تقديم وتوضيح
تمثّل الشخصيّةُ العربيّةُ كما صُوّرتْ في قصص الأطفال التجاريّة العبريّة في فلسطين المحتلّة انعكاسًا للأفكار التي حملتْها الحركةُ الصهيونيّة عن العرب بشكلٍ عامّ، والفلسطينيين العرب بشكلٍ خاصّ. ولم تقتصرْ صورةُ هذه الشخصيّة على اليهود "الإسرائيليين" فحسب، بل نُقلتْ إلى عددٍ كبيرٍ من يهود العالم، وإلى قطاعٍ ضخمٍ من الرأي العامّ العالمي، ولاسيّما الغربيّ.
وقد ظهرتْ هذه الرؤية واضحةً في كتبٍ عديدة، وكتب عنها إدوارد سعيد باستفاضةٍ في كتابيْه: الاستشراق والمسألة الفلسطينيّة. فالحركة الصهيونيّة كانت تعرف قيمة السيطرة على الرأي العامّ العالميّ، ومدى انعكاس هذه السيطرة على قدرتها على تحقيق أهدافها في فلسطين والشرق الأوسط. ولقد تحتّم على الصهيونيّة، كحركةٍ استعماريّةٍ استيطانيّة، أن ترسمَ الشخصيّةَ العربيّةَ في أدنى المستويات، وأن تنتزعَ كلَّ حقوقها كي تستطيع أن تبرِّرَ ما تقوم به في فلسطين. ومن هذا المنطلق يجب أن ننظرَ إلى هذا البحث، فنأخذَ في الاعتبار مدى تأثير أدب الأطفال التجاريّ في البنية الاجتماعيّة والأخلاقيّة في "إسرائيل"؛ ذلك أنّ أدب الأطفال، شأن الأدب بشكل عامّ، يَكشف بعضَ النواحي الاجتماعيّة، والأفكار الإيديولوجيّة، وطريقة التعبير عن الأعداء، وعن السلام والحرب، وغير ذلك. ولا أريد هنا أن أزعم أنّ أدبَ الأطفال العبريّ هو الذي يخطّط السياسةَ العنصريّةَ التي انتهجتها حكوماتُ إسرائيل، ولكنْ يمْكن القولُ إنّه يترك أثرَه في نفسيّة الصغار، رجالِ المستقبل ونسائه، وصانعي القراراتِ السياسيّة وصانعاتِه.
هناك عواملُ كثيرة تَرْسم للطفل خطوطَ حياته العريضةَ في المجتمع، ومن أهمّها: الوالدان والبيت، والأساتذةُ والمدرسة، والأصدقاءُ والمحيط، والأدبيّاتُ التي تُقرأ لهؤلاء الأطفال أو يقرأونها بأنفسهم. وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه العوامل استقتْ معلوماتِها من المصدر الفكريّ نفسه، وحَملتِ التوجيهَ الصهيونيّ الذي ترعرع عليه كبارُهم أنفسُهم فهاجروا إلى فلسطين بهدف إقامة دولتهم، استطعنا أن نتصوّرَ نفسيّة معظم الصغار عندما يكْبرون في أجواءٍ كهذه، وكيفيّةَ تعاملهم مع القضيّة العربيّة والشخصيّة العربيّة. وقد كنّا نظنّ أنّ الصورة المشوّهة عن العرب تغيّرتْ بعد "السلام" بين مصر وإسرائيل، وبعد احتكاك اليهود والعرب الفلسطينيين في أعقاب حرب 67. إلاّ أنّ بحثًا قدّمه ادير كوهين ومريام روث من جامعة حيفا، ويعتمد على استطلاعٍ جرى بين 260 تلميذة وتلميذًا من الصفوف الرابع والخامس والسادس،1 أشار إلى أنّ صورة العربي لدى هؤلاء لم تتغيّر: فهو خاطفُ الأولاد والقاتل والمجرم والإرهابيّ.
