اللغة والعنف: دور الكلمة في الخطاب الإعلاميّ
لا توجد كلمةٌ بريئةٌ وأخرى أقلُّ براءةً في علم اللغة. فالكلمة مجرّدُ تتابعٍ لصور الحروف عند الكتابة، وتتابعٍ للأصوات عند النطق. لكنّ اللغة، كوسيلةٍ إشاريّةٍ متطوّرة، تشترط معنى الاتصال بالآخر، وإنْ كانت في هيئة خطابٍ داخليّ موجَّهٍ إلى النفس أو إلى ذاتٍ غيرِ مرئيّة. ويمكننا تسميةُ الدلالة القصديّة للكلمة بـ "المعنى،" وهو الجزء الذاتيّ المتعلّق بوجود فكرةٍ معيّنة، تربط الكلمةََ بمفهومٍ دلاليّ محدّد، يتّصل بالفائدة المرجوّة من الاستخدام، ويشير بطرقٍ مختلفة إلى وجود مرجعيّةٍ تحدّد مصدرَها المادّيّ في الواقع.
حين نتأمّل طبيعة معظم الكلمات نجد أنها فئتان: وصفيّة تصويريّة، وانفعاليّة عاطفيّة. فكلمة "ورقة" تندرج ضمن الكلمات الوصفيّة، التي تتميّز بضعف الشحن العاطفيّ، فهي أميَلُ إلى الحياد؛ بينما تثير الكلماتُ الانفعاليّة مثل "وباء" أو "سلّ رئويّ" وقعًا سلبيّاً في النفس، وتثير كلمتا "فرح" و"نجاح" وقعًا مغايرًا. لكنّ بعض الكلمات الوصفيّة والانفعاليّة تحمل دلالاتٍ متناقضةً، تفرضها أغراضُ الاستعمال المتناقضة واختلافُ التجربة: فكلمة "نار" الوصفيّة إيجابيّة حين ترتبط بالدفء والطاقة، ولكنها سلبيّة حين ترتبط بالحوادث المحْزنة كالحرائق.
ولا يقتصر الاختلافُ في الوظيفة اللغويّة على دلالات الكلمة. فالجملة النظريّة تحتمل الصحة والخطأ، خلافًا للجمل "اللانظريّة." والجمل القائمة على الحقائق (الجمل الموضوعيّة) يمكن قياسُها من طريق الإجابة بنعم أو لا، في حين لا تجيب الجملُ "اللاموضوعيّة" عن ذلك وهي مصدرٌ جيّدٌ للاستخدام الدعائيّ. أما كلمات الشحن العاطفيّ فهي المادّة الأساسيّة لصناعة الخبر الموجَّه دعائيّاً.
الإعلام واللغة
أفاد الإعلامُ الغربيّ إفادةً عظيمةً من تطوّر علم اللغة. وكان أهمّ ضحايا هذه الدعاية هو المتلقّي، والإعلاميُّ الذي يعيش في المنطقة الإعلاميّة الأضعف بسبب عدم قدرته على مجاراة التوظيف العلميّ المنظّم لمنجزات علم اللغة.
ولتوضيح هذه المسألة سنتوقّف عند بحثٍ أقامته جامعةُ اُبّسالا السويديّة بعد حرب الخليج الثانية، ورصدَ تعابيرَ كرّرها الإعلامُ المؤيّدُ للحرب عند وصف الجنديّ العراقيّ مقارنةً بالجنديّ الأميركيّ وحلفائه، فقسّمها إلى طائفتين، نحن وهم: "نحن لدينا جيشٌ، وأسطولٌ، وسلاحُ طيران؛ وهم لديهم آلة حربيّة. نحن لدينا قواعدُ لتنظيم التقارير الإخباريّة؛ وهم لديهم جهازُ رقابة. نحن نقوم بإخراجهم من جاهزيّتهم، وتحجيمهم، وتحييدهم، وقصفهم قصفًا مركّزًا [موجَّهًا ومحدَّدًا]؛ وهم يقومون بأعمال إفناء وتدمير، وقتل، وإطلاق النار العشوائيّ الوحشيّ. نحن نملك المبادرة القتاليّة، نقاتل من أجل إعاقتهم (تحاشيهم) [أيْ إنّ المحارب مجبرٌ على ردع معتدٍ]؛ وهم يضربون من غير تحذير، ومن دون أن يُستفَزّوا [أيْ إنّ حربهم تقوم على الغدر والعدوانيّة]. جنودُنا فتيانٌ، شبابٌ، محترفو قتال، حذرون وحريصون، حازمون، وشجعان؛ أما جنودُهم فأفواجٌ، جماعاتٌ، مغسولو الأدمغة، جبناء، عديمو الضمائر، متخلّفون [متشبّثون بالتقاليد والأفكار البالية]. صواريخُنا تسبّب أضرارًا جانبيّة [عَرَضيّة وغير مقصودة]؛ أما صواريخُهم فتسبّب سقوطَ الضحايا المدنيين..."
