من الهِبات. وصحيح أنها دَمجتْ إسرائيلَ في المنظومة الأوروبيّة فعليّاً، وإنْ لم يكن رسميّاً، في المجالين العلميّ والرياضيّ وغيرهما. كلُّ ذلك صحيح. ولكنْ في زمن غزّة، بلغ الاتحادُ الأوروبيّ الحضيضَ في تواطئه وخيانتِه لكلّ مبادئ حقوق الإنسان التي تَشَدَّقَ بها، وللقانون الدوليّ الذي طالما تغنّى به. فقد تجاهل الاتحادُ التقاريرَ الواردةَ من منظّمات حقوق الإنسان العالميّة والأوروبيّة عن مأساويّة الوضع في غزّة بسبب الحصار، وكلُّها أجمعَ على أنّ هذا الحصار هو عقابٌ جماعيٌّ يُحْكَم على مئات المرضى بالموت الفوريّ، وعلى عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، بالموت البطيء جرّاء الأمراض المزمنة. بل قرّر الاتحادُ مكافأةَ إسرائيل على حصارها لغزّة ـ وهو حصارٌ أسماه مبعوثُ الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، البروفيسور ريتشارد فولك، "مقدِّمةً لإبادةٍ جماعيّةٍ" و"محرقةً قيد التنفيذ" ـ في 9/12/2008، أيْ قبل العدوان على غزّة بأيّام، وذلك بالموافقة على رفع مستوى الشراكة معها لتصبح الشريكَ الخارجيَّ الأكثرَ اندماجًا في السوق الأوروبيّة. ولم يكن القرارُ الأوروبيُّ مصادفةً أو سهوًا؛ فقد حجَّ أهمُّ قادة أوروبا إلى القدس المحتلّة فور توقّف الحرب، مهنّئين أولمرت، على مأدبة عشاء، بـ "النصر على الإرهاب."
لا، لم أُهملْ دورَ الولايات المتحدة، تحديدًا لأنني لا أهمل دورَ إسرائيل. فالأولى لم تعد، ببساطة، السيّدَ الموجِّهَ الذي يَستخدم إسرائيلَ أداةً لخدمة مشروعه الإمبرياليّ، كما يدّعي نوام تشومسكي منذ عقود ويرفض بعنادٍ دوغمائيٍّ تبديلَ موقفه رغم المعطيات الجديدة التي تَدْحض نظريّتَه بشكلٍ حاسم. بل أمست الولاياتُ المتحدة وإسرائيل متشابكتيْن بشكلٍ عضويّ في ما يتعلّق بالسياسة تجاه "الشرق الأوسط." من المؤكّد أنّ سياسات الحكومة الأميركيّة تقوم في الأساس على خدمة مصالح النخب الماليّة والنفطيّة والاقتصاديّة والعسكريّة الأميركيّة، وتميل منذ انهيار الاتحاد السوفييتيّ إلى الهيمنة على العالم بشكلٍ عسكريّ واقتصاديّ مجنون؛ ولكنّ إسرائيل هي جزءٌ فاعلٌ ومؤثّرٌ في صياغة تلك السياسات. فهي تملك، بلا أدنى جدل، كلَّ خيوط الكونغرس الأميركيّ، ويتحكّم اللوبي الصهيونيُّ بدرجةٍ كبيرةٍ في إنجاح معظم المرشّحين/ـات إلى الكونغرس أو إفشالهم/ـنّ، الأمرُ الذي يعطيه ما يقارب الاحتكارَ الشاملَ لقرارات الكونغرس المتعلّقة بإسرائيل والقضيّة الفلسطينيّة، بل المتعلّقة بالوطن العربيّ والإسلاميّ بشكلٍ أعمّ. وخلال حكم المحافظين الجدد، وهم صهاينةٌ في المقام الأول وغلاةُ اليمين الأميركيّ الإمبرياليّ في المقام الثاني، بدأ نفوذُ إسرائيل في البيت الأبيض بالصعود التدريجيّ حتى وصل بعد اعتداءات سبتمبر 2001، ولأوّل مرةٍ، إلى مستوى يضاهي نفوذَها المتسلّط في الكونغرس. ولعلّ المكالمة الهاتفيّة التي جَرَتْ منذ أكثر من أسبوع بين أولمرت والرئيس الأميركيّ المنصرف، جورج بوش، أن تدقّ المسمارَ الأخيرَ في نعش نظرية "السيّد والتابع" التي روّجها تشومسكي منذ عقود: فقد كشف الإعلامُ عن غضب أولمرت من أنباء وردتْه عن نيّة وزيرة الخارجيّة الأميركيّة، كوندوليسّا رايس، التصويتَ في مجلس الأمن مع قرار "وقف إطلاق النار" الذي ساهمتْ بنفسها في صياغته، فطلب من أعوان بوش مقاطعةَ اجتماعٍ مهمٍّ له و"استدعاءه" على الفور للتحدّث معه على الهاتف. وامتثل بوش، فقطع خطابَه، وهرول إلى الهاتف، ليتلقّى أمرًا لا لبس فيه من أولمرت بعدم التصويت إلى جانب القرار. وهذا ما حدث، حتى قبل أن يقرأ بوش نصّ مشروع القرار!
