نقاشات على هامش حرب إسرائيل على غزة: أسئلة السياسة والمقاومة
مازالت المقاومة في العقل السياسيّ العربيّ السائد، العاطفيّ والشعاراتيّ والرغبويّ، مجرّدَ فعلٍ للبطولات والتضحيات، أكثرَ من كونها فعلاً للتغيير وتحقيق الإنجازات. وفي ذلك تبدو المقاومة وكأنها غايةٌ في ذاتها، أو كأنها قيمةٌ عليا، وبمثابة مقدَّس، لا ينبغي أن تخضع للمساءلة والنقد والمراجعة. علاوةً على هذا وذاك، فقد اعتُبرت المقاومة بأشكالها الشعبيّة عملا مبتذلاً ومذمومًا وقاصرًا، إذ تمّ حصرُ هذه المقاومة بالشكل المسلّح، الذي تتوكّل به مجموعاتٌ من المحترفين العسكريين؛ كما جَرَتِ المبالغةُُ في تأثيرات هذا الشكل وجدواه، ربما لصرف النظر عن مسؤوليّة الحكومات والجيوش العربيّة.
هذا الفهم المعمّم والمغلوط للمقاومة، ولأشكالها، ولطريقة إدارتها، ولحدود دورها، يصادر في الحقيقة على دور المجتمعات، ويفرض الوصاية عليها، ويستهتر بالروح العقلانيّة في تدبير الأمور وإدارة الأوضاع. وهو الذي طغى على معظم النقاشات التي انطلقت، على خلفية الحرب الوحشيّة والمدمِّرة، التي شنتّها إسرائيلُ ضدّ الشعب الفلسطينيّ في قطاع غزّة مؤخّرًا.
ففي اثناء هذه الحرب، وعلى غرار أرباب الأنظمة (في الحروب السابقة)، طالب أقطابُ "المقاومة" ومشايعوهم بإنهاء النقاش وحجب الأسئلة، بدعوى أنْ "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة." لكأنّ نزيفَ الدماء، وخرابَ العمران، وضياعََ الأعمار، تفترض السكوتَ وإقفالَ التفكير، بدلاً من أن تتطلّب رفعَ الصوت وإعمال التفكير وحسن التدبير. ولكأنّ الشعب الذي يضحّي، ويدفع الثمنَ من دمه وممتلكاته ومن عمره، لا يحقّ له التساؤل عن خياراته، واستعداداته، أو عن رأيه في المصير الذي يساق إليه!
والواقع أنّ مشكلة الساحة الفلسطينيّة لا تكمن في فائض التفكير النقديّ فيها، بقدْر ما تكمن في غياب (أو ضعف) مثل هذا النوع من التفكير، لصالح علاقات الامتثال والتماثل، الأبويّة والزبائنيّة، فيها. وبمعنًى أخر، فإنّ مشكلة الساحة الفلسطينيّة ليست في قلّة الأصوات التي تنادي بالمقاومة المسلّحة، وبالعمليّات الاستشهاديّة وبالحرب الصاروخيّة، وبإيجاد توازن رعبٍ مع إسرائيل (فثمة فائضٌ منها)، وإنما المشكلة تكمن في ندرة الأصوات النقديّة، التي تطرح التساؤلات عن الأشكال الأكثر ملاءمةً للمقاومة في الحالة الفلسطينيّة، وأشكالها الممكنة، وكيفيّة تأمين شروط استمراريّتها، ونجاعتها؛ ولاسيما أننا نتحدّث عن تجربةٍ امتدّت أربعة عقود من الزمن.
غياب التفكير النقديّ
جدير بالذكر أنّ الساحة الفلسطينيّة، وبرغم كلّ ما مرّت به من مخاطر وتضحيات وخسائر وتحوّلات، لم تشهد، مرّةً في تاريخها، نقاشًا نقديّاً جادّاً ومسؤولاً، إزاء الخيارات التي أخذتْها، من المقاومة إلى التسوية، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة. ولم تعرفْ أيّة مراجعة موضوعيّة ونقديّة لتجاربها، من التجربة السياسيّة إلى العسكريّة إلى التنظيميّة، ومن تجربة الانتفاضة إلى تجربة المفاوضة. ومن تجربة الأردن إلى تجربة لبنان فإلى التجربة الحاليّة في الأراضي المحتلة ــ بما فيها تجربةُ بناء كيان السلطة.
