التوفيق بين حقوق الشعب الأصليّ غير القابلة للتصرُّف وحقوق المستوطنين المكتسبة

1

تقديم
على امتداد العقود السابقة طُرح الكثيرُ من "الاقتراحات" الخلاّقة ــ والغريبة غالبًا ــ لحلّ النزاع في فلسطين. غير أنّ معظمَها فشل في إنجاز أيّ تقدّمٍ على طريق الحلّ العادل والسلميّ؛ والسبب هو أنّها رجَّعتْ أصداءَ الخطاب المهيمن، القائمِ على السلام المعزولِ عن العدالة، والمتجاهلِ للحقوق الأساسيّة ــ الفرديّة والجماعيّة ــ التي هي المطلبُ الأهمُّ للعدالة والسلام الدائم. والحقّ أنّ كُلّ الصيغ التي تدور حول "حلَّ الدولتيْن،" والتي تُصادِر حقوقًا أساسيّةً للفلسطينيِّين، تندرج في الفئة الأخيرة من الاقتراحات اللاأخلاقيّة والقصيرة النظر. بعضُها يَهْدف إلى "تغيير وعي المقموعين، لا إلى تغيير الوضعِ الذي يقمعهم،" إنْ كان لنا أن نستعيرَ عبارةً لسيمون دوبوفوار، وذلك بسبب تصويره الخللَ الهائلَ في ميزان القوى الحاليّ والحقائقِِ المفروضةَ على الأرض وكأنّها صعوباتٌ لا يُمْكن التغلُّبُ عليها ولا ردُّها، الأمرُ الذي يُديم الوضعَ القائم الظالمَ ويشرعنه. وثمة صيغٌ أخرى تَطْرح حلولاً تقنيّة مركّبة هدفُها الوحيدُ طمسُ حقيقة القمع الكولونياليّ والعنصريّ الإسرائيليّ اليوميّ، والتقليلُ من شأن حقوق الفلسطينيِّين غير القابلة للتصرّف ــ ولاسيّما حقّهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

في هذه المقالة سأحاول أن أثْبت أنّ دولةً علمانيّةً ديموقراطيّةً موحّدةً ضمن حدود فلسطين الانتدابيّة هي الحلُّ الأعدلُ والأكثرُ انسجامًا مع المعايير الأخلاقيّة والقانونيّة للنزاع المديد. ويعود ذلك أساسًا إلى أنّ تلك الدولة تقدّم أفضلَ ما يُمْكن الأملُ فيه لجهة التوفيق بين ما قد يبدو غيرَ قابلٍ للتوفيق: أيْ بين حقوق الشعب الفلسطينيّ الأصليّ غير القابلة للتصرُّف (inalienable rights)، وبخاصّةٍ حقّه في تقرير مصيره، والحقوق المكتسبة (acquired rights) للمستوطنين الكولونياليِّين في العيش بأمانٍ وسلام، أفرادًا وجماعات، بعد تجريدهم من امتيازاتهم الكولونياليّة وإحقاق العدالة. إنّ بناء دولةٍ كهذه يحتاج إلى سيرورةٍ طويلةٍ ومعقّدةٍ من "إزالة الاستعمار" (de-colonization) و"إزالة التصهين" (de-zionization). وهذا ما يستدعي عمليتيْن متزامنتيْن ومترابطتيْن بشكلٍ جدليّ: التأمّل والعمل، على ما يقول المربِّي البرازيليّ پاولو فريري.2 فالحال أنّ الإزالة الأخلاقيّة للاستعمار، استنادًا إلى القانون الدوليّ وحقوقِ الإنسان الكونيّة، تتطلّب حركةَ مقاومةٍ فلسطينيّةٍ، مركَّبةً، ومدنيّةً، وشعبيّةً، وذاتَ رؤيةٍ واضحةٍ إلى العدالة وإلى بناء مجتمع ديموقراطيّ غير إقصائيّ. كما تتطلّب حركةً دوليّةً تَدْعم الحقوقَ الفلسطينيّة، وتناضل من أجل إنهاء كلّ أشكال الأپارتهايد الصهيونيّ والحكم الكولونياليّ، وإنهاء ثنائيّة "السيّد والعبد" لا قلبِِها فحسب. فمن دون الرؤية والتأمّل سيغدو نضالُنا أشبهَ بسفينةٍ بلا رُبّان؛ ومن دون المقاومة لن تكون رؤيتُنا إلاّ محضَ تفذلُكِ صالونات، إنْ لم نقل سفسطةً بلا طائل.

