جديد الرواية العربية: مواضيع مألوفةٌ بتقنيّات غيرِ مألوفة

بدءًا من هذا العدد، تنشر الآداب دراسة ناقدٍ أدبيٍّ لمجموعة من الأعمال الأدبيّة المميّزة الصادرة في العامين 2008-2009. وسوف تتناول الدراسة نوعًا أدبيّاً واحدًا (الشعر، الرواية، القصّة القصيرة...). وفي هذا العدد دراسة الدكتور فيصل درّاج لخمس رواياتٍ، أمّا المشاركون في الأعداد القادمة فهم: محمد برّادة، صبري حافظ، شيرين أبو النجا ومنتصر القفّاش.

ما هو جديدُ الرواية العربيّة، وما هي العناصر التي تجعلُه جديدًا؟
يشير السؤال، في بُعدَيْه، إلى خبراتٍ ثقافيّةٍ ــ جماليّةٍ تضيف إلى التراكُمِ الروائيّ القائم مساهماتٍ نوعيّة. بيْدَ أنّ هذه المساهماتِ لا تعثرُ، بسهولة، على التقويم الجدير بها لسببين أساسين: سطوَةِ الأسماء المسيْطِرةِ التي تحجبُ غالبًا ما عَداها؛ واضطرابٍ في الصحافة الأدبيّة العربيّة، التي تخطِئ، أحيانًا، المعيارَ الأدبيّ وتأخذُ بغيره. والسطورُ اللاحقة تهدف إلى إلقاءَ الضوءِ على بعض الرويات العربيّة الجديدة (زمنيّاً)، والتي جاءت بجديدٍ يجعلُها جديرةً بالقراءة.

توتّراتُ القُبطيّ
قدّمَ السودانيُّ أمير تاج السرّ في روايته توتّرات القبطيّأمير تاج السرّ، توتّرات القبطيّ (بيروت: دار الانتشار، 2009) مساهمةً لافتةً، أكان ذلك على مستوى الموضوع، أمْ على مستوى صوغِه وبنائه. فقد أدارَ حديثًا شجاعًا وغير مسبوق حول موضوع الطائفيّة: وهو موضوعٌ يبرزُ واضحًا في بعض البلدان العربيّة مخلّفًا الهولََ والرمادَ، أو يتمدّدُ محتجِبًا في بلدانٍ أخرى محتشدًا بالوعيد. ولا تصدُر قيمةُ العمل الروائيّ، بداهةً، عن موضوعِه (علمًا أنّ المواضيعَ غير ملقاةٍ على قارعة الطرقاتِ كما توهّم الجاحظ)، وإنّما تأتي من ترجمةِ الأفكار إلى عناصرَ فنيّة، ومن عمليّة التحويل الأدبيّ التي تصوغ "المادّةَ الخامَ" بوسائلََ فنيّة.