نلاحظ هنا أنّ كلّ كلمة من الكلمات السابقة تنطوي على شحنٍ عاطفيّ صريح، سلبيّ أو إيجابيّ، لا يتطلّب من السامع امتلاكَ ميولٍ سياسيّةٍ خاصّةٍ لكي ينحاز نفسيّاً إلى جهةٍ ما. وهذا الشحن يسْري بالقدْر نفسه على صفات البشر، وعلى صفات الأشياء الماديّة كالطائرة والصاروخ والقنبلة. إذ حين نتأمّل التعبيرَ الجديد، "الضربُ عن بعد" مثلاً، نجد أنّ القنابل والصواريخ تتماهى مع البشر في صفاتها الإيجابيّة والسلبيّة، لكي تخْلق الانطباعَ المسبَّقَ بعدالة الحرب. ففي مرحلة القصف التدميريّ الشامل عن بعد، وُلد تعبير "القنبلة الذكيّة" الذي جعل قنابلَ الخصم مجرّدَ كتلٍ ناريّةٍ غبيّةٍ وأقلَّ إنسانيّةً من قنابل المهاجم.
استخدم الإعلامُ الإسرائيليّ مزايا اللغة ببراعة فائقة، إلى الحدّ الذي جعل الإعلامَ العربيّ، بما فيه الإعلامُ المؤيِّدُ للفلسطينيين، يقع تحت براثنه ويغدو، من غير وعي، بوقًا يردّد ما تريده إسرائيلُ منه. وقد طرأ أمرٌ، لا يخلو من طرافةٍ تعبيريّة، على مفردات الإعلام الغربيّ، عند اشتداد الحصار الإسرائيليّ على عرفات في مقرّ حكومته في أريحا، إذ تكرّرتْ عبارة "قوات الـ 17" في الصحف ونشرات الأخبار، ثم ظهرتْ تقاريرُ تصف تلك "القوات" بأنّها ميليشيات خاصّة، سرّيّة، ترتبط بأعمال تصفية الخصوم وبأفعالٍ سلبيّةٍ سياسيّاً واجتماعيّاً. وحينما اكتمل رسمُ صورة المرجعيّة اللغويّة إعلاميّاً، من طريق خلق مفردةٍ انفعاليّة، ذاتِ شحنٍ سلبيّ، أخذ الإعلامُ يحْشر التعبيرَ في ثنايا كلّ عمليّة إسرائيليّة تنفَّذ ضدّ الفلسطينيين، أكانت موجّهةً إلى مدنيين أمْ إلى عسكريين من عناصر "فتح" أو غيرهم. وعندما يعْثر الإعلامُ الفلسطينيّ على حجّة تثْبت أنّ الموقع المستهدف كان مدرسة أطفالٍ مثلاً، يَظْهر فورًا خبرٌ تكميليٌّ يقول إنّ المدرسة المذكورة كانت واجهةً لـ "قوات الـ 17،" أو أنّ أطفالها كانوا دروعًا بشريّة لها. وحينما نسأل المتلقّي الأوروبيَّ عن هويّة "قوات الـ 17،" لا نحصل على جواب واضح سوى "إحساسِه" بأنّه يتعامل مع "مادّةٍ" مشحونةٍ بالدلالات السلبيّة؛ ففي مرحلةٍ من مراحل تطوّر الاستخدام اللغويّ، لا يكون المتلقّي معنيّاً بالعودة إلى الحقائق ومناقشة طبيعتها، بل يعود غالبًا إلى التداعيات الذهنيّة التي زُرعتْ في وعيه من خلال التعبير الانفعاليّ السلبيّ: "قوات الـ 17." لقد غدا هذا التعبير مرجعيّتَه الشخصيّة ومصدرَ إثارته النفسيّة والعاطفيّة، وبذلك لا تثير القنبلةُ الإسرائيليّةُ أيَّ تعاطفٍ سياسيّ أو أخلاقيّ أو إنسانيّ مع الضحيّة لأنّها تسقط على عصابات الشرّ! ومن سخريات القدر أن تغيّرهذه القواتُ اسمَها وزيَّها، وتصبحَ مصدرَ دعمٍ ماليّ وسياسيّ أميركيّ، بعد أن فقدتْ "فتح" قيادةَ الحكومة الفلسطينيّة انتخابيّاً، فحلّت محلَّها قوًى جديدة، ألبسها الإعلامُ الأميركيّ والغربيّ زيّ الأشرار، لتضْحي بديلاً دعائيّاً لـ "قوات الـ 17." ولذلك