ففي زمن قيادة حركة فتح، وزمن الزعيم الراحل ياسر عرفات، سادت مقولة "قلْ ما تشاء وأنا أصنعُ ما أشاء." وبذلك اختَزلتْ هذه الحركةُ الشعبَ والفصائلَ ومنظمة التحرير، واختَزل قائدُها حركةَ فتح والمنظّمةً والشعبً بشخصه، الأمرُ الذي أودى بالساحة الفلسطينيّة إلى ما وصلتْ إليه من ترهّلٍ واختلافٍ وانقسام، بعد أن لم تنجحْ في الخيارات الوطنيّة التي أخذتْها على عاتقها: من المقاومة إلى التسوية، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، ومن تجربة بناء المنظّمة إلى تجربة بناء الكيان.
هكذا، مثلاً، ذهبتْ "فتح" إلى الكفاح المسلّح، في منتصف الستينيّات، من دون أن تتبيّن استراتيجيتها الخاصّة بهذا الشأن، في الشروط الاستثنائيّة للوضع الفلسطينيّ. ثم عندما جوبهتْ بمحدوديّة العمل المسلّح من الخارج، طَرحتْ فكرةَ "التوريط الواعي،" أي القيام بعمليّات فدائيّة على الحدود العربيّة ـ الإسرائيليّة، لاستدعاء ردود فعلٍ إسرائيليّة، تؤدّي بدورها إلى تحريك الجيوش العربية. اللافت أنّ "فتح" هي التي تورّطتْ في الصراع مع الأنظمة (الأردن ولبنان وسورية)؛ كما تورّطتْ، عن قصد أو من دونه، في الحرب الأهليّة في لبنان. والنتيجة أنها خسرتْ ساحةَ الأردن ثم ساحة لبنان، ودخلتْ في مواجهات في غير مكانها، الأمرُ الذي استنزف قدراتِ الشعب الفلسطينيّ وبدّد إنجازاتِه.
بعد ذلك انتقلتْ "فتح" من برنامج التحرير إلى برنامج التسوية، في تماثلٍ مع الشرعيّة العربيّة والدوليّة. وطرحت البرنامجَ المرحليّ (1974)، أو برنامجَ إقامة السلطة الوطنيّة في أيّة بقعة يجري تحريرها. ثم طرحتْ برنامج إقامة دولة فلسطينيّة في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، من دون أيّ نقاش داخليّ في "فتح" أو في الساحة الفلسطينيّة؛ بل إنّ برنامج "فتح" مازال على حاله، رغم انتقال هذه الحركة إلى مواقع أخرى، ورغم كلّ التحولات في الساحة الفلسطينيّة.
وقد تكرّر الأمرُ ذاتُه في عقد اتفاق أوسلو (1993)، حيث إنّ معظم القيادة الفلسطينيّة، في اللجنة المركزية لـ "فتح" ذاتها، وفي اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير، وفي الوفد المفاوض (برئاسة حيدر عبد الشافي)، لم يأخذ علمًا بهذا الخيار، إلاّ بعد أن تمّ الإعدادُ للتوقيع عليه في واشنطن! وكان هذا التوجّه، في رأيي، من أخطر التوجّهات التي أخذتها القيادةُ الفلسطينيّة على عاتقها: فهو المسؤول عن اختزال القضيّة الفلسطينيّة إلى مجرّد قضيّة أراضٍ محتلة أو متنازَعٍ عليها؛ وهو المسؤول عن تدهور مكانة منظمة التحرير، كموحِّدٍ وكرمزٍ للشعب الفلسطينيّ، وعن تحوّل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى مجرّد سلطة أو إدارة محلية؛ وهو المسؤول عن تفكك مفهوم "وحدة الشعب الفلسطيني"؛ وأخيرًا فإنّ هذا الانتقال غير الطبيعيّ هو المسؤول عن تدهور بني الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وشيوع الخلاف والانقسام فيها.
