لا يزال البحثُ الأكاديميُّ في فكر القرن التاسع عشر في المجتمعاتِ الناطقةِ بالعربيّة يتركّزُ على النتاج الثقافيّ المتعلّق بمفهومَي "الهويّة" و"الدين،" ويُغيِّب (وقد يَنفي) محاولاتِ إنتاج الفكر العلميّ المحلّيّ كمَلَكةٍ معرفيّةٍ في المجتمع آنذاك. غير أنّ تغييبَ البحث في العلم "بوصفه حقلَ إنتاجٍ معرفيّ"1 أبقى بعضَ الزوايا معتّمةً في تاريخ الفكر العربيّ - العثمانيّ. لكنْ، ما أهميّةُ هذا الموضوع اليوم؟ وما أهميّةُ المتقدّمين بالنسبة إلى المتأخّرين؟
الجوابُ الأوّليّ ينطلق من واقعِ أنّ أفكارَ القرن التاسع عشر لا تزال تحكُمُ اللغةَ والثقافةَ العربيّة، وتتردّدُ أصداؤها في مفاهيم الحداثة والتمدّن الحاضرة. في هذا المقال سنعْرض كيفيّةَ قيام كتّاب مجلّة المقتَطَف، من خلال عمليات "التهجين والتطهير،"2
بنقاش العلم واللغة وإنتاجهما، والتأثيرَ المباشرَ لدراسة هذه المجلّة في فهم الحداثة في المجتمعات الناطقة بالعربيّة. فما هي الاعتباراتُ المعرفيّةُ للنقاشات المتمحورة حول العلم كما وَرَدتْ في المقتطف؟ وكيف يتكوّن العلمُ في القرن التاسع عشر موضوعًا لأداء علاقاتٍ اجتماعيّةٍ وكولونيالية؟
العلم في المقتطف (1876-1952) موضوعٌ جِداليٌّ يتشكّل ليصبحَ حقلَ إنتاجٍ معرفيّ. وهذا الحقل يتكوّن ـ اجتماعيّاً ـ بالتواصل الإنسانيّ عبر الطباعة، فيصبحُ خطابَ معرفةٍ وقوّةٍ يناقِش موضوعاتِ اللغة والهويّة والتاريخ، مقاوِمًا الاستعمارَ الغربيَّ، ومنصاعًا له3
في آنٍ واحد. ومن هنا فإنّ التركيزَ على معاني العلم الواردة في المقتطف يَسمح بقراءة الفكر العربيّ آنذاك خارجَ الثنائيّات الضيّقة التي كثيرًا ما حَكَمتِ القراءاتِ التاريخيّةَ لهذا الفكر4، مثل: التراث/الحداثة، التمدّن/التأخّر، المسيحيّة/ الإسلام، الشرق/الغرب. وأما قراءةُ تلك النصوص بوصفها نتيجةً لـ "أزمةِ هويّة،" وفهمُ النهضة على أنّها "قفزةٌ نوعيّة،" فيشكّلان تطابقًا مع القراءات السائدة لعصر التنوير أو النهضة الأوروبيّة. والحال أنّ تأريخ النتاج الفكريّ لمرحلتَي النهضة العربيّة والنهضة الأوروبيّة من خلال مفاهيمَ موحّدةٍ مونوليثيّةٍ تُعنى بـ"القفز" و"القَطْع" و"الثورة" و"أزمة الهويّة" يولِّد مشكلاتٍ لا تُحصى وتصوّراتٍ كاذبةً للأكاديميّين وللمجتمع في آن، من أهمّها وأكثرِها شيوعًا: إصرارُ كثيرٍ من المؤرّخين والباحثين على ربط "النهضة" بالاحتكاك مع الغرب ومع الغربيين أمثال نابوليون، واعتبارُها ردّةَ فعلٍ على صدمة هذا الاحتكاك.5 ذلك أنّ هذا النوعَ من التأريخ ينطلق من استشراقيّ للتاريخ والتقدّم والعلم والمعرفة؛ ناهيكم بأنه متجذّرٌ في المفاهيم التي أنتجتها الحداثةُ - الكولونياليّةُ6
في منطقتنا.