اشتقَّ أمير تاج السر أدواته الفنيّةَ من إدراكٍ عميقٍ لدلالة الظاهِرة التي يتعاملُ معها، مبتكِرًا عناصرَ جماليّةً ــ فكريّةً، تشرّحُ "الطائفيّ" وترفضُه وتطالبُ برفضه. وأوّل هذه العناصر: الاختراعُ الذاتيّ، الذي يجسِّد "مؤمنًا مزعومًا،" جاء من الجهل والكسل والحرمان، ثم نسيَ صفاتِه أو تناساها، فتقمّص قامةً لا يَعرفُ عنها شيئًا. ولعلّ الفرقَ الموضوعيّ بين "الفقير الشامل" السابق، و"أمير المجاهدين" الذي انبثَقَ فجأةً، هو الذي يُنتِج، روائيًا، شخصيّةً مسكونةً بالأضداد: فعلى "الأمير" أنْ يَحْجبَ قامتَه الفقيرةَ السابقةَ بمشيَةٍ متكبّرة، وأنْ يخفيَ كلماتِه الزائفة وراء صوتٍ يخالطُه الزعيقُ، وأنْ يدَّعي الزهدَ وهو يَلتهمُ ما له وما لغيره. ومن هنا كانت النتيجةُ شخصيّةً فارغةً تثير السخرية: سخريةً عجيبةً قاتلة، تنبعث من تماهي الفقر الإنسانيّ الشامل بالمقدّس، وتسويغِ ما هو غيرُ إنسانيّ بـ "الإلهيّ."
غير أنّ الاختراع الذاتيّ، الذي يستولِد "إلهًا إنسانيّاً" من فراغٍ قاتلٍ، لا يستوي إلاّ باختراعِ الآخر. فبَعدَ "أمير المؤمنين،" المنتسِبِ زورًا إلى الإسلام، يأتي "عبدُ أمير المؤمنين،" وهو قُبطيٌّ مهزومٌ، أعادَ الأميرُ خلقَه، وأعطاه دينًا واسمًا جديدَين. ولا تتجلّى عظَمةُ الأمير المفترَض إلاّ في علاقته بـ "العبد القبطيّ" الذي خلَقَه؛ فإذا كانت جملةُ الأضداد التي تسْكن الطائفيَّ تقوده إلى عنفٍ دمويٍّ متوالِد، فإنّ مدى الظلمِ الذي يقع على "التائب القبطيّ" يؤدّي به إلى التآكلِ الذاتيّ.
لقد أخذ تاج السرّ بتقنيّة السخرية المراوِغة، التي تتلامَح على السطح وتحْكم البنيةَ الروائيّةَ كلّها في آن. بيْدَ أنّ عمقَ السخرية لا يتكشّفُ كاملاً إلاّ في المأساة التي تلازمها، الأمرُ الذي يجعل منها (أي السخرية) عنصرًا جماليّاً وأداةً نقديّةً ومنظورًا للعالم أيضًا. ولعلّ العلاقةَ بين السخرية والمأساة هي التي فرضَتْ نثرًا طليقًا، يُترجِمُ ما يمْكن وصفُه بشكلٍ دقيقٍ غنيٍّ في تفاصِيله، ويصفُ ما لا يُمْكن وصفُه لأنّ في "هذيان المؤمنين" نقاطًا عمياءَ لا يمْكنُ الوصولُ إليها.
في توتّرات القبطيّ، إذًا، عالج أمير تاج السرّ الظاهرةَ الطائفيّة بشكل غير مسبوق، واستولد أدواتٍ فنيّةً رهيفةً تستنفد الموضوعَ... وتتركه مفتوحًا في آن.