الآن، وفي هذه المرحلة، أيْ مرحلة صعود حركة حماس إلى القيادة، يُخشى أن يتفاقم الأمر. فثمة من يطالب بمنع الكلام نفسِه، وحجب الأسئلة، ويستدعي المقدَّسَ والموروثَ الدينيّ في سبيل ذلك.
الأسئلة التي طرحتْها الحرب
في زحمة الروح الحماسيّة، التي تعمّمتْ في عديد من الأقنية الفضائيّة، وفي الشوارع العربيّة، غضبًا على الحرب الإسرائيليّة ضدّ قطاع غزّة، بدا وكأنّ ثمة إرادةً لتعميم نوعٍ من التعتيم، أو الابتزاز، أو التصنيف، في التعاطي مع الأسئلة الكثيرة والمعقّدة التي طرحتْها هذه الحرب.
ومعلوم أنّ الحرب، أيّةَ حرب، تثير كثيرًا من الأسئلة بشأن الوجود والمصير، والقضايا والمصالح، والماضي والمستقبل، والمكاسب والخسائر، والخيارات والاحتمالات، والناس كبشر وكجماعات، على عكس ما تروِّج له الماكينةُ الإعلاميّةُ السائدة، والصاخبة. وهذه الأسئلة تستمدّ مشروعيّة طرحها بالضبط من الحرب ذاتها، وبسبب الدماء التي تسيل، والتضحيات التي تُبذل، والدمار الذي يحيق بالعمران البشريّ.
وبديهي أن ينطبق هذا الوضع على الحرب الإسرائيليّة ضد قطاع غزّة. فمثلاً، هل كان مقدَّرًا أن يحصل ما حصل بالشكل الذي حصل فيه؟ وما هو الأفق الإستراتيجيّ الذي تتيحه هذه الحربُ لصالح الفلسطينيين وقضيّتِهم الوطنية؟ وماذا عن الشكل الكفاحيّ الأنجع للفلسطينيين، بظروفهم الخاصة، في مواجهتهم المشروعَ الصهيوني وتابعه عدوانيّة إسرائيل ووحشيّتها؟
السؤال الأول، كما هو واضح، يفتح على تحديد مسؤوليّة هذه الحرب. وفي هذا الإطار فليس ثمة جدال في أنّ إسرائيل بوجودها، وسياساتها، وممارساتها، واحتلالاتها، هي السبب الرئيس لهذه الحرب، كما لمعظم الحروب في المنطقة. لكنّ معرفة هذه الحقيقة تستوجب العملَ على أساسها، ووعيَ محاذيرها، وعدمَ الوقوع في مفاجآتها، وضمن هذه الأخيرة: المفاجآةُ المتمثّلةُ في انتهاج إسرائيل أقصى ما لديها من قوة تدميريّة ووحشيّة ضدّ الفلسطينيين، غير عابئة بأيّة قيم، لكونها تعتقد بأنّ وجودها يشكّل قيمة أخلاقيّة بحد ذاته، تجبُّ غيرَها من القيم.
فلطالما عرفنا أنّ هذه الدولة المصطنعة قامت أساسًا بوسائل القوة، وجعلتْ من الجيش قدسَ أقداسها ومركزَ إجماعها القوميّ، وعظّمتْ من جبروتها العسكريّ ومن صورتها كدولة رادعة. ولطالما عرفنا المجازر التي ارتكبتْها إسرائيل، المنفلتةُ من كلّ المعايير، ومن المساءلة الدولية، في دير ياسين واللدّ والطنطورة والدوايمة وبلد الشيخ وكفر قاسم ومصنع أبو زعبل ومدرسة بحر البقر (في مصر) وقانا (لبنان) ومخيّم جنين، وفوقها احتلالُ أراضٍ من ثلاث دول عربية، وممارستها التمييزَ العنصريّ ضدّ مواطنيها العرب، وعدم تورّعها عن استخدام مختلف صنوف الأسلحة، المحلّلة والمحرّمة دوليّاً، ضدّ الفلسطينيين العزّل تقريبًا من أيّ سلاح، ومن دون أيّ تكافؤ، لجبي أكبر ثمنٍ منهم.