أعطت هذه المعادلةُ الجديدة، والبالغةُ الأهميّة، إسرائيلَ فرصةً ذهبيّةً لاستغلال حظوتها في واشنطن من أجل التأثير، بشكلٍ غير مسبوق، في القرار الأوروبيّ المتعلّق بالصراع العربيّ ـ الصهيونيّ، وبالموقف من العرب والمسلمين عمومًا. فأصبحت النخبُ الحاكمة في معظم دول أوروبا ـ التي لم تعد تخفي "مسيحيّتها" الشوفينيّةَ رغم ادّعائها "العلمانيَّة" و"التنويرَ،" وباتت ترتعد خوفًا من زحف ملايين المهاجرين العرب والمسلمين "الغرباء" على أراضيها ـ تتطلّع إلى إسرائيل كنموذجٍ ناجحٍ يُحتذى في مكافحة الإرهاب وترويضِ العرب والمسلمين ليَلْزموا مكانَهم بوصفهم محضَ منتجين للموادّ الخام والعمل الرخيص ومحضَ مستهلكين مطيعين للمنتَج الغربيّ بأشكاله كافّةً.
* * *
في ظلّ هذه الصورة القاتمة لنشوء تحالفٍ عالميّ منقطع النظير ـ إذ يَشْمل، للمرة الأولى، القيادةَ الرسميّةَ لمنظمة التحرير الفلسطينيّة ـ في تاريخ الصراع العربيّ ـ الصهيونيّ، تلعب إسرائيلُ فيه دورًا محوريّاً وفاعلاً ، وبأدواتٍ عدّة (كاللوبي والإعلام والابتزاز بكيْل تهمة "معاداة الساميّة" في حقّ مَنْ يجرؤ على تحدّيها)، لم يعد ممكنًا ولا أخلاقيّاً البحثُ الجدّيُّ في أساليب المقاومة واستراتيجيّتها في منطقتنا من دون الأخذ في عين الاعتبار حصانةَ إسرائيل السياسيّةَ والدبلوماسيّةَ غيرَ المسبوقة، وما يعنيه ذلك من إمكانيّاتٍ واقعيّةٍ لإقدامها على القيام بمذابح كانت تُعتبر في الماضي، إلى حدٍّ ما، خطّاً أحمر لجيشها، لا لوازعٍ أخلاقيّ، معاذَ الله، بل خوفًا من فقدان الرأي العامّ العالميّ وما قد ينجم عنه من عقوباتٍ لا تقْدر عليها. إنّ جرائم إسرائيل في غزّة هي أكثرُ ما أعاد إلى الأذهان شبح "دير ياسين"؛ ففي صبرا وشاتيلا نفسيهما لم يقم الجنودُ الإسرائيليون بارتكاب المجزرة بأيديهم، بل لجؤوا إلى عملائهم من القوى الفاشيّة اللبنانيّة للقيام بالعمل القذر.