نشأت الحاجة إلى تطوير استخدام تعابير جديدة تحدِّد للمتلقّي هويّةَ الأشرار الجدد، فتمّ تفعيلُ تعبير"ناشط،" الذي يمكن أن يجْمع في ثناياه كلَّ مَن يُراد قتله، دونما حاجةٍ إلى توضيح سبب القتل، إذ يكفي أن يكون ناشطًا في حقل الشرّ (الإرهاب)، أيْ إنه ـ طبقًا لنظريّة الشحن السلبيّ ـ في طريقه إلى تنفيذ عمليّةٍ إرهابيّةٍ لقتل الأطفال والنساء الأبرياء. وكلمة "ناشط" ذاتُ دلالاتٍ دقيقةٍ في أغلب اللغات الأوروبيّة؛ فمعناها يتجاوز حدودَ الانتماء إلى جماعةٍ ما (مسلّحة أو غير مسلحة) إلى كون الشخص المقصود في وضع الاستعداد التامّ لتنفيذ فعلٍ يرتبط بنشاط الجماعة. لذلك فإنّ هذا التعبير لا يجوِّز قتلَ "الناشط" فحسب، وإنما يَمْنح أيضًا قاتلََه براءةً قانونيّةَ، فضلاً عن صفاتِ الشجاعة والخبرة المهنيّة العالية والمبادرة الخيّرة. وهنا تكمن أخطرُ جوانب تعابير الشحن السلبيّ؛ فالرصاصة الإسرائيليّة تميّز جيّدًا بين الأخيار والأشرار، وهي عادلة جدّاً إلى حدّ أنّها لا تصيب إلاّ مَنْ "هم" في طريقهم إلى قتل الناس. إنها كالقنابل الأميركيّة الذكيّة: تُحجِّم، تعوِّق، تُعطّل فعّاليّةً شرّيرةً مؤكّدة، حتى لو كانت القوة المستهدفة سيّارةَ عائلةٍ عراقيّةٍ وضعها القدرُ في مواجهة دوريّة أميركيّة مذعورةٍ ومشحونةٍ بالحقد والكراهية.
وربما يذْكر كثيرون التعبيرَ الذي ردّده الإعلامُ حينما شرعتْ إسرائيل في اغتيال "الناشطين" الفلسطينيين. فقد راح يستخدم تعبير "المطلوبون،" المرتبط بالمجرمين الفارّين من وجه العدالة. إنّه تعبيرٌ شعبيّ وعالميّ سينمائيّ، أُلصِق عقودًا طويلةً على الجدران في أفلام رعاة البقر. وهكذا لا يبحث المتلقّي الغربيّ عن هويّة الفلسطينيّ المقتول لأنّ المرجعيّة اللغويّة تحدّثه عن مجرمٍ "مطلوب." وتحت تأثير العدوى الإعلاميّة ابتلع الإعلامُ العربيّ هذه الكلماتِ المسمومة ابتلاعًا تامّاً، نتيجةً لضعف الدراية، والجهلِ الجدّيّ في فهم الآخر، وسوء فهم تطوّرعلم اللغة وسبل استخدامه. وكلمة "مطلوب" أكثرُ خطورةً، في دلالاتها النفسيّة الإخباريّة السلبيّة، من كلمة "ناشط" لأنها تحْمل في ثناياها مضمونَ هذه الأخيرة، مضافًا إليها دلالاتها الجديدة: فإذا كان "الناشط" في طريقه إلى تنفيذ فعل محتمل، فإنّ "المطلوب" قد انتهى من تنفيذ فعله الإجراميّ وصدر أمرٌ قضائيٌّ بمعاقبته، ولم تكن الرصاصةُ التي أردتْه قتيلا سوى يدِ العدالة على الأرض. وهنا ينقسم الخبرُ إلى قسمين متساويين: الأول يشمل "المطلوب،" وهو بالضرورة ناشطٌ سابق؛ أما الثاني فيمثّل "رجلَ القانون،" أيْ منفّذَ عمليّة إعاقة المطلوب وتحجيمه وتحييده. الخبر، إذنْ، يقسم عناصرَ الصراع إلى فئتين: الدولة/الشرعيّة/الحقّ/المجتمع، يقابلها أعداءُ هذه جميعِها. هنا لا يحتاج المتلقّي إلى معرفة هويّة القاتل وأسباب القتل لأنّ صانع الخبر يقوم، نيابةً عنه، باختيار الموقف الصائب له وحشرِه فيه.