وبمعنًى أخر، فإنّ الحرب هي "شغلة" إسرائيل، لذا فإنّ القيادة الحكيمة أو الناضجة هي التي تتصرّف على أساس عدم الوقوع في استدراج إسرائيل، أيْ عدم إعطائها ذرائعَ لشنّ الحرب على الشعب الفلسطينيّ، أو على الأقلّ عدم التسهيل عليها استخدامََ أقصى ما في طاقتها من قوةٍ تدميريّة عاتية؛ أو، بكلام آخر، تحييد آلتها العسكريّة، أو الألة التي تتفوّق بها، وإجبارها على تكييف ذاتها مع وسائل المقاومة، وضمنها وسائلُ المقاومة المسلحة.
مسؤوليّة حماس
وهذا الكلام يأخذنا إلى الحديث عن مسؤوليّة حماس في أخذ الساحة الفلسطينيّة إلى ما وصلتْ إليه، على صعيد المواجهة مع إسرائيل، وعلى صعيد الخلافات والانقسامات الداخليّة. فهي مسؤولة عن إبراز نفسها كرافض للتهدئة (علمًا أنّ إسرائيل هي التي تتوخّى ذلك)، وعن إبراز قطاع غزّة بمثابة منطقة محرَّرة، فيها سلطةٌ ذاتُ سيادة. وهي مسؤولة عن اعتقادها (أو توهّمها) بإمكان تحويل القطاع إلى هانوي أو جنوبِ لبنان، وتحميله مسؤوليّة هزيمة المشروع الصهيوني وتحريرِ فلسطين، برغم معرفتها بإمكانياته البسيطة وباعتماده العالي (في المياه والكهرباء والطاقة والطعام والمواد الطبيّة وموادّ البناء...) على الموارد الخارجيّة، ولاسيّما من إسرائيل. وأيضًا فإنّ حماس مسؤولة عن رفع مستوى المقاومة المسلّحة إلى "حرب صواريخ،" وهو ما يشيع الانطباعَ بأنّ ثمة تكافؤًا بين قوة حماس وقوة إسرائيل؛ ثم إنّ مَن يضرب بالصواريخ يَعرف انه سيٌضرب بها. وبعد كل ذلك، فإنّ حماس مسؤولة عن تحويل الحرب، من جهتها، إلى مجرّد حرب من أجل نيل الشرعيّة، وفتحِ المعابر، والتهدئة، في أغلب الأحوال.
تلك هي مسؤوليّات حماس، من دون أن يعني ذلك الكلامُ الإيحاءَ بمسؤوليّتها عن الحرب، وعن المجازر؛ فهذه وتلك هي مسؤوليّة إسرائيل وشغلتها. ومسؤوليّة حماس القياديّة هنا تتمثّل في إبداء مواقفَ وتحرّكاتٍ سهّلتْ على إسرائيل ــ ولو عن غير قصد ــ شنَّ حربها وارتكابَ مجازرها... وذلك على افتراض أنّ مسؤوليّة أيّة قيادة هي حرمانُ العدوّ من استخدام أكبر عوامل قوته، وتجنيب شعبها الخسائر أو التقليل منها.
ومثلا، فإنّ العمليّات التفجيريّة في المدن الإسرائيليّة، وعمليّات القصف الصاروخيّ (وقد بالغتْ إسرائيل كثيرًا في تأثيراتها)، أدّت إلى تكبيد الفلسطينيين خسائرَ فادحةً على المستويات السياسيّة والبشريّة والمادّيّة أكثر بكثير ممّا كبّدت الإسرائيليين، وبيّنتْ عدم إدراكهم [أي الفلسطينيين] للمعطيات الدوليّة والإقليميّة المحيطة بهم وتخبّطهم ومزاجيّاتهم وتنافساتهم في إدارة صراعهم مع عدوّهم، على رغم تأثيراتها في الإسرائيليين.