هناك استثناءاتٌ، بالطبع، كالحرب على لبنان عامَ 1982، حين قتلتْ إسرائيل ما يقارب العشرين ألف مدنيّ لبنانيّ وفلسطينيّ في أشهرٍ قليلة؛ ولكنْ، بشكلٍ عامّ، لم تكن إسرائيل قبل سنة 2001 تقْدم على ارتكاب مجازر واضحةِ المعالم ومكشوفةٍ كما حدث في لبنان في 2006 وغزّة في 2008/2009. إنّ الفرق بين قانا 1996 وقانا 2006، مثلاً، يَبْرز بشكل جليّ في تحوّل خطاب البروباغاندا الإسرائيليّ من محاولات تبرير "الخطإ" في الأولى وادّعاء الحرص على حياة المدنيين وقداسة مواقع الأمم المتحدة آنذاك، إلى لامبالاةٍ غيرِ مسبوقة في الثانية. وازداد الموقف الأخير وقاحةً في كلّ مجازر غزة. أما بعد 11 سبتمبر، فإسرائيل تتّخذ من الجرائم الأميركيّة ضدّ الإنسانيّة في العراق، وفي أفغانستان وإنْ بدرجة أقلّ، ومن التدمير الممنهج للمجتمع والاقتصاد والبنية التحتيّة العلميّة والأكاديميّة والثقافيّة هناك، مثلاً أعلى تقلّده وتحتمي به، بل تستنسخ قاموسَه الفاجر في عنصريّته وإجرامه وضربِه القانونَ الدوليَّ عرضَ الحائط، كلّما شعرتْ أنها قادرةٌ على أن تفعلَ ذلك وتفلتَ من العقاب.
* * *
ولكنْ ما العمل؟ الاستسلامُ لمشيئة طغاة العالم الجدد؟ تسليمُ مواردنا وأقدارنا على طبقٍ من فضّة إلى روما الجديدة وصغارها، وقبولُ دور العبيد بالابتسامة الذليلة عينها التي تظْهر على وجوه غالبيّة "حكّام" العرب؟ أنلغي مقاومتنا لأنّ ثمنها الإنسانيّ في عصر الفوسفور والقنابل العنقوديّة والانشطاريّة الهائلة التدمير لم يعد يُحتمل؟ أنركّز على تطوّرنا الثقافيّ والمهنيّ والعلميّ والديمقراطيّ لمواجهة الطاغوت بعقولنا، لا بسلاحنا؟
أرفض هذه الثنائيّة البغيضة؛ فهي إمّا ساذجة أو مغرضة. مَنْ قال إنّ المقاومة تُختزل في شكلٍ واحدٍ أو أشكالٍ ضيّقةٍ بعينها؟ فشعبُ فلسطين، تحديدًا، قاوم الاستعمارَ الاستيطانيّ الصهيونيّ منذ مئة عام بأساليب يَغْلب عليها الطابعُ الشعبيّ ـ المدنيّ، وذلك من خلال الإضراب والمقاطعة والمظاهرات والعرائض والإعلام والفنّ والأدب والتنظيم والتعبئة النقابيّة الاحتجاجيّة وغيرها. أما المقاومة المسلّحة فإنها، رغم محوريّتها في التاريخ الفلسطينيّ المعاصر، وبغضّ النظر عن شعبيّتها الواسعة لعقودٍ طويلة، لم تكن يومًا إلا مِنْ صنع آلافٍ من الفدائيين الذين يتمتّعون بروحِ فداءٍ عالية وإيثاريّة مطلقة في معظم الأحيان. أما الملايين من أبناء شعبنا فلم تساهمْ في المقاومة المسلّحة إلا في ما ندر، وبشكلٍ ثانويّ، كما في كلّ الثورات في العالم. ولم يكن ذلك عيبًا أو نقيصة؛ فالجماهير تحمي المقاومة المسلّحة وتمدّها بما تحتاجه، ولكنها لا تنخرط بمعظمها في هذا الشكل المقاوم، الرائد، النخبويّ بالضرورة، بل تسهم من جهتها، وبشكلٍ مكمّلٍ، بمقاومتها الأهليّة ذاتِ الطابع الشعبيّ، لا المسلّح.