ومن جديد نقول إنّه لا توجد في علم السياسة كلمةُ بريئةٌ وأخرى أقلُّ براءة؛ فالكلمة مرجعيّة تاريخيّة تختزن التجربة وتعيد إنتاجَها في الوقت المناسب. فلنتأملْ، مثالاً على ما نقوله، هذين الخبرين: "سترو، وزيرُ الدفاع البريطانيّ، يزور إيرانَ لتخفيف حدّة القلق العالميّ المتعلّق بالمنشآت النوويّة الإيرانيّة" (الفضائيّة التونسيّة، الشريط الإخباريّ، 29/ 6/2003)؛ "البرادعي: على إيران التعاونُ لتبديد القلق العالميّ جرّاء رفضها تفتيشَ منشأتها النوويّة" (الفضائيّة التونسيّة، الشريط الإخباريّ، 23/ 6/2003). الخبران يؤكّدان حقيقة ثابتة تقول إننا نعيش في عالمٍ يسوده قلقٌ جماعيّ نتيجةً لوجود بؤرة نوويّة في إيران، في سبيلها إلى الانفجار وإفناء وجود البشريّة! وبعد مضيّ ثلاثة أعوام تستكمل قناةُ دبيّ الفضائيّة الخبرين السابقين من زاويةٍ مغايرة فتقول: "الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، إضافةً إلى ألمانيا، يبحثون في لندن الإجراءاتِ الواجبِ اتّخاذُها ضدّ طهران" (نشرة أخبار السادسة مساء، 26/2/2007). في الخبر الأخير تُستخدم كلمة "واجب" الإيجابيّة لأغراضٍ موجّهةٍ سياسيّاً، تمنح بعضَ الدول فروضًا كونيّةً تتضمّن معاقبة الأعداء بالوسائل كافّةً. هنا يبرز دورُ الذاكرة التاريخيّة، فيغدو تعبيرُ "الواجب،" ذو الدلالة الإيجابيّة، هدفًا سياسيّاً، ذا ملامحَ حسّيّة، يمهِّد لتأسيس سلسلةٍ من الأفعال السلبيّة المحتملة، التي لا يتطلّب تذكّرُها سوى قدحةِ خيالٍ صغيرةٍ ــ وكلمة "واجب" هي قدحةُ الخيال، ومفتاحُ التداعي الذهنيّ التاريخيّ الجمعيّ. وكلُّ ذلك تمهيدٌ يشير إلى أنّ الصراع يبحث عن نهايته المنطقيّة، ألا وهي استخدامُ الواجب لإنهاء التهديد الدوليّ ضدّ البشريّة جمعاء! هنا يكون العقلُ الجماعيُّ، كلُّه، مهيّأً تمامًا لتقبّل نتائج تنفيذ معركة الواجب، مهما كانت عواقبُها وضحاياها.
والحقّ أنّ معادلة "الواجب وتنفيذه" على ضوء "الخبرة التاريخيّة للبشريّة" يلخّصها يوسكا فيشر، وزيرُ خارجية ألمانيا السابق (1998- 2005)، في مقالةٍ عنوانُها "النموذج ذاته الذي سبق حربَ العراق،" تتحدّث عن التصعيد الإعلاميّ الأميركيّ حول الخطر النوويّ الإيرانيّ، قائلا: "هل يتعلّم السياسيُّ من التاريخ، أمْ أنّه ضحيّةٌ لنزعة التكرار الإرغاميّ للأخطاء السابقة رغم الدروس الكارثيّة؟" ويضيف: "يُخيَّل للمرء أنّ صدّام حسين لم يزل حيّاً، وأنه لم يزل يتربّع على سدّة الحكم، وأنه يتوجّب إعادة إسقاطه مرةً أخرى" (داغنسنيهيتر السويديّة، 30/1/2007). كتب فيشر مقالته وكأنّه يلخّص كتابًا انتهى توّاً من قراءته، ولكنْ لم يمضِ وقتٌ طويل حتى أعلن ديك تشيني تصريحَه المشهورَ حول الأخطاء الأميركيّة في العراق، وماذا ستفعل أميركا لو قُدّر للتاريخ أن يعود إلى الوراء، إذ أجاب بوضوحٍ مطلق: "لو عادت عقاربُ الساعة إلى الوراء، فسنفعل الشيءَ ذاتَه" (قناة الشرقيّة، 1/8/2007). وهذا المثال يقودنا إلى القول إنّ للسياسة الاستعماريّة عامةً ثوابتها المبدئيّة التي توارثتْها على مرّ الأزمان، وتتعلّق بـ "الحقّ" و"القانون الدوليّ" و"التمدين" و"حماية المصالح" و"إنقاذ البشريّة من الأخطار." أما السياسة الاستعماريّة الأميركيّة فلها ثوابتُ مبدئيّة أكثر تطرّفًا وصرامةً من سابقاتها، أهمُّها: الاستهانةُ المطْلقة بالعدوّ، وتجريدُه من خصائصه البشريّة كافّة. ولهذا السبب لا يرى الأميركيّون سببًا جدّيّاً يدعوهم إلى تغيير مواقفهم، بل يحاولون بكلّ الطرق إرغامَ الواقع ـ مهما كان عصيّاً ـ على الانصياع لمخيّلتهم. إنّ خيالَ المستعمِرين الأميركيّين قائم على احتقار"الآخر،" والتلذّذِ بسبل إيذاء الخصم؛ والأهمّ من هذا كلّه هو اعتقادهم الراسخ بأنهم يمْلكون الحقَّ في فعل ذلك.