على أنّي أسارع إلى القول هنا إنّ يهود إسرائيل لا يحْملون كلُّهم الأفكارَ نفسَها عن العرب. فثمة أقليّة ليبراليّة كانت على علاقةٍ مباشرةٍ بالفلسطينيين العرب قبل عام 1948. وثمة "يهودٌ شرقيون" سبق أن عاشوا في المجتمعات العربيّة فترةً طويلةً. والطرفان يرفضان إلى حدٍّ ما صورةَ "العربيّ" التي تُرسم في الأدبيّات الصهيونيّة، وإنْ لم يرفضْ معظمُهم كلّيّاً النتائجَ التي توصّل إليها الصهاينةُ في كتبهم. ومن جملة هؤلاء الكتّاب الليبراليين: س. ازهار، وبنيامين تموز، وعاموس كينان، والشاعرة داليه رابيكوفتش. وهناك طبعًا الأدباءُ المناهضون للصهيونيّة، وهؤلاء يَعرفون أهداف تشويه صورة العربيّ في الأدبيّات الإسرائيليّة، وعلى رأسهم مردخاي ابي شؤول.
كيف بَرّرتْ كتبُ الأطفال العبريّة التجاريّة "الإصلاحاتِ" الصهيونيّة؟
وَجد تعبيرُ "أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض" طريقَه، وبشكلٍ واسعٍ، إلى كتب الأطفال العبريّة التجاريّة، لكونه يمثّل أساسًا في الفلسفة الصهيونيّة، ويزيل شعورَ الذنْب عن كاهل اليهود الإسرائيليين؛ فكأنّ البلاد كانت فارغةً من السكّان، ولذا فإنّ أحدًا لا يتحمّل أيّة مسؤوليّة عن أيّ شيء! وفي أحد الكتب يقول الكاتب إنّ فلسطين لم تكن خاليةً من السكّان فحسب، بل إنّ أحدًا لم يستغلَّها منذ أن طُرد اليهودُ منها قبل ألفيْ سنة تقريبًا:
"قام يوسف وبعضُ رجاله بعبور البلاد سيرًا على الأقدام، حتى وصلوا إلى الجليل. تسلّقوا الجبالَ والهضابَ، وكانت مناظرُها خلاّبةً. ولكنها، في الوقت نفسه، كانت خاليةً، لا يسْكنُها أحد… قال يوسف: نريد أن نقيم هنا المزرعةَ الجماعيّةَ [الكيبوتس]، ومن هنا سندحر هذا الفراغ. وسنُطلق على هذا المكان اسمَ تلْ حاي [التلّة الحيّة]… إنّ الأرض خاليةٌ من السكّان. ابتعد عنها أبناؤها [المقصود اليهودُ طبعًا]. تشتّتوا ولم يعتنوا بها. لا يوجد مَن يحرسها أو يعتني بها."2
وفي كتابٍ آخر قصةُ رجلٍ وصل إلى فلسطين، فعاش في مزرعةٍ جماعيّة (كيبوتس)، ثم قرّر أن يفتّش مع عائلته عن مكانٍ آخر، فسار في أرض فلسطين "الخالية من السكان،" عابرًا الجبالَ والوديانَ والسهولَ، إلى أن بلغ بقعةً "من أجمل البقاع التي شاهدتُها في حياتي،" فأقام كوخَه الصغيرَ هناك، وأخذ يجوب الأرضَ التي تحيط بها، وعندها:
"رأى حجرًا كبيرًا. ذهب إليه وتفحّصه جيّدًا، فوجد بعضَ الآثار عليه. قال لنفسه إنّ هذه الحجارة هي ما تبقّى من قريةٍ يهوديّةٍ قديمة، ويجب أن نغرسَ وتدَنا هنا، ونبعثَ هذه القريةَ اليهوديّةَ مرةً أخرى. ونادى ابنَه وقال: هنا على هذا التلّ سنسكن. هل ترى هذه الحجارة؟ إنها بقايا قرية يهوديّة قديمة. دعنا نجمع بعضَ هذه الحجارة ونقيم قريتنا الجديدة."3
ولم يكتفِ الكاتبُ بهذا "الإثبات القاطع" على أنّ الأرض عذراءُ منذ أن تركها اليهودُ، بل ذهب أبعدَ من ذلك: فأثناء حراثة الأرض، عثر ابنُه على لوحةٍ رخاميّة، فقام مع أبيه بغسلها، ليجدا عليها رسمَ الشمعدان الذي يعتبره اليهودُ رمزًا لهم وتستعمله إسرائيلُ شعارًا لها. عندها، تبجّح الأبُ بأنّ هذه اللوحة وُجدتْ في هذه الأرض منذ ألفيْ سنة، وزعم أنّ أحدًا لم يستغلّ هذه الأرض، ولذا عَثر عليه اليهودُ عندما عادوا إلى البلاد.4 هنا نلاحظ العلاقة بين العثور على الحجارة القديمة، وإقامةِ القرية الجديدة منها. فالكاتب لا يشير إلى عذريّة الأرض فحسب، بل إلى أنّ ما يقوم به الصهاينةُ هو بعثُ الحياة الجديدة ـ القديمة في فلسطين أيضًا. وهذه هي الفلسفة التي بنى علها هرتزل، الأبُ الروحيُّ للحركة الصهيونيّة، فلسفةَ روايته، الأرضُ الجديدةُ ـ القديمة.
