الافتتاحيّة: كنتُ في الرياض: ثقافةُ ما تحت الطاولة!
على امتداد عشرة أيّام (3 ـ 13/3/2009) شاركتُ في معرض الرياض للكتاب. كانت مهمّتي أن أساعدَ مسؤولَ المعارض في دار الآداب على بيع كتب دارنا، وشرحِ نبذةٍ عنها للسائلين والسائلات. وهناك أمضيْنا أيامًا مليئةً بالتعب و"الطوز"... ومفعمةً بالإثارة أيضًا، ولاسيّما بسبب صراعنا مع الرقابة.
في زيارتي لمعرض الرياض الأول للكتاب (1987)، كانت الرقابةُ مخيفةً. فقد فوجئنا يومَها، داخل المعرض، برجالٍ ملتحين عرفتُ فيما بعد أنّ اسمَهم "المطوِّعون." كان المطوِّعون "يكْبسون" أجنحَتنا بين الفينة والأخرى، فيصادرون ما طاب لهم من كتب: من دواوين المتنبّي، وأبي نؤاس، إلى دواوين أدونيس و(بعض) درويش، وكلِّ ما يَخطر أو لا يَخطر في البال من حبًّ وجنسٍ وتشيّعٍ وماركسيّةٍ ومعارضاتٍ سياسيّةٍ مختلفة. بل أَذْكر أنّ أحدَ المطوِّعين زار جناحَنا وسحب من الرفّ روايةَ الحيّ اللاتينيّ لأبي سهيل. ابتسم أبي وسأله عن السبب، فقال المطوِّع (ولم يكن يعْلم أنه يتحدّث إلى سهيل) إنها روايةٌ غيرُ أخلاقيّة، وأكمل: "على الصفحة 24 يقول الكاتب: وأحسّ بهما، بنهديْها، يرتعشان على صدره، فيما هو يشدُّها إليه، وشَعَرَ بجسدها...". عندها، رجا منه أبي أن يتوقّفَ، وسَحَبَ نسخةً من الرواية، فبحث عن الصفحة، ثم نظر إليه مدهوشًا، وصاح: "اللي ذكرته مضبوط. يبدو أنّكَ استمتعتَ بهذا المقطع حتى حفظتَه. فلماذا تحْرم غيرَك من الاستمتاع؟!" وقبل أن يستشيط المطوِّعُ غضبًا عَرّفه والدي بنفسه، وقال له إنّه سينسحب هو ودارُه وبعضُ الدُور اللبنانيّة الأخرى إنْ تعرّضتْ روايتُه لأيّ سوء. وهكذا بقي الحيّ اللاتيني... ورَحَلَ المطوِّع!
في ذلك المعرض الأول نشأتْ ظاهرةٌ أسمّيها "ثقافة ما تحت الطاولة،" تحدّيًا لسلطة الرقابة، واستجابةً لرغبات الجمهور السعوديّ التوّاق إلى الممنوع... المرغوب. هكذا وُضعت الكتبُ الممنوعةُ في أكياسٍ تحت الطاولة التي يَجْلس إليها العارضُ أو الناشر (وهو دائمًا ذَكَرٌ)، فيأتيه الشاري والشارية (في أيّامٍ مختلفةٍ درءًا لما لا تُحْمد عُقباه) بعد أن ينتشرَ الخبر، ويَطْلبان إليه (بغمزةٍ أو من دونها) كتبًا من نوع الـ "كذا مذا." إذّاك، يَنْظر العارضُ يمنةً ويسرةً، ليتأكّدَ من غياب البصّاصين والبصّاصات، فيَسْحب من تحت الطاولة كتبَ الكذا مذا، ويدسًّها في كيسٍ، ثم يَقْبض ثمنَها خلْسةً، ويدوِّن على "الوصولات" عناوينَ مختلفةً أو ملتبسةً تجنُّبًا لإثارة شكوك إدارة المعرض. بل أذْكر أنّ بعضَ العارضين اللبنانيين دارَ على أجنحةٍ أخرى، فاشترى الممنوعاتِ من تحت طاولاتها، وباعها لزبائنه "المخْلصين"!
لا، لم أَفضحْ مستورًا، ولا شَهّرتُ بأحدٍ على وجه التعيين. وأيًّا يكن الأمر، فقد بات مطوِّعو اليوم وإدارةُ الرقابة أكثرَ تنبّهًا لـ "ألاعيب" الناشرين على ما سأبيّن.
