مذبحة غيتو غزّة: الوقائعُ والعِبَر

ترجمتها عن العبريّة: رجاء زعبي عمري

أخصّائيّو الدعاية العاملون في خدمة حكومة إسرائيل، والذين يرافقون حملةَ الذبح الجارية في قطاع غزّة، يقولون، ويكرِّرون بلا كلل: "كم تُثبت هذه الحربُ على غزّة أنّ إسرائيل قد استخلصت العِبَرَ من حرب لبنان الثانية!" يعبِّر تكرارُ مثل هذا القول عن القلق الذي يعتري المؤسّسةَ الصهيونيّة، مشغِّلةَ آلةِ الدعاية المذكورة. لقد كان أحدُ نواقص حرب إسرائيل على لبنان أنها لم تتسلّحْ بما تسمّيه إسرائيلُ "مرافقةً دعائيّة." أما في هذه المرّة فيقولون إنّ "وضعَنا مختلف"؛ أيْ إنهم ـ بحسب ظنّهم ـ ينجحون اليومَ في إيجاد المبرِّراتِ اللازمةِ لكلّ هذا التقتيل الذي يقومون به.
وفي مقابل آلة الدعاية الموجَّهة نحو دول الخارج، ونحو الجمهور اليهوديّ في دولة إسرائيل أيضًا، تعالوْا نذكرْ بعضَ الوقائع الأساسيّة لندرك كيف وصل الوضعُ منذ عام 2006 ـ فنحن مجبَرون على البدء من تاريخٍ ما! ـ إلى ما هو عليه.

