محاولة نقاشيّة بشأن أطروحة "الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة في فلسطين التاريخيّة"

ربما لم تشهدْ حركاتُ التحرّر الوطنيّ ما شهدته الحركةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّة من مجادلاتٍ واجتهاداتٍ بشأن تحديد ماهيّة الهدف النهائيّ. ففي حين تَنشد تلك الحركاتُ التحرّرَ من الاستعمار ونيلَ الاستقلال وبناءَ الدولة الوطنيّة، فإنّ ثمة خلافًا في الحركة الوطنيّة الفلسطينية حول تحديد ذلك الهدف: أهو دولةٌ في الضفّة والقطاع؟ أمْ هو تحريرُ كلّ فلسطين؟ أمْ هو إقامة دولةٍ واحدةٍ يتعايش فيها الجميعُ في إطار دولةٍ واحدةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّة (أيْ دولةٍ لمواطنيها أو دولةٍ ثنائيّة القومية أو كونفدراليّة)؟

يمْكن تفسيرُ ذلك بنوع التحدّي الذي وَجدتْ هذه الحركةُ الفلسطينيّة نفسَها في مواجهته منذ بداية القرن الماضي. فقد اصطدمتْ باحتلالٍ استعماريّ استيطانيّ من طرازٍ فريد، يختلف عن غيره من الحالات المعروفة إلى حينه في جوانب كثيرة، منها:
ـ طابعُه الإحلاليّ الذي يَستهدف اقتلاعَ السكّان الأصليين من أرضهم ووطنهم، وإحلالَ المستوطنين اليهود مكانهم؛ وتلك سابقةٌ لم تعرفْها تجاربُ الاستعمار الاستيطانيّ الأخرى (في الجزائر وجنوبيّ أفريقيا).
ـ ادّعاؤه السعيَ إلى إقامة وطنٍ قوميٍّ لليهود، يكون بمثابة وطنٍ "أمٍّ" لليهود في العالم؛ وأما المستوطنون في التجارب الاستعماريّة السابقة فقد كان لهم وطنٌ "أمٌّ" أخر (كفرنسا مثلاُ بالنسبة إلى المستوطنين الفرنسيين في الجزائر).
ـ عدمُ توخّيه مجرّدَ تحقيق أغراضٍ اقتصاديّة (كغيره من الحالات الاستعماريّة)، بل تحقيق أغراض سياسيّة ـ إستراتيجيّة أيضًا، إضافةً إلى محاولته إقامةَ وطنٍ قوميّ لليهود.
ـ اتّخاذُه من الدين (اليهوديّ) غطاءً لجلب المستوطنين إلى فلسطين باعتبارها "أرضَ الميعاد" أو "أرضَ إسرائيل" التاريخيّة بالنسبة إليهم.
ـ وقوفُ معظمُ الدول الغربيّة وراء إقامته (لأسبابٍ سياسيّةٍ ودينيّةٍ واستراتيجيّة)، وعملُها على تأمين استقراره وتطوّره وتفوّقه على محيطه.

ترميمُ المكان والزمان الفلسطينيين
أدّى قيامُ الكيان الصهيونيّ إلى تداعياتٍ كارثيّةٍ على الفلسطينيين، بحكم تعرّض حيّزهم المكانيّ والزمانيّ لعمليّات تمزيقٍ وتغييبٍ وإزاحةٍ كبيرةٍ ومبرمجة. وهذا ما حَمّل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة أعباءً ثقيلة ومعقّدة. فقد كان عليها أن تشتغل، بعنادٍ وشغف، على ترميم ذينك الحيّزين، وعلى صياغة هويّة الفلسطينيين الوطنيّة والقوميّة، من أجل إعادتهم إلى المسرح السياسيّ ووضعِهم على الخريطة السياسيّة المحليّة والدوليّة.