***
تلك كانت السياسةَ المتَّبعةَ في المعرض الأول، الذي يبدو أنّه أثار حفيظةَ السلطات، فلم تُقِمْه في العام التالي. لكنْ هل تغيّر الكثيرُ بين معرض 1987 ومعرض 2009؟
إنّ جولةً سريعةً على بعض الأجنحة تُظْهر أنّ بعضَ الممنوع سابقًا قد بات مسموحًا: نزار قبّاني، أدونيس، عبد الرحمن منيف، ومئات الكتب المترجمة وغير المترجمة. لكنّ الرقابةَ مازالت طاغيةً، والمنعَ والتهديدَ بالمنع (والأخيرُ لا يقلّ فعّاليّةً) يطاولان ما هَبّ ودبَّ: للسعوديّ عبدالله ثابت، والليبيّ الصادق النيْهوم، ولكتبٍ عن الأصوليّة وحزبِ الله والخليج، ولرواياتٍ بالعشرات (قال لي مسؤولُ جناح دار لبنانيّةٍ معروفةٍ إنّ المنعَ طاول 12 روايةً عنده). وسيبدو من قبيل الغباء أن يتجاهلَ المرءُ هذه السمةَ السلبيّةَ الفاقعةَ ليركّز على الإيجابيّات وحدها. فلنُقِرَّ، إذنْ، بأنّ الرقابةَ السعوديّة تراجعتْ كثيرًا خلال العقود الثلاثة؛ ولكنْ فلنُقِرّ أيضًا بأنّها مازالت ضخمةً (وعبثيّةً كما سنرى)، وأنّ معرضَ الرياض أقلُّ حريّةً من الكثير من المعارض العربيّة الأخرى (علمًا أنّ الرقابة تزداد سوءًا في معارض الكويت، والأردن... والقاهرة أحيانًا!).
***
الرقابة السعوديّة رقاباتٌ متعدّدة: رقابةُ الحكومة المباشرة، ورقابةُ الجمعيّات المشرَّعة شبهِ السلطويّة، ورقابةُ الجمهور نفسه. لكنّي، قبل أن أتطرَّقَ إلى كلٍّ منها تباعًا، أودُّ أن أذْكر أنّ إدارةَ المعرض فاجأتْ دارَنا بـأنها خَصّصتْ لها 12 مترًا فقط بدلاً من 24 كما وُعِدنا. تملّكتْنا "نظريّةُ المؤامرة،" لكنّنا صَمَتْنا حين رأينا بعضَ زملائنا الـ "حداثويّين" يرْتعون بأمتارهم الفسيحة، وكَظمْنا غيظَنا حين قال لنا بعضُ المسؤولين: "ما عَجَبْكم؟ لا تِجوا السنة القادمة!". فكّرْنا في الانسحاب (وأعلنّا عن ذلك في الصحف)، ثم أَقْنعنا أنفسَنا بأنّنا نحْمل رسالةً قوميّةً ويساريّةً وعَلمانيّةً ومعاديةً للولايات المتحدة وإسرائيل والأصوليّات؛ لذا فإنّ علينا أن نمرِّرَ ولو جزءًا من كتبنا وأهدافنا... ولكنْ شرطَ عدمِ تملُّقِ أحد، ولا تبريرِ الرقابة من أيّ جهةٍ أتت. قرّرْنا، إذنْ، أن نتسلَّحَ بأعصابٍ هادئة، وأن نجادلَ الرقباءَ بالتي هي أحسن؛ فلعلّ الجدالَ يُشْعِرهم بأنّ عملهَم ليس أمرًا "طبيعيًّا" أو "إلهيًّا،" بل من صنعٍ بشريّ، وقابلٍ ـ من ثمّ ـ للنقدِ والنقض.