في فنّ السياسة يجري دائمًا صراعٌ من أجل الاستيلاء على الذاكرة التاريخيّة والوعي الجماعيّ، كخطوةٍ ممهِّدةٍ للاستيلاء على الحاضر والواقع. وفي جبهة الثقافة هذه تكون الكلماتُ واللغةُ سلاحَ المعركة، وأداةَ القتل والتدمير الأساسيّة. وفي قاموس المنظومة اللغويّة الانفعاليّة، ذاتِ الشحن السلبيّ، نعثر على كلمتيْ "إهانة" و"إذلال" اللتين أجاد الأميركيون والإسرائيليون وبعضُ الأوروبيين استخدامَهما بإفراط في تعاملهم مع العرب. وقد استخدم الثانيةَ جورج بوش الأبُ، حين وصف طبيعة العلاقة التي يحبّذ الأميركيون إقامتها مع الشعب العراقيّ، وذلك عند بدء الهجوم الأرضيّ عقب غزو الكويت. ومن المفيد هنا القول إنّ هاتين الكلمتين لا تُستخدمان إلاّ في صيغ النفي لأنهما تنطويان على سلوكٍ محظورٍ في أغلب القوانين المدنيّة الأوروبيّة؛ وحين تُستخدمان سياسيّاً تكتسبان دلالاتٍ عرقيّةً وقوميّةً على الفور، إذ يستحيل على رئيس أكبر دولة في العالم أن يقول في حقّ أصغر شعبٍ أوروبيّ: "نحن لا نودّ إهانة النرويجيين،" أو "لا نهدف الى إذلال الرئيس الفنلنديّ" مثلاً. ولذلك يتمّ الاحتيالُ على القوانين القضائيّة والأعراف الأخلاقيّة والسياسيّة من طريق استخدام النفي الذي يحقّق فعلَه النفسيّ والعقليّ أفضلَ من الإثبات؛ فنفي بوش الأب أن يكون هدفَ الهجوم الأميركيّ والحصار "إذلالُ" العراقيين إنما يعني تأكيدَ الإذلال، وفق قوانين المنطق، لكون الإذلال قد تحقّق في الواقع من خلال الغاية المعلنة، ألا وهي "إعادةُ العراق إلى العصر الحجريّ" بتعبير القادة الأميركيين أنفسهم. وحينما تُرْفق لعباراتُ نفي الإذلال والإهانة بصورة جنديّ عراقيّ يرفع ثوبَه الداخليَّ الأبيضَ على عصًا مستسلمًا، وبصورةِ آخر يقبّل حذاءَ جنديٍّ أميركيّ، فإنّ رسالة الإذلال تكون أبلغَ وأعظمَ وقعًا على النفس من النطق بها نطقًا مباشرًا.
ولقد استخدمتْ إسرائيل تعبيري"الإذلال" و"الإهانة" نفسهما في وصفها حصار عرفات في غرفته الصغيرة في أريحا. فسارعتْ حكوماتُ الدول الغربيّة والعربيّة إلى رفض "إذلال" عرفات و"إهانته." لكنّ المواطن الأوروبيّ فهم هذا الرفض على أنه تأييدٌ تامّ لـ "الإذلال" و"الإهانة" لأنّ تلك الدول لم تقفعمليّاً ضدّ الحصار، بل اكتفت بمراقبة فصول مسرحيّة الإذلال، وصولاَ إلى فصلها الأخير: الموت المهين.