لكنّ هذه الحركة نشأتْ في ظلّ أوضاعٍ شاذّةٍ (ذاتيّةٍ وموضوعيّة)، وعانت حالةً من "القلق السياسيّ." فهي، أولاً، نشأتْ خارج الوطن الفلسطينيّ. وثانيًا، لم تستطع الارتكازَ بمواردها على دعم شعبها. وثالثًا، لم يكن لها "تراثٌ دولتيّ"؛ إذ لم تكن فلسطينُ وطنًا خاصّاً بذاتها، ولا الشعبُ الفلسطينيّ شعبًا بذاته، في منطقةٍ تعرّضتْ خارطتٌها السياسيّةُ لتغيّراتٍ سياسيّةٍ وهويّاتيّةٍ متعدّدة (من الإسلاميّة، إلى العثمانيّة، فالانتدابيّة، والقوميّة، وانتهاءً بالقطْريّة). ورابعًا، كان ثمة خللٌ فادحٌ في القوى والمعطيات الدوليّة والإقليميّة لصالح إسرائيل. وخامسًا، وأخيرًا، لم تكن هذه الحركة تواجه مجرّدَ سلطة احتلالٍ استعماريّة، وإنما كانت تواجه أيضًا مجتمعًا استعماريّاً، على خلاف الحالات الاستعماريّة الأخرى.
لعلّ هذه الأمور الخمسة هي ما يميّز الحركةَ الوطنيّة الفلسطينيّة من الحركات المماثلة، ويبيّن صعوبة المهمّاتِ الموضوعةِ على عاتقها: ذلك أنّ المسألة هنا لا تتعلّق فقط بمواجهة الاحتلال والمحتلّين، وإنما تتعلّق أيضًا بصياغة شعب، وبصناعة كينونته السياسيّة. وعليه، يمْكن الاستنتاجُ أنّ عمليّة مواجهة المشروع الصهيونيّ ستأخذ مساراتٍ وتماوجاتٍ تتناسب مع تعقيدات الصراع وتداعياته القديمة والناشئة، والأرجح أنها لن تأخذ مسارَ "الاستبدال" (كما حصل في حالات التحرّر من التجارب الاستعماريّة السابقة) وإنما قد تأخذ طابعَ "التحويل". وهذا ما بيّنتْه وقائعُ الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين طوال العقود الستة الماضية: فلا الإسرائيليون استطاعوا إلغاءَ الفلسطينيين وفرضَ الاستسلام عليهم، ولا الفلسطينيون استطاعوا فرضَ الهزيمة على الإسرائيليين ولو بمجرّد دولةٍ في الضفّة والقطاع. وإذا كان الفلسطينيون معنيين اليومَ بالاشتغال على ترميم أحوالهم ــ أيْ بتعزيز حضورهم في المكان والزمان، وبلورةِ وجودهم كشعب، وصوغِ هويّتهم الوطنيّة والقوميّة، كما قدّمنا ــ فإنّ ذلك يتطلّب منهم العملَ على المشهد كلّه لا بعضه؛ ذلك أنه لا يمْكن اجتزاءُ المكان والزمان الفلسطينييْن، تمامًا مثلما لا يمْكن اجتزاءُ الشعب الفلسطينيّ، وإلا استحال الحديثُ عن هويّةٍ فلسطينيّة.
هذا الحديث لا صلة له بـ "المرحليّة،" التي باتت مبتذلةً في الفكر السياسيّ الفلسطينيّ، وغطاءً للتنازلات المجانيّة، أو تعبيرًا عن المزاجيّة والعبثيّة و"الفهلوة" في إدارة الصراع مع إسرائيل. ولا صلةَ له أيضًا بالحديث عن "الحصول على كلّ شيء أو لا شيء." وإنما القصدُ منه التشديدُ على أنّ من واجب أيّة حركةٍ وطنيّةٍ توضيحَ رؤاها، وتقديمَ تصوّراتها عن ذاتها وعن المستقبل الذي تتخيّله، وتخليقَ مجالها السياسيّ والثقافيّ والأخلاقيّ. أما موازينُ القوى، والمعطياتُ الدوليّة والإقليميّة والمحليّة، فمجالها هو فرضُ نوعيّة الحلول الممكنة. لذا ثمة خطورةٌ في قيام أيّة حركةٍ وطنيّة، تفترض تأكيدَ العدالة والحقيقةِ والحريّةِ واستعادةِ الحقوق، بالتنازل طواعيةً، وبمبادرةٍ منها، عن روايتها، من دون أيّ مقابلٍ أو تحوّلٍ من الطرف الأخر؛ فذلك قد يضرّ بتلك الحركة، ويشكّك في صدقيّة مراميها، بل يُضعف عدالة قضيّتها أيضًا.