أ ـ فأمّا الرقابة الرسميّة فتجري على الشكل التالي: يأتي مسؤولون من إدارة الرقابة التابعة لوزارة الثقافة والإعلام فيَطْلبون إلينا أن نَسْحبَ من رفوفنا كتبًا بعينها، وأن نضعَها في أكياسٍ لن نتسلمَها إلاّ بعد انتهاء المعرض (ولم نتسلَّمْها جميعَها بالمناسبة!). إنّه إجراءٌ جديدٌ ذكيٌّ كما تروْن، إذ لم يَعُدْ في مقدور العارض أن يبيعَ "ما تحت الطاولة" من الممنوعات الرسميّة. لكنْ سرعان ما تنبَّهَ الجمهورُ إلى الإجراء الجديد، فصاروا يرغبون في لقائنا خارج المعرض أو بعد انتهائه للحصول على مبتغاهم... وهذا ما لا يستطيع الناشرون أن يلبّوه، وبخاصّةٍ أنّهم شَعَروا أنّ بعضَ ذلك "الجمهور" ليس إلاّ عينًا دَسَّها الرقيبُ الرسميُّ لكشف الناشرين المشاغبين. وقد تكون عقوبةُ التمرّد مَنْعَهم من الاشتراك في المعرض القادم، وهو ما لا طاقةَ لهم عليه لأنه يعني خسارةَ آلاف الدولارات في خضمّ أزمة نشرٍ خانقة.
انتصارُ الرقيب الرسميّ هنا شبهُ حاسمٍ للأسف. غير أنّ ما قد يخفِّفُ منه هو إجراءُ نقاشٍ معه، لن يبدِّلَ النتيجةَ في كلّ الأحوال، إلاّ أنّه قد يُشْعره بتهافتِ منطقه: فحين تُبيِّن له أنّ من الكتب المسموحة ما يتجاوز الكتبَ الممنوعةَ إباحيّةً وتمرّدًا و"شذوذًا" (ولكنْ إيّاكَ أن تُفْصِحَ عن عناوين الكتب الأولى!)؛ وحين تَشْرحُ له أنّ بعضَ "الإباحيّة" مقدّمةٌ لحلولٍ أكثرَ"أخلاقيّةً" مما يظنّ؛ فقد يَزْرع ذلك في نفسه الشكَّ حيال عبثيّة إجراءاته، وربما نقلَ ما جرى معه إلى الدوائر العليا.
نعم، أعلم أنّني ربّما أمارسُ ههنا تفكيرًا رغبويًّا، لكنّ اقتراحَ "المواجهة اللطيفة" جديرٌ بالتأمّل في كلّ حال... ولاسيّما إذا شَهِدَها بعضُ المارّة الفضوليين!
ب ـ وأمّا الرقابة شبهُ الرسميّة فهي التي يمارسها أعضاءُ جمعيّةٍ أخلاقويّةٍ هي "هيئةُ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنْكَر." هؤلاء يطالبون العارضَ بسحب كتبٍ محدَّدة بجريرةِ عناوينها أو أغلفتِها على الأرجح. لكنهم لا يأخذونها معهم، كما يَفْعل الرقباءُ الرسميّون، بل يكتفون بوعظ العارض (وزَجْرِه). في هذه الحال يُخفي العارضُ الكتبَ الموبوءةَ يومًا أو بعضَ يوم، في زاويةٍ ما، أو يضعُها تحت الطاولة، ولكنه لا يلبث أن يبيعَها علنًا أو من تحت الطاولة.. ويدُه على قلبه.
ج ـ وهناك، أخيرًا، رقابةُ الجمهور. ولا أقصدُ البصّاصين (بلغة جمال الغيطاني في رائعته الزيْني بركات)، أو عيونَ السلطة، لأنّ هؤلاء جزءٌ من الرقابة الرسميّة كما أَظْهرنا. وإنما أقصدُ الناسَ العاديين، الذين استبْطَنوا الرقابةَ، واستدْخَلوا القمعَ، وتبرّعوا بنشر الأخلاق بين الناس. هؤلاء "المطوِّعون المتطوِّعون" كما أسمّيهم قد يَبْدون أخطرَ الرقباء لأنهم يعْكسون مدى تغلغل السلطة في ثنايا المجتمع (كما كان فوكّو سيقول). فمثلاً، سمعتُ زائرًا لجناحنا يقول لزميله إنّ كتاب كولن ويلسون، ما بعد الحياة، يجب أن يُمنعَ "لأننا، نحن المسلمين، نعْرف ما يَحْدث بعد الحياة أصلاً"! وجاءتني سيّدةٌ متعلّمةٌ مع زوجها وراحت "تَنْصحنا" بألاّ نبيعَ كتبَ سماح إدريس للأطفال (لم أُفصحْ لها عن هويّتي) لأنها تُفسِدُ أخلاقَهم بسبب استخدامها نعتيْن شنيعيْن: "ملعون" في وصف أبٍ لطفله الذكيّ المتمرّد، و"كلبة" في وصف طفلٍ لكهرباء لبنان التي تنقطع مرارًا. شرحتُ لها أنّ "ملعون" في لبنان لا تقتصر على المعنى الدينيّ المذموم بل قد تأتي من باب التحبّب (مثل "الشياطين الصِّغار" بالإنكليزيّة)، وأنّ "كلبة" وصفٌ شائعٌ لما لا يُستحبّ لدى الأطفال ولدى غيرهم. ويبدو أنها اقتنعتْ بعد عشر دقائق، وهذا مثالٌ من بين عشرات الأمثلة التي تفيد بأنّ على العارضِ ألاّ يكلَّ من جدالِ الزائرين، وخاصّةً إذا كانوا ممن يتمتّعون بحظٍّ من العلمِ والانفتاح.