يقوم عددٌ من المؤرّخين الغربيّين بتقويم موقع العلم في المجتمعات من أجل فهْم سيطرتِه كمَلَكَةٍ معرفيّةٍ تُكَوِّن مشروعَ الحداثة داخل أوروبا وخارجها. ومن ثم فإنهم يبحثون في فكر "عصر التنوير" الغربيّ، وفي الحقائق العلميّة نفسِها، بوصفها منتجاتِ واقعٍ اجتماعيٍّ وتاريخيٍّ محدّد7. غير أنّ هذا النهجَ في إعادة تأريخِ المعرفة العلميّة والعلم يُظْهر أنّ "تفوّق" فكر "التنوير" في التاريخ الحديث قد بُني على ضرورةِ تخلّف "الآخر،" ولاعقلانيّتِه، وتوحُّشِه في بعض الحالات. وقد أَطلق روّادُ "التنوير" الأوروبيّين، أمثال جون لوك وفرانسيس باكون8، هذه التصنيفاتِ على الـ "آخر" داخل أوروبا، كالنساءِ والعمّال والفقراء والرُّحَّل والغَجَر، وعلى مَن هُم خارجها، كالتركيّ والهنديّ والآسيويّ والعربيّ واليهوديّ؛ واليوم تُستعمَل للمُسلم9. أمّا الأدوات العَمَليّة التي تمّ إنتاجُ مفهوم "الآخر" من خلالها، فكانت الفيلولوجيا (فقه اللغة) والعلم والتاريخ والفلسفة واللاهوت والأنثروبولوجيا10
. وقد أَطلقَ المؤرِّخان بارثا تشاترجي وديبش تشاكرابارتي مشروعَ "ترييف أوروبا" (provincializing Europe) من أجل تبيان كيفيّة صناعةِ تفوّق فكر التنوير داخلَ أوروبا وخارجَها، ولا سيّما من خلال تجربة الاستعمار التي تكوّن صُلبَ تجربةِ الحداثة11.
من هنا يصير البحثُ في معاني العلم في المقتطف بحثًا في التجربة الكولونياليّة في بلادنا، ولا سيّما أنّ هذه المجلّة صدَرَتْ إبّان فترة تقدّم الاستعمار الغربيّ نحو الأراضي العثمانيّة، وازديادِ بعثات المرسَلين الذين وضَعَ كثيرون منهم السلطنةَ العثمانيّة في خانة التخلُّف والتأخُّر. وقد واكَبَ هذا الأمرَ نموُّ خطاب الإصلاح في صفوف النُخَب والمثقّفين العثمانيّين، وظهورُ نتائجَ داميةٍ لبعض الإصلاحات و"التنظيمات" في المقاطعات العربيّة من السَلطن12ة. وُجِدَت المقتطف، إذنْ، في صلب تجربة "الحداثة" في العالم العربيّ؛ فهي ليست مجرّدَ أرشيفٍ لشؤون الأفراد والمجتمعات، بل مختبرٌ أيضًا يُجرِّب من خلاله القرّاءُ والكتّابُ أفكارَهم حول العلم واللغة والذات والآخر.
مختبر المقتطف
يشكّلُ مفهومُ "العلم" في المقتطف مادةً ثمينةً لنقد مقولةٍ رائجةٍ بين المؤرّخين، وهي أنّ "العربيّ" حتى القرن التاسع عشر بقي "غيرَ آبهٍ بالتقدّم الحاصل في العالم حوله."13 كما أنّ استعاراتِ "النوم" أو "الخمول" و"الاستفاقة" أو "النهوض" تَشِي بالقليل من الأفكار المتداوَلة في القرن التاسع عشر بين الناطقين بالعربيّة. فما هي بعضُ أفكار المقتطف، ومَن كان يتداولها؟
كتّابُ المقتطف مثقّفون، باحثون، تلاميذ، موظّفو حكومة، صناعيّون، فلاحّون، رجالُ دين، جباةُ ضرائب، أطبّاء، شعراء وشاعرات، ربّاتُ منازل... وهم قادمون من كافّة أرجاء السلطنة العثمانيّة (أسيوط، القاهرة، الإسكندريّة، بيروت، حلب، حمص، إسطنبول...). والخطابُ العلميّ الذي تُنتِجه المقالاتُ المختلفة فيها يسائلُ أصولَ المعرفة العلميّة، ويشكّك في المصادر والاستعمالات التي تنطوي عليها المعرفةُ العلميّةُ الغربيّة، والأهمّ أنّه يعتبِر نفسَه جزءًا لا يتجزَّأ من الحداثة والتمدُّن في العالم.