غير أنّ بعض كتّاب الأطفال لم يحتجْ إلى أن يثْبت للطفل أنّ فلسطين تابعةٌ للشعب اليهوديّ، بل اكتفى باستغلال المنطق الدينيّ: "لقد وعد اللهُ الشعبَ اليهوديَّ بأرضِ إسرائيل. ولأنهم تحمّلوا الكثير من المتاعب والمشاقّ خلال ألفيْ سنة من التشرّد، فقد حان تنفيذُ هذا الوعد."5
وبغية التملّص من الشعور بالذنْب أمام الأجيال القادمة، يحاول بعضُ كتّاب الأطفال، خصوصًا بعد اكتشافه أنّ الأرضَ لم تكن خاليةً من السكّان، الإيحاءَ بأنّ "العرب" هم الذين تنازلوا عن أرضهم وباعوها لليهود. ولـ "تقوية" هذا الادّعاء فإنه ياتي على لسان عربيٍّ اسمُه جاد: "لقد باع أرضي الأفنديُّ [العربيُّ]. إنّها أرضي أنا. باعها لأفنديٍّ يهوديٍّ ذي شعرٍ طويل، ما اسمُه؟ إنني أتذكّر اسمًا واحدًا فقط… ’إسرائيل‘، ولا أتذكّر الاسمَ الأخير."6 بل يذهب اليعزر سمولي أبعدَ من ذلك عندما يخبر بطلُ قصّته، أناس التكوين، شيوخًا عربًا بأنه بدأ بإقامة قريةٍ يهوديّةٍ، فيجيبونه: "بعناية الله يا خواجا. أهلاً وسهلاً. هذه الأرضُ ليست أرضنا. لقد سمعنا أنها تابعةٌ لليهود…"7
أمّا مقولة "الأرض لمن يفلحها ويحافظُ عليها،" فقد وجد الكاتبُ الصهيونيُّ تطبيقها على الشكل الآتي:
"إنّ العرب، الذين احتلّوا أرضنا قبل ألفٍ وثلاثمائة سنة، أقاموا فيها، واعتبروها وطنَهم، ولكنهم لم يفعلوا أيَّ شيء كي يحافظوا عليها من الخراب والدمار… وفي حين كانت بلادُنا مأهولةً بالغرباء، كانت أيضًا تتحوّل إلى أرضٍ بور. وأقام أبناءُ إسرائيل في غربتهم وأعينُهم مصوَّبةٌ إلى أرضهم، يريدون العودة إلى أرض إسرائيل، وطنِهم العزيز."8
وحين يحاول بعضُ الكتّاب "الليبراليين" مناقشة هذا الموضوع، يبلغ نقطةً لا يستطيع بعدها إلاّ العودةَ إلى المحور الصهيونيّ الذي يبرّر وجودَ اليهود في فلسطين ويحمِّل العربَ مسؤوليّة ما حدث لشعب فلسطين. وهذا ما نجده في رواية هليفي مع جمعة، الفلسطينيّ، الذي يحاول أنْ يشرحَ لجاره السابق باروخ لماذا تسلّل إلى بلدته بعد طردِه منها، إذ يقول الكاتبُ على لسان باروخ:
"سكَتَ جمعة، وسكَتُّ أنا. إنّه على حقّ، ونحن على حقّ. إنّنا لم نطردْهم، وهم مطرودون. ماذا يمكنني أنْ أقولَ له؟ هل يجب أنْ أقُصَّ عليه قصةَ الكارثة [المحرقة النازيّة لليهود]؟ أمِ التشريد الذي لحق بنا؟ أمْ أقصّ عليه قصةَ اليهود الذين كانوا يأتون في جنح الظلام عبرَ البحارِ إلى البلاد؟ أمْ أخبِرهُ عن معسكراتِ الإبادة والموت وعن ملايين اللاجئين اليهود؟"9
صورة العرب في أدب الأطفال التجاريّ العبريّ