***
ما الكتبُ التي طاوَلَتْها الرقابةُ، بأشكالها المختلفة، من منشورات دار الآداب في معرض الرياض؟
1 ـ حوْضُ السباحة (2001) لليابانيّة يوكو أوغاوا (ترجمة الراحل بسّام حجّار). هذه الرواية الصغيرةُ، الرقيقةُ، لا جنسٌ فيها، ولا قبلةٌ، ولا لمسة. ولكنّ الغلاف، الذي أغاظ أحدَ ممثّلي "هيئة المعروف والنهي عن المنْكَر،" ورسمتْه مها نصرالله، يُظْهر الشقَّ الأيسرَ من صبيٍّ بمايوه سباحة، وإنْ لم يبدُ منه ثديٌ ولا خصْيةٌ ولا مَنْ يحزنون.
2 ـ مأساة ديمتريو والولاّعة لحنّا مينة. وقد طلبتْ إدارةُ الرقابة سحبَهما بسبب غلافيْهما أيضًا. الغلاف الأول، وهو لريم الجندي، مستندٌ إلى عملٍٍ للمصوّر مانْ راي (بعنوان "لو فيولون دانْغر" عام 1924، أيْ قبل 85 عامًا بالتمام والكمال!)، ويُظهر بروازًا لجذع امرأةٍ عاريةٍ ولرأسها من الوراء. وقد راعت ريم أن تَطْمسَ شقَّ المؤخّرة الذي كان أشدَّ وضوحًا في الأصل، لكنّ ذلك لم يَشْفعْ لها عند إدارة الرقابة؛ كما لم يَشْفعْ للرواية أنّ عنوانَها المأساويّ ذاتَه أبعدُ ما يكون عن الإثارة الجنسيّة!
أما غلاف الولاّعة فهو الآخر لريم الجندي، ويُظْهر رسمًا لملامح امرأة عاريةٍ نائمةٍ على بطنها فوق كثيبٍ رمليّ. وقد راعت ريم هنا أن تخربشَ على الفَرْج (المطموسِ بالكثيب أصلاً)، لكنّ ذلك لم يُرْضِِِِ إدارةَ الرقابة السعوديّة من جديد: فخَربشتْ على الخربشة نفسِها، أيْ مَنعتِ الرقابةَ الذاتيّةَ ذاتَها!
3 ـ حين مات النهد وعاهرة ونصف مجنون لحنّا مينة أيضًا. وقد طلبتْ إدارةُ الرقابة سحبَهما بسبب العنوانيْن هذه المرّة. الرواية الأولى (2003) تبدأ برجلٍ يتخيّل النساءَ اللاتي عاشرهنّ وقد جئن لمحاكمته في الغابة، وتنتهي بعودته إلى المدينة مع إحدى حبيباته الكثيرات "لأنّ المرأة هي التضحية." إنها، كما نرى، روايةٌ لا تخالف المنظورَ الذكوريّ التقليديّ (لماذا لا يكون الرجلُ هو التضحيةَ يا ترى؟)، رغم ما فيها من جنسٍ لا يَبْلغ، في أيّ حال، درجةَ الإباحيّة التي بلغتْها مئاتُ الكتب المفسوحة. فلو لم يكن في العنوان "نهد" (بل "نهر" مثلاً)، لكانت الروايةُ حلالاً بالتأكيد! والأمرُ نفسُه ينطبق، إلى حدٍّ ما، على عاهرة ونصف مجنون (2008)؛ فثمة عشراتُ الروايات المسموحة التي تتحدّث عن نساءٍ تعهّرن بسبب الأوضاع المادّيّة البائسة... لكنْ بعناوينَ مختلفةٍ لا تثير حفيظةَ الرقابة. وفي كلّ الأحوال، مسكينٌ حنّا مينة: فلقد أَعدمتِ الرقابةُ الرسميّةُ السعوديّةُ أربعًا من رواياته بسبب أغلفتها أو عناوينها، ولم يَشْفعْ لأغزرِ روائيٍّ سوريٍّ أنّ العلاقاتِ بين محورَي "التشدّد" و"الاعتدال" العربييْن تَشْهد اليومَ انفراجًا ملحوظًا!