الوقائع
في انتخابات المجلس التشريعيّ فازت حركةُ حماس فوزًا ساحقًا (أكثر من 60% من الأصوات). وإنه لمبدأٌ ديمقراطيٌّ أساسٌ أنّ الفائزَ بالأغلبيّة هو مَنْ يشكّل الحكومة؛ وهذا هو هدفُ الانتخابات. قد لا يروق بعضَهم برنامجُ حماس، ومنهم كاتبُ هذه السطور، ولكنّ المبادئ الديمقراطيّة هي المبادئُ الديمقراطيّة، ويجب احترامُها وتطبيقُها، وإلاّ فسينشأ لدينا تشوّهٌ فظيعٌ، لأنّ إرادة الشعب هي التي لم يجْرِ احترامُها. وفي هذه الحالات تكون النتائجُ كارثيّةً؛ وهذا ما كان بالفعل.
في واشنطن، وفي العواصم الأوروبيّة، وفي مبنى الحكومة ]الإسرائيلية] في القدس، قرّر الجميعُ ـ ولم تكن تلك هي المرّةَ الأولى ]التي يفعلون فيها ذلك] ـ أنّ الشعبَ الفلسطينيّ مادّةٌ تشكّلها القوى العظمى وفق مصالحها، ولا مكانَ لإرادة هذا الشعب في الألعاب التي يديرونها. إذنْ، تنبغي إبادةُ "حماس"؛ وعليه، ستكون إسرائيلُ هي الأداةَ الطبيعيّةَ في أيديهم لتنفيذ المهمّة القذرة: سحقِ الشعب.
في بداية شباط، بعد أسبوعيْن بعد الانتخابات، التأم المديرون العامّون لوزارات حكومة إسرائيل برئاسة دوف فايسغلاس، مديرِ عامّ مكتب رئيس الحكومة، في جلسةٍ تداولوا خلالها طرقَ "العقاب" التي يتوجّب اتّباعُها بحقّ السكّان الفلسطينيين في مناطق 67 لأنّهم تجرّؤوا على الاقتراع بعكس رغبة مَنْ يظنّون أنفسَهم أسيادًا عليهم. قالوا في تلك الجلسة: "يجب إحكامُ الطوْق حول العنق." وبحسب ما نُشر في الصحافة الإسرائيليّة، قهقه فايسغلاس قائلاً: "نعم، ولكنْ ليس إلى درجة الموت خنقًا!". وهكذا فعلوا. اتُّخذتْ إجراءاتٌ أقسى من تلك التي اتُّخذتْ في قمع الانتفاضة الثانية، ومَنعوا دخولَ البضائع الأساسيّة.
بداية حزيران 2007: حركة حماس تُمْسك بزمام الحُكم بعد سنةٍ ونصفِ السنة من تخويل الشعب إيّاها ذلك. جميعُهم: بوش، والرباعيّة، والاتحادُ الأوروبيّ، والأممُ المتحدة، والأنظمةُ العربيّة، وإسرائيل بالطبع، يقرّرون مقاطعةَ حكومة إسماعيل هنيّة التي تشكّلتْ. ولكنهم، وهذا غايةٌ في الأهمية، يقرّرون فرضَ حصارٍ شاملٍ على القطاع، وهو ما يعني إغلاقًا مُحْكمًا للمعابر، منه وإليه، وهذا يعني كارثةً حقيقيّةً ستحلّ على السكّان. ومنذ شباط 2006 تدهورت الأحوالُ حتى بالنسبة إلى ما حلّ بالناس منذ بدء الانتفاضة الثانية. الآن، الحديثُ هو عن ضائقةٍ فظيعة. في قطاع غزّة لا وجود للحاجيّات الأساسيّة. إذنْ، كيف لأمٍّ وأبٍ أن يقفا مكتوفََي الأيدي وهما يَشْهدان أطفالَهما جائعين، مرتجفين من البرد في بيوتهم، أو مرضى يُنْقلون إلى مستشفياتٍ تعاني نقصَ المواد الطبّيّة الأساسيّة؟
هكذا بدأتْ "صناعةُ الأنفاق." لقد نشأتْ من الحرمان الفظيع الذي أنزلتْه قوى الرجعيّة الظالمة على سكّان قطاع غزّة، الذين وقفوا، لا حولَ لهم ولا قوّة، أمام عناصرَ محلّيّةٍ استغلّت ضائقتَهم المروِّعة، ودسّت في جيوبها أرباحًا كبيرةً على حساب جمهورٍ يقف عاجزًا أمام إسرائيل وهي تَخْنقه. والآن، تريد إسرائيل أن تبقي المعابرَ مغلقةً، وفوق ذلك أن تسدّ الأنفاقَ في رفح. لقد استغلّت حماس أيضًا تلك الأنفاقَ التي حُفرت، ولكنّ سببَ وجود الأنفاق هو احتياجُ مليون ونصف من السكّان إلى المأكل ووسائل التدفئة والكهرباء!
سياسةُ العقاب، التي أُنزلتْ بجميع السكّان لأنهم صَوّتوا في الانتخابات بما ينافي رغبةَ أولئك الأسياد، رافقتْها حملةُ اعتقالاتٍ في الضفّة الغربية، في الأشهُرِ التي تلت كانونَ الثاني 2006، وطاولتْ مجموعاتٍ كبيرةً من مؤيّدي حركة حماس وأعضائها، ونوّابِ الحركة في المجلس التشريعيّ. وفي أعقاب الاعتقالات، جاء إطلاقُ بعض الصواريخ المتفرّقة. ومع اشتداد الحصار، ازدادت وتيرةُ إطلاق الصواريخ. ولكنْ هل مِن شكّ في أنّ شعبًا محاصَرًا ومجوَّعًا لن يقاوم أولئك الذين حاصروه وجوّعوه؟ أهنالك مَنْ يشكّ في أنّ إسرائيل بدأتْ عندئذ ـ وباسم قادة هذا العالم ـ باتخاذٍ خطواتٍ بربريّة؟ لا عجب، والحالةُ هذه، أن تردّ حماس بإطلاق الصواريخ، وبوتيرةٍ متصاعدةٍ في شهرَيْ نيسان وأيّار 2007.
