الكتابة تحت النار
إنها المرة الثالثة التي يُطلب مني أن أكتبَ "تحت النار": الأولى كانت في حرب الخليج، والثانية أثناء حرب تموز 2006، والآن في جحيم الحرب على غزّة. هل استعملتُ المصطلحاتِ الصحيحةَ لتعريف الحروب التي خاضتها إسرائيلُ وأمريكا على شعوبنا؟ أيصحّ أن نستخدمَ، بعد الأفعال التي قَتلتْ فيها أمريكا وإسرائيل هذا الكمَّ الهائلَ من البشر في فلسطين والعراق ولبنان وبلدانٍ أخرى، فعلَ "خاضت" ــ وهو الفعلُ الذي نستخدمه في سياقٍ آخر، غير وحشيّ، كما في قولنا: "خاض فريقُ ريال مدريد مباراةً ضدّ مايوركا"؟ وكيف إذا كتبتُ إنّ "الحرب بين إسرائيل وحماس،" وذلك بعد أن كنتُ قد تعرّضتُ لاتهاماتٍ شفهيّةٍ ومكتوبةٍ لأني قلتُ عن حرب صيف 2006 إنها "حربٌ بين حزب الله و إسرائيل"؟ أعترف بأني أخاف قنّاصي الكلمات.
إذنْ، ما هو المصطلح الذي سأستعملُه لوصف الحرب الدائرة منذ 27/12/2008 في جنوب فلسطين، أو "جنوب إسرائيل،" أو ما استحدثه بعضُ "المثقفين" بدلاً من فلسطين، وأعني: "فلسطين التاريخيّة"؟
أأصرّ على إنها "حربُ إسرائيل على حماس" (وهو ما تستخدمه إسرائيلُ في وصفها)، إذ لا حرب لإسرائيل، مثلاً، على "فتح" أو على "حركة أبناء البلد" في أمّ الفحم أو معليا في شمال فلسطين؟ أأستعمل مصطلحَ "الحرب على غزّة،" أو "الهجوم على غزّة"؟
أبمكان التعريف أن تسبّبَه (أو تدلَّ عليه) وجهةُ النظر والتحليل والاستنتاج، من دون الأهواء والرغبات؟ فإذا قلنا مثلاً إنّ هذه الحرب "حربٌ على حماس،" فقد يقول أحدُهم إنّ هذا لا يصوِّر النوايا والأهدافَ الحقيقيّة لهذه الحرب الإسرائيليّة، ألا وهي تصفية القضيّة الفلسطينية؛ وقد يقول أيضًا إنّ ذلك يطابق ما تزعمه إسرائيلُ من أنّ حماس منظمةٌ إرهابيّةٌ تَستخدم الفلسطينيين المدنيين دروعًا بشريّةً تحتمي بهم، فتعرّضُ حياتَهم للخطر. ولكنّ هناك منْ هم ضدّ إسرائيل فعلاً، ومع الشعب الفلسطينيّ، ومع ذلك فإنهم يصِفون هذه الحربَ بأنها "حربٌ على حماس"؛ ودليلُهم على ذلك أنّ حماس اليوم هي كبرى منظّمات الشعب الفلسطينيّ، وحاملةٌ لهمومه الوطنيّة ولمقاومته، كما حملتْ "فتح" وتنظيماتٌ أخرى ذلك في السابق، ولذلك فإنّ تصفيتها حجّةٌ لتصفية الشعب الفلسطينيّ وقضيّته. وقد يذهبون إلى أنّ الحرب هي على حماس لأنها مقاومة، وأنه من دون المقاومة لا يمْكن أن يحقّقَ الشعبُ الفلسطينيُّ دولته، وأنّ "فتح" أضاعت ما كان لديها من رصيد لأنها دخلتْ عبثيّةَ المفاوضات التي قادتها تحت ما يسمّى "السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة،" وأنّ هذه الأخيرة وعبثيّة المفاوضات جذّرتا الاحتلالَ بدلاُ من أن تقتلعاه.