من الصراع الإفنائيّ إلى الصراع التحويليّ
كانت هذه المقدّماتُ ضروريّةً للتأكيد أنّ مجال الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة هو أرضُ فلسطين الكاملة، وللاشتغال على صياغة تاريخ فلسطين وشعبها في مواجهة تحدّي المشروع الصهيونيّ. وكانت ضروريّةً للتشديد على ضرورة تجاوز هذا المشروع، بمعنى استيعابه وتحويله ونفيه، عبر عملية الصراع معه.
ولعلّ مشروع "إقامة دولة ديمقراطيّة علمانيّة في فلسطين لكلّ مواطنيها" يستمدّ شرعيّته وأخلاقيّته، بل واقعيّتَه السياسيّة والتاريخيّة أيضًا، من كلّ تلك المقدّمات. فالحال أنّ قيامَ دولةٍ كهذه هو النقيضُ التاريخيّ للمشروع الصهيونيّ، الذي تأسّس على نفي الأخر، وارتكز على الإيديولوجيا الدينيّة والهويّة العنصريّة. كما أنّ قيامها سيكون تعويضًا للفلسطينيين من الإجحاف والمعاناة اللذين تسبّب بهما المشروعُ الصهيونيّ.
لكنْ إذا كان هذا الطرح هو بمثابة الحلّ الأمثل للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإنّ أفضليّته لا تعني أنّ حظّه من الحياة هو الأقربُ إلى المنال؛ ذلك لأنّ للحياة طريقًا أخر للتعبير عن ذاتها، على الرغم من صعوبة تصوّرِ حلٍّ أخر لا يتضمّن التعايشَ بين العرب واليهود في هذه المنطقة، بعيدًا عن الروح العنصريّة والشوفينيّة والادّعاءات الدينيّة، وفي ظلّ ديمقراطيّةٍ وعلمانيّةٍ (لا تستبعد الدينَ وإنما تجعله في مكانة خاصّة). والقصدُ من هذا الكلام التوضيحُ أنّ الطريقَ إلى دولةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّةٍ في فلسطين قد يمرّ بدهاليزَ ومساراتٍ متعرّجةٍ ومعقّدة: فربّما يمرَ بمرحلةٍ يدير الفلسطينيون فيها أوضاعَهم على مستوى حكمٍ ذاتيّ، أو ربما يمرّ عبر مسار دولةٍ مستقلّةٍ، أو عبر كونفدراليّةٍ مع إسرائيل، أو على شكل دولةٍ ثنائيّةِ القوميّة،... خصوصًا أنّ دولةً كالدولة المرجوّة تفترض سلفًا حصولَ نوعٍ من التحوّل والتطوّر في إسرائيل ـ دولةً ومجتمعًا ـ بعيدًا عن الصهيونيّة وادّعاءاتها وأغراضها. كما أنه لا بدّ من القول إنّ تحوّلاً كهذا في فلسطين سيكون متأثّرًا، بداهةً، بالتطوّرات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي قد تحصل في المنطقة العربيّة، ولاسيّما في منطقة المشرق العربيّ، بما فيها الاندماجاتُ الدولتيّة/الكيانيّة التي قد تنجم عن هذه التطوّرات.
وعليه، فإنّ القول بمشروع الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة في فلسطين (وهو قولٌ مبكّرٌ أصلاً في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة) لا علاقة له بإمكان قيام دولةٍ فلسطينيّةٍ من عدمه؛ بل إنّ قيام مثل هذه الدولة هو من شأن التفاعلات السياسيّة الجارية، ومن شأن إرادات الفاعلين السياسيين في هذه المرحلة. وسواءٌ أقامت هذه الدولةُ على هذا الشكل أو ذاك، أمْ لم تقم، فإنّ هذا لن يقلّلَ من ضرورة قيام الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة باعتماد رؤيةٍ سياسيّةٍ وثقافيّةٍ وأخلاقيّة، واضحةٍ وشاملة، للصراع في فلسطين وعليها: رؤيةٍ تنسجم مع التحدّيات التي تواجهها هذه الحركة، سواءٌ بشأن ترميم حال الشعب الفلسطينيّ، أو بشأن تقويض مختلف تجلّيات الصهيونيّة في فلسطين. ومن نافل القول إنّ وجود رؤيةٍ كهذه من شأنه الإسهامُ في حفاظ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة على طابعها كحركة تحرّر وطنيّ، وبما لا يتعارض مع تمتّعها بالعقلانيّة والواقعيّة.