العقرب الذي يتصبّب عرقًا
في زمن الوعود الكبيرة، كتبَ الروائيّون الفلسطينيّون نصّاً روائيّاً له صِفتان: فهو شفَّافٌ، مستقيمٌ، لا يعترف بالمُلتَبِس وبما هو منقوصُ الوضوح. وهو كاملُ اليقين؛ فما ينبغي أنْ يأتيَ سيأتي كاملاً من دون تأخيرٍ أو عَثارٍ. وقد انزاحَ عن غسّان وجبرا وسحر خليفة روائيٌّ وحيدٌ هو إميل حبيبي، الذي أضافَ سخريةً دامعةً إلى فلسطين الراحلة وفلسطين المحتَملة... في انتظار حسين البرغوثي، الذي سيحوّل السخريةَ بكاءً صريحًا.
كتبَ أكرم مسلّم، الذي يعيش اليوم في رام الله، عن شظايا فلسطين بعد اتّفاق أوسلو، وعن صعوبات الحديث عن "مستقبلٍ فلسطينيّ." وتبدو رواية مسلّم، العقرب الذي يتصبّب عرقًا، أكرم مسلّم، العقرب الذي يتصبّب عرقًا (بيروت: دار الآداب، 2008) في ظاهرِها البسيط، يوميّاتٍ متقطِّعةً لشابٍّ فلسطينيٍّ عاثر الحظّ، يبحث عن عملٍ صعبِ المَنال ويغرق في الأحلام. كما تقدِّم الروايةُ إشاراتٍ عميقةً ومجزوءةً عن سلطةٍ لا تحظى من معنى السلطةِ إلا بالنثار. وعلى الرغم من بساطةٍ خادعة، فقد بنى مسلّم خطابًا متكاملاً عن المأساة الفلسطينيّة، فأقامه على عنصرَينٍ متكاملَين، هما متاهةُ الفراغ والوجود الهجين، مستخدمًا عناصرَ فنّيّةً مُبدعة تحتضنُ المجازَ والتشبيهَ والإحالةَ والسخريةَ السوداءَ.
تعاملَ مسلّم مع واقعٍ فلسطينيٍّ متداعٍ، كلّما حاول الوقوفَ تداعى من جديٍد. وقد اتّكأ الروائيُّ في ذلك على مقولة "الفراغ المتجدَّد": فما سبق أنْ سقطَ في النُقصان، وما هو ناقصٌ الآن، يسقطان في نقصانٍ جديد. وقد تمثّلَ ذلك في إنسانٍ كانت له ساقان واستبقى له الزمنُ ساقًا واحدةً، أو في بيتٍ كان له "دَرَجٌ" دمّره القصفُ الإسرائيليّ: فبسبب توغّل النقصان أو تغوّله، يفقدُ المبتورُ الساقِ بصرَه و"رجولتَه،" وتقعُ على البيتِ المقصوف قذائفُ جديدةٌ. هكذا تتجلّى مأساةُ الفلسطينيّ المهزومِ في "الفراغ المتوالِد،" المُقرَّر إسرائيليّاً، وفي وعيٍ مأساويٍّ فلسطينيٍّ لا يعترفُ بـ "الفراغ المتحقِّق،" بل يتعامَل باطمئنانٍ كبيرٍ مع "الملْء" الذي سبقَ الفراغ: فإذا بالإنسان المبتورِ الساق يواصل "حكَّ" الفراغِ الذي أعقَبَ البتر، وإذا بالإنسان الذي هُدِم درجُ بيتِه يواصلُ صعودَ "الدرجاتِ الفارغة." ومردُّ ذلك إلى أنّ الإنسان المقهور يعيش وَهْم الأشياء لا حقيقتَها، تعبيرًا عن وعيٍ ملتبسٍ مأسويٍّ، يساوي بين الموجود والمفقود، ويتمسَّكُ بما كانَ، ولا يعترف بالنُقصان.
وطّدَ أكرم مسلّم في روايتِه مأسويّةَ الوضع الفلسطينيّ الذي يخْلطُ بين الوهم والحقيقة، أو بَين حقيقة السلطة وشكلانيّتِها الفارغة، ملتمِسًا مقولةً أُخرى عنوانُها: الوجودُ الهجين. فالفلسطينيّ العاديّ يبحث عن "مستقبله،" كلّ صباح، في معْبَرٍ ضيّقٍ يقود إلى العمل في إسرائيل. والسجينُ الذي قضَى في السجن ثمانية عشر عامًا كان "بغلاً" قبلَ مجيء السلطة، وبقيَ "بغلاً" بعد مجيئها. والفلسطينيّ المكْرَهُ على عبور "المعبر الضيّق" منفصلٌ عن "شتاءٍ ماليٍّ" يصيبُ بقاعًا من رام الله ولا يدنو من بقاعٍ أخرى. وهكذا يعثر الوجودُ الهجينُ على دلالته المتكاملة في مجازِ العقرب المتصبّب عرقًا ولا يلْسع؛ ذلكَ أنّ العقربَ لا يَشرب، ولا يتعرّق، ويلسعُ فعلاً حين يحاصََر. والفلسطينيّ المخذولُ هو ذلك العقربُ الهجين، الذي فقَدَ وجودَه السويّ واكتفى بحركةٍ دائريّةٍ عمياء تردُّهُ من طرفٍ إلى آخر.
هكذا صاغ مسلّم، وهو يعطفُ الفراغَ ــ المليء على عقربٍ يتعرّق، اللامعقول الفلسطينيَّ، ونشر بين العقرب والفراغ سخريةً شاكيةً. وهو قد كتبَ عملَه بنثرٍ مصقول، مذكِّرًا بلغةِ الراحل حسين البرغوثي الفريدةِ في عمله الأخير: سأكون بين اللوز. وإذا كان البرغوثي قد أيقظ الروايةَ الفلسطينيّةَ من سُباتها، في عمليْه الفريدَين: الضوء الأزرق وسأكون بين اللوز، فإنّ في رواية العقرب الذي يتصبّب عرقًا استئنافًا لكلِّ كتابةٍ روائيّةٍ فلسطينيّةٍ مبدِعة.