هذا ما كان سائدًا في العصر الذهبيّ للمقاومة، رغم شوائبه العديدة وتجاوزاته المشينة، حتى 1982. أما في الفترة الأخيرة، وبالذات بعد اتفاقيّة أوسلو وتشكيل قوى أمنٍ فلسطينيّة كبيرة تضطلع بحماية أمن إسرائيل (نظريّاً لتثبت مقدرتَها على استلام زمام الأمن في الدولة "المستقلّة" القادمة)، فقد باتت المقاومة المسلّحة، في عددٍ من وجوهها وأشكالها، إمّا ادّعاءً فارغًا وتجاوزاتٍ تعبّر عن لامسؤوليةٍ فظيعةٍ من سلطةٍ تسعى إلى قبول الفتات من الاحتلال، أو مراهنةً محكومةً بالفشل، ولو بنوايا ثوريةٍ بحقّ، بسبب العزلة التامة التي تفرضها إسرائيلُ ولعدمِ وجود أفق حقيقيّ للتطوّر يتيح للمقاومة المسلّحة أن تصبح مؤثّرة. وفي موازاة ذلك، وتحديدًا بعد الفشل الذريع لجميع فصائل المقاومة في التصدّي لاجتياح 2002 نفسه، باستثناء البطولة الفذّة للمقاومة في مخيّم جنين، أصبحت الغالبيّةُ الساحقةُ من الجماهير الفلسطينيّة في المناطق المحتلّة عام 1967 متفرّجة بل غيرَ مبالية بهذا الشكل من أشكال المقاومة. والفلسطينيون من حملة الجنسيّة الإسرائيليّة منفيٌّ دورُهم هم أيضًا، باتفاقٍ إسرائيليّ مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينيّة. وكذلك الوضع بالنسبة إلى الغالبيّة الفلسطينيّة في الشتات وبلدان اللجوء.
وأسوأ ما يميّز مرحلتنا الحاليّة هو انقلابُ المفاهيم الوطنيّة رأسًا على عقب، وشبهُ الانهيار الذي لحق بثقافة المقاومة لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من الشعب الفلسطينيّ، بشكل ربما يعدّ الأخطر منذ تأسيس منظمة التحرير وانطلاقة الثورة المعاصرة. فباتت الخيانةُ وجهة نظر؛ والاستجداءُ فيما يسمى زورًا بـ "المفاوضات" نهجَ حياة؛ والمقاومةُ ـ بأشكالها ـ كثقافةٍ ونهجٍ ضروريين للتحرر عبثًا أو نقمةً؛ وحمايةُ المستعمرات واجبًا وطنيّاً من أجل بناء الدولة المستقلة؛ والتنازلُ عن حقّ عودة اللاجئين إلى ديارهم ذكاءً وحنكةً؛ وإقصاءُ فلسطينيي 48 من تعريف الشعب الفلسطينيّ عدمَ تدخّلٍ في شؤون الدول الصديقة، ... إلخ. وفي رأيي أنّ أوسلو كانت هي فعلاً قمةَ العبقريّة الصهيونيّة التي استطاعت من خلالها تدجينَ قادة الشعب الفلسطينيّ، ومثقفي السلطة التابعين لها، وقطاعٍ مهمٍّ من المؤسّسات المموّلة أجنبيّاً ـ وبالذات تلك المنخرطة في "صناعة السلام،" وهي الأكثر رواجًا ـ بحيث باتوا يروْن خلاصَهم ومصالحَهم "الوطنيّة" من منظار الحاجة إلى إقناع "الجانب الآخر" بأننا بشر، وبأننا مسالمون و"حلوين" ننبذ الإرهابَ ونمزّق مواثيقنا ونقمع مقاومينا ونساعد في اغتيالهم أيضًا، وبأننا حضاريّون إلى حدّ استضافتنا مغنّياتٍ إسرائيليّات يغنين "هل غَأَى الحبُّ سُكاغَى،" ونستهلك البضاعةَ الإسرائيليّة أكثرَ من منافساتها وإنْ علِمْنا علمَ اليقين أنها في غالبها مسرطنة أو ضارّة، ونغضّ الطرفَ عن مصادرة أراضينا وتدمير منازلنا واقتلاع زيتوننا وهدم مؤسساتنا، بل نرقص الدبكة الشعبيّة بأعلامٍ فلسطينيّة كُتب عليها بالعبريّة "صُنع في إسرائيل"... وكلّ ذلك يهون من أجل عيون "سلام الشجعان." إنها، بالفعل، أسمى أنواع "الشجاعة": أن ينسلخ العبدُ عن جلده فيتخيّلَ عبوديّتَه وذلّه حريّةً وإباءً!
