اليسار اللبنانيّ والانتخابات: الأبيض لونًا من ألوان التغيير!

أنزل/ي الافتتاحية بصيغة PDF

بعد انقضاء أكثر من ثلاثة أسابيع على الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة، مازالت التحليلاتُ تتوالى حول أسباب خسارة المعارضة وفوزِ الموالاة. ثمة فريقٌ من المعارضة لا يَعتبر أنها هُزمتْ أصلاً؛ وهذا ما قد يسمّى في التحليل النفسيّ "حالةَ إنكار." وثمة مَن يعتبره "مقصودًا" لإبراز عدم تدخّل سوريا، أو لخشيةِ حزبِ الله من أن يكون في الواجهة الرسميّة في المرحلة القادمة "المحفوفةِ بالمخاطر الإسرائيلية ـ الأميركيّة."

أيّاً يكن الأمرُ فإنني، بصراحة، لم أَذرفِ الدمعَ السخينَ لخسارة المعارضة. فعلى إجلالي للمقاومة، وتأييدي الحاسمِ لها ولسلاحها، ولبقائهما إلى ما بعد بعد تحرير شبعا والغجر (نعم، حتى تحرير فلسطين والجولان)، فإنني لا أرى فارقًا كبيرًا بين المعارضة (في جسمها الرئيس ممثَّلاً بحزب الله والتيّارِ الوطنيالحرّ) والموالاة. وقد كتبتُ في هذا الموضوع غيرَ مرّة (راجع مثلاً مقالي في جريدة الأخبار في 28/12/2008)، وأُوجزُ عيوبَ المعارضة في العناوين السريعة التالية: التشدّقُ الكلاميّ بالرغبة في بناء "الدولة" مقابلَ التقوقع العمليّ في الأطر الطائفيّة، وعدمُ التأسيس للعلمنة الشاملة، وإهمالُ الحقوق المدنيّة للشعب الفلسطينيّ في لبنان. لكنّ ما أحزنني فعلاً هو النتائجُ الهزيلةُ التي حَصَدَها "اليسارُ" في هذه الانتخابات، وتحديدًا حركةُ الشعب في بيروت، والحزبُ الشيوعيّ في غير مكان، والتنظيمُ الشعبيّ الناصريّ في صيدا، حتى بلغ الفارقُ بين بعض مرشّحي اليسار ومرشّحي اليمين أكثرَ من... خمسين ألف صوت.

* * *

بدايةً، أشعر أنّ اليسار خَسِرَ المعركةَ "المبدئيّةَ" قبل أن يخوضَ المعركةَ الفعليّة. رُبّ قائلٍ إنّ المعركة الانتخابيّة ليست معركةَ مبادئ. ولكنّ هذا القولَ، ببساطة، على خطإ. ذلك أنّ الانتخابات هي، في واقع الأمر، من أكثر أشكال المشاركة السياسيّة علنيّةً. ومن ثمّ، فإنها امتحانٌ فعليٌّ وعلنيٌّ لصلابة المرشَّح (ولا أقول تحجّرَه)، ولمدى انسجام أفكاره مع أفعاله. إنّ إشعاعَ المبادئ والمُثُل، في معركة الانتخابات تحديدًا، يجب أن يكونَ أحدَ أهمّ أسلحتنا في مواجهة الانتهازيّة وسوءِ استخدام الأفكار الكبرى.
لقد رَفض اليسارُ قانونَ الستّين لأنه، بحقّ، قانونٌ متخلّفٌ يَضْرب عرضَ الحائط بمطالب القوى الوطنيّة والتقدميّة المزْمنة، وأهمُّها: التمثيلُ النسبيّ، ومشاركةُ الشباب بدءًا بسنّ الثامنة عشرة اقتراعًا وترشّحًا، واعتبارُ لبنان دائرةً انتخابيّةً واحدةً بما يتيح للأكفإ حقَّ التمثّل في الهيئة التشريعيّة. لكنّ هذا اليسار سرعان ما هَرْوَلَ إلى خوض الانتخابات، وسطَ استغراب مناصريه وذهولِهم واستنكارِهم أحيانًا: فكيف يَرْضى يساريٌّ أن يواصلَ الترشّحَ سنواتٍ بعد سنوات عن المقعد "الشيعيّ" أو "السنّيّ" على سبيل المثال لا الحصر؟ بل تناهى إلينا أنّ قسمًا من اليسار سعى أوّلَ الأمر إلى أن "يتكرّمَ" عليه معسكرُ المعارضة الملْتبسة بمرشّحٍ على لائحته؛ حتى إذا استُبعد، ارتدى زيَّ المبادئ القويمة، وتباهى بالترشّح... منفردًا!