التسميات والكلمات تحيّرني وأنا أفكّر وأكتب عمّا يدور الآن في جنوب فلسطين. فالكتابة عن فلسطين منذ أوسلو، ومنذ موافقة مَنْ وافق على ذلك المسار، وضعتِ الكلماتِ تحت النار على الدوام: في زمن المفاوصات، كما في زمن التهدئة، وزمن الحرب. ذلك لأنّ شيئًا ما أَخرج الكلماتِ والمصطلحاتِ من قاموس الفهم، ومن قدرتها على تحليل الأشياء وتعريفها. ولعلّ التاريخَ الدقيقَ لعبثيّة الكلمات بدأ حين "بشّر" بعضُ الفلسطينين بحلٍّ للقضيّة الفلسطينيّة على شكل إقامة دولة بدلاً من تحرير الإنسان والوطن، وجاء ذلك تحت شعار "إقامة الدولة الفلسطينيّة على كلّ شبرٍ يحرَّر من فلسطين" (كحلّ مرحليّ). فقد كان من البديهيّ، إذنْ، أن تتحوّل حركةً التحرير الوطنيّة الفلسطينيّة إلى مؤسّسةٍ إستراتجيتُها السلطة، أي الدولة؛ والدولة، لا تحريرُ الإنسان واالوطن، هي ذروة السلطة ومتعتُها. ومع ذلك لم تحصلْ "فتح" ومنظمةُ التحرير (بقيادة فتح) على دولة، بل على سلطةٍ تستمدّ شرعيتَها ووجودَها من رغبة دولٍ أخرى أوّلُها إسرائيل، التي هي نقيضُ أيّ حركة تحرّر فلسطينيّة! والحال أنّ الدولة (لا السلطة) ليست إلاّ نتيجةً لتحرير البشر والوطن. وهكذا، لم تأتِ الدولةُ الفلسطينيّةُ وضاع التحرير معًا، ليس فقط لدى الفلسطينيين بل لدى العرب ممّن انضمّوا إلى قضيّة فلسطين لإيمانهم بأنّ الوطن العربيّ، شأن فلسطين، ما زال في مرحلة التحرير الوطنيّ من الحكم الأجنبيّ ذي القناع العربيّ.
***
ولكنْ، وفي أحلك الأوقات، وتحديدًا حين ضاع التحريرُ وحركتُه بعد حرب لبنان سنة 1982، حدث شيءٌ عجيبٌ مع فلسطين. وهذا الشيء كان سببُه التناقضَ بين ما هو سياسيٌّ بين الدول، أي السياسة النسبيّة، أو "الواقعيّة السياسيّة،" أيْ ما تَسْمح به موازينُ القوى في وضعٍ راهن، من جهة… وبين السياسيّ بالمطلق من جهةٍ ثانية، أيْ ما يصبو إليه البشرُ كبشر، وأعني بذلك: "الحلمَ السياسيّ" بأن يكون هناك عدلٌ ومساواةٌ وازدهارٌ وحريّةٌ وتحريرٌ وحكمٌ قاعدتُه الأخلاقُ واسترجاعُ الحقوق أو ممارستها.
لقد كانت حربُ لبنان سنه 1982 تحطيمًا لحركة التحرر الوطنيّ الفلسطينيّ، ولكنه كان تحطيمًا أيضًا لحركة التحرر الوطنيّ العربيّ، وتحطيمًا ـ بالذات ـ للتلاحم بين حركتَي التحرّر الفلسطينيّة واللبنانيّة. غير أنه، في موازاة نجاح إسرائيل ومَنْ يوافقها الرأيَ والمصالحَ في العالم العربيّ في تحطيم حركتي التحرّر، وفي موازاة انخراط بعض الفلسطينيين في اتفاقيّة أوسلو، وبعضِِ العرب في "عمليّة السلام،" بدأتْ تتبلور في فلسطين ولبنان حركتا تحرّرٍ (تحريرٍ) على شكليْن من فحوى واحد. كانت حماس هي الرائدة في ذلك على الساحة الفلسطينيّة، وحزبُ الله هو الرائد على الساحة العربيّة (أفكّر أحدٌ مرةً في أنّ جماهير هاتيْن الحركتيْن وقيادتيْهما هي من الطبقات الأكثر تضرّرًا في أوطانها، وأعني اللاجئين في فلسطين والشيعة في لبنان، إلى حدّ أنّ الصراع الطبقيّ يستحقّ أن يكون من بين أدوات التفكير في هاتين الحالتين؟).