وإذا انتقلنا من تبريرات الاحتلال إلى صورة العرب في أدب الأطفال التجاريّ العبريّ، فإننا نراها صورةً قاتمة. فالعربيُّ مجرمٌ، يحبُّ القتلَ من أجل القتل، لأنْ لا قيمة لحياة الإنسان عنده. ثمّ إنّه لصٌّ، يسرقُ لأنّ هذا من طبعه، ويستهدف اليهودَ بشكلٍ خاصّ نتيجةًَ لـ "غيرته" منهم. وهو يغْدرُ بأهله وأقاربه أنفسهم، ولذا يجب عدمُ "إدارة الظهر له." كما أنّه جبانٌ لا يقدر على الحرب، ولا يستطيعُ أنْ ينتصرَ ولو في العَدْوِ أو السباحة. وهو أبلهُ لا يعرف كيف يتحدّثُ، ويصدِّقُ كلَّ ما يُقال له. والعربيّ الجاهل بحاجةٍ دائما إلى أنْ يعلّمَهُ شخصٌ غيرُ عربيٍّ ما يفعلَه. وهو كذّابٌ، لا يمكِن الاعتمادُ عليه في أيّة كلمةٍ يقولها، ولا أيّ وعدٍ يقطعُه على نفسه. وهو بالطبع قذِرٌ في تفكيره وجسمه، لا يغتسِل، و"المعلّمةُ" دائمًا تحذِّر الأولادَ من الاقتراب منه كي لا يصابوا بمرضٍ عُضال. وهذه الصورة وغيرُها في أدب الأطفال العبريّ التجاريّ جاءت لتنزعَ من الطفل احترامَه للعربيّ؛ ومن لا تحترمْه تُسقطْ حقّه. وفي جميع هذه الكتب يظهر العربيُّ "المقبولُ" راضيًا بالأمر الواقع، ويرى النواحي "الإيجابيّة" في الصهيونيّة ويستطيع "التفاعلَ" معها. بمعنًى آخر، كلُّ عربيٍّ يخون شعبَه ويبيع ضميرَه عربيٌّ جيّد. وهناك عربيٌّ جيّدٌ آخر، هو العربيّ الذي يتثقّف على أيدي اليهود.
وكمثالٍ آخر على نظرة الصهيونيّ إلى العربيّ في أدب الأطفال التجاريّ، يأتي عربيّ وابنُه لشراءِ بعضِ الحاجيّات من يهوديٍّ وابنِه، فيدور الحوارُ التالي:
""افنير، راقبْهما،" صاح الأبُ، وذهب إلى البيت ليحْضر بعضَ النقود لإعطائها للعربيّ، في حين نظر افنير حوله ولم يعرفْ مَن عليه أن يراقب…"افنير، اذهبْ خلفهما حتى البوّابة، وتأكّد أنهما لم يسرقا شيئًا،" قال الأب... "أبي هل صحيح أنّ كلَّ العرب لصوص؟" سأل افنير والدَه. "من الذي قال لك هذا الكلامَ؟" قال الأبُ بعصبيّة، "يجب أن لا تتحدّث بهذه الطريقة." [قال الابن]: "عندما يدخل عربيٌّ متجرَكَ، فإنكَ تراقبه كي لا يسرقَ، وتطلبُ إليَّ أن أراقبه أيضًا. لكنْ عندما يدخل يهوديٌّ فإنك لا تخاف أن يسرقك." ارتبك الأب. "هناك أشكالٌ مختلفةٌ من العرب،" قال، "ويوجد بينهم لصوص. إنك لا تعرف مَن العربيُّ اللصُّ ومَنِ العربيُّ الشريف." "وهل يوجد لصوصٌ يهود؟" سأل الابنُ. "طبعًا، ولكنْ ليسوا هنا، إنهم هناك بعيدًا في المدينة. في قريتنا كلُّ السكّان اليهود مستقيمون، ولا أحد منهم يسرق." "والعرب، ألا يغضبون عندما تراقبهم وكأنهم لصوص؟" سأل الابن. "ربّما،" أجاب الأب، "ولكن ماذا عسانا نفعل؟""10
هذا الحوار، كما نرى، يشير إلى كيفيّة إقناع الكاتب الأطفالَ بوجهة نظره من خلال حوارٍ نصفُه ليبراليّ من قبيل: مَنْ قال لك إنّ كلّ العرب لصوص؟... هناك بعضُ اللصوص اليهود ولكنّهم هناك في المدينة، بعيدًا عن واقع حياة الصغير.... كلُّ يهود القرية شرفاء، أما العرب فلا تستطيع أن تميّز بين اللصّ والشريف، لذا تجب مراقبتُهم جميعًا، واذا غضبوا فليغضبوا!