وفي كلّ الأحوال، فلو أنّ اليسار ثَبَتَ على موقفه المبدئيّ منذ البداية، رافضًا دخولَ معمعة الانتخابات المبنيّةِ على الطائفيّة والزبائنيّة (الداخليّةِ والخارجيّة)، لعَزّز ـ في أقلِّ تقدير ـ رؤيةََ الناس إليه بوصفه بديلاً حقيقيّاً أو محتمَلاًً، لا يفتّش عن المناصب كيفما أتت. وللمرء أن يتساءلَ، في هذا الصدد، جملةَ تساؤلات:
ـ أصلاً، ما معنى أن يفوزَ اليسارُ بمقعدٍ أو اثنين، إذا انثلمتْ ثقةُ مناصريه بمبدئيّته، أو شكّكوا في استقلاله الذاتيّ عن الاستقطابات كافّةً؟
ـ وما تراه سيَفْعل اليومَ لو فازَ، وهو شبهُ أعزل، في مجلسٍ يكتظّ ـ أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى ـ بالطائفيين والمذهبيين والإقطاعيين والرأسماليين وأمراءِ الحرب السابقين والإمّعات، غيرَ الصراخ بلا طائل؟
ـ ثم ألن يأتي فوزُه الهزيلُ نفسُه مَدِينًا لأصوات حزب الله أو التيّار العونيّ، لا لقاعدةِ اليسار الوطنيّ والقوميّ (المشتَّتةِ لأسبابٍ كثيرة)، بحيث يغدو رفيقُنا، النائبُ العتيدُ، "لاجئًا سياسيّاً" عند ذلك الحزب أو هذا التيّار، أُسوةً بإلياس عطالله اللاجئِ السياسيِّ عند آل الحريري (مع الفارق الشاسع، طبعًا، بين الحريري "السلاميّ" وحزبِ الله المقاوم)؟ ألن يَصْعب عليه، أخلاقيّاً في الحدّ الأدنى، أن يتّخذ موقفًا موضوعيّاً ومستقلاً إزاء أيّ قضيّةٍ لا تحظى ببركة "الحزب" أو "التيّار،" وإلاّ عُدّ خائنًا لمن أوصله إلى الندوة البرلمانيّة، كما هو حالُ بعض النوّاب الذين جاؤوا عامَ 2000 على القاطرة الحريريّة ثمّ انقلبوا عليها، فاستحقّوا لعنةَ الحريريين؟

باختصار، افتقر اليسارُ في هذه المعركة إلى شيءٍ من مبدئيّته (ومِنْ مثاليّته؟ بالتأكيد! ومَنْ قال إنّ المثاليّة أمرٌ معيب، أو غيرُ قابلٍ للتحقّق، ولو بعد حين، إنْ ثَبَتَ المرءُ عليها؟). الحقّ أنّ المبدئيّة هي مِنْ أكثر ما يَنْشده، في المرشَّح، عددٌ كبيرٌ من الطلاّب والمثقّفين والفنّانين والمحامين وأساتذةِ الجامعات والناشطين في مؤسّسات المجتمع الأهليّ و"المتردّدين" (والأخيرون بمئات الآلاف). ولقد انجرّ اليسارُ إلى ملعب اليمين والطوائف، بعد أن تيقَّنَ من فشله في تغيير القانون الانتخابيّ المتعفّن، فانزلَقَ في الانتخابات، بحساباتها وأرقامِها المضلّلة وتكتيكاتِها التي لا قدرةَ له عليها. وكان أجدى به أن يَجترحَ وسائلَ أحدثَ وأكثرَ إبداعًا للوصول إلى الناس مباشرةً، بدلاً من محاولة الوصول (شبهِ) المستحيل إلى البرلمان من أيّ طريقٍ كان.

وزاد الطينَ بلّةً أنّ اليسار، بعد أن حَزم أمرَه بخوض الانتخابات على أساسٍ لامبدئيّ وغيرِ مقْنع، قد خاضها بعدّةٍ هزيلةٍ لا تَضْمن له إلاّ الخسارةَ... غيرَ البطوليّة:
فقانونُ الستين ضدّه، والموالاةُ ضدّه، وجمهورُ الطوائف كلُّه ضدّه، والمعارضةُ الملتبسةُ نفسُها ضدّه (وإنْ على استحياءٍ وخَفر)، والمالُ السياسيُّ ضدّه، ورجالُ الدين ضدّه (إذ لا بطريركَ لليسار اللبنانيّ يَحْقنه بجرعة فياغرا، كما حَقَنَ بطريركُ الموارنة، المكتظُّ بعروبته المفاجئة، معسكرَ 14 آذار)، والأنظمةُ الرجعيّةُ العربيّةُ ضدّه. يُضاف إلى ذلك أنّ النظام السوريّ نفسَه بدا بالغَ الحرص على "تسوية" مؤتمر الدوحة بين الموالاة والمعارضة؛ بل ظَهَرَ أنه لم يحرِّضْ بعضَ الجماعات التي "يَمُونُ" عليها في لبنان على التصويت لليسار، ولم يَدفعْ (كعادته؟) بآلاف "المجنّسين" اللبنانيين القاطنين في البلدات السوريّة إلى الذهاب للتصويتِ الكثيفِ في لبنان لصالح هذا اليسار المأزومِ في غيرِ موقع.