في بداية شهر حزيران أعلنتْ حكومةُ إسرائيل أنها على استعداد لإبرام اتفاق تهدئة. وفي اتفاق وقفِ الأعمال العدوانيّة اتُّفق ـ بوساطةٍ مصريّةٍ ـ على بنديْن: وقف النيران من الجانبيْن، وفتْح المعابر. غير أنّ إسرائيل لم تطبّق البندَ الثاني من الاتفاق؛ وردّاً على ذلك، أَطلقتْ حركةُ حماس، من حينٍ إلى آخر، صواريخَ باتجاه البلدات الإسرائيليّة المتاخمة للجدار. كان إطلاقُ النيران على فتراتٍ متباعدةٍ جدّاً؛ وعمومًا، منذ عام 2000 وحتى كانون الأول 2007، قُتل جرّاء إطلاق صواريخ القسّام 8 مواطنين إسرائيليين. وقد طالب الناطقون باسم حماس، مرارًا وتكرارًا، بفتح المعابر. ولكنْ، خلافًا لما اتُّفق عليه، لم تُفتح المعابر، وذلك تطبيقًا لالتزامٍ آخر، أهمّ بكثيرٍ بالنسبة إلى إسرائيل، ألا وهو التزامُها تجاه ما يسمّى "المجتمع الدوليّ" ـ أيْ قوى القمع والهيمنة على العالم: فقد أُلقيتْ على عاتق إسرائيل مهمّةُ الإطاحة بالحكومة التي نجمتْ عن انتخابات كانون الثاني 2006.
وبحسب ما جاء في صحيفة هآرتس، فإنّ إسرائيل، في الوقت الذي قَبلتْ فيه اتفاقَ التهدئة (حزيران 2007)، قد أوكلتْ حكومتُها الأمنيّةُ المصغّرةُ (الكابينِت) إلى الجيش مهمّةَ التخطيط والإعداد لهجومٍ شاملٍ على قطاع غزّة. وقد تدرّبت القواتُ النظاميّة على أساليب الحرب في مناطق مأهولة، وتلقّت كلُّ وحدةٍ تفاصيلَ المسار الذي ستسلكه بعد الاجتياح، وتدرّبتْ بناءً عليها. كما تلقّى الطيّارون الحربيّون الأهدافَ التي ينبغي عليهم قصفُها. وهكذا فإنّ الجيش الذي قَصَفَ وفجّر واجتاح، ابتداءً من 27/12/2008، كان على استعدادٍ لكافّة التفاصيل الميدانية لحمْلته، حتى آخرها. ومنذ شهر نوفمبر تواترت الأحداث، إذ إنّ التهدئة تنتهي في 15/12.
ولكنّ أسبابَ انقضاض الوحش لا تنتهي هنا. فالعاشر من شباط 2009 هو موعدُ الانتخابات البرلمانيّة في إسرائيل؛ واستطلاعاتُ الرأي تتنبّأ بهزيمةٍ ساحقةٍ لائتلاف كاديما ـ حزب العمل، وبنصرٍ ساحقٍ أيضًا لغريمهما: حزبِ الليكود. ووفقًا لاستطلاعات الرأي نفسها، يُنتظر أن يكون نصيبُ حزب العمل، وهو حزبُ براك وزيرِ الدفاع، 10 ـ 11 مقعدًا في الكنيست (من أصل 120!). من الواضح أنّ حربًا تتجنّد لها جميعُ أبواق الإعلام الحكوميّة، ويحصل مَنْ يديرونها على دعايةٍ قُصوى وكأنّهم "ينفّذون إرادةَ الشعب،" هي حربٌ تجلب فوائدَ جمّةً لجهاز الحكم الحاليّ، على الأقلّ في مرحلتها الأولى. وهنالك سببٌ آخر حدّد تاريخَ شنّ الحرب في نهاية شهر 12؛ فأوباما يتسلّم مهامَّ منصبه كرئيسٍ للولايات المتّحدة الأمريكيّة في 20/1، والدعمُ الكليّ الذي يبديه الرئيسُ بوش لسياسات إسرائيل يجب استغلالُه حتى النهاية، إذ لا يمكن أن يُعرف ماذا سيحصل مع الرئيس الجديد أوباما.
وهكذا، في بداية شهر11/2008، وكما قلنا آنفًا، بدأتْ وتيرة الأحداث بالتصاعد. ففي 4/11 هاجمتْ وحدةٌ من وحدات جيش إسرائيل مقاتلين من حركة حماس في نفقٍ حفروه على بُعد بضع مئات الأمتار من الجدار، ولكنْ داخل أراضي قطاع غزّة. وفي اليوم التالي، تسبّب صاروخ أرض ـ جوّ بمقتل 5 من ناشطي حماس، شماليَّ القطاع، عندما أُطلق على سيّارةٍ كانت تقلّهم. لا شكّ في أنّ هذه العمليّات كانت عمليّاتٍ استفزازيّة، ومن الصعب ألاّ نراها في سياق سيناريو مُعدٍّ ومخطّطٍ لاستجلاب نتائجه المتوقّعة. وقد ردّت كتائبُ عزّ الدّين القسّام بإطلاق صواريخ مكثّفٍ على البلدات الإسرائيليّة. هنا، وجدتْ إسرائيل مبرِّرَها لإحكام إغلاق المعابر من القطاع وإليه، أيْ لتنفيذ حصارٍ شاملٍ أو: خنْق. وفي أجواء التصعيد الذي قرّرْته حكومةُ إسرائيل وقامت به، وجد السكّانُ المحاصَرون في القطاع أنفسَهم أمام الموعد الرسميّ لانتهاء "تهدئة" الأشهر الستّة.
رفضتْ حركةُ حماس تمديدَ التهدئة إنْ لم تُلزَم إسرائيلُ ببند فتح المعابر بينها وبين القطاع: فالمعابر هي قصبةُ الهواء التي يتنفّس منها قطاعُ غزّة. ورفضتْ إسرائيل ذلك؛ فهي تريد لنفسها التحكّمَ الحصريّ بالمعابر. وعلاوةً على ذلك، فإنها تعرف تمامَ المعرفة أنّ حماس سترفض تمديدَ التهدئة من دون تطبيق هذا البند. هكذا وُضعت المتفجّراتُ اللازمةُ للانفجار الكبير الذي كان سيأتي حتمًا: صواريخ "غراد" البعيدة المدى تُطلَق على إسرائيل للمرّة الأولى.
في 27/12 فَتحتْ جهنّماتُ السّماء أبوابَها فوق قطاع غزّة. إنها الحرب التي أُعدّت بدقّة طوال أشهر في مقرّ القيادة العامّة لجيش إسرائيل. إنها الحرب نفسُها التي تدرّب عليها، على الأقلّ منذ شهر حزيران، طيّارو إسرائيل الحربيّون، ومظلّيّوها، وسلاحُ مدرّعاتها، وسلاحُ مدفعيّتها، كما سلاحُ مشاتها، وسلاحُ بحريّتها. إنها الحرب التي شنّتها مَنْ تعتبر نفسَها القوةَ العسكريّةَ العظمى في الشرق الأوسط، ضدّ شعبٍ بلا دولة، وبلا جيش، وبلا نظام حكم معقول، وبلا سلاحٍ معتبَر (إذ، في مواجهة عدوٍّّ كهذا، ما هو الكَلاشنيكوف وصواريخُ القسّام وصواريخُ غراد، التي تثير الهلعَ ولكنها لا تقتل؟).
مجدّدًا، هذه الحربُ المعلنةُ على الشعب الفلسطيني في غزّة، بدأتْ ولم تنتهِ.