ومن أحدث نوبات استخدام تعبير "الإهانة" ما جاء على لسان السفير الأميركيّ في بغداد زلماي خليل زاد، حينما توجّه إليه عمّار الحكيم شاكيًا من قسوة تعامل الجنود الأميركيين معه بعد اعتقاله نصفَ يوم وتفتيشِه تفتيشًا مهينًا دينيّاً وأخلاقيّاً. فقد أجاب زلماي على شكوى الحكيم بالقول: "إنّ واشنطن لا تريد إهانة عائلة الحكيم." ونقلاً عن وكالة فرانس برس أكّد الحكيم أنّ القوات الأميركيّة احتجزتْه "من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثامنة مساءً،" و"تعرّضتُ للتفتيش الدقيق، وعصبوا عينيَّ، وكانت معاملة خشنة.» وأضاف أنّ الأميركيين ادّعوْا أنّ السبب هو انتهاءُ صلاحيّة جواز سفره، مؤكّدًا أنّ «هذا لا يجوز، وحين أعود إلى بغداد سأطلب توضيحًا من السفارة الأميركيّة،» ومضيفًا أنّ هاتفه المحمول ومتعلّقاته الشخصية "مازالت محتجزةً لديهم." والحال أنّ تعبير زلماي أعلاه لا يعني سوى أنّ آل الحكيم، شأنَ العراقيين كافّة، يمكن أن يهانوا ويُذلّوا. وقبل ذلك الحدث بأيّام فحسب أَقنع الأميركانُ أشهرَ شخصيّة سياسيّة في المجلس الأعلى، عادل عبد المهدي، بأنه يمكن أن يهان هو أيضًا علنًا، وذلك حين قرّروا إعادة طائرته من تركيا، من غير أن يشفع له كونُه نائبَ رئيس الجمهوريّة والمرشحَ الأقوى لمنصب رئيس الوزراء. وكان تعليلهم مشابهًا لتعليل زلماي، وهو أنهم لم يكونوا ينوون "إهانته"! وإذا أردنا تطبيق فرضيّات علم المنطق، فبإمكان القارئ التحقّقُ من وقوع الإهانة، بإعادة صياغة الافتراض السابق على الشكل التالي: إذا سلّمنا بصدق زلماي، فماذا سيفعل الأميركيون لو أرادوا إهانة أولئك الأشخاص حقّاً؟ الجواب يحمل إشاراتٍ مرعبة ووحشيّة في حال ثبوت ادّعاء زلماي، فكأنّه يقول لحلفائه: الأفضل أن تقبلوا بهذا القدر من "الإذلال" و"الإهانة" في الوقت الحاضر!
وفي مؤتمر أنابوليس، لم تفوِّت وزيرةُ الخارجيّة الأميركيّة السابقة كوندوليزا رايس فرصة التحدّث عن إذلال الشعب الفلسطينيّ: "أعرف ما يمكن أن يحسّه المرءُ حين يبلَّغ بأنه لا يُسمح له باستخدام شارعٍ أو عبور نقطة تفتيش لأنه فلسطينيّ؛ أدركُ الشعورَ بالذلّ والعجز." رايس تعرف أنّ الفلسطينيّ يعاني "الذلّ،" لكنها لا تعرف المسؤولَ عن هذا الذلّ! وقد يتبادر إلى الذهن أنّها ربما أخطأتْ في اختيار الكلمة المناسبة، فجاءت لصالح الفلسطينيّ، لكنّ الأمر خلاف ذلك وفق منظومة أفكارها: فالفلسطينيّ بلغ "الإذلالَ" بسبب أفعاله؛ أما الإسرائيليّ فمرغمٌ على ترويض الوحش الفلسطينيّ الذي يهدّد حياةَ أطفاله الأبرياء ووجودَه. هذا الاستخدام اللغويّ الحاذق والظالم يؤكّد ما ذهبنا اليه، ولكنْ بصورة أكثر إتقانًا ومهارة: فالفلسطينيون الذين تخاطبهم رايس ليسوا سجناءَ في غرفةٍ انفراديّةٍ مظلمة، بل كانوا جالسين على منصّة الرئاسة مع مذلّيهم؛ أما هي فكائنٌ محايدٌ، ومضيفٌ كريمٌ وشهم، يمْلك مشتركاتٍ عاطفيّةً وشخصيّةً مع الطرفين لأنها سبق أنْ شهدتْ (كما قالت في كلمتها) مرحلة التمييز العنصريّ الأميركيّة وعاشت أحزانََها. ولو أردنا تحويل كلمات رايس إلى تعابير حسّيّة وشخصيّة مباشرة لأضحت كالتالي: "إنّ السيّد أولمرت مرغمٌ على إذلالكَ يا سيّد عبّاس لأنه يريد أن يحمي بيته وجوَّه؛ فعليك الكفّ عن تهديده (الإخلال بالأمن الإسرائيليّ) حتى يكفّ عن إذلالك (يمنحك السلام)!"
هذا وقد أفاد بعضُ الإعلام العربيّ من تجارب الإعلام الغربيّ، ويسعى إلى تطبيق ذلك على الواقع المحلّيّ. ففي العراق أفادت قناةُ "الشرقيّة" مثلاً من الخبرات الإعلاميّة الإسرائيليّة والأميركيّة عند بثّها أخبارَ معارك مدينة الصدر ضدّ القوات الأميركيّة، مستخدمة إشاراتٍ توحي بأنّ القناة تلتزم معايير الخطإ والصواب على الطريقة الأميركيّة الإسرائيليّة: "قصفت القواتُ الأمريكيّة بدقّةٍ بالغة موقعًا تمّ رصدُه من قبل أجهزة الاستخبارات المختصّة من دون إلحاق أضرارٍ بما يجاوره من البيوت السكنيّة" [فصواريخُهم تُحْدث أضرارًا "جانبيّةً" فقط، وقذائفُهم موجّهة، وجنودُهم حريصون وحذرون]؛ "ويأتي قصفُ حافلة نقل الركّاب بعد أن اختطف مجهولون من فرق الموت التي ترتدي الملابسَ السوداءَ قبل أسابيع جنديّاً أميركيّاً من أصلٍِ عراقيّ ذهب لزيارة أقربائه" [شبابنا منقِذون، إنسانيّون، حريصون، شجعان]؛ أو "بعد أن رصدت القوّاتُ الأمريكيّة عناصرَ من فرق الموت، المنسوبة إلى ميليشيات معروفة تلبس الثياب السوداء، تتحرّك في المكان..." [شبابنا، إذن، محترفو قتال، منفّذون للعدالة، وشبابُهم ناشطون مطلوبون].