مشروعيّة الرؤى والوقائع السياسيّة
على أيّة حال، وكما قدّمنا، فإنّ المفاضلة بين أنواع الحلول في الرؤى (وهي رؤًى مشروعة) هي غيرُ ذلك في الحياة الواقعيّة، حيث تُصنع الحقائقُ أو تُفرض... وتستمرّ. ومن ذلك ربّما أنّ حلّ الدولة الفلسطينيّة المستقلّة في الضفة والقطاع قد يبدو أكثرُ سهولةً وواقعيّةً من حلّ الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة على كامل أرض فلسطين التاريخيّة، الذي ترفضه إسرائيلُ جملةً وتفصيلاً. والجواب على ذلك هو أنّ الأوّل، مهما كان شأنُه، لن يلبّي حلّ مختلف جوانب القضيّة الفلسطينيّة (وحدة الشعب الفلسطينيّ، واللاجئين، وإنهاء الطبيعة العنصريّة لدولة إسرائيل ودورِها الوظيفيّ في المنطقة). وعليه، فإنّ الصراعَ مع إسرائيل سيستمرّ بوجود دولةٍ فلسطينيّةٍ أو من دون ذلك... مع الأخذ في الاعتبار اختلافَ مظاهر هذا الصراع، وتغيّرَ أشكالها ووتائرها.
أما بالنسبة إلى رفض إسرائيل قيامَ دولةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّةٍ واحدة لكلّ المواطنين في فلسطين الكاملة، فهذا أمرٌ جدُّ طبيعيّ. ذلك أنّ الإيديولوجيا الصهيونيّة، التي قامت على أساسها إسرائيل، ترتكز على رفض اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها؛ كما ترتكز على عقليّة الغيتو اليهوديّ، وعلى "تميُّز" اليهود. ومن البدهيّ أن تقاوم إسرائيلُ مثلَ تلك الدولة لأنها ترى فيها نفيًا للصهيونيّة، وتقويضًا لروايتها ولادّعاء حقّها في الوجود كوطنٍ قوميّ لليهود. يضاف إلى ذلك أنّ حلّ "الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة" يَفترض صراعًا ضدّ إسرائيل لتفكيك المشروع الصهيونيّ ونفيه وتحويله (وإنِ اختلفتْ وسائلُ هذا الصراع: من الصراع الدامي والإفنائيّ إلى الصراعٍ السلميّ والقانونيّ من أجل التعايش المشترك في دولة ديمقراطيّة علمانيّة)؛ وهكذا فإنّ مساحة هذا الصراع تشمل المجتمعَ الإسرائيليّ ذاتَه، تمامًا كما حصل في المجتمع الجنوب أفريقيّ، وأثمر تفكيكَ الأبارتهايد بعد معاناةٍ وثمنٍ باهظيْن دفعهما السودُ. هذا مع الإشارة إلى أنّ إسرائيل مازالت تمانع حلّ الدولة المستقلة ذاته، رغم الإجحافات المتضمَّنة فيه بالنسبة إلى حقوق الفلسطينيين.

المقارباتُ السياسيّة وإشكاليّاتها
على أيّة حال، وكي تكون الاجتهاداتُ النظريّة والرؤى السياسيّة ذاتَ معنى، حريٌّ بنا تفحّصُ الإشكاليّات التي تحيط بمقاربة أيّ نوعٍ من الحلول للقضيّة الفلسطينيّة. ويمكن تبيّنُ ذلك في النقاط التالية:
1- إنّ المعضلة الأساسيّة للساحة الفلسطينيّة لا تتوقّف على التوجّه نحو خيارٍ بعينه، على أهميّة ذلك، وإنما ترتبط أيضًا بالوسائل النضاليّة المتاحة لتجسيد هذا الخيار، وبطريقة إدارة الكفاح من أجل الوصول إليه بأقوم ما يمْكن، وبأقصره، وبأقلّ الخسائر.