طبعًا ثمة مَن يجادل بأنّ إسرائيل كانت ستقوم بما تقوم به بوجود عمليّات الصواريخ وغيرها، أو بغيابها، وهذا صحيح نسبيّاً، ولكنّ هذا الاستنتاج لا يحجب حقيقة أنّ مستوى عمليّات القتل والتدمير والحصار الإسرائيليّة تزداد وتتصاعد بحسب طبيعة العمليّات الفلسطينيّة، التي تأتي في غالبيّتها غيرَ محسوبة الجدوى، ومرهونةً بالتنافسات الداخليّة، ومن دون ارتباطٍ باستراتيجيّةٍ سياسيّةٍ واضحةٍ وممكنةٍ ومتوافَقٍ عليها.
ومثلاً، فقد استُشهد في الانتفاضة الأولى (1987ـ1993) حوالى 1600، بمعدل 270 شهيدًا فلسطينيّاً في العام، وذلك بسبب انتهاج الفلسطينيين المقاومةَ الشعبيّةَ (المدعّمةَ بالمقاومة المسلّحة)، وهو ما أدّى إلى تحييد معظم الآلة العسكريّة الإسرائيليّة (قُتل في هذه الحرب 383 إسرائيليّاً). وقد حقّقتْ تلك الانتفاضة مكاسبَ كبيرة، إذ أسهمتْ في خلخلة أمن إسرائيل، وأثارت تناقضاتِها الداخليّة، وقوّضتْ صورتَها الخارجيّة، ووضعت الشعبَ الفلسطينيّ على الخارطة الدوليّة، وأجبرتْ إسرائيل على مراجعة أساطير الصهيونيّة التقليديّة، المتعلّقة بفكرة إسرائيل الكبرى أو تغييب الشعب الفلسطيني.
ولعلّه من الغريب، والظلم، أن يتم تجاهلُ هذه التجربة الكفاحيّة الإبداعيّة، التي طالما جرى التغنّي والافتخارُ بها، بدلاً من أن يجري العملُ على إغنائها وتكريسها، باعتبارها الشكلَ الأكثرَ نجاعةً لإظهار إسرائيل على حقيقتها كدولةٍ استعماريّةٍ عنصريّةٍ متغطرسة، وباعتبارها الأكثرَ تناسبًا مع إمكانات الفلسطينيين والمعطيات المحيطة بهم.
مواجهات غير محسوبة
في المقابل، طغى على الانتفاضة الثانية (2000 حتى الآن) طابعُ المقاومة المسلحة، وهو ما أدّى إلى استشهاد حوالى ستة آلاف فلسطينيّ، بمعدّل 750 فلسطينيّاً في العام، أيْ أضعاف أضعاف الانتفاضة الأولى. وفي هذه الفترة قتل حوالى 1060 إسرائيليّاً.
هكذا توّرط، أو استُدرج الفلسطينيون، في السنوات السابقة، للزجّ بكامل قواهم في عمليّات المقاومة المسلّحة ضدّ إسرائيل، وضِمنها العمليّاتُ التفجيريّة، و"الصاروخيّة،" من دون حسابٍ لموازين القوى، ولقواعد حرب الشعب الطويلة الأمد، التي تستخدم استراتيجيّةَ حرب الضعيف ضدّ القويّ، وتحيِّّد قوة العدوّ العاتية، وتشتغل على استنزافه وإرهاقه، وتخلق التناقضات في صفوفه، وترفع كلفة احتلاله. وأدّى ذلك الزجُّ الفلسطيني إلى أن تجرّد إسرائيلُ كلَّ قوتها لا لضرب المقاومة المسلحة فحسب، وإنما أيضًا لشلّ قدرة الشعب الفلسطينيّ على المقاومة. وبدلاً من أن تستنزف المقاومة الفلسطينية المسلّحة عدوَّها، قام هو باستنزافها، وإنهاكها، وشلِّ حركتها، والتشكيكِ في مقاصدها على الصعيد الدوليّ.