قد تبدو تعابيرُ "الإذلال" و"الإهانة" في الأمثلة السابقة مجرّد زلاّت لسان، أو خللٍ في الاستخدام اللغويّ والنشاط الانفعاليّ. بيْد أنّ نظرة شاملة إليها تكشف أنها تشترك في خصائص ثابتة: طابعها التكراريّ، نمطيّتها، تشابُه مضمونها، دقّة توجيهها زمانيّاً ومكانيّاً. فهذه التعابير لم تظهرْ في نزاعات عالميّة كبيرة (يوغسلافيا وكوريا وإيران...) لأنها جزءٌ مكوِّنٌ لمنظومةٍ عقليّةٍ معيّنة، تملك تصوّرًا ثابتًا عن "الآخر،" تصف صلتها به، وتحدّد مكانته لديها. هذه التعابير وجهة نظر أخلاقيّة وسلوكيّة جماعيّة تجاه جماعة بشريّة محدّدة، بصرف النظر عن قائليها وعن الأشخاص الذين قيلت في حقّهم. اللغة هنا هي المرآة الداخليّة لصورة الآخر في الوعي: إنها هنا مكوّنٌ إيديولوجيٌّ خالص.
عند متابعة نشرات الأخبار نعثر على مئات الأمثلة الأخرى التي تتعلّق بفلسطين بشكلٍ خاصّ. فحين يناقش الإعلامُ الغربيّ التوتر الناشئ جرّاء الحفريّات الإسرائيليّة في باب المغاربة في القدس، تنشر إحدى كبريات الصحف السويديّة، داغنسنيهيتر، هذا الخبر: "عودة التوتّر إلى الشرق الأوسط." بعض الفلسطينيين لا يخفون غبطتَهم عند سماع ذلك، لأنه ينفخ حجمهم، فيجعل من فلسطينهم الضائعة شرقًا أوسطَ كاملاً! إلا أنّ حقيقة الأمر هي أنّ اللغة تقوم هنا بتفتيت القدس، أو أحدِ أبوابها، ونشرها على رقعةٍ جغرافيّةٍ مترامية الأطراف، تمتدّ من باكستان إلى لبنان، اسمُها "الشرق الأوسط." ولكنْ حين تنفجر قنبلةٌ في شارعٍ إسرائيليّ فإنّ الهويّة الجغرافيّة تتحدّد وتتموضع وتصبح كالتالي: إرهابيّ فلسطينيّ يقتل مواطنًا إسرائيليّاً، اسمُه كذا، له طفلةٌ بريئةٌ اسمُها كذا، وزوجةٌ جميلةٌ معذّبةٌ اسمُها كذا. ثم تتوالى صورُ الأطفال الإسرائيليين المذعورين. إنّ تفسيخ الجغرافيا، بتحويل القضيّة الفلسطينيّة إلى "قضيّة الشرق الأوسط،" ليس سوى استخداماتٍ لغويّةٍ تهدف إلى إبعاد الأعين عن الحقّ العيانيّ، الخاصّ، الفلسطينيّ. فهنا يراد تنظيفُ الذاكرة من أيّ مرجعيّة تربط الفلسطينيَّ بأرضه المعيّنة على الخرائط، بحيث يغدو كائنًا بلا أرض: إنه ابنُ "الشرق الأوسط،" أيْ كما يريده الإسرائيليُّ المتطرّف. وما نحن، الذين نستخدم المصطلح، سوى خدمٍ مطيعين، نكرّر بوعيٍ، أو من دون وعي، فكرًا نرفضه عاطفيّاً، لكننا نتبنّاه عند الممارسة.
وحين نتابع، في كبريات الجرائد الغربيّة، أخبارَ صواريخ إسرائيل المتساقطة على جنوب لبنان، نجد أنها لا تستهدف لبنانَ ولا اللبنانيين، بل حزبَ الله. فالخبر يقول حرفيّاً: "دكَّ الطيرانُ الإسرائيليّ نشطاءَ حزب الله في لبنان،" وهو يعني أنّ الطائرات المعتدية قصفتْ لبنانَ من بيروت حتى الحدود الإسرائيلية. هنا، على العكس من حالة فلسطين، اختُزِل لبنانُ إلى جماعة سياسيّة واحدة: حزب الله. وإذا أراد مصمّمو الخبر زرعَ المزيد من البحبحة الإعلامية، أضافوا إلى الخبر عبارة "المرتبط بإيران،" فيغدو القصفُ الإسرائيليّ موجّهًا إلى طهران لا بيروت!