قلتُ في معرض حديثي إنّ هناك صورةً "إيجابيّةً" لشخصيّةٍ عربيّةٍ معيّنة، هي الشخصيّة التي تتنكّر لشعبها وتتعامل مع الحركة الصهيونيّة في تنفيذ مآربها في فلسطين. ولكنّ هناك صورةً "إيجابيّةً" من نوعٍ آخر. ففي قصةٍ ليهودا سلو نرى مجموعةً من الأولاد اليهود يرْكبون سيّارةًَ متوجّهين إلى القدس "لتحريرِها" من العرب. وقبل الوصول، يقعون في كمينٍ ويُقتلون ما عدا واحدًا يأخذُ في الصعود إلى الجبل القريبِ منه، وقد خارت قواه، بسبب الجرح الذي أصابه. وعندها يرى بستانًا جميلاً ومرتّبًا، فيقول في نفسه إنّ هذه المنطقةَ يهوديّة، فيذهبُ إلى هناك، ليُفاجأ بأنّ الشابّ الذي يقابلُه عربيٌّ، فيتولاّه هذا بالعناية، ثَمّ يعيدُه إلى أهله، بعد أنْ يكذبَ على المقاتلين العرب زاعمًا أنّ الولد يتيمٌ وأطرش وأخرس. ويشرح الشابُّ للولد اليهوديّ: "لا أستطيع أنْ اسلِّمَك لهؤلاء البشر، إنّهم لا يأخذون أسْرى ولا يُداوُون جَرحى، إنّهم حيواناتٌ كاسرة."يهودا سلو، نار في الجبال (تل أبيب: عام عوفيد، 1971)، ص 41 وهو يكشف له السرَّ الذي دفعه إلى مساعدته: "لقد تعرّفتُ إلى شابٍّ يهوديّ اسمُه غرشون، علّمني معنى الحياة. لقد كان معلّمي وصديقي في الوقت نفسه، ولهذا فإنني أختلف عن هؤلاء القتلة [!]"11
أما الشخصيّة العربيّة الأساسيّة في كتب الأطفال العبريّة فهي شخصيّةُ البدوي، ونادرًا ما ربط المؤلّفون الإسرائيليون بين البدويّ وبين عروبته. ويعود الاهتمامُ الإسرائيليُّ الكبير بالبدويّ إلى أسباب كثيرة، أهمُّها مواجهةُ الصهيونيّة لمفكّرين اكتشفوا أنّ أرض فلسطين كانت مأهولةً لا خالية؛ ومن جملتهم آحاد هاعام الذي زار فلسطين وكتب عام 1891: "لقد اعتدنا في الخارج أن نعتقد أنّ أرض إسرائيل هي الآن مقفرةٌ تمامًا… ولكنّ هذا ليس الوضعَ على حقيقته؛ ففي جميع أنحاء البلاد يصْعب أن تجد حقولاً غير مزروعة."12 وإزاء هذا الاكتشاف حاولت الصهيونيّة أن تستغلّ ترحّلَ البدويّ من مكانٍ إلى آخر كي تبرهن أنّه عابرُ سبيلٍ في فلسطين، لا يمتلك أرضًا، ولا حقّ له من ثمّ في أيّ أرض. ولم تحتَجِ الصهيونيّةُ إلى كبير جهدٍ لإقناع الرأيِ العامّ الغربيّ، ولا سيّما الأوروبيّ حيث وُجِدتْ وترعرعتْ، بهذا المنطق، لكون شخصيّة البدويّ معروفةً بالسلبيّة هناك. ثم إنّ اليهوديّ ـ خلافًا للبدويّ ـ أوروبيٌّ يلبس الثيابَ الأوروبيّة، ويستطيع التحدّثَ باللغات الأوروبيّة، ويحاكي حياة الأوروبيين البيتيّة والاجتماعيّة إلى حدٍّ كبير.