وفي ذلك فقد خاضت إسرائيلُ هذه الحربَ من موقع المتفوّق في القوى، وفي القدرة على السيطرة، وأدّى ذلك إلى تراجع عمليّات المقاومة المسلحة. فقد قُتل من الإسرائيليين مثلاً في العام 2001 حوالى 200، وفي العام 2002 حوالى 425؛ ولكنّ هذا التصعيد، غير المحسوب وغير المدروس وغير المنظّم، فتح المجال أمام إسرائيل لاستنزاف المقاومة وضرب بناها التحتيّة بلا حساب، كما حصل في عملية "السور الواقي" (مارس 2002)، بحيث تراجعتْ قدراتٌ المقاومة وانحسرتْ عمليّاتُها. ويكفي القول بأنّ إسرائيل باتت تعتبر العامَ 2007 أهدأَ الأعوام بالنسبة إليها، إذ قُتل فيه 11 إسرائيليّاً فقط، وعام 2006 حوالى 24، وعام 2005 حوالى 56، وذلك في تراجعٍ ملحوظٍ لوتيرة عمليّات المقاومة.
وتفيد خبراتُ حروب حركات التحرر الوطنيّ بضرورة تحاشي تعريض قواها لضرباتٍ قاسية، وتجنُّبِ عدوّها حين يكون مستنفرًا ومستفَزّاً، إدراكًا منها أنها تخوض حربًا سياسيّة طويلةَ الأمد، ينبغي كسبُها بالنقاط، لا بالضربة القاضية، وبالغلبة بالوسائل والمعطيات السياسيّة لا بالوسائل العسكريّة فقط. هكذا عرفتْ هذه التجاربُ التراجعَ والدفاعَ في كثير من المراحل لتجنّب دفع أثمان باهظة، وللحفاظ على قوى شعبها. الأنكى أيضًا أنّ التجربة الفلسطينيّة اتخذت المنحى الهجوميّ بدلاً من المنحى الدفاعيّ، وهو ما تفسّره عمليّاتُها في العمق الإسرائيليّ، وعمليّاتُ القصف الصاروخيّ من القطاع بعد الانسحاب الإسرائيليّ العسكريّ والاستيطانيّ منه.
اللافت هنا أنّ الفلسطينيين، وضمنهم حماس، لم يستفيدوا في مقاومتهم المسلّحة من تجربة حزب الله، على الأقلّ. فهذا الحزب حرص على عدم زجّ كلّ قواه في صراعه ضدّ إسرائيل، ولم يشنّ حربًا هجوميّةً ضدّها، وهو التزم بالمعطيات الدوليّة، بدليل امتناعه عن العمليّات، منذ انسحاب إسرائيل عام 2000 من جنوب لبنان (باستثناء خطف جنديين إسرائيليين، الأمر الذي جلب حرب تموز/يوليو 2006)، وذلك برغم اعتباره فلسطينَ أرضَ وقفٍ إسلاميّ. وعمومًا فقد أدار هذا الحزبُ مقاومته للاحتلال باقتدارٍ عالٍ، فتحكّم بوتائر المقاومة، ولم يتركْها تُفلت، ولم يُستدرَجْ للاستفزازات الإسرائيليّة. وقد يستغرب البعض أنّ عدد القتلى الإسرائيليين الذين لقوا مصرعَهم نتيجةً لعمليّات المقاومة اللبنانيّة، منذ ما بعد غزو لبنان عام 1982 حتى الانسحاب عام 2000 لم يتجاوز 860 إسرائيليّاً، في 18 عاما، أيْ بمعدّل 45 إسرائيليّاً في العام؛ في حين أنّ عمليّات المقاومة الفلسطينيّة أدّت إلى مصرع ألف إسرائيليّ في أربعة أعوام (2001ـ 2004)، ضمنهم 420 إسرائيليّاً في العام 2002، أيْ نصف العدد الذين قتلوا في عمليات حزب الله في 18 عامًا!
لكنّ النتيجة، أو التداعيات، لم تكن واحدة. ذلك أنّ هذه الوتيرة المتوازنة من عمليّات حزب الله ساعدته على الاستمرار وتنمية قواه، في حين أنّ الوتيرة العالية من عمليّات المقاومة الفلسطينيّة جلبتْ مصرع وجرح واعتقال عشرات الألوف من الفلسطينيين، وأدّت إلى تقويض الكيان الفلسطينيّ، ومعاودةِ احتلال الضفة الغربيّة، وبناءِ الجدار الفاصل، وتحويلِ قطاع غزّة إلى سجن كبير. ثم تراجعتْ عمليّات المقاومة الفلسطينيّة بدرجة كبيرة جدّاً، إذ شهد العام 2007 مصرع 11 إسرائيليّاً فقط، كما قدّمنا.