ومن العبارات اللغويّة المرتبطة بالقوّة، والتي دخلت التاريخَ من أوسع أبوابه، عبارةُ "أسلحة الدمار الشامل." تتكوّن العبارة من كلمة وصفيّة محايدة ("شامل") وكلمتين تحملان شحناتٍ متفاوتةَ السلبيّة ("دمار" و"أسلحة"). وعند تجميع هذه الكلمات نقف على معنًى يدلّ على درجة عالية من الفتك، ولكنْ من دون تحديد نوعه وحجمه: فقد يكون بضعة صواريخ، أو سلاحًا ذرّيّاً. ومثل هذه التعابير الغامضة استُخدمتْ مرجعيّاتٍ زائفةً لأغراضٍ سياسيّة وعسكريّة بحتة، وتقبّلها الناسُ كحقائق، رغم أنها تحتاج إثباتيْن لكي تصبح حقيقة: الأول يتعلّق بالمعنى المحدّد للتعبير، والثاني يتعلق بحقيقة وجودها في الواقع.
أما الشحن الإيجابيّ المزوّر فنجده في الخبر التالي: "حكمتْ محكمةٌ عسكريّة أميركيّة على المجنّد جيمس باركر بالسجن مئة عام لقتله صبيّةً عراقيّة." حالَ صدور الخبر احتفلتْ صحفٌ عربيّةٌ كبرى بالحدث في وصفه دليلاً ناجزًا على فضائل أميركا وعدالتها، وشارك في احتفالات إقرار الحقّ رؤساءُ صحفٍ ومواقع ثقافيّة (في مقدّمتهم صحيفةُ الشرق الأوسط). أما الإعلام الأوروبيّ فلم يتوقّفْ عند عبارة "مئة عام،" بل أوضح لمتلقّيه، كجزء من واجب الإعلام المهنيّ، أنّ العقوبة في التطبيق العمليّ قد تقتصر على أقلّ من عشر سنوات (تُحتسب ضمنَها مدةُ الاحتجاز والتحقيق) لأنّ مثل هذه الأحكام تراعي أمورًا عديدة، شخصيّةً ووطنيّةً ومحلّيّة، تُحْسب لصالح المجنّد الشابّ، السيّئ الحظّ، الذي ذهب للدفاع عن "الأمن الدوليّ" ضدّ خطر الإرهاب العالميّ! أما أرواحُ عائلة عراقيّةٍ كاملةٍ مكوّنةٍ من أبٍ وأمٍ وابنتين أبرياء، وكرامةُ صبيّةٍ قاصرٍ تُغتصب، وحرمةُ أجسادٍ تُحْرق، واستخدامٌ وحشيٌّ لـ "الواجب،" فتباع كلّها من قبل إعلاميين بثمنٍ قدرُه تسعُ سنواتٍ أو أقلّ! والحقّ أنّ عواقب هذا الإجرام وموقف "العدالة" الأميركيّة منه عظيمة الدلالة تاريخيّاً: فهذا الشاب مؤهّل للظهور بعد عقد، في مكانٍ آخر وحربٍ أخرى، لا في وصفه مجنّدًا نظاميّاً في الجيش الأميركيّ، بل "متعاقدًا" في شركة أمنيّة ذات خبرات غير اعتيادية تؤهّله لخوض أشرس وأقذر الحروب باقتدار تامّ؛ ولا نستبعد أن نجده في بغداد في زيّ رسولٍ من رُسُل بناء الديموقراطيّة! وقد ثبت أنّ سانتوس كاردون، السجّانَ صاحبَ الكلب في أبو غريب، ظهر بعد أشهر من محاكمته في أفغانستان ضمن القوّات الأميركيّة المحاربة، وقد قُتل برفقة كلبه في لغمٍ أرضيّ (جريدة التايمز البريطانية، مارس 2009).
وربما يكون تعبير "إرهاب" هو أكثر التعابير شيوعًا في الاستخدام السياسيّ الراهن. والكلمة ذاتُ شحنٍ عاطفيّ سلبيّ في المعايير كلّها، بيْد أنّ معانيها تتغيّر: ففي حقبة السبعينيّات كانت ترتبط بالفلسطينيّ واليسار المتطرّف؛ وفي الثمانينيّات أضحت ملازمةً للعربيّ؛ وعقب سقوط الكتلة الشيوعيّة حُصرتْ بالإسلام. وهذا التطوّر يعكس طبيعة التحوّل في المناخ السياسيّ العالميّ.
* كاتب عراقيّ مقيم في السويد.










التعليقات
علِّق