إذنْ، لم يكتفِ اليسارُ بإهدار شيءٍ كبيرٍ من مبدئيّته حين انخرط في قانونٍ جائرٍ سَبَقَ أنْ رفضه بحزم، بل أخطأ أيضًا في حساباته ورهاناته السياسيّة، فاستحقّ (للأسف) هزيمةً كبرى. فقد راهن على أن تَحْشد المعارضةُ الملْتبسةُ، وبخاصّةٍ حزبُ الله والعونيّون، أنصارَها دعمًا له. وقد تبيّن في 7 حزيران أنّ "دعمَ" المعارضة لليسار اقتصر، في أحسن الأحوال، على "رفْعَ العتب".

خذْ دائرةَ بيروت الثالثة مثلاً: فهنا لم يَقترعِ "الشيعةُ" (وجُلُّهم من المعارضة) إلاّ بنسبةٍ لا تتجاوز 40% تأييدًا للائحة "قرار بيروت الوطنيّ" المدعومة من حركة الشعب! وربّ قائلٍ إنّ هذه نسبةٌ مرتفعة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، ولا تعبِِّّر عن شغفِ حزب الله بأعضاء اللائحة المذكورة (وضِمْنَهم الرفيقان نجاح واكيم وإبراهيم الحلبي والزميل رفيق نصرالله). طبعًا لم يكن ممثِّلا حركة الشعب وحلفائها سيَرْبحون في كلّ الأحوال، نظرًا إلى تعاظم التجييش المذهبيّ والمال الانتخابيّ وعواملَ أخرى يضيق بها هذا المقال. ولكنْ أنْ يصوِّتَ لهم 22 ألفًا من "شيعة المعارضة" (أيْ 70% من شيعة هذه الدائرة) بدلاً من 12 ألفًا مثلاً، فذلك كان سيكون أقلَّ وطأةً عليهم، وأَحْفَظَ لماءِ وجهِ اليسار الوطنيّ والقوميّ الذي كان ـ للتذكير ـ أبرزَ حلفاء حزب الله أثناء عدوان تمّوز 2006 وبعده وقبله!
والحال أنّ خطأ بعضِ اليسار في المراهنة على الأرقام والاستطلاعات "الموثَّقة" قد أَحْبط اليومَ آلافَ الشباب المتطلّعين إلى التغيير. كما أنّ رهانَه على دعم المعارضة الملْتبسة لا يُغتفر: فقد سَبَقَ أنْ لُدِغ من جحْرِها مرّتين على الأقلّ (في الانتخابات النيابيّة والبلديّة قبل سنواتٍ قليلة)، وكان يُفترض أن يعي أنّ الثالثة... ثابتة!