ومن المعروف أنّه كانت هناك، ولا تزال، قبائلُ بدويّةٌ فلسطينيّةٌ، وهي جزءٌ من الشعب العربيّ الفلسطينيّ. غير أنّ الصهيونيّة أعطَتِ الانطباعَ المشوّه بأنّ كلَّ سكّان فلسطين بدو، وكأنّه لا يوجد فيها حضَرٌ ولا فلاّحون. يكتب باروخ نادل: "يرى البدويُّ الأغنامَ السودَ فقط، قال ناسي، الذي كان يمضي معظمَ أوقاته في مكتبة السيد ايرون، منكبّاً على قراءة كلّ ما يتّصل بأرض إسرائيل وسكّانها، علّه يتمكّن من إدراك السكّان الأصليين وتمييزهم من دون صعوبة."13 أما لماذا يرى البدويُّ الأغنامَ السودَ فقط، فلا أحد يدري! لكنّ استعمالَ الكاتب مصطلحَ "أرض إسرائيل" يشير إلى أنّ كلَّ سكّان فلسطين العرب، لا بعضَهم، هم من البدو.
ومن صفات هذا البدويّ العجيبة أنّه يظهر فجأةً ويختفي فجأةً: "فجأةً ظهرتْ أمامَ [أحمد] الشجرةُ التي كان المخيّمُ البدويُّ قد أُقيم على مقرُبةٍ منها. ولكنْ أين اختفَت الخِيامُ؟ كان في استطاعة أحمد رؤيةُ الحُفر في الأرض التي تدلُّ على الأماكنِ التي كانت أعمدةُ الخيام مغروسةً فيها."14 ويفتقر البدويُّ في عُرفِ كتّاب الأطفال هؤلاء إلى الروابط التي تشدُّه إلى بلاده: "كان المسافرون الآخرون أبناءَ قبيلةٍ بدويّةٍ تعيش في صحراءِ سيناء، قالوا إنّهم كانوا يحاولون الرحيلَ نحو الشمال حيث المناطقُ المأهولة."15 وهو في كلّ الأحوال عربيٌّ، أيْ قذر: "دعونا نرَ كيف يعيشُ البدو في خيامِهم، قال ناداف باحتقار، قَذِرين… تفوح منهم رائحةُ النتانة."16 وهو لصٌّ ونشّالٌ أيضًا: "وفجأةً سُمع صوتٌ يقول ’اللهم!‘ وشعرْنَا بأيدٍ قويّةٍ تقبضُ علينا وتكبِّلُنا، وظهر أمامَنا شبَحانِ يرتديانِ العباءةَ السوداء. إنّهما لِصّانِ بدويّان… فالشبحانِ كانا لِصّينِ حقيقيّين قاما بأسْرِنا ليتسنّى لهما المطالبة بفديةٍ لقاء الإفراجِ عنا."17
وتبقى صورة المقاتل الفلسطينيّ والجنديّ العربيّ. أما الأوّل فلا يُقدَّم للقارئِ الصغير مقاتلاً: فالفلسطينيّ لا يقاتلُ، بل يحاولُ أنْ يَقتل، والنضالُ العربيُّ الفلسطينيُّ ضدّ الحركة الصهيونيّة والاستعمار البريطانيّ حربُ "عصاباتٍ مُجرِمة": "العصاباتُ العربيّةُ حاكَتِ المؤامراتِ في حينِه لهدْمِ كلِّ ما بناه جيلُ الطليعة اليهوديّة [في فلسطين]"18؛ "وعندما تفجّرَت الأحداثُ الداميةُ في أرضِ إسرائيل وقفَ الشيخ عبدالله أبو ستّة على رأس عصابةٍ مجرمة، وبدأ ينظِّم الهجماتِ على طرقِ المواصلات العبريّة، وقصفِ المستوطنات، وإقامةِ الكمائن وزرعِ الألغام في الطرق"19؛ "سمِعتُ مرةً... راسان الحارسَ يقول لوالدي إنّ العربَ ينظِّمونَ عصاباتٍ كي يهاجموا المستوطناتِ اليهوديّة، وقال له والدي: إنّنا نُعِّدُ لهم استقبالاً حارّاً."20 وباختصار، فإنّ المقاتلين الفلسطينيين "رُعاعٌ" محرَّضون: "نهض بعضُ المحرِّضين العرب وادَّعُوا أنّ اليهودَ سيأخذون منهم بلادَهم، فقامت هذه الجماهيرُ العربيّةُ المحرَّضة بحرق الممتلكات اليهوديّة وتحطيمها."21 واضحٌ أنّ مشكلةَ التحريض هذه ذاتُ بعدٍ سياسيّ؛ فلولاه لَقَبِل سكّانُ فلسطين بإقامة دولةٍ يهوديّةٍ على أرضهم:
"في بدايةِ شهر أيّار من عام 1921، عمد بعضُ المحرِّضين العرب المعدومي الضمائر إلى تحريض الجماهيرِ العربيّةِ في يافا، وقصُّوا عليها أكاذيبَ عن نوايا اليهود في تلّ أبيب، وحرَّضوهم على القيام بأعمالٍ إجراميّةٍ ضدَّهم. فهبّ مئاتُ العتّالين والبحّارة والزعران، الذين يسعوْن وراء النهب، ويتعطّشون للدماء، ويَحملون السكاكينَ والقضبانَ الحديديّةَ، إلى مهاجمة اليهود."22
وبعد قيام الدولة اليهوديّة، أصبح المقاتلُ الفلسطينيّ "متسلِّلا" يعبُر الحدودَ إلى وطنه ليسرقَ ويقتلَ. ومن ثَمّ أصبح "مخرِّبًا" ينسُف أعمدة الكهرباء ويقصف البيوتَ. وبعد ذلك غدا "إرهابيّاً" يقتل الأطفالَ في الكيبوتسات ويخطف الباصات ويزرع المتفجِّرات في الأماكن العامّة.
أمّا بالنسبة إلى الجنديّ العربيّ فهو، في كتب الأطفال المذكورة، بلا قدرةٍ فكريّةٍ أو أخلاقيّةٍ أو حربيّةٍ موازيةٍ لـ "السوبرمان" اليهوديّ الذي قد يقرّر التضحية تجنّبًا للأسر.افنير كرميلي، الدوريّة الخاصّة مطوقة (تل أبيب: م. مزراحي، 1973)، ص 68 ويكفِي الجنديَّ العربيَّ أنْ يُطلَقَ رصاصٌ في الهواء حتّى يفرّ هاربًا: "حمل [الولدُ اليهوديُّ] مدفعَ العُوزي، وأطلقَ بعض العيارات الناريّة في الهواء، فمرّت من فوق رأس الجنديّ العربيّ، وكان هذا العملُ كافيًا. العربيّ فوجئ، وأخذ يعدُو هاربًا."23
بيْد أنّ هذه الشخصيّة تغيّرتْ قليلا بعد حرب 1973، عندما استطاع جيشا مصر وسوريا اقتحامَ مواقع الجيش الإسرائيليّ على جبهتي القناة والجولان. صحيح أنّ هذا التغيّر لم يكن جذريّاً، ولكنْ لأول مرة تظهر في قصص الأطفال العبريّة التجاريّة حكاياتٌ عن احتلال جيشٍ عربيٍّ لمستوطناتٍ يهوديّة. وقد تركّزتْ هذه القصص على أحداث الجولان، لأنّ الجيش الإسرائيليّ استطاع انتزاعَ بعض المناطق من الجيش السوريّ، في حين لم يستطع الكاتب أن يفسّر للقارئ الصغير تحطيمَ الجيش المصريّ لخطّ بارـ ليف واحتلاله. ومع ذلك فقد استطاعت هذه الحربُ إدخالَ نغمة جديدة على أدب الأطفال، كتصوير حالة الفزع والخوف في المستوطنات اليهوديّة، وهي صورةٌ لم يكن ليُعثرْ عليها في قصص ما قبل عام 1973:
"صفير قنبلةٍ مستمرٌّ يخترق السماءَ فوق رأسي... يثيرُ الخوف ويجبرُنا على خفضِ رؤوسنا، وينتهي بصوتٍ كالرعدِ، يعْقبه هدوءٌ غريبٌ… ضجّة طائراتٍ نفّاثة تمرُّ فوق رؤوسنا، سربٌ من أربعِ طائراتِ ميغ يمرُّ بسرعة البرق باتّجاه جبل الشيخ… ضجّةٌ مخيفةٌ حولَنا، لم أكنْ أتصوّر أنّه يوجد مثلُها، لدرجة شعرتُ أنّنا عبارةٌ عن حبّةِ تُطحَن بين عجلاتٍ ضخمة، كأنّ الأرض تهتزُّ تحت أقدامنا، وبعد قليلٍ سنسقطُ إلى داخلِ حفرةٍ عميقةٍ سوداء."24