الرؤية: الإزالةُ الأخلاقيّة للتصهيُن (Ethical De-Zionization)
من بين البدائل التي يَكْثر طرحُها لحلّ المسألة الفلسطينيّة، يُقدِّم حلُّ "الدولة الديموقراطيّة" الآليّةَ الأوضحَ لإنهاء الظلم المثلّث الذي حاق بالفلسطينيِّين منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 48 على أنقاض مجتمعهم، وأعني بذلك: الظلمَ الناجمَ عن احتلال أراضٍ فلسطينيّة (وعربيّةٍ أخرى) واستعمارِها عام 1967؛ والظلمَ الناجم عن نظام التمييز العنصريّ، المُمَأسسِ والمشرعَنِ،3 الذي يَخْضع له المواطنون الفلسطينيُّون الأصليُّون في دولة إسرائيل لكونهم "غيرَ يهود"؛ والظلمَ الناجمَ عن حرمانِ اللاجئين الفلسطينيِّين من الحقوق التي أجازتها لهم الأممُ المتّحدةُ، وعلى رأسها حقُّهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم والحصول على التعويضات ممّا خسروه ومقابل الاستغلال غير القانونيّ لأملاكهم منذ 1948. والواقع أنّ "حلّ الدولتيْن" لا يستطيع أن يتناول الظلمَ الثاني أو الثالث ــ والأخيرُ بالذات، أيْ حقُّ العودة، هو لبُّ القضيّة الفلسطينيّة ــ بشكلٍ مُرْضٍ، أو لا يتناولهما على الإطلاق. أمّا الحلّ المستند إلى "دولةٍ ثنائيّةِ القوميّة" فهو، علاوةً على ثغراته المنطقيّة والقانونيّة والأخلاقيّة، لا يستطيع أن يتيحَ ممارسة حقّ العودة إلى الديار بموجب قرار مجلس الأمن رقم 194، ناهيكم بأنّه ينتهك ـ في تعريفه ذاته ـ حقوقَ الفلسطينيِّين الأصليِّين غير القابلة للتصرُّف في جزءٍ من وطنهم، وبخاصّةٍ حقّهم في تقرير مصيرهم. ثم إنّ الإقرار بحقوقٍ قوميّةٍ للمستوطنين اليهود في فلسطين يعني بالضرورة قبولَ حقّهم في تقرير مصيرهم، وهو ما يتناقض مع المبدإ العالميّ لتقرير المصير، ولا سيّما في كونه وسيلةً تستخدمها "الشعوبُ الواقعةُ تحت الهيمنة الكولونياليّة أو الخارجيّة أو الاحتلالِ الأجنبيّ" لتحصيل حقوقها؛ بل قد يؤدِّي ذلك الإقرارُ، في حدّه الأقصى، إلى المطالبة بالانفصال اليهوديّ أو بالسيادة "القوميّة" اليهوديّة على جزءٍ من أرض فلسطين التاريخيّة ـ وهو ما لا يمْكن القبولُ به: ذلك أنّ دولةً يهوديّةً في فلسطين، أيًّا كان شكلُها، وعلى أيّ جزءٍ من ترابها، ستنتهك الحقوقَ الأساسيّة لشعب فلسطين الأصليّ، وستؤبِّد نظامَ فصلٍ عنصريّ مقيت.
إنّ القبولَ بالمستوطنين الكولونياليِّين كمواطنينَ متساوين مع الفلسطينيين، وكشركاءَ كاملين في بناء مجتمعٍ جديدٍ خالٍ من الاضطهاد الكولونياليّ والتمييز العنصريّ (على ما يُطالب به نموذجُ "الدولة الديموقراطيّة،") َهوَ أكرمُ العروض التي يُمْكن أن يقدِّمها أيُّ شعبٍ أصليٍّ لقامعيه. ولكنْ، للوصول إلى هذه الغاية المنشودة، ولضمان ديمومتها، فلا بدّ بدايةً من تجريد المستوطنين من سِمتهم وامتيازاتِهم الكولونياليّة، فيَقْبلوا العدالةَ، وعودةَ اللاجئين الفلسطينيِّين، والتعويضاتِ، والمساواةَ المطْلقةَ مع المواطنين الآخرين ـ وهذا ما يتحقّق بالمقاومة أساسًا. وفي المقابل، فإنّ على السكّان الأصليِّين أن يكونوا مستعدِّين، بعد تحقيق العدالة واستعادة الحقوق، لمسامحة المستوطنين، وللقبول بهم مواطنين متساوين، متمتّعين بحياةٍ عاديّةٍ، لا أسيادًا ولا عبيدًا؛ وهذا ما جرى في كوبا وجنوب أفريقيا وغيرهما.
وفي هذا الصدد ينصّ "إعلانُ الدولة الواحدة"4 الذي أصدره عددٌ من المثقّفين والناشطين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين والدوليِّين على ما يلي:
"أرضُ فلسطين التاريخيّة ملْكٌ لكلِّ مَنْ يعيش فيها، ولمن طُرِد أو نُفي منها منذ العام 1948، بصرف النظر عن الدين والإثنيّة والأصل القوميّ والجنسيّة الحاليّة... على أيّ نظامٍ أن يُبنى على مبدإ المساواة بين المواطنين، في الحقوق المدنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة. وعلى السلطة أن تمارَسَ، بتجرّدٍ صارمٍ، نيابةً عن الناس جميعهم، على اختلاف هويّاتهم..."
ثمّة أمورٌ أساسيّةٌ ينبغي أن تُناقش عند رفع شعار "الدولة الديموقراطيّة في فلسطين التاريخيّة،" هذا إذا نحَّيْنا جانبًا قابليّةَ هذا الشعار للتحقّق. وتتمحور تلك الأمورُ حول كيفيّة تناوله لأسئلةٍ سأطرحُها تباعًا، وما إذا كان يتناولها أصلاً. ولمّا كانت الإجابةُ الكاملةُ تتطلّب بحثًا مستفيضًا، فسأكتفي باقتراح إجاباتٍ موجزةٍ تَطرح المبادئَ الأخلاقيّةَ اللازمة، آخذًا في الاعتبار أولويّةَ ثلاثة مبادئ ـ إزالة الاستعمار، والعدالة، وتقرير المصير ـ بوصفها الشروطَ الدنيا لتحقيق العدالة النسبