ذكرى: رسالة إلى العزيز مصطفى

العزيز مصطفى،
تحيّاتي،
كنتُ اليومَ في جنازتِك. تجمّعنا الساعة الثانية عشرةَ ظهرًا في الطابق الأرضيّ من مبنى وزارة الثقافة المتواضِع في رام الله.
كنّا قلّةً قليلة جدّاً.
انتظرْنا حتّى الساعة الثانية عشرة والنصف لكي نتوجّهَ إلى الجامع، حيث سيُصلّون عليكَ. في البداية جلسنا: ثلاثَ نساء وأنا. بعدَها أتَتِ الوزيرةُ وآخرون. جلَسَت الوزيرةُ إلى جانبي، وحين عرفَتْ من أنا، أجّلتِ الموعدَ المحدّدَ بيني وبينها يوم الاثنين القادم إلى الأربعاء؛ قالت إنّ وفدًا إيطاليّاً سيأتي لزيارتها، على الرغم من احتجاجي لأنّها المرّةُ الثانية التي تلغي فيها موعدي معها. لاحقًا التقيتها.

كان الجوُّ حارّاً، فقرّرتُ الخروجَ إلى ساحةِ المبنى الملاصقةِ للشارع العامّ. هناك رأيتُ سيّدةً قادمةً من بعيد: قامتُها طويلةٌ، وقوامُها جميلٌ جدّاً. من هذه؟ تابَعَتِ المسيرَ باتّجاهي من دون أنْ تَحيدَ ملّيمترًا واحدًا. "اعتدال؟!" نعم يا مصطفى إنّها اعتدال، صديقتُنا من الوزارة. اكتشفتُ يا صاحبي أنّني لم أرَها بشكلٍ كاملٍ قطّ؛ فلقد كانتْ دائمًا تجلسُ وراء طاولةٍ، تتحدّث إليّ بجملتين، وبعدهما أغادر المكتب بسرعة. تحدَّثْتُ مع اعتدالَ طويلاً، ولم نأتِ على ذِكركَ، كأنّكَ لست في الداخل تنتظرُ أنْ تُدفَن. تحدّثنا عن المشاكل والمستحقّات التي لا تستطيع الوزارةُ دفعَها، وعن مؤتمر "فتح"؛ فقد كانت منهمِكةً في التحضير له. هل كنتَ ستحضرُ المؤتمر يا مصطفى؟ ألسْتَ أحدَ أبناء الحركة؟ عجيب! لقد رحلْتَ عشيّةَ افتتاحِ مؤتمرِها الأوّل بعد عشرين سنةً من انعقادِه لآخر مرّة.
حين آنَ الأوان، غادرْتُ واعتدال المكانَ باتّجاه الجامع. عبرْنا المسافةَ ونحن نتحدّثُ في الممنوعات.
كنّا قِلّةً، كنّا قلّةً قليلة.
اعتدال رأَتْ عمّارًا. دلّتْني عليه. وأخيرًا رأيْتُ عمّارًا، ابنَكَ الذي حدّثْتَني عنه في بيروت قبل عامٍ. أذكرُ الحنان في صوتك وكلامك خلال حديثِك عنه، فدُهشتُ. كنتَ واضحَ المشاعر، على عكسِ ما نعرفه عنك من صرامةٍ في التعامل مع المشاعر.
يشبهُكَ عمّار، كأنّه أنتَ كَما ظهرْتَ في فيلمك "ليسَ لهم وجود."
وفي انتظار انتهاءِ خُطبة الجمعة وبدءِ الصلاة عليك، التفَتُّ إلى أشياء كثيرة: إلى الفِتيان والشباب الصغار الذين سألوا عن هذا التجمّع، وعمّنْ يكون الميّت. لم يكنِ المشهدُ عاديّاً. حشدٌ صغيرٌ اختلطَ فيه أبناءُ الطبقةِ الوسطى بالشعب، وإعلاميّون. كان الإعلاميّون أكثرَ مودِّعيكَ (كلُّ الإعلام كان ضِفّاويّاً كما نقول في الناصرة). وكانت هناك مراسلةٌ جعلتْ من مشهد الإعلاميّين أمرًا عاديّاً (أنا متأكِّدٌ مِن أنّك كنتَ ستبتسمُ من باب الأدِب عند رؤيتِها). لمْ أتحقّقْ مِن اسم هذه المذيعة، ولا مِن شبكتِها التلفزيونيّة، لكنّها كانت أشبَهَ بشخصيّةٍ كاريكاتوريّةٍ لنساء هوليوود، وكأنّها مذيعةٌ مِن مذيعات إحدى الفضائيّات اللبنانيّات، "عذراوات السيلكون." كانَت تُعدُّ تقريرًا عن موتِكَ. هل حلمتَ يومًا "بعذراء سيلكون" تنشرُ خبرَ موتِك يا مصطفى؟
ألحّ الأولادُ في السؤال عن الـ "ميّت." ردَّ الجميع: الميّتُ أحدُ مؤسّسي السينما الفلسطينيّة.
لا نزال ننتظر خروجَك. الجوُّ حارّ، بل قائظ. أحدُ المنتَظرين علّق بأنّ سببَ الحرِّ هو أنّ اللهَ وَضَعَنا في مراجعات [بروفات] لمسرحيّة "جهنّم،" فضحكتُ، قدْرَ معرفتي بأنّك ستضحكُ كثيرًا لهذا التعليق. وزادَ الطينَ بلّةً أنّكَ مُتَّ مساءَ الخميس، وكان لا بُدّ من أنْ ينتظِرَ الجميعُ اليومَ التالي، حين صلاة الجمعة، والتأخير الذي سبّبه نقلِكَ من الجامع إلى مَثواكَ الأخير (العربُ تسمِّي المقبرةَ "المثوى الأخيرَ." لكنْ، إذا كانتِ كذلك حقّاً، فلماذا القيامةُ يا مصطفى؟).
مضَتْ ساعة، والقومُ لا يزالون يصلّون لربِّهم، ربِّ العالمين. حاولتُ التحايلَ على الانتظارِ بالبحث عن بُثينة خوري؛ فهي من أنبأني بموتِك. لم أجدْها. إذًا، أين يحيى بركات الذي احتضَننيَ بعدما شاهَدني قادمًا من بعيد؟ لم أجدْه أيضًا. كان يحيى متوتّرًا أكثر من العادة بكثير؛ افتقَدَكَ، تألّمَ، حزن، وأظنُّه كان غاضبًا. لم أرْه غاضبًا من قبل. هل رأيتًَه؟ يبدو أنّ أوسلو امتَصّتْ كلَّ غضبِكم! (طيّب ولُو! هل صار ممنوعًا أنْ يمزحَ أحدٌ معكم؟!).
بالمناسبة يا صديقي، الممنوعاتُ التي تحدّثتُ عنها، أنا واعتدال، لا تخصُّ غراميّاتٍ أو لياليَ مِلاحًا، أو سِكرًا، أو عربدةً... بل تخصُّ أوسلو: فَتِح، الرئيس، وغير ذلك من الممنوعات التي لا أجرؤ على الجهر بها. لكنّني أٌفشي إليك بجملةٍ واحدةٍ فقط قالتها اعتدال: "أصبحَ همُّ الناس الوحيد هو أنْ يأكلوا ويشربوا، ومِن الصعب تأمينُ ذلك." أجبتُها: "لعلّكُم أنتم، فتح والسلطة، من حوَّلَ الناسَ إلى هذه المخلوقات." "أعرفُ،" أجابتني. (لا تخافِي يا اعتدال، لن تُعاقَبي على هذا، فقد اخترعتُ هذه الجملةَ لأنّها تلائمُ النصّ).
لمْ أدخلِ الجامعَ لأكونَ مع المصلّين، على الرغم من أنّكَ اتهمتَني، ذات يومٍ، بأنّني في القريب العاجل سوف أُرخِيَ لِحيَتي، وأُحوّلُ بيتي إلى جامعَ، وزدتَ أنّه ممنوعٌ أنْ يؤَيِّدَ الإنسانُ المقاومةَ بالمُطلق؛ فأمّا مَن أَيَّدَها وهي إسلاميّة فهو متخلّف! أليسَت الصلاة في المساجد تخلُّفًا؟! (أعرفُ أنّكَ كنتَ تُمازِحني، وأذكرُ كيف ضحكْنا من تلك "المناضلة العلمانيّة" التي رفعتْ عقيرتَها وحاجبيْها احتجاجًا، زاعقةً أنّها لا تفهَم كيف يؤيِّد العلمانيّون الحركاتِ الإسلاميّة!)
ماذا يا مصطفى؟! نعم! حتّى يومَ موتِكَ ونعيِكَ سأظَلُّ أذكِّرُ بهذا المجُون والجرم. ألمْ تكُنْ أنتَ مَن شجّعني على ذلك؟
رفضَتْ اعتدال القدومَ إلى المقبرة. منذ أنْ استُشهِد أخوها في زمن الانتفاضة وهي ترفض دخولَ القبور. المقبرة كانت بعيدة، فاقترحَتْ إيناس (تلميذتي) أنْ نستَقلَّ سيّارةَ أحدِ الذاهبين إلى هناك. إيناس من جلجوليّه، طالبة سينما، ويمكن القولَ إنّها طالبَتي المفضّلة. في جنازتِك، كنّا اثنين، نحن من قالوا عنّا: "أتوا مِن الـ 48" (يا لهَولِ هذا الرقم الصغير يا مصطفى، كم كلّفنا!).