فالحقّ أنّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة لم تستطع تحقيقَ الإنجازات التي تتناسب مع تضحيات شعبها، لا بسبب موازين القوى والمعطيات المختلّة لصالح العدوّ فحسب، وإنما أيضًا بسبب فوضى الأشكال النضاليّة، وضعفِ البنى الذاتيّة، وتخلّفِ إدارة صراع تلك الحركة مع عدوّها. ومن الجليّ أنّ البنى الذاتيّة والإدارة والوسائل المناسبة تلعب دورًا كبيرًا في تجسيد أيّ خيار، سواءٌ بتوسيع الخيارات الضيّقة أو تطوير الخيارات الناقصة؛ كما أنها تلعب دورًا كبيرًا في تقليل الخسائر، على أقلّ تقدير. ولعلّ هذا يفسِّر حقيقةَ أنّ كلفة نضال الفلسطينيين، البشريّة والماديّة والمعنويّة، منذ حوالى قرنٍ من الزمن، لا تتناسب مع العوائد المرجوّة منها، إنْ لم تكن على الضدّ منها!
2- بمعزلٍ عن البعد النظريّ والرغبات، يبدو من الناحية العمليّة أنّ ثمة شرعيّةً لكلّ الخيارات المطروحة ــ من خيار التحرير الكامل، إلى خيار الدولة المستقلة في الضفّة والقطاع، وصولاً إلى الدولة الواحدة، أو الكونفدرالية الثلاثيّة، أو الثنائيّة.
ففي العمل السياسيّ، وفي الصراعات الشاملة والمعقّدة والممتدّة، لا يمْكن التعويلُ على خيارٍ بعينه، ولا الارتهانُ له؛ وإنما ينبغي الانفتاحُ على جميع الخيارات، شرطَ أن توصلَ إلى النهاية المتوخّاة، وهي في الموضوع الفلسطينيّ تتعلّق بتقويض تجلّيات المشروع الصهيونيّ باعتباره مشروعًا استعماريّاً واستيطانيّاً وعنصريّاً وذا بعدٍ سياسيّ وظيفيّ. وهذا يعني أنّ على كلّ الخيارات والبدائل الوطنيّة أن تصبَّ في هذا الاتجاه، على المدى البعيد، ولو بشكلٍ متدرّج. فلو كانت ثمة إمكانيّةٌ لتحقيق هذا الهدف دفعةً واحدةً، لما كان هذا النقاشُ أصلاً؛ فما بالكم ونحن نتحدّث عن بدائلَ في ظروفٍ مختلّةٍ لصالح العدوّ، وعلى طاولة المفاوضات فقط؟!
وعليه، فإنه من المبكّر وضعُ هذه الأطروحات أو البدائل في تضادٍّ، بعضها مع بعض، ولا سيّما مع وجود شبه إجماعٍ بين الفلسطينيين، مفادُه أنّ مجملَ هذه الأطروحات غيرُ قابلٍ للتطبيق ومحضُ "طوباويّات." فمن دون انقلاب في وعي الإسرائيليين، ومن دون تغيّرٍ ملموسٍ لصالح العرب في موازين القوى، ومن دون تغيّر في وضع العرب أنفسهم، سيبقى البابُ مسدودًا أمام كلّ الحلول، طوباويّةً أو أقلَّ طوباويّة. وإذا كان الهدف تقويض الصهيونيّة بمؤسّساتها وتجلّياتها، فإنّ الوصول إلى هذا الهدف البعيد يحتاج إلى تدرّجاتٍِ وتوسّطات، تمهِّد له أو تقود إليه.
وهذا يعني أنه لا ينبغي وضعُ هدف "حلّ الدولتين" مقابلَ هدف "الدولة الواحدة الديمقراطيّة العلمانيّة"، ولا "الدولة الثنائيّة القوميّة" مقابلَ "دولة المواطنين"؛ ذلك لأنّ العاملَ المقرِّرَ هنا (في المعادلات السياسيّة الجارية) لا يتوقّف على ما نريده نحن فقط، بل مرهونٌ بموازين القوى وبالمعطيات الدوليّة وبما يحْدث في جبهة العدوّ الداخليّة.