ساق الغراب
في رواية السعوديّ يحيى آمقاسم، ساق الغراب، يحيى آمقاسم، ساق الغراب(بيروت: دار الآداب، 2008) ما يثيرُ الدهشةَ مرتَين: الأولى لأنّها تأتي من بلدٍ لا حظّ له كبيرًا من الكتابة الروائيّة؛ والثانية لكونها الأولى لصاحبها، على الرغم من تميّزها. هنا يقاسم الروائيُّ السعوديُّ الروائيَّ السودانيَّ، أمير تاج السرّ، العودةَ إلى نهايات القرن التاسع عشر. غير أنه لم يكتبْ عن طائفيّةٍ مستبدّة، بل سرد الانتقالَ المأسويّ من إنسانِ الطبيعة، الذي يأخذ بقيمٍ متسامحةٍ ويساوي بين الرجل والمرأة، إلى إنسان السلطة الذي يُحلّ محلَّ الدين المتسامِح عقيدةً متكلّسةً، تضع الساكنَ فوق المتحرِّك، والرجلَ فوق المرأة، والتعاليمَ الدينيّة السلطويّة فوق العقل والقلب والحياة.

رسمَ الروائيُّ السعوديّ الوحدةَ العضويّةَ بين الإنسان والطبيعة، حيث الأوّل ابنٌ طليقٌ للثانية، وحيثُ الطبيعةُ تصوغ القيمَ والعاداتِ والسلوكَ وتسمحُ بتصوّرٍ دينيٍّ يأتلف مع العفويّ والتلقائيّ والحسّيّ بعيدًا عن أحكامٍ قاطعةٍ أخيرة. وانتهى إلى زمنٍ غنائيّ، يعيش الإنسانُ فيه رغباتِه وحاجاتِه دون تعقيدٍ كبير. وقد عبّرَ أمقاسم عن ذلك الزمن بشكلٍ ملحميّ يوحِّد بين حكايات الإنسان والطبيعة، ويجعلُ منها حكايةً واسعةً واحدة. ومع أنّ الرواية تستولِد شخصيّاتٍ متنوِّعة (كالعجوز الذي أعطبَه الزمنُ، والعاشقِ الذي يدمج الرغبةَ بالموت، والمرأة القائدة التي يمتثِلُ إليها الرجالُ ولا تمتثلُ إلى أحد)، إلا أنّ هذا التنوّع يلبّي "قوانينَ الطبيعة" ولا يَعترف بالمراتب الاجتماعيّة، التي هي تعبيرٌ سلطويٌّ في التحديد الأخير. يضاف إلى ذلك أنّ الروائيّ تعامَلَ، في سرده حكاياته، مع الزمن بشكلين: شكلٍ أوّليّ يرْصد زمنًا طبيعيّاً، حدودُه الولادةُ والنموّ والموتُ؛ وشكلٍ ثانٍ يرسم "الزمنَ التاريخيّ" الذي دمّر المجتمعَ الطبيعيّ في غنائيِّته الواسعة، وجاءَ بمجتمعٍ سلطويٍّ يستأصلُ من الإنسان عفويّتَه، ويعيدُ بناءَه من عناصر المسموحِ والممنوع. ولعلّ هذا الانتقالَ هو الذي محا الفضاءَ الملحميّ بفضاءٍ تراجيديّ يبدّل من معنى الزمن والأقدار الإنسانيّة؛ فبعد أنْ كان الموتُ شكلاً آخرَ من الحياة، تمدّدتْ سلطةُ الموت وغَدَتِ الحياةُ امتدادًا له.
بنى الروائيّ خطابَه المدافعَ عن التسامُح وجماليّة الإنسان متوسّلاً عناصرَ تقنيّةً متعدّدةً، منها: 1) الاستهلالُ الروائيّ الذي يسْرد ما سيأتي، ويَتمُّ سردُه بشكلٍ آخرَ تعبيرًا عن رعبٍ قادمٍ لا سبيلَ إلى تجنّبه. 2) الشخصيّاتُ المتنوّعة، وهي مزيجٌ من شخصيّاتٍ ـ أقنعةٍ تترجِم "تعاليمَ الطبيعة" قبل أنْ تترجمَ رغباتِها الذاتيّة. 3) الشخصيّاتُ المتمرِّدة النامية، التي يتعايش فيها القناعُ والوجْهُ، قبل أنْ تكتسِحَ السلطةُ الوجوهَ والأقنعةَ البريئة وتَفرضَ مكانَها وجوهًا زائفةً تُختصرُ بقناعٍ واحدٍ أخير. أمّا العنصرُ الأكثر جمالاً وتعبيرًا فقائمٌ في اللغة السرديّة التي خَلقَتْ روحَ المكان والزمان المقدّس الطليق الذي يُبهج الأرواح، مؤكّدةً أنّ المواضيعَ من لغتها، وأنّ الوقائع "مادّةٌ خامٌ" لاحقةٌ أو ثانويّة.