* * *

ولنعترفْ، أيضًا، بأنّ بعضَ اليسار (والمعارضة الملْتبسة) لم يقدِّمْ أحيانًا نماذجَ تستحقّ أن تكونَ بدائلَ فعليّةً من مرشّحي الموالاة المنافسين. وذلك، في رأيي، أحدُ أسباب عدم اجتذاب يسارنا للكتلة "المتردّدة" الضخمة. تُرى، ما الذي يَجْمع مناضلاً شيوعيّاً نزيهًا، ومناضلاً ناصريّاً علمانيّاً عريقًا، بممثّلين عن الطوائف والإقطاع العائليّ... في لائحةٍ "معارضةٍ" واحدة؟ ومَنِ استمعَ إلى خُطَب بعض مرشّحي حلفاء حركة الشعب على لائحة بيروت الثالثة مثلاً، أَدركَ سريعًا أنهم لا يستحقّون أن يَبذلَ الإنسانُ العاديُّ كبيرَ جهدٍ لدعمهم. تصوّروا أنّ أحدَهم صَرف جزءًا من خطابه لشتم الشعاراتِ العامّيّةِ للموالاة من قبيل "ما بيِرْجعوا والسما زَرْقا" (قائلاً بصوتٍ جهير: "العامّيّةُ ليست منّا ولسنا منها")، ولرجْمِ "الدعارة" في لبنان، وكأنّ مشكلةَ بلدنا هي مع العامّيّة والمومسات! وتصوّروا أنّ مرشّحًا آخر أَقرّ على إحدى المحطّات التلفزيونيّة بأنه كان يَأْمل أن "يأخذَه" سعد الدين الحريري على لائحته! وهناك أكثرُ من مرشّحٍ مدعومٍ من اليسار يخْطئ في قواعد العربيّة أكثرَ ممّا يخطئ الحريري وكارلوس إدّة (مَنْ قال، بالمناسبة، إنّ اللغةَ الصحيحة والثقافةَ الراقيةَ هما خارجَ معايير النائب الجيّد، أو إنّ باكويَّةَ آل فرنجيّة وطائفيّةَ وليد جنبلاط وعنصريّةَ آل الجميّل وهضمنةَ مصطفى علّوش وجمالَ مصباح الأحدب وشراسةَ علي عمّار وأموالَ محمّد الصفدي... أهمّ؟).
إنّ على مَنْ يريد أن يَهزمَ الحريري والسنيورة، وأمثالَهما من حيتانِ المالِ والضرائبِ والرجعيّة، أن يأتيَ بنماذجَ أفضلَ بكثير: موقفًا، وتاريخًا، وتحليلاً، وتقدّميّةً... ولغةً.

* * *

علاوةً على ما سبق، فقد خاض اليسارُ معاركَه الانتخابيّةَ مفكَّكًا، بدلاً من أن يخوضَها في لوائحَ (أو لائحةٍ) موحَّدةٍ في طول البلاد وعرضها. وقد كان رأيي الشخصيّ قبل شهور أن يخوضَها بأوراقٍ بيضاء، شجبًا للقانون الانتخابيّ الرثّ، ولاسيّما أنّ هذه الاوراق باتت تُحتسبُ عند الفرز (ولم أكن أَعْلمُ ذلك حين أدليتُ بصوتي!)، وصار في مقدورِ مَن يَعتبرُ نفسَه خارجَ الاصطفافات الطائفيّة والزبائنيّة أن يدليَ بصوته الأبيضِ الناصعِ الشاجبِ للّعبة التزويريّة برمّتها.
بمعنًى آخر، كان على اليسار أن يشكّل رأسَ حربةٍ لمقاطعة هذه الانتخابات: فيسيّرَ المسيرات، وينظّمَ الاعتصامات، ويجْمعَ التواقيعَ الكثيفةَ على العرائض (كان الرفيق ألبير فرحات قد صاغ إحداها في الدعوة إلى قانونٍ انتخابيّ بديل)، وينقلَ المعركةَ من مستوى التراشق الإعلاميّ بين المرشّحين إلى مستوى الجامعاتِ والثانويّاتِ والمنظّماتِ الشبابيّة والمنابرِ الثقافيّة... والسلكِ القضائيّ (إذ إنّ قانونَ الستّين، كما بات معروفًا، مخالفٌ لاتفاق الطائف الذي نصّ على أنْ تجري الانتخاباتُ على أساس المحافظة لا القضاء).

نعم، كان على اليسار في الانتخابات الأخيرة أن يقفَ إلى جانب (بل أمام) ما يزيد على 11 ألف ورقة بيضاء يحْلم أصحابُها بتمثيلٍ ديموقراطيٍّ حقيقيٍّ، قائمٍ على النسبيّة. الورقة البيضاء كانت ورقةَ موقفٍ لا قُعودٍ، ومواجهةٍ لا استسلامٍ لمنطق "لبنان هيك." ورُبَّ ضارّةٍ نافعة: فلعلّ الصفعةَ الانتخابيّةَ الجديدةَ التي تلقّيناها، كيسارٍ وطنيٍّ وقوميٍّ وعلمانيٍّ داعمٍ للمقاومة الشاملة، أن تدفعَنا إلى أن نغيّرَ مسارَنا، فنستندَ اليوم وفي الغد إلى تلك الأصواتِ الناصعةِ التي تؤشِّر على حالاتٍ متناميةٍ من القرف... والرغبةِ العنيدةِ في التغييرِ الجذريّ .

بيروت

المرفقالحجم
editorial_7-8_2009.pdf‏65.73 ك.بايت

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 8-7/ 2009


التعليقات

Editorial

Great editorial, as usual, I must admit.Its a pity that principled intellectuals such as Mr. Idris
dont get the recognition that they deserve in the Arab world

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.