تحت راية العلم، ناقشت المجلّةُ أمورًا عديدةً مثل: "مستقبل الإنسان ومصير العُمْران،"14 "العلم والسياسة،"15 "إصلاح المدارس،"16 "الحياة والجاذبيّة،"17 "تربية البقر،"18 "تاريخ الخليقة،"19 "تعريف التمدّن،"...20 كما تفيضُ المقتطف بالمقالات في موضوع "كيف تَصْنع هذا؟" من قبيل: كيف تصنع الزجاجَ؟ المعادنَ؟ المرايا؟ السمادَ؟ الحريرَ؟ وغيرَها من الأمور. هذه المُنتَجات تصبح أدواتِ التقدّم وروحَه، وتخْرُج من المقتطف لتصبحَ عالميّةَ الامتداد، غيرَ محدودةٍ بمكانِ الصنع وزمانِه، ومن ثم تُصبح بتصرّف القارئ الذي له حقُّ امتلاكِها، بل واجبُ استخدامها لإفادة "الهيئة الاجتماعيّة" و"أبناءِ الوطن" وتقدّمِ الجنسِ البشريّ ككلّ. إذًا، من خلال عَوْلمةِ منتوجات العلم في المقتطف، يتمّ تحريرُ العلمَ من المِلْكيّة الغربيّة له، ويصبح في متناول "الذات" المحليّة.
كان هدفُ المقتطف المُعلَن هو اقتطاف المعرفة العلميّة من العالَم. وكانت المجلّة تذكّر القارئَ دومًا بأنّ العِلمَ لا يُمتلك بلا تأمّلٍ، وعملٍ جادٍّ، وزرعٍ وعنايةٍ مِن أجل جني الثمار. وفي هذا كان استحضارُ المقتطف لاستعارة لفظة "الثمار" عند الحديث عن العلم يَهدف إلى تشبيه المعرفة العلميّة بالثمار التي تؤْكَل وتُهْضَم فتتحوّلُ قوّةً ونموّاً؛ وهي ثمارٌ بقَدْرِ ما تُنتِج أمورًا مفيدةً كالتلِّغرام والقطار والمحرّك البخاريّ.21
وفي خطاب المقتطف العلميّ تتكرّر عمليّةُ إعادة تأريخِ العلم. وتخبِرُنا المقتطف أنّ العلمَ يُنتِج القوّةَ والربحَ؛ وأكبرُ مثالٍ على ذلك في رأيها هو قوّةُ أوروبا وسلطتُها. وفي هذا السياقِ نجدُ في مقالٍ عن المحرّك البخاريّ،22 مثلاً، ردَّ اكتشاف البُخار إلى هيرودوتس الإغريقيّ الذي جعلَ أبوابَ المعبد تتحرّك بقوّة البخار. وفي مقالٍ آخر، يحاول المحرّرُ إقناعَ القارئ بأهميّة تبنّي الطرقِ الأوروبيّة في العمل والعلم؛ فيَسأل عمّن يستطيعُ إنكارَ منافع المطابع والبواخر والقطارات والتلّغراف والتلفون والبريد السريع، بل مطفأةِ الحرائق أيضًا؟23 لكنّ تبنّي ذلك المحرِّر هذه الأدواتِ العلميّةَ يشترِطُ رفضَ الأفكار المسبّقة التي ينطوي عليها هذا التقدّمُ؛ فلكي يكونَ العلمُ الغربيّ أداةً للتقدّم المحليّ، لا بدّ، في رأيه، من إسقاط قناعه وفكّ غربيّته. يقول الكاتب في مقال آخر ما معناه أنّ مجموعةً من الباحثين نظروا في الأخلاق البشريّة والأديانِ والقوانينِ والأوضاعِ المعيشة، ثم اعتلوْا عرشَ إصدار الأحكام، فصنّفوا الناسَ إلى "متمدّنين" و"متوحّشين" وما بين هؤلاء وأولئك؛ في حين كان من الأسهل أن يستندوا في أحكامهم إلى "العلم" لأنّ القوانين العلميّة تتبدّل بمرور الزمن، كما أنّ الآراء الشخصيّة لا يمكن أن تقلّل من شأن البشر. ويرى هذا الكاتب أنّ أولئك الباحثين استخدموا ذلك الحكمَ العامَّ ذريعةً لما يعتبره هيمنةً لبعض الأمم على شعوبٍ أخرى من أجل تخليصهم المزعوم من البربريّة وجلبهم إلى مصاف التمدّن.24