وفي قصّةٍ أخرى، يخرجً أحدُ سكّانِ مستوطَنةٍ يهوديّةٍ في مرتفعات الجولان، بعدَ أنْ سمعَ أزيزَ الطائرات العربيّة، ليرى كيف ستقوم الطائراتُ الإسرائيليّة بتلقين السوريّين "درسًا، "ولكنْ :للأسف الشديد كنتُ على خطإ؛ فالقنابلُ التي أُلقِيَتْ من الطائرة كانَت مصوّبةً ضَّدنا، وهذا ما برهنَ لي خطإي… إنّني أعترف، لقد كنتُ أرتعدُ خوفًا."25
ورغم أنّ هذه القصص تنتهي بانتصارٍ إسرائيليّ، فإنّ القارئ الصغير حصل على صورةٍ جديدةٍ للمقاتل العربيّ لم تكن موجودةً قبل حرب 1973: فقد بدأ يعرف أنّ العرب يستطيعون أن يحاربوا، وأن يحتلّوا أراضيَ يسيطر عليه الجيشُ الإسرائيليّ، وأنّ في استطاعتهم أن يبيدوا الدبّابات ويسقطوا الطائرات. ولأول مرةٍ ظهر في كتب الأطفال حديثٌ عن الأخطاء التي وقع فيها الإسرائيليون، لدرجة أنها غطّت على الشخصيّة العربيّة!
خاتمة
ظهرت البنيةُ السياسيّة للحركة الصهيونيّة في ما يتعلّق بالعرب بشكلٍ عامّ، وبالعرب الفلسطينيين بشكلٍ خاصّ، واضحةً في الطريقة المشوَّهة التي عُرضتْ فيها الشخصيّةُ العربيّةُ في أدب الأطفال العبريّ التجاريّ. وهذه البنية لا تختلف في إيديولوجيتُها كثيرًا عن البنية الفكريّة للاستعمار الأوروبيّ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
ولكنّ التشويهَ الأخطر جاء في ما لم يُذْكَرْ عن الشعب العربيّ الفلسطينيّ: فلم يُذكَر أيُّ شيءٍ عن الأدب الفلسطينيّ أو الأدباء أو الفنّانين الفلسطينيين. كما لم يُذكرْ شيءٌ عن وجود مفكِّرين فلسطينيّين ضمن المفكّرين العرب. ومن ناحيةٍ أخرى، يُلاحَظ أنّ الفلسطينيّ يُسمّى دائمًا "عربيّاً،" في حين يوصفُ العربُ الآخرون بجنسيّة بلادهم: السوريّ والمصريّ والعراقيّ واللبنانيّ … الخ، وذلك في سبيل إنكار وجود شعبٍ فلسطينيٍّ، وليُعطى الانطباعُ بأنّ أمام الفلسطينيّ وطنًا عربيّاً شاسعًا ليسكن فيه!
وفي سياقِ هذا التشوِيهِ، تَرِدُ في هذا الأدب صورةُ الفلسطينيّ ابنِ المدينةِ مشوّهةً جدّاً، على غرار سكّانِ مدينة يافا "العتّالة والبحّارة والزعران" الذين خرجُوا "لذبح يهود تلّ أبيب." وتنعِدم أيضًا شخصيّةُ الفلاّح العربيّ الفلسطينيّ، في مقابل التركيز على شخصيّة البدويّ. ومن هنا يَظهَر تعمُّدُ سلْبِ الوجود الفلسطينيّ في فلسطين من عناصر هذا الوجود: فلا فلاحّون، ولا مُدنٌ، بل مجرّدُ "بدوٍ" يتنقّلون بلا رابطٍ بأرضٍ ووطن. من هنا لم يُذكرْ أيُّ مظهَرٍ يتعلّق بالحضارة الفلسطينيّة، مثل: الأعمال اليدويّة الفلسطينيّة، أو صناعاتِ الصابون وعصرِ الزيتون، أو النشاطِِ المعماريّ، أو المدن التي أقامَها العربُ أو الفلسطينيّون أنفسُهم.
واشنطن
* فوزي الأسمر: كاتب وطبيب فلسطينيّ عربيّ مقيم في واشنطن.