الحركتان كلتاهما وُلدتا من رحم "فتح" أو منظمة التحرير الفلسطينيّة. وقولي بريادتهما لا يستند إلى أعمالهما العسكريّة (فلحركة "فتح" أيضًا جناحٌ عسكريّ، هو "كتائبُ الأقصى،" ويشْهد الجميعُ لأفعاله وبطولاته)، وإنما لموقفهما من إسرائيل. فحماس لم تعترفْ بإسرائيل، بل لم تُبْدِ استعدادًا لذلك (وإنْ في المرحلة القادمة على الأقلّ، التي يبدو أنها أطولُ كثيرًا ممّا هو متوقّع)؛ ذلك لأنّ الاعتراف بإسرائيل نقيضٌ للتحرير، وهي بذلك ردّت إلى حركة التحرر الوطنيّ شيئًا مهمّاً من اعتبارها. ولا يختلف حزبُ الله عن حماس في هذه الناحية. ولكنّ حماس (كما حزبُ الله) دخلتْ أيضًا ساحةَ الانتخابات، فمارستْ هي أيضًا التناقضَ الذي يحدث مِنْ تقاطع السياسة النسبيّة بالسياسة المطلقة، حين مارستْ ما يسمّى "السياسةَ الواقعيّة،" فانتُخبتْ وأصبحت القوةَ الحاكمةَ الشرعيّة الفلسطينيّة بالمفهوم الديمقراطيّ للحكم في الدول الغربيّة أو الأنظمة الديمقراطيّة، ومن دون أن تتنازلَ عن فحواها كحركة تحرر وطنيّ فلسطينيّ لا تعترف بإسرائيل. وهذه، لا نزعةُ حماس وحزب الله الإسلاميّة، هي "مشكلتُهما" في عيون أعدائهما: إسرائيل وعربها (ومنهم فلسطينيون) وأمريكا وغربها.
كانت أوسلو تتويجًا لتحالفٍ إسرائيليّ وغربيّ وعربيّ لسحق حركة فتح ومنظمة التحرير، كحركة تحرر وطنيّ فلسطينيّ استطاعت أن تحتضن العناصرَ العربيّة التي آمنتْ بالتحرّر العربيّ الوطنيّ. وحين انتحر شكلُ هذا التحرّر (ممثّلا في حركة فتح) وُلدتْ نواةُ حركة التحرّر العربي (وذكرُ كلمة "العربيّ" لا يعني أنني وحدويّ عربيّ أو عروبيّ بالضرورة) بشقّيْها: الشماليّ (حزب الله)، والجنوبيّ (حماس)، وبعقيدةٍ إسلاميّة.
إذنْ، لا يجوز لمن يدّعي أنه يريد العدالةَ والسياسةَ المطلقة أن يشترط، لتأييده حركاتِ التحرر الوطنيّ، شكلَ عقيدتها ومضمونَها، إلاّ إذا كان ضدّ مبدإ التحرر الوطنيّ! فالعقيدة تشترط فقط شكل الدولة وفحواها. وعليه، فإنّ الحربَ على حزب الله في صيف 2006، والحربَ الآن على حماس، هي الحربُ ذاتُها على نواة حركة التحرر الوطنيّ العربيّ، التي عقيدتُها اليوم عقيدةٌ إسلاميّة؛ وهي لا تختلف أبدًا عن الحرب سنة 1982 في لبنان ضدّ المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة. ولكنْ يبقى أنّ نجاح هذه الحركات ليس منوطًا بإرادة إسرائيل وعربها وأمريكا وغربها، بل منوطٌ بما إذا كانت حركاتِ تحرّرٍٍ وطنيّ بغطاء دولة/سلطة (انتخابات)، أمْ كانت دولة/سلطة بغطاء حركاتِ تحرّر وطنيّ!
***
وأخيرًا، ولمّا كانت كلُّ كتابة متأثّرةً، إنْ لم أقلْ مشروطةًً، بأهواء كاتبها ورغباته، فكلّي أملٌ في أن يبقى أصحابُ وعي حركة التحرر الوطنيّ في هاتين الحركتين متغلّبين على ذوي الميول السلطويّة، لكي أستطيع أن أعيشَ يومًا ما ـ أنا أو مَن سيأتي بعد جيلٍ أو جيلين ـ في وطني العربيّ أو فلسطين: فوضويّاً، ملحِدًا، شهوانيّاً، ذاتيّاً، واجتماعيّاً، يتحمّل مسؤوليّة ما يمليه عليه أن يكون فردًا في مجتمع ذي عقائد مختلفة.
* سينمائيّ من الناصرة – فلسطين.










التعليقات
علِّق