وراء الفردوس
اتّخَذت المصريّةُ منصورة عزّ الدين من "الذاكرة" محورًا لروايتها، وراء الفردوس.منصورة عزّ الدين، وراء الفردوس القاهرة: دار العين،2009 وقد اشتقّت من "الذاكرة الهاذية،" التي تخلطُ بين الوهم والحقيقة، زمنًا مطابِقًا مليئًا بالشقوق والتمزّق والفراغ. وهي أقْصَت ، انطلاقًا من هذا المنظور، الزمنَ الخطّيَّ المستقيم الذي يأمر بحكاياتٍ متعاقبة، وانتهت إلى زمنٍ دائريٍّ ملتَبسِ البداية والنهاية؛ إذْ في كلِّ حكايةٍ بدايةٌ لحكاياتٍ أخرى، وإذِ الحكاياتُ جميعًا ناقصةٌ وممزّقة.
انطلقت الروائيّةُ، ظاهريّاً، من زمن الطفولة، ذلك الزمنِ البريءِ القويّ الذي يُهمِّش ما تلاهُ من الأزمنة. واستولدَتْ من هذا الزمن، الذي عاشت فيه الطفولةُ البريئةُ وقائعَ غير بريئة، نسقًا من الشخصيّات النسائيّة يعاني إعاقةً داخليّةً تمنعه من التحرّر إنْ كانَ متمرّدًا، وتغويه بخضوعٍ مستريحٍ إنْ كان فقيرَ الفضول. وتوحي الروائيّةُ، ظاهريّاً، بأنّ الإعاقةَ الداخليّة صادرةٌ عن طفولةٍ معوّقة، قبل أنْ تكشفَ ـ باقتصادٍ إشاريٍّ ولغويٍّ مدهش ـ أنّ ما يوقِظ الطفولةَ المعوّقةَ قائمٌ في حاضرٍ مروّعٍ في ركوده وانحطاطه. إلى ذلك أنتجَت الروائيّةُ، وبوسائلَ فنّيّة، خطابًا ملتبسًا مرّتين: مرّة حين أعطَتْ زمنَ الطفولة مكانًا واسعًا، ومرّتْ على زمن الشباب بسرعةٍ خاطفة؛ ومرّة حين واجهَتِ الحاضرَ الراكدَ القبيحَ بأنثى مجتهدةٍ متمرّدةٍ تحلم بواقعٍ آخر. لكنّ السؤال في الحالين هو التالي: هل يجيء تمزّقُ الإنسان المتمرّد من طفولةٍ معوّقةٍ لا يفعل الحاضرُ إزاءَها شيئًا، أمْ أنّ الحاضر المريض هو الذي يوقِظُ الطفولةَ البعيدة ويعيد إنتاجَ إعاقتها؟ قرأَتِ الروائيّةُ "ثقلَ الموروث" الذي يعطّل الأرواح، وعطَفَتْه على مصرَ في العقد الأخير، حيث القبحُ المستطيرُ يوطّد "الموروثَ التربويّ" ويدفع بالإنسان المرهَف إلى التفكّك.
انطوت وراء الفردوس على خطابٍ فكريٍّ بعيدٍ عن المباشرة يصوّرُ وضعَ المرأة في مجتمع القيم التقليديّة. وقد مسَّ ذلك العاشقةَ المستباحة الدم، أو المتعلّمةَ المتمرّدة التي لا يفيدها حرقُ الموروث شيئًا كثيرًا، أو المرأةَ المتعلّمة التي يجمِّل لها التعليمُ العبوديّةَ الزوجيّةَ وينهاها عن غيرها. أمّا جماليّةُ الرواية فتتحقّق من العناصر الفنيّة التي أحسنتِ الكاتبةُ بناءَها: من الزمن المتقطّع المعبِّر عن ذاكرةٍ مرهَقةٍ تعاني زمنِ مجتمعٍ لا زمنَ فيه؛ إلى الروائيّ العليم الذي يلتبِس بشخصيّاته ويتحرّر من ثقل الأزمنة والأمكنة، معبّرًا عن حيرة "الإنسان الحيّ" و"اطمئنان" المجتمع الراكد؛ إلى التقاطع الرهيف بين الزمن النفسيّ الممتدّ (مفكَّكًا) بين الحاضر وطفولةٍ بعيدة، وبين الزمن الفيزيائيّ المريض الممتدّ (متجانِسًا) من منتصف ثمانينيّات القرن الماضي حتى اليوم. تضاف إلى هذه العناصر مواجهةُ رماد الحياة المتجانِسة بتعدّد الألوان والأطياف والذكريات، بذلك "النصّ الغائب" الذي يصِلُ بين بؤس الحاضرِ وأصداء الطفولة، والذي كتبَتْ منه الروائيّةُ ملامحَ وتركَتْ للقارئ أنْ يكمِلَ الملامحَ الأخرى. جمعَتْ روايةُ منصورة عزّ الدين بين الوضوح والالتباس اعتمادًا على تقنيّةٍ روائيّةٍ مطابقةٍ، وبين عمقِ الخطاب واقتصادٍ لغَويٍّ وإشاريٍّ نموذجيٍّ.