3- لا توجد أطروحةٌ بين الأطروحات المتداولة (دولة ديمقراطيّة أو كونفدراليّة أو دولة ثنائيّة القوميّة أو دولتين لشعبين) لا تتضمّن حلاً مجحفًا في حقّ الفلسطينيين، لا سيّما أنّها كلّها تنطلق من وجود إسرائيل ووجود جماعة "قوميّة" إسرائيليّة (بمعنًى ما). لذا تبدو المفاضلة بين هذه الأطروحات نسبيّةً، وخاضعةً لمعطياتِ كلّ مرحلة ومتطلّباتها. فالوضع، إذنْ، يتعلّق بالبحث عن عدالةٍ نسبيّة، لا عن عدالة مطلقة. كما أنّه لا يتعلّق بقرارٍ ينهي الصراع، إذ إنّ حلّ المسائل التاريخيّة لا يكون على هذا النحو، لأنّ الصراعات التي تحمل طابعًا تاريخيّاً لا يمْكن أن تنتهي إلاّ بانتفاء الأسباب أو الأحوال التي أدّت إليها، أو بنتيجة تحوّل أطرافها تحوّلا كليّاً أو جوهريّاً. والواقع أنْ ليس ثمة صراعاتٌ أبديّة؛ كما أنّ الصراعات لا تنتهي وإنما تتحوّل موضوعاتُها وتتغيّر أشكالُها وأدواتُها، فلا تظلّ بالضرورة صراعاتٍ عنفيّةً أو استئصاليّة.
4 ـ إنّ أيّ خيار فلسطينيّ، على الصعيد المستقبليّ، سيظلّ مرتهنًا لمجمل المسارات والتطوّرات والتحوّلات في المنطقة، ومرتهنًا من ثمّ لمستقبل التشكيلات والنظم السياسية القائمة أو المحتملة فيها. أيْ إنّ مصير أيّ خيار سيرتبط بمسارات الانفصال، وبالأحرى الاندماج، السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ في المنطقة العربيّة، وعلى الأخصّ في بلاد الشام والرافديْن. فمثلاً يَصْعب توقّعُ استمرار الدولة الإسرائيليّة أو المجتمع الإسرائيليّ على شكل جزيرةٍ معزولةٍ أو "غيتو" في المنطقة؛ ويَصعب أيضًا وجودُ مجرّد دولة للفلسطينيين في الضفة والقطاع. فالتطوّرات الاقتصاديّة ومساراتُ العولمة والاندماج الاقتصاديّ تَدْفع باتجاه تكتّلاتٍ أكبر، ولن تكون منطقتُنا خارج هذه العمليّة على الأغلب. ومع ذلك فإنّ هذا الأمر ينبغي ألاّ يُتركَ للفوضى والعفويّة لأنّ ذلك قد يقود إلى مساراتٍ معاكسةٍ وسلبيّة. إذنْ، يَفترض الانفتاحُ على مشروع "الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة الواحدة في فلسطين التاريخيّة" السيطرةََ على التطوّرات في المنطقة وتوجيهَها نحو الاتجاهات الإيجابيّة.

ملاحظات ختاميّة
جديرٌ بنا التذكيرُ بأنّ الحركة الفلسطينيّة في بداياتها كانت أكثرَ جرأةً، وأكثرَ قدرةً على مخاطبة الإسرائيليين، فهي، مثلاً، تبنّت عام 1969 هدف "إقامة دولة ديمقراطيّة علمانيّة في فلسطين" يتعايش فيها الجميعُ بغضّ النظر عن دينهم وقوميّتهم ومعتقداتهم. وكانت هذه الحركة تؤكّد، آنذاك، أنّ هدف الثورة الفلسطينيّة ليس تحريرَ فلسطين من الصهيونيّة فحسب، وإنما تحريرَ اليهود من الصهيونيّة أيضًا. لكنْ، للأسف، فإنّ لمعاتٍ مبكّرةً كهذه في الخطاب الفلسطينيّ لم يُكتبْ لها النجاح. ويعود ذلك إلى سببين رئيسين: أولاً، بسبب عدمِ استمرارها أو إنضاجها أو البناءِ عليها، في واقعٍ كان الخطابُ الفلسطينيُّ فيه أميلَ إلى الروح الشعاراتيّة والعاطفيّة والمزاجيّة. وثانيًا، بسبب تحوّل الحركة الفلسطينيّة إلى هدف إقامة "الدولة الفلسطينية في الضفّة والقطاع المحتليْن،" وتمترسِها عنده، وارتهانِها المجانيّ والمبتذل له.