وعلى مستوًى آخر تَربط المقتطف العلمَ بالمنفعة الاجتماعيّة وسياساتِ الدولة:
"لا بدّ لهذا الارتقاء وهذا النموّ من أربعةِ أمورٍ جوهريّة تطالَبُ الحكومةُ [العثمانيّةُ] بها لأنّها مِن عملِها الخاصّ: الأوّل استتبابُ الأمن العامّ. والثاني تحديدُ الأموال التي تُطلب من الأهْلين للحكومة حتى لا تُؤخذَ منهم بارةٌ واحدةٌ فوق ما يجب عليهم أداؤه. والثالث اهتمامُ الحكومة بالمنافع العموميّة التي يتعذّر على الفرد القيامُ بها لوحده، ولا يَحسُنُ أنْ تسلَّمَ لشركاتٍ أجنبيّة، ولم تستعدَّ البلادُ حتّى الآن لإنشاء شركاتٍ لها كتنظيم شوارعِ المدن وإنشاء سكك الحديد وبناء السدود في الأنهر لإصلاح الريّ."25
وهكذا نرى أنّ العلاقةَ التي تنْسجها المجلّةُ بينَ العلم والدولة والغرب تجعل للعلم تأثيرًا في الحياة الاجتماعيّة، ابتداءً من المواصلات ووصولاً إلى النظافة الجسديّة. وعبرَ التواصل من خلال المقتطف "تكتسِبُ الأشياءُ قوّةَ الوَعي والإدراك،" كما كان تيموثي ميتشل ليقول26، فيصبح البريدُ والقطارُ والتلّغرافُ معالمَ لمطالبة الحكومة العثمانيّة بالخدمات من جهة، وللتخاطب مع الغرب بأدواته الحداثية نفسها، من أجل تشكيل فهمٍ علميّ محلّيّ مرتبطٍ بواقعٍ جغرافيّ وسياسيّ محدّد. وهكذا تمتلك هذه الأشياءُ في خطاب المقتطف القدرةَ على تغيير الحياة الاجتماعيّة وحمايتِها في آن. ومن هنا تتشكَّلُ سلطةُ العلم ملَكةً معرفيّةً في المجتمع.
العلم واللغة بين المرسََلِين والمتقدِّمين
يستنتجُ قارئُ المقتطف الصِلةَ الوثيقة، إذًا، بين العلم والعالم، وأنّ العالمَ مكانٌ لصراعٍ محتوم مع الغرب الدائمِ التشكّل. وهذا الصراع يتمّ في العالم الداخليّ27 للشعوب الأصليّة المستعمرَة، وهو عالمٌ يضمّ لغةَ تلك الشعوب وثقافتَها وموسيقاها وفنونَها، ويتشكّل بالضدّ مع عالمها الخارجيّ.
ولكنْ إذا كان صحيحًا أنّ "الآخر" ممنوعٌ من العالم الداخليّ للشعوب الأصليّة، فهذا لا يعني ـ بحسب تشاترجي ـ أنّ ذلك العالمَ لا يتغيّر، بل على العكس، إذ من هنا "تؤسِّسُ القوميّةُ أقوى المشاريع التاريخيّة وأكثرَها إبداعًا: تشكيل ثقافةٍ ’حديثة،‘ وطنيّة، هي بالضرورة غيرُ غربي28ّة." وعليه، يشكّل العلمُ في المقتطف جزءًا من العالم الخارجيّ أو "العالم المادّيّ"29 بقَدْر اتصاله بموضوع الإصلاح والدولة والوطن.
ومن جهةٍ أخرى يتعلّق العلمُ بالعالم الداخليّ من خلال ارتباطه باللغة العربيّة. ولرسمِ صورةٍ أوضحَ لعلاقة العلم باللغة، علينا أنْ نعودَ إلى ما يسمّى "الأزمةَ الداروينّية" في الكليّة السوريّة البروتستانتيّة (الجامعة الأميركيّة في بيروت اليوم). ففي العام 1882 أَنشأَ يعقوب صرّوف (1852-1927) وفارس نمر (1856-1952) المقتطف لتكونَ علميّةً وعربيّةً في آن، وطُبعتْ في مطبعة المرسَلين الأميركيّة، إلى أنْ طُرد الرجلان اللذان كانا من أوائل خرّيجي الكليّة وأوائل الأساتذة فيها أيضًا، بعد أحداث 188230.