العِبَر
حربُ الإبادة هذه هي مرحلةٌ تُضاف إلى سلسلة المذابح الجماعيّة التي ارتُكبتْ بحقّ الشعب الفلسطينيّ منذ عام 1948. فمنذ حرب تقسيم فلسطين التي أدّت إلى النكبة، إلى المذبحة الجارية أمام أعيننا في غزّة، مرورًا بسنوات الخمسين وسنوات الستين من القرن الماضي، إلى تلّ الزعتر وصبرا وشاتيلا، عَقد حكّامُ العالم عزمَهم، مجتمعين، على أمرٍ مفادُه أنه، في الشرق الأوسط الذي نبنيه، كمنطقةِ هيمنةٍ إمبرياليّة، لا مكانَ للشعب الفلسطينيّ. وهكذا أقيمت دولةُ إسرائيل لتكون حجَرَ زاوية العِمارة الإمبرياليّة هنا: فهي تحافظ على سلامة العِمارة، وهذه هي وظيفتها. ولهذا أيضًا، نجد الأنظمةَ الأخرى في المنطقة، وبوصفها حجارةً في هذه العِمارة نفسها، حريصةً كلَّ الحرص على إسرائيل. وهذا هو ما تُثْبته مجدّدًا المحنةُ الدمويّةُ الحاليّةُ التي تُلمّ بفلسطينيي قطاع غزّة.
من بين مجمل مليون ونصف مليون من سكّان غزّة، يعيش هناك نحو 960,000 لاجئ؛ أيْ ما يشكّل ثلثَيْ سكّانه. مساحة قطاع غزّة هي 360 كم مربعًا، ويُعتبر أكثرَ مناطق العالم كثافةً سكانيّةً، ولاسيّما مخيّم جباليا. نحن نتحدّث هنا عن لاجئين طُردوا من وطنهم. وهم في ذلك مثلُ جميع اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان وسوريا والأردن وبقيّة الشتات. منذ عام 1948 تتعاقب الحروبُ في المنطقة، واحدةً تلو الأخرى. ولن يكون حلٌّ لقضيّة فلسطين إنْ لم تُحلّ قضيّةُ اللاجئين؛ أيْ إنْ لم يُتح للاجئين تطبيقُ حقّ العودة، عودتهم.
عودةُ اللاجئين، أيْ إعادةُ توحيد الشعب الفلسطينيّ في أرض وطنه، لا يُمْكنها أن تتحقّق سوى في دولةٍ واحدةٍ علمانيّةٍ، أيْ لا تعرِّف المواطنَ فيها وفق منشإه العرقيّ أو الديني. ولا يمكنها أن تتحقّق سوى في دولةٍ ديمقراطيّة، أيْ يتساوى فيها المواطنون. فقط دولةٌ كهذه هي دولةٌ حرّة، ومستقلّة، وسيّدة. وإنّ غزّة، المعذَّبة والنازفة، تطرح أمامنا، هي أيضًا، هذا التحدّي.

فلسطين 48

* يهودا كوبرمان ناشط سياسيّ في فلسطين 48. من مؤسّسي "اللجنة لأجل الجمهوريّة الديمقراطيّة العلمانيّة في كامل فلسطين،" ومن المبادرين إلى "مؤتمر حيفا لأجل حقّ العودة والدولة الديمقراطيّة العلمانيّة في فلسطين." بروفسور في علم الألسنيّات، ونشر في هذا المجال نحو ستين عملاً باللغة الفرنسية. والمقال مكتوب خصّيصًا لـ الآداب.

التعليقات

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.