4 ـ عالمٌ يسَعُ الجميعَ (2008) لكاتب هذه السطور، والرسومُ لحاتم الإمام. في اليوم الثالث أبلغني مسؤولُ الجناح أنّ ثلّةً من أعضاء "هيئة المعروف والنهي عن المنكَر" طَلبتْ إليه عدمَ بيع قصّتي الموجّهة إلى الأطفال. السبب؟ غلافُها، الذي يُظْهر أختيْن تتنافسان في الجلوس على كرسيٍّ هزّاز. المفارقة الكبرى هنا هي أنّ المطوِّع تطوّع بأن يَخْرُجَ من العالم الذي يُفترض (بحسب العنوان) أن يتّسعَ للجميع!
وإلى جانب الكتب الستّة الممنوعة أو المزجورة أعلاه، تناوبتْ إدارةُ الرقابة و"هيئةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر" على منع الروايات التالية من دار الآداب: حُبّ في السعوديّة لإبراهيم بادي، ووجوه وأماكن لباحميشان، وخُذْها لا أريدها لليْلى العثمان، وإنّها لندن يا عزيزي لحنان الشيخ، وحُبّ بيروتيّ لسحر مندور، والتشهّي لعالية ممدوح، وكاباريه سعاد لمحمّد سويد. فيصبح المجموع ثلاثة عشر كتابًا من دارنا وحدها (ما عدا السهوَ والخطأ)، علمًا أننا اضطُررنا إلى حجب نصف كتبنا عن العرض بسبب ضيق المساحة المعطاة لنا أصلاً كما سَبَقَ الذكرُ. ويلاحِظُ القارئُ أنّ المنعَ طاول كتّابًا من السعوديّة والكويت وسوريا والعراق ولبنان واليابان، وأنّ الجنسَ يكاد يكون الشغلَ الشاغلَ للرقابة السعوديّة. نعمْ، لم تَعُدْ حداثةُ الليبراليين (أدونيس مثلاً)، ولا كتبُ غيفارا وماو وماركس أو القوميّة العربيّة، هي ما يقضّ مضجعَ الرقابة السعوديّة، بل الأصوليّاتُ المقاتلة، جنبًا إلى جنب (ويا لَلْمفارقة) مع الروايات التي تتضمّن الجنسَ: مثليًّا أو غيرَ مثليّ، مكتوبًا أو مرسومًا أو موحًى به من خلال رُبْعِ مايوه!
***
هل يعني تعرُّضُنا للمنع والزجر على ذلك النحو أنْ نمتنعَ عن نشر الأعمال الجيّدة لمجرّد خوفنا من الرقابة؟ على العكس؛ فالتراجعُ أمام الرقابة يدفعها إلى المزيد من الاستئساد على الإبداع والتحرّر وحريّة القول والنشر. أنطالبُ رسّامي أغلفتنا بشيءٍ من "الحشمة" و"المراعاة"؟ على العكس، نطالبهم بأن يزدادوا إخلاصًا لإلهامهم وفنّهم... ولو غَضِبَ الغاضبون!