السيّارة التي أقلّتْنا إلى المقبرةِ كانت "جِيبًا" من الحجم الصغير، أزعرَ لمّيعًا، زجاجُه مطليٌّ بالأسود، لا يَرى الخارجُ ما في الداخل، كراسيه جلدٌ فاخرٌ، مقودُه صغيرٌ كمقوَدِ دُمى الأطفال. أيْن أنتُنّ يا نساءَ رام الله؟ (حسناوات السيلكون منكُنّ). كان منظرًا مدهشًا أنْ يجوبَ هذا الأزعر ما يشْبه الشوارعَ في رام الله، فتشعرُ بها اهتزازًا تلوَ اهتزازٍ. كانت متعةً أنْ نكونَ في داخلِه، أن نستشعرَ هواءَه المُكيَّف، بينما الحَرُّ قاتلٌ في الخارج. قيلَ لي مرّةً إنّ هذه الماركة من سيّارات الـ "جِيب" لا يُباع في إسبانيا؛ فلفظُه هناك يعني العضوَ الذكريّ. هل فهمتَ المقصودَ، حبيبي مصطفى؟
نزلْنا، على بابِ المقبرة، من الأزعر. وقعَتْ عَيْنا إيناسَ على ثلاثة رجالٍ يقفون في صفٍّ كي يستقبلوا القادمين. التفَتُّ إليهم حينَ سألَتني إيناس: "ما اسمُ هذا الواقفِ إلى اليمين؟"
عرفتُهم، ولكنّني لمْ أكنْ ـ ولَو في أحلكِ اللحظَات ـ أتوقّعُ وجودَهم هناك، في جنازتِك. نسيتُ أسماءَهم، ما عدا الواقفَ في وسطِهم، وهو الوحيدُ بربطةِ عنقٍ: الروائيّ يحيى يخلف، وزيرُ ثقافة السلطة سابقًا. على يمينِه، كان ذاك الذي نراهُ في التلفزيون يهاجمُ "حماس" وكأنّها العدوّ الأوّل للشعب الفلسطينيّ، محورُ الشرَّ. على يسارِ يحيى يخلف كان ذاك الذي رأيناه في التلفزيون يفاوضُ "حماس" في اليمن. عفوًا مصطفى، لكنّني أسألُ من باب الفضول: أفهمُ علاقةَ يحيى يَخلف بكَ أو بالحدث، لكنْ ما لا أفهمه هو وجود مَن على يمينه ومَن على يساره. ألهما علاقةٌ بأيّام "الكاميرا تساوي البندقيّةَ"؟
كانَ المشهدُ جميلاً كالنكتةِ الجميلة: ثلاثةُ رجالٍ أشبه برجال المخابرات السريّة، يلبسون بذلاتٍ شبهَ رسميّة في يومٍ صيْفيٍّ حارٍّ وقاتل. لكنّ رجالَ المخابرات يأتون عادةً اثنين اثنين لا ثلاثة، أليسَ كذلك؟ وفي كلّ الأحوال، لا أعرف ماذا يفعل هؤلاء هنا. ما هذا الحبّ غير المفسَّرٍ؟ أنتَ تعلم يا مصطفى أنّني أمقُتُ السلطة، أتّهمُها بذنبٍ كبيرٍ في دمارِنا، وأنّني لا أحبُّ من رجالها إلاّ مَن فيهم "شبهُ رسميّ."
كنتُ فرحًا لأنّ هذا المشهد كان جزءًا من يومِ مماتك. لا أدري كيف أحسَسْتُ من خلالهم أنّكَ لنْ تموت، وأنّكَ حيٌّ على هذه الأرض... إلى الأبد. لا، ليس السبب أنّ بينهم يحيى، الذي أكنُّ له مشاعرَ خاصّةً منذ قدّمَني إلى الفدائيّين العائدين إلى رام الله أوّلَ مرّة أنت تعرفُ، كانَ حلمي أنْ أكونَ فدائيًّا (تبّاً للسينما يا مصطفى). يومها احتضنُوني، بكوا وضحكوا، صفّقوا وغنّوا، واندفعوا إلى الحياة بعد أنْ شاهدوا فيلم "أسطورة." يومها صرتُ في "العلالي."
صافحتُ الرجالَ الثلاثة، ونظرت إلى الخلف. وإذْ بهم ينزلونك من السيّارة محمولاً على الأكتاف. جريتُ وراءهم. جريتُ مع الآخرين.
كنّا قلّةً قلّةً قلّةً، يا مصطفى! نعم، لقد خجلتُ. لا أدري لماذا، لكنّني، أقول لكَ، لقد خجلتُ. كنّا قلّةً، ربّما قلّةً في طور الانقراض.