عن مشروعيّة الكفاح المسلّح
الخطير في الأمر أيضًا أنّ إسرائيل استغلّت مناخات الحرب الدوليّة ضدّ الإرهاب، والعمليّات التفجيريّة والصاروخيّة التي تستهدف المدنيين في المدن الإسرائيليّة، لنزع الشرعيّة عن المقاومة المسلّحة ضدّ الاحتلال جملةً وتفصيلاً، وبكافة أشكالها، وأيضا للتشكيك في مقاصد الكفاح الفلسطينيّ وعدالة القضيّة الفلسطينيّة.
وبإمكان المتابع أن يتساءل: هل كان نزعُ شرعيّة المقاومة المسلّحة سيكون بهذه السهولة لو تركّزتْ هذه المقاومة على الوجود الإسرائيليّ، العسكريّ والاستيطانيّ، في الأراضي المحتلّة عام 1967؟ ثم إذا كان الفلسطينيون، وغيرُهم، يدركون محدوديّة قدراتهم في المقاومة المسلّحة، لاسيّما بسبب تفوّق إسرائيل وبسبب ضمانة أمنها من قبل الولايات المتحدة والدول الكبرى، فما الفرق، بالنسبة إليهم، بين قتلى أكثرَ أو أقلّ قليلا، في عمليّات المقاومة المسلّحة؟
طبعًَا نحن لا نجادل في شرعيّة المقاومة المسلّحة ضدّ الاحتلال؛ فهي عمل مشروع. كما أننا لا تتناول مسألة الغلبة في ميزان القوى؛ فلطالما كانت الشعوب المستعمَرة أضعفَ في مواجهة المستعمِر. ولكنّ الحديث يدور هنا عن ضرورة إخضاع كافّة أشكال المقاومة، وضمنها المسلّحة، لإستراتيجيّة سياسيّة واضحة وممكنة، واختيار أشكال النضال الملائمة لكلّ مرحلة، وتحديد وسائل المقاومة المسلّحة وزمانها ومكانها ونوعيّة هدفها، واحتساب جدواها والتداعيات الناجمة عنها.
غير أنّ ما نحاول لفت انتباه المتحكّمين في العمل الفلسطينيّ إليه هو ضرورة إدراك حقيقةٍ مفادُها أنّ المقاومة، في حال الفلسطينيين، لا تقتصر على الصراع ضدّ العدو، وإنما تشتمل على متطلّبات بناء المجتمع والكيان، بتعزيز وحدته وبناء مؤسّساته وتطوير إمكانيّاته وترشيد توجّهاته.
يُستنتَج من ذلك أنّ معضلة الفلسطينيين هي أنهم في صراعهم ضدّ إسرائيل قد خسروا كثيرًا، ليس فقط بسبب ضعفهم أو رجحان ميزان القوى لصالح إسرائيل، ولا بسبب عدم ملاءمة الأوضاع الدوليّة والإقليميّة لتطلّعاتهم ومتطلّباتهم المشروعة فحسب، وإنما أيضًا بسبب فوضاهم، وتخلّف إدارتهم لأوضاعهم، وانقساماتهم، وغياب أستراتيجية واضحة لديهم تتأسّس على الواقعيّة والعقلانيّة.
مسؤولية القيادة
والحقيقة أنّ القيادة الفلسطينيّة، باختلاف اتجاهاتها، مسؤولة عن بعض ما يعانيه الشعبُ الفلسطينيّ من إخفاقات ومآسٍ، في حدود إدارتها لأوضاعها، وتحكّمها بخياراته. ذلك أنّ نجاح أيّ قيادة يتعلّق، بين قضايا أخرى، بقدرتها على تحقيق أفضل الإنجازات بأقلّ قدْرٍ من التضحيات والمعاناة. ويتعلّق كذلك بتحكّمها بأوضاعها الداخلية، وإدارتها الناجعة لها، وسيطرتها على وتائر العمليّة الصراعيّة، وصوغ المعادلة التي تضْمن التناسبَ بين الإمكانيّات والأهداف، والتوازن بين الهدف السياسيّ ووسائل الصراع من أجل الوصول إليه.