بيروت
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| editorial_4-5-6_2009.pdf | 72.4 ك.بايت |










التعليقات
تأكيد على ما تفضلت به وليس رد
شهادتك يا دكتور سماح ادريس رؤية صادقة وحقيقة جليّة لواقع معرض الرياض للكتاب. ولا تعليق أو غبار عليها، واستأذنك في سرد بعض ما حدث معي أو بالأحرى في قول شهادتي. علمًا ان شهادتي قد لا تكون على قدر شهادتك لغةً واسلوبًا. لن اتحدث إلا عن الرقابة شبهُ الرسميّة التي يمارسها (أعضاءُ جمعيّة أخلاقويّة هي«هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» -راجع جريدة الأخبار ص 16 عدد 31-03-2009). التي لاتكتفي بالرقابة على الكتب بل تتسع حتى تصل إلى الرقابة على الملبس والكلام أو الحوارالذي يدور بينك وبين زبائك وبالأخص حواركَمع النساء. في زيارتي الأولى لمعرض الرياض للكتاب(2007)، كنت ارتدي سلسلة فضّية بها "لوحة"صغيرة مكتوبٌ عليها بعض الآيات القرآنية (وفي الشريعة الإسلامية حلال لبس الفضة للرجال، ولكن بما انها تحمل آيات قرآنية فهي يجب ان تبقى طهارة كما يدعي المطاوع، وما ان رأها حتى طلب مني خلعها كي يأخذها مني، عندها قلتُ له هي هدية من والدتي، قالالمطاوع: "خوفًا من الحسد"، قاطعته قائلاً:على ماذا؟، هنا نظر إليّ مدير الدار الذيخاف من احتدام النقاش، فنـزعتها ووضعتها في جيبي - حلاً وسطيًّا - رضيَّ به المطاوع ومدير الدار التي أعمل بها.اضافةً إلى ما تحدث عنه -موضحًا وشارحًا - بالنسبةِ إلى "الرقابة التي يمارسها المطاوعون بسحب كتب محدّدة بجريرة عناوينها أو أغلفتها على الأرجح"، والتي قد يختلف مضمونها عن غلافها، فلنعمم شعار الكتاب لا يُمنع من عنوانه. إن منع الكتاب خوفًا من صورة غلافه، كمن يحكم على الإنسان من خلال ملامحه دون سماع كلامه.
وفي زيارتي الثانية لمعرض الرياض للكتاب(2008)، وخلال عملي في عرض الكتب ووضعها على الأرفف جاء المطاوع وطلب مني عدم عرض كتابي "النبي" و"يسوع ابن الإنسان" لجبران خليل جبران بعد ان رأى عنوانهما، رقابةالعنوان لا رقابة المضمون، وسألني مطاوعآخر على عندك روايات مثل جارك بها "خُزعبلات". علمًا انه أخذ كتاب يتحدث عن المقدرة الجنسية وتقويتها عند الرجل وقرأ بعض صفحاته وسألني عن سعره.
وفي زيارتي الثالثة لمعرض الرياض للكتاب (2009)، ومن خلال مشاركتي على امتداد عشرة أيّام (من 3 إلى 13 آذار/ مارس/ 2009). هنا أشهدُ مع الدكتور سماح على ان الجنس بنظرهم أعظم الشرور كما اتضح للجميع من خلال ما قدمه، وليس الجنس فقط بل الحوار بين العارض وزواره خاصة النساء، فهما يخافون إن جاز التعبير من ان يتطور الكلام إلى ما لا تحمد عقباه بنظرهم، (نظرة فابتسامة فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ -المتنبي) وكأنهم يقطعون الطريق (التي لا اريد عبورها) على الموعد واللقاء وربما النظرة والكلام قبل ذلك، - خوفًا من ظنهم -ان الجنس اعظم الشرور (وان بعد الظن أثم) ففي أحدى المرّات التي كنتُ اعطي بها امرأة "كارت" الدار (الذي يحتوي عنوانه) رأني المطاوع وما إن خرجتْ من "الجناح" حتى دخله وطلب مني كارت الدار اعطيته أياه قال:"هناك كارت آخر" (هنا علمت انه كان يراقبني)فاعطيته "كارتي" الشخصي أخذ يقلبهما وينظرإلى ارقام الهاتف التي تحتويهما، وسألني مُحقِقًا هل بها أرقام سعودية؟ اجبت انها عنوانين الشركة في بيروت وجوالي ليس معي الآن أخذ الكارتين وذهبَ، بعد ان منعني من تكرر الفعل ثانية لأنه ممنوع ان تعطي كارت إلى امرأة في معرض الكتاب في الرياض. هذه ببساطة تجربتي وما حدث معي، ربما لم أنقلْ شيئًا جديدًا، ولكنني أكتب ما حدثَ بالفعل. وسنبقى نشارك، ونواصل الرسالة.
علِّق