خيانة القاهرة
طرَحَتْ د. شيرين أبو النجا، وهي ناقدةٌ أدبيّةٌ معروفة، في عملها الروائيّ الأوّل، خيانة القاهرة، د. شيرين أبو النجا، خيانة القاهرة (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2008) سؤالاً نظريّاَ، وأجابت عنه باجتهادٍ لافت. والسؤال هو: هل تستطيع "الأنا" أنْ تكتبَ حكايتَها، وهل هناك من حكايةٍ للأنا واضحةِ المرْكز؟ صدَرَ السؤالُ عن تجربة العيش في مكانين: أحدهما (القاهرة) حاضنٌ للذاكرة ومرْجعٌ للتجربة؛ وثانيهما (برلين) غريبٌ عارِضٌ يفتح الذاكرةَ على مخزونِها الثقافيّ الوطيد ويهمِّش ما خارجه.
أيقظ تباينُ الواقع المعيش الذاكرةَ الموروثة، وفتَحَها على اتجاهاتٍ متعدّدة، تتضمّن حنينَ الذات إلى ماضيها، وحوارًا مع أقدارٍ صنعتْ إنسانًا لا يلتبِس بغيره. كما أنهضَتِ التجربةُ ذاكرةً بصيغة الجمع، تحتضنُ الخبيءَ والمكشوفَ والوعيَ واللاّوعيَ، وكلَّ ما يترجِمُ ماضي الغضب والطفولة والفرحِ والإحباط. بيْدَ أنّ الكاتبة، وهي تواجِهُ ذاكرةً متعدّدةً، انزاحَت من حكاية الذاكرة المفردة إلى حكاياتِ ذواتٍ متعدّدة، هي وجوهٌ مختلفةٌ من القاهرة. من هنا ذوّبَتِ الكتابةُ حكايةَ الذات في حكاياتٍ مجاوِرة ، مستعيدةً بشرًا من أزمنةٍ متباينة، ومنتهيةً إلى حكاياتٍ تلتبس بالقاهرة، أو إلى قاهرةٍ تتجسّدُ في حكاياتٍ إنسانيّةٍ متقاطعة.
ولعَلّ سطوةَ الحنين، التي تؤنسِنُ المكانَ وتراه في أهله، هي التي جعلتِ الكتابةَ تلهثُ وراءَ "روح القاهرة" المتشجّرة في حواريها وشوارعها ومقاهيها ووقائعها الحياتيّة و"السياسيّة." وهي التي صيَّرَتِ الأمكنةَ شخصيّاتٍ، وأعطتِ الهواءََ "المختنقَ بغباره" وجوهًا واضحةَ الملامح. ومن هنا توالَدَ الانزياحُ، منتقلاً من "الأنا المفترَضة" إلى متوالِياتٍ من "أنواتٍ لاحقة،" ومن ذاكرة الأفراد إلى ذاكرة المكان، التي هي تعليقٌ على شخصيّاتٍ متنوّعةٍ يعابثها الزمنُ كما يشاء.
من هنا نسأل: ماذا يتبقّى من "حكاية الأنا" التي تحايِثُها متوالياتٌ من الحكاياتِ المتنوّعة؟ لا يتبقّى، نظريّاً، غيرُ اللغة الكاتبة. إلاّ أنّ أبو النجا، التي تعطُفُ كلَّ علاقةٍ اجتماعيّةٍ على أخرى، حاصَرَت اللغةَ المفترَضة، وحوّلتْها لغاتٍ متعدّدةَ المستويات تحتملُ العاميّ والشعريّ والنظريّ، كما تحتملُ لغةً تأمليّةً عاليةَ المستوى. لقد برهنت الكاتبة أنّ المركزَ المكتفيَ بذاتِه (كتابيّاً) لا وجودَ له؛ وأنّ الكاتبَ ـ المركزَ، الذي تعشقُه "النرجسيّاتُ" العصابيّة، أسطورة. وهي في هذا كلّه لم تصطنع شيئًا، محاذرةً سبلاً مألوفةً مأخوذةً بـ "الجديد" الذي لا جديد فيه، وأنتجَتْ ما يُدْعى بـ "ماديّة العلاقات الكتابيّة" التي شكلُها مضمونٌ ومضمونُها شكلٌ، إن صحّ التعبير. انطوت خيانة القاهرة على خطابٍ خاصٍّ فيها، يرى تداعي الأمكنة في تداعي البشر، ويصرّح بأنّ الأمكنة المتداعية لا هويّةَ لها، وأنّ "كتابةَ الهويّة" مجرّدُ احتمال. وربّما تكون هذه الروايةُ من الأعمال القليلة اللامعة التي تتضمّن كتابةً روائيّةً، وسؤالاً نظريّاً، وتحمل إجابةً فنيّة مطابقة تصوغ السؤالَ بشكلٍ جديد.