وفي هذا الإطار يبدو الطرحُ المتعلّقُ بالدولة الديمقراطيّة العلمانيّة هو أكثرَ الطروحات عدالةً وثباتًا، وأكثرَها تمثّلاً لمختلف جوانب الصراع الفلسطينيّ ـ الإسرائيليّ (وضمنها قضيّةُ حقّ عودة الاجئين ووحدة الأرض والشعب الفلسطينييْن)؛ إضافةً إلى أنه الأكثرُ حضاريّةً وإنسانيّةً، خصوصًا أنه يتضمّن تحرّرَ اليهود من الفكرة الصهيونيّة، بطابعها العنصريّ والغيبيّ والعدوانيّ. ولكنه يبدو، أيضًا، أشدَّ الطروحات طوباويّةً، على ما يؤكّد أكثرُ مؤيّديه، خصوصًا في هذه الظروف المأسويّة التي يحارب فيه كلُّ طرفٍ الآخرَ بهديٍ من النوازع القوميّة والوجوديّة. وبدهيٌّ أنّ هذا الخيار مستبعَدٌ في إطار الثقافة السياسيّة السائدة في إسرائيل (دولةً ومجتمعًا) التي تحْرص على تأكيد يهوديّة الدولة الإسرائيليّة. كما أنه مستبعَدٌ في الإطارات الفلسطينيّة، بسبب الثقافة السياسيّة السائدة، وبسبب الممارسات الإسرائيليّة ضد الفلسطينيين.
على أيّة حال، ينبغي أن نؤكّد هنا أنّ أهميّة طرح خياراتٍ وبدائلَ كهذه ليست راهنة، وإنما هي مسألة مستقبليّة، وإستراتيجيّة، وتتعلّق بتوسيع الثقافة السياسيّة. وهي مهمّة جدّاً من أجل توضيح ما يريده الفلسطينيون للرأي العامّ العالميّ، والرأي العامّ الإسرائيليّ أيضًا.
لكنْ ثمة خطورةٌ في اعتبار الحديث عن هذا الخيار نوعًا من التشاطر أو التذاكي. ذلك أنّ خيار الدولة الواحدة الديمقراطيّة العلمانيّة (بمستوييها دولة مواطنين أو دولة ثنائيّة القوميّة) ينبغي الاشتغالُ عليه بشكلٍ حثيثٍ لترسيخه في الوعي السياسيّ الفلسطينيّ، لأنه الشكلُ الوحيدُ الذي يمْكن أن يستجيبَ مجملَ حقوقهم في ظلّ ظروفهم الصعبة والاستثنائيّة. على الفلسطينيين، إذًا، حملُ هذا الخيار وطرحُه على جميع المستويات، وبكلّ قوة، لكونه يتماشى مع المعايير والقيم العالميّة. فليس من المعقول أن تواصل إسرائيلُ خطابَها بشأن حقها في الوجود كدولةٍ يهوديّةٍ (ومحتلّةٍ وعسكريّةٍ)، في عالمٍ يذهب نحو قيم العلمانيّة والديمقراطيّة والليبراليّة.
وعمومًا فإنّنا نكرّر أنّ حملَ خيار "الدولة الواحدة الديمقراطيّة العلمانيّة على كامل فلسطين التاريخيّة" ليس بالضرورة بديلاً لخيار الدولة المستقلّة، الذي يتماشى مع المعايير الدوليّة ومع معطيات الفاعلين السياسيين وإراداتهم راهنا، بل يمكن أن يدعّم الخيارَ الأوّل. كما أنّ خيارَ الدولة الواحدة يفتح الأفقَ المستقبليّ أمام الدولة المستقلّة، بمعنى شرعيّة استمرار النضال وإتاحته بالوسائل المناسبة والممكنة لحلّ مختلف تجلّيات الصراع مع المشروع الصهيونيّ، وبالارتباط مع التطورات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة في المنطقة. ومن نافل القول إنّ هذا يتطلّب وعيَ التحويلات التي دخلتْ على المفهوم السائد لعمليّة "التحرير": فطوال نصف قرن سادت فكرةٌ متخيَّلةٌ عن عمليّة تحريرٍ قوامُها العودةُ إلى لحظة العام 1948 وهزيمة المشروع الصهيونيّ بالوسائل العسكريّة. لذا فمن غير المعقول أن يبقى هذا المفهوم جامدًا على الرغم من كلّ المتغيّرات. إنّ فكرة "التحرير" باتت تفترض تحريرَ العرب واليهود في آنٍ معًا من الصهيونيّة، وابتكارَ حلّ حضاريّ وإنسانيّ وأخلاقيّ لكلّ مظاهر الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ، على أسس ديمقراطيّةٍ وليبراليّةٍ، وربما قوميّةٍ أيضًا.

دمشق

* كاتب فلسطينيّ مقيم في دمشق