* * *
ولكنّ حزب الله رسم نموذجًا للمقاومة غيّر كلَّ المفاهيم العربيّة عنها. فلم يسبقْ في تاريخنا العربيّ المعاصر أنْ نشأتْ مقاومةٌ ذاتُ شعبيّةٍ هائلة، استطاعت أن تبني شبكةَ خدماتٍ اجتماعيّة وصحّيّة وتعليميّة قلّ نظيرُها، وأن تطوِّر في الوقت نفسه قدراتٍ كفاحيّةً غايةً في التعقيد والعصريّة والكفاءة والمهنيّة، مع احترامٍ عميقٍ لقيمة الإنسان وحياته وكرامته (رغم كلّ نقدي لتعاملهم مع المرأة، ونقدي لمرحلةٍ طويلةٍ من مشوارهم مع المختلفين معهم في الفكر). ففصائلُ منظّمة التحرير في عزّها، هي نفسُها، لم تتمتّعْ يومًا بهذ الصفات مجتمعةً (رغم علمانيتها وتقدميّتها مقارنةً بحزب الله)، وبالذات من ناحية القدرة القتاليّة القادرة على ردع رابع أعتى جيشٍ في العالم؛ وترافق ذلك مع تحمّل حزب الله المسؤوليّة الحقيقيّة تجاه المواطنين وحياتهم الكريمة.
في مراحل تحرير جنوب لبنان منذ سنة 2000، وانتهاءً بانتصار المقاومة الحاسم في كسر العدوان الإسرائيليّ في سنة 2006 (لا معنويّاً فقط، بل عسكريّاً واستخباراتيّاً، وفي مجال الاتصال وأجهزة السيطرة والتحكّم والمبادرة وغيرها أيضًا، وبشكلٍ لا يدع مجالاً للشك)، بزغ نموذجٌ غيرُ مألوف في كتب المقاومة العربيّة للاستعمار، وبات يشكل إلهامًا لقوى المقاومة في فلسطين والعراق وغيرها. ولكنّ العين بصيرة واليد قصيرة. فمن أين لنا، في فلسطين، "سوريا"؟ ومن أين لنا القدراتُ العجيبةُ على التدريب والتسلّح وإعدادِ أرض المعركة بعيدًا عن أنظار العدوّ وعملائه؟ وطبعًا، من أين لنا قيادةٌ كقيادة حزب الله العبقريّة، من دون مبالغة، في التكتيك والتعبئة والحرب النفسيّة وتحويل قوة العدوّ ضعفًا، والحريصة على شعبها ومقدّراته ومستقبله (ولو اختلف بعضُنا، وبقوة، مع توجهها الإيديولوجيّ والاجتماعيّ الإقصائيّ بالمفهوم النسبيّ، وغير المقتنع تمامًا بحريّة التعبير وحريّة الاعتقاد ومساواة المرأة بالرجل وغيرها من الحريّات الأساسيّة)؟
لقد لعب الشهيد عماد مغنيّة ورفاقُه، كما كشفت جريدةُ الأخبار مؤخّرًا، دورًا أساسيّاً في نقل بعض خبرة المقاومة اللبنانيّة إلى غزّة وفصائل المقاومة هناك. وقد أثبتت المقاومةُ الفلسطينيّةُ مقدرةً بطوليّةً مشرّفةً على صدّ تقدّم الجيش الإسرائيليّ البرّيّ في غير محورٍ في قطاع غزّة المحاصر، الذي يفتقر إلى معظم أساسيّات العيش. كما استمرّت في إطلاق صواريخها المحليّة الصنع لتصل إلى مواقع استراتيجيّة لدى العدوّ: من مطارات، إلى قواعد صواريخ غير تقليديّة، إلى مناطق صناعات تكنولوجيّة وعسكريّة متطوّرة، كبلدة كريات غات. وقلّصت المقاومة من خسائرها في أرواح المقاتلين وعتادهم البسيط، مقابلَ آلة الحرب الإسرائيليّة الكاسحة. وهذا بحدّ ذاته فاجأ مخطّطي الحرب لدى العدو، وحَرَمَ القيادةَ السياسيّة الإسرائيليّة والأميركيّة، وأتباعَهما من العروبة التي فقدتْ عروبتَها، من النصر السياسيّ الذي كانوا قد حلموا به وخطّطوا له قبل أفول عهد بوش وأولمرت معًا.