***

ليس في مواضيع الروايات السابقة ما هو جديدٌ تمامًا: فلا الإشارةُ إلى الرعب الطائفيّ أمرٌ غريبٌ عن الرواية العربيّة؛ ولا الحزنُ الفلسطينيّ، كما اضطهادُ المرأة، والسلطةُ المتيبّسة، مواضيعُ غيرُ مألوفة. وإنّما الجديدُ في الأعمال الخمسة المشارِ إليها هو القطْعُ ـ وكلُّ قطعٍ نسبيٌّ ـ مع أشكال السرد المسيطِرة، والانفتاحُ على أفقٍ جديدٍ بتقنيّاتٍ فنّيّةٍ جديدة؛ ذلك أنّ معنى الموضوع هو من التقنيّة التي قامت بصياغته.

عمّان

*ناقد من فلسطين. يصدر له قريبًا كتابٌ عن دار الآداب بعنوان: رواية التقدّم واغتراب المستقبل: تحوّلات الرؤية في الرواية العربيّة.

التعليقات

تقنيات وقراء

العلاقة بين الكاتب والقراء مفقودة..لم تعد الرواية خبزا للشعوب..ومتاح هو الكتاب ومفقود صوت القاريء ان ثرأ..اتمنى ان تنتشر الرواية حمى في الجسد العربي المريض بالاغاني والاخبار العاجلة والمستعجلة..
د.نصرة الزبيدي

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.