حينَ وضعوكَ على حافّة القبر، كان وجهُك مغطّى. أخوكَ هناك يريدُ وداعَك. راقبتُه. ما أجملَ أنْ تكتشفَ عائلةَ مَن تُحبّ وتحترم! ما أجملَ التفاصيلَ الصغيرة، تلك التي تجعل الأشياءَ عاديّةً، تجعلُ الموتَ نفسَه عاديّاً.
قال بعضُ الواقفين: "انتظروا الأبناءَ قبلَ أنْ تنزلوه القبر.َ" ردَّ أحدُهم: "رستم، أخوه، هنا. وميْسَر، الأخت، أيضًا. وخديجة، أمُّ الأولاد ورفيقةُ العمر، هنا. دفنُ الميّتِ كرامتُه." اقتربَ الأخُ ليقبّلكَ ويودّع، فهربتُ. خفتُ أنْ أرى وجهَكَ حين يُرفعُ الغطاء. هربتُ يا صديقي. لا أريد أنْ أرى وجهكَ. لا أريد أن تموتَ.
ابتعدْتُ كثيرًا وانهمكتُ بالمساعدةِ في مناولة الباطونِ الذي يُنزلونه إلى الحفرة. انهمكتِ القلّةُ القليلةُ من تلك القلّة القليلة في طَمِّ الحفرة بالتراب.
فجأةً، رنَّ تليفونُ حفّارِ القبور، وهو مَن يدفِنُ الموتى "على الأصول،" حسب قولِه متفاخِرًا. قالَ بعد أنْ أصْغى لمحادثته: "أنا في المقبرة، أنت عارفة." صمَتَ لِيُصغِيَ مرّةً أخرى، ثم قال: "أنا عمْ بقبرِ حَدَا، حلّي عنّي واتصلي بعدين." صمَتَ وأصغى مرّةً أُخرى، ثمّ ردَّ بصوتٍ جهوريٍّ عَصَبي: "سكّري الخطّ أوْ باجي أقبرك. أنتِ عارفة إنّي عم أقبر حدًا."
قرأُوا الفاتحة. مسَحوا وجوهَهم. كنتُ أنظرُ إليهم متأمِّلاً، ويداي خلف ظهري. تركتُ المكانَ، أنا وإيناس، متوجِّهَين إلى منزلَيْنا. المسافةُ بينكَ وبيننا كانت قصيرة جدّاً: أربعون دقيقةً بسرعة 150 كيلومترًا في الساعة. وأمام أشهرِ حاجزٍ عسكريٍّ في الكون انتظرْنا، فهجم علينا أطفال (كانوا ذات مرّة يرفدون أطفالاً بالحجارة، في زمن الحجارة). استوقفونا بالقوّة. طلبوا نقودًا. أعطيناهم ولم نشترِ شيئًا. صرخوا في وجهينا. أمطرونا بوابلَ من المسبّات. اعتدَوْا على سيّارتي. خرجتُ من السيّارةِ لأصرخَ في وجوههم، وإذْ بأصحاب السيّارات المنتظرين جميعًا يصرخون في وجوههم هم أيضًا. كانوا عنيدين وقحين. كانوا في مراجَعات [بروفات] لعالَم الإجرامِ الآتي. فجأةً، صرخَ الجنديُّ الإسرائيليّ (وهو درزيّ) بالعبريّة: "تقدّما إلى الحاجز."
استقبلتْنا جنديّةٌ شقراءُ بابتسامةٍ عريضة. دقّقتْ في بطاقة هويّتي. طلبَتْ أن أفتح الصندوقَ الخلفيّ. شاهدَتْ غلافًا لفرقة آر.آي.إم. قالت: "ما أجمل هذه الفرقة وأغانيها!" تذكّرتُ ذلك المقطعَ من الأغنية الثانية، وتُمْكنُ ترجمتُه كالآتي: "إنّه أنا ذلك الواقفُ في الزاوية، أنا هو الموجودُ في الضوء، أحاولُ أنْ أفقدَ ديني." كانت تلك هي كلمات الأغنية كما أعتقد، أو هكذا أردتُها أنْ تكون؛ فهي تأتي لصالح النصّ.
يا لسوء حظّ الشقراء (الجنديّة) يا مصطفى! لو كانت لبنانيّةً لتبنّاها مكتشفُ مواهب خليجيٍّ كي ِتكونَ خليفةَ نانسي عجرم.

مودّتي
نزار

*في تموز 2009، رحل عن عالمنا مصطفى أبو علي، أحدُ مؤسّسي السينما الفلسطينيّة. نزار حسن، المخرجُ الفلسطينيّ، كان في وداعه.