كان هذا الصِّدامُ بين الرجلين وما يمثّلانه من جهة، وبين المرسَلين من جهة أخرى، صدامًا بدهيّاً، وذلك بفعل طبيعة وجود هؤلاء المرسَلين في منطقتنا. فقد أتى المرسَلون البروتستانت31 إلى الشرق لتقديم "حكمةِ" المسيحيّة الغربيّة و"خيراتِها" لشعوبه، ممثَّلةً في اللغة الإنجليزيّة والمعرفةِ العلميّةِ الأوروبيّة؛ وذلك لأنّ "التركيبةَ الوظيفيّة للغات المحليّة، وبالتالي العقول المحليّة [نفسها]، غيرُ ملائمةٍ [للمعرفة الحديثة]، فكان هذا سببًا لضرورة الوصاية الأوروبيّة."32 إذًا، الخلاف قام لأنّ الكولونياليّة مَبنيّةٌ على ضرورة الاختلاف عن "الآخر،" لأنّ التماثُلَ غيرُ ممْكنٍ بين المستعمِر والمستعمَر33. لكنْ عندما أخذَ المحليّون يُنتجون معرفتَهم بلغتِهم، ويعرِّبون ويترجِمون ويُنتجون الفكرَ بها، ويناهضون الإرادةَ الغربيّة، وقعَ صراعٌ عنيفٌ في الكليّة. فبينما كان العلمُ يُلقَّن بالإنجليزيّة هناك، تدافَع كتّابُ المقتطف وقرّاؤها لنقاش العلم بالعربيّة، ولنحْتِ عباراتٍ وكلماتٍ مثلَ "الرشّاش" و"الدبّابة" و"الصودا" وغيرها، وللقيام بتجاربَ وأبحاثٍ علميّةٍ مستقلّة، وللكتابة عنها. ومع استمرار الكليّة بالتعليم بالإنجليزيّة على الرغم من احتجاجاتِ التلامذة والمعلّمين لأنها (أي الكلّيّة) "لا تريد السعيَ إلى إنتاجِ المعرفة باللغة العربيّة،"34 ثابَرَت المجلّةُ على إثباتِ عكس ما يعتقدُه أكثريّةُ المرسلين: فأصرّت على أنّ العربيّة قادرةٌ على التعبير عن العلم وعلى مجاراته، من خلال الجهد المحلّيّ وزرعِ العلم وجنيِ ثماره. وكان ذلك عبر تناوُلِ المجلة للعلم في مقالاتها العربيّة، وعبر نشرِها إيّاه في المجتمع؛ إضافةً إلى إعادتها تأريخَ العلم بنزع المركزيّة الأوروبيّة عنه، والإصرارِ على نقاشه وإنتاجه بالعربيّة ـ لغةِ "العالم الداخليّ" ـ في المجتمع. وهذا ما جعل القارئَ يتساءل: كيف يستطيعُ المرسَلون، بعد كلّ هذا، أن يدّعوا احتكارَهم للمعرفةِ العلميّة، وللعلم، ولأطرِ الحداثة، زمانًا ومكانًا؟
إنّ ما يُسمّى "الأزمةَ الداروينيّة" في الكليّة كانَ، بالفعل، صراعًا بين التلاميذ والأساتذة المتكلّمين بالعربيّة من جهة، والمرسَلين المتكلّمين بالإنجليزيّة الذين أصرّوا على تعليم العلوم بلغتهم لأنّ اللغة العربيّة، في زعمهم، غيرُ صالحةٍ للتعبير عن العلم"35 من جهةٍ ثانية. وقد شاركَتِ المقتطف في هذا الصراع عبر إنتاج المعرفة العلميّة بالعربيّة وضدّ إرادة المرسَلين؛ ونقرأُ في إحدى المقالات أنّ المرسَلين "يروِّضون عقولَ الطلاّب ويحوّلونها إلى أداةٍ خاضِعة،" و"يعلّمون معارفَ العصر خوفًا من افتقادها، لكنّهم لا يجتهدون في تطوير العلوم ولا في اكتشاف قوانينَ علميّةٍ وطبيعيّةٍ جديدة36." من هنا اعتَبرَتِ المجلّةُ أنّ هدفَ المرسَلين ليس إنتاجَ العلم بقدراتٍ محليّة، لأنّ الشرقَ - في وهمهم - غيرُ قادرٍ على إنتاج العلم بل على ترجمته وحفظه فقط، وأنّ هدفهم أيضًا هو إثباتُ قوّة ارتباط العلم بسلطةِ الأمَم الغربيّة. وإزاء هذا تقومُ المقتطف بتسليح القارئ بهذا العلم، ونقله - من داخل أسوار الكليّة ومرصدِها المنزوي ـ إلى مجتمعٍ يبنيه قرّاءُ المقتطف وكتّابها. فبينما يقوم المرصدُ داخل تلك الكلّيّة بمُراقبة أحوال الفلك وتسجيلها بموضوعيّةٍ علميّةٍ مستقلّةٍ عن المجتمع، تقوم المقتطف بإشراك القرّاء في بناء العلم والتاريخ والمجتمع وتفكيكها. لقد تعاملت المجلّةُ مع العلم على أساس أنْ لا هويّة له؛ فهو، في رأيها، محصّلةُ معرفةِ الإنسان ونتاجُ البشرِ على تباين أجناسهم، خلافًا لموقفِ المرسَلين المستشرقين ذي التمركز الأوروبيّ مثل دانيل بلِس وجايمز آنيس37.