ولكنْ ما الثمنُ الإنسانيّ الذي دفعناه في غزّة؟ ألا يدْخل في حسابات تقويم الربح والخسارة على إثر العدوان؟ مرةً ثانية نسأل: لمن نقاوم ولماذا؟ ألا نقاوم ليعيش أطفالُنا، إنْ لم نكن نحن، عيشةً حرّةً كريمةً من دون احتلالٍ ولا اضطهادٍ ولا قمعٍ سياسيّ أو اجتماعيّ أو فكريّ؟ عندما يُذبح ما يقارب 500 طفل، ومئاتٌ غيرُهم، خلال ثلاثة أسابيع، وعندما يُحكم على جيلٍ كاملٍ من أطفالنا وكبارنا في غزّة بالمعاناة النفسيّة والجسديّة لعقودٍ قادمة بسبب الحصار الممتدّ لسنين وبسبب العدوان ونتائجهما، فإنه لا بدّ من التساؤل مرةً ثانية: هل كان بالإمكان تفادي كلّ ذلك أو تقليصُه؟ ولكنْ، ألم يمت الناسُ في غزة موتًا بطيئًا بسبب الحصار وسوء التغذية وتلوّث البيئة والتربة والحرمان من المرافق الصحيّة والتعليميّة المعقولة وتفشّي الفقر والبطالة وانعدام فرص التنمية بأشكالها؟ إذا نجحت المقاومة في انتزاع فكّ الحصار عن القطاع نكون قد حقّقنا إنجازًا تاريخيّاً سيساعد في تقليص الكلفة الإنسانيّة على المدى البعيد. ولكنْ يبقى السؤال: ما أفقُ المقاومة في قطاعٍ محاصرٍ من قبل العدوّ من ثلاث جهات، ومربوطٍ بالعالم الخارجيّ فقط من خلال أنفاقٍ تؤدّي إلى أراضي بلد شقيقٍ/نظام معادٍ لا يملك قرارَه المستقلّ؟ بكل إبداع حزب الله، وبكلّ تفاني رجال المقاومة الفلسطينيّة بفصائلها كافّةً، لا يمكن تجاوزُ هذه الجغرافيا الرهيبة، التي تزداد ضيقًا مع انخراط الوحش الأكبر ودول الأطلسيّ بشكل مباشر في حماية "أمن إسرائيل" من أنفاق حماس. فمن أين لنا بـ "سوريا" كرئة تتنفّس بها مقاومتُنا؟
ثم لا بدّ من المقارنة في قدرة الردع بين المقاومة اللبنانيّة، بصواريخها التي تصل حقّاً إلى "ما بعد بعد حيفا،" وبقدراتها العسكريّة المذهلة التي رفعتْ رؤوسنا جميعًا وباتت تؤرّق كلّ مخطِّطٍ ومحلّلٍ عسكريّ وسياسيّ إسرائيليّ... وبين الصواريخ الفلسطينيّة البدائيّة نسبيّاً، ذاتِ التأثير النفسيّ أكثر من أيّ شيء، لقلة قدرتها التدميريّة. ولم تُبْدِ المقاومة الفلسطينيّة، للأسف، القدر نفسه من المسؤوليّة العالية والمشرِّفة التي اتّسم بها حزبُ الله دومًا تجاه المواطنين ومصالحهم وحياتهم. كما أنّ المقاومة التي لا تميِّز بين مدنيين وعسكريين في المعسكر الآخر تثير أسئلة أخلاقيّة وقانونيّة لا يمكننا التهاونُ بها. ولا يهمّ هنا إنْ كانت إسرائيل غيرَ ملتزمة بالقوانين الدوليّة أو الأخلاق؛ فالدولة الصهيونيّة لم تكن يومًا معيارَ الأخلاق لنا ولمقاومتنا! كما أننا الطرف الأضعف الذي يحتاج إلى تأييد الرأي العامّ العالميّ وإلى أن يستند على مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدوليّ، رغم إجحافها بحقوقنا وسيطرة الأقوياء على ترجمتها وتطبيقها. فلا خيار لنا إلاّ البناء عليها لحشد تأييدٍ عالميّ لحقوقنا يلتفّ حول عدالة قضيّتنا.