فمثلا، ما هي حدود معركة غزّة، بالشكل الذي أدارتها به حركةُ حماس؟ واضح أنّ أفق هذه الحرب التي فرضتْها إسرائيل، وفي توقيتٍ مناسبٍٍ لها داخليّاً وعربيّاً ودوليّاً وفلسطينيّاً (في ظروف الانقسام)، إنما يتمثّل بحده الأقصى في وقف الحرب، وخروجِ المقاومة بأقلّ قدرٍ من الخسائر، ورفع الحصار عن غزة، وفرض تهدئة متبادلة. وهذا ما صرّحتْ به حماس أثناء الحرب وبعدها، بدليل موافقتها على تهدئة لمدة عام ونصف العام (قابلةٍ للتمديد) مقابلَ رفع الحصار عن القطاع. ولكنْ ماذا يعني ذلك؟ ألا يعني أنّ مقاومة حماس باتت مقيَّدة، وأنّ أيّ خروج على الاتفاق سيعني دفع ثمنه باهظًا من دماء الشعب الفلسطينيّ وعرقه وعمره في قطاع غزّة؟ ثم ماذا عن برنامج المقاومة وبرنامج التحرير الذي تتبنّاه حماس؟
وإذا كان الهدف بات يتمثل في العودة إلى ما قبل الانتفاضة الثانية (2000) أو إلى ما قبل فرض الحصار عن قطاع غزّة، فمن المسؤول إذن عن كلّ الضحايا وعن كلّ الدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني في الفترة الماضية؟
القصد هنا القولُ بأنّ قطاع غزّة لا يمكن أن يتحمّل هدف التحرير، بل لا يمكن أن يتحمّل مسؤوليّة إجبار إسرائيل على إقامة دولة فلسطينيّة في الضفة والقطاع. والقصد هنا القول، أيضًا، بأنّ الزمن الراهن ليس زمنَ التحرير: فالتحرير يحتاج إلى موازين قوى مختلفة، وإلى معطيات دوليّة وإقليميّة مواتية؛ وهذه وتلك غير متوفّرة في هذه الظروف، الأمر الذي يتطلّب الاقتصاد بالطاقة النضاليّة للشعب الفلسطينيّ، وعدمَ تبديدها في غير وقتها وفي غير محلّها.
وفي الختام يمكن القول إنّ البديل عن كلّ ذلك ليس المفاوضة من اجل المفاوضة، وإنما المقاومة الشعبيّة، وضِمنها المقاومةُ المسلّحة المحسوبة، ضدّ جيش الاحتلال والمستوطنين، في الأراضي المحتلة عام 1967 (وفق نموذج الانتفاضة الأولى). ذلك لأنّ مقاومة كهذه تحظى بشرعيّة وفق المعايير الدوليّة، ويمكنها أن تسهم في فتح الأسئلة وإثارة التناقضات في المجتمع الإسرائيليّ. وقد بيّنت التجربة أنّ الفلسطينيين معنيّون بإدراك حقيقة أساسيّة، وهي أنهم، في ذروة نشاطهم المقاوم نفسه، لا يستطيعون سوى زعزعة أمن إسرائيل وإضعافِ استقرارها السياسيّ ونموّها الاقتصاديّ، ولكنهم لا يستطيعون القضاءََ عليها، ولا تحقيقَ هزيمتها على مستوى دحر الاستيطان والاحتلال من أراضيهم، لأنهم، في المستوى الثاني ذاته، يحتاجون، علاوةً على صمودهم وكفاحهم، إلى معطيات عربيّة ودوليّة مناسبة.
إلى ذلك فإنّ القيادات الفلسطينيّة - سلطة ومعارضة - معنيّةٌ بدراسة خطط عملها، وبوضع الكفاح الفلسطينيّ على سكّةٍ تقلّل من خسائره وتزيد خسائرَ عدوه، سكّة تؤدّي إلى تحقيق الإنجازات وتراكم النجاحات في صراعٍ يُفترض أنه طويلٌ وممتدٌّ في الزمان والأشكال.
دمشق










التعليقات
علِّق