***
يتبيّن لنا في هذه الدراسة المختصرة أنّ ثنائيّة العلم/الجهل أو النور/الظلام تقدّم لنا مقاربةً تاريخيّةً لزمن المقتطف أكثرَ وضوحًا من ثنائيّتيْ مسيحيّ/مسلم وشرق/غرب. ذلك أنّ البحثَ في نصوص القرن التاسع عشر، وفي تشكُّل الصلاتِ بين اللغة والعلم والمجتمع والوطن، يَطرَح إشكاليّاتٍ واضحةً حول تأريخ الفكر العربيّ، ويحاول وضعَ مرحلة "النهضة" في اطارها الزمنيّ الكولونياليّ الحقيقيّ. ولا يزال مجالُ البحث واسعًا، ولاسيّما في ما يخصّ المجلاّتِ العربيّةَ والصحفَ والكتيّباتِ والكتبَ التي صدرتْ في مصر وإسطنبول وبغداد وسوريا. وينبغي أن يبقى مشروعُ هذا البحث مستمرّاً للغوص في تشكّل الهويّة العربيّة وبنيتها في التاريخ الحديث، ولفهم كيفيّة صناعة الحداثة في هذه المنطقة من العالم، ومصدرِ هيمنتها كأداةٍ إيديولوجيّة وإبستمولوجيّة. ومن الضروريّ فهمُ اعتباراتِ كتّاب المقتطف وقرّائها ومعاصريهم، من أجل إعادة فهمِ تخيّلاتِ الأفراد وتصوُّراتهم لمجتمعهم قبل بسْطِ الدولة الكولونياليّة هيمنتَها عليهم وعلى تصوّراتهم.
تحاول الكولونياليّةُ أن تكون التصوّرَ الباقي الوحيد، والاحتمالَ الوحيدَ، لشعوب هذه المنطقة. ولذلك فإنّه لا بدّ من فهم تكوّنِ مشروع الدولة الكولونياليّة، ودراسةِ المقاومات المحليّة له ولأدواتها المعرفيّة، بل البحث أيضًا في كيفيّة استلاب الدولة ما بعد الكولونياليّة لهذه المقاومة نفسِها لأنّ أدوات الكولونياليّة ومفاهيمَ الحداثة المتصلة بها لا تزال تحْكم القراءاتِ السائدةَ للتاريخ و"للنهضة العربية." ويبقى لنا أنْ نفكّر في كيفيّة إعادة قراءة تصوّرات مجتمعات القرن التاسع عشر خارج الواقع الذي فرضَه مشروعُ الدولة الكولونياليّة، وذلك من خلال تفكيك أدوات الكولونياليّة ـ الحداثة وتجاربِ الذين عايشوها، والنصوصِ التي خلّفوها... من دون إيلاءِ تجربة الكولونيالية أهميّةً تفوقُ تأثيرَها الفعليَّ في اللغة والثقافة في منطقتنا.
بيروت
* ناديا بو علي: طالبة دكتوراه في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكسفورد.
Bruno Latour, The Pasteurization of France (Cambridge: Harvard University Press, 1988); We Have Never Been Modern (Cambridge: Harvard University Press, 1993); Charles Briggs and Richard Bauman, Voices of Modernity, Language Ideologies and the Politics of Inequality )Cambridge: Cambridge University Press, 2003).
Steven Shapin, A Social History of Truth: Civility and Science in Seventeenth-Century England (Chicago: University of Chicago Press, 1994); Steven Shapin and Simon Schaffer, Leviathan and the Air Pump: Hobbes, Boyle, and the Experimental Life: Including a Translation of Thomas Hobbes (Princeton: Princeton University Press, 1985); Donna Haraway, Simians, Cyborgs and Women: The Reinvention of Nature (New York: Routledge, 1991).