* * *
هنا نأتي إلى أبرز نصرٍ تحقّق لنا خلال هذه الأسابيع الدامية، الباهظة الثمن الإنسانيّ، وهو بدايةُ التحوّل الدراماتيكيّ لقطاعاتٍ واسعةٍ في الرأي العامّ الأوروبيّ لصالح شعارات "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها." فللمرّة الأولى، بدأتْ تبرز إرهاصاتٌ قويّةٌ لحركةٍ عالميّةٍ مناهضةٍ لإسرائيل كدولة محتلّةٍ، عنصريّةٍ، مجرمةٍ، مارقةٍ، وخارجةٍ عن القانون، أيْ كما كانت جنوبُ أفريقيا في زمن الأپارتهايد.
إنّ من شأن تطوير مقاومة فلسطينيّة شعبيّة تتبنّى مقاطعةَ إسرائيل بشتّى الوسائل، وتستلهم تاريخَنا الغنيّ الحافل بأشكال الكفاح المدنيّ، كما تستلهم تجربة النضال في جنوب أفريقيا، أن يحشد تأييدًا عالميّاً فاعلاً ومؤثّرًا وقادرًا على عزل إسرائيل كبدايةٍ لفرض التقهقر عليها. لن ننجح في إقناع الإسرائيليين بشيء؛ فلا مستعمرَ في التاريخ استغنى عن مزاياه الاستعماريّة بالإقناع. وبفرض ميزانِ قوًى جديدٍ على إسرائيل، فإننا سنجبرها على التراجع ونبدأ في تحصيل حقوقنا المكفولة بالقوانين الدوليّة ومبادئ حقوق الإنسان، رغم كلّ مآخذنا على تلك القوانين والمبادئ. ولكنّ علينا أن نجرّ إسرائيل من ميدان المعركة التي تهيمن فيه بقدراتها العسكريّة الهائلة وترتكب فيه الفظائعَ ضدّ أهلنا ومدننا ومخيّماتنا بغطاءٍ سياسيّ - دبلوماسيّ عالميّ وعربيّ و"فلسطيني،" كما أسلفتُ، إلى ميدان معركةٍ جديد، نحن فيه الأقوى بما لا يقاس، لا أخلاقيّاً فحسب، بل فعليّاً وسياسيّاً أيضًا.
لن تستطيع المقاومةُ، في أحسن أحوالها، كما تجسَّدَ في غزّة بصورة مشرِّفة، أن تفرض الهزيمة على إسرائيل، بل تستطيع فقط الصمودَ في وجهها ومنعها من تركيعنا. وهذا يُعَدّ بطولةً في حدّ ذاته، ولكنه لم يعد كافيًا لتحقيق النصر أو ردع إسرائيل عن إبادة عددٍ هائلٍ من شعبنا، كما يحدث الآن تحت أنظار العالم، ومنذ أكثر من عامٍ ونصف العام في قطاع غزّة. لقد آن الأوانُ لمقاومةٍ يشارك فيها معظمُ شعبنا، لا عبر مشاهدة قناة الجزيرة (مع تقديرنا العالي لدورها الفذّ)، بل بالعمل المقاوم الفعّال المدعوم عالميّاً والذي يصون حياةَ الإنسان وكرامتَه لدحر إسرائيل وتحصيل حقّنا في تقرير المصير على أرضنا، وهو ما لا يتحقق سوى بعودة لاجئينا إلى ديارهم وإنهاء الاستعمار الصهيونيّ لأرضنا. وبالنظر إلى تجاربنا الناجحة في الكفاح الشعبيّ، فإني أجزم أننا نستطيع أن ننتصر، ولو في زمن الفوسفور.
فلسطين
عمر البرغوثي محلّل سياسيّ، وأحد مؤسّسي "الحملة الفلسطينيّة لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" www.BDSmovement.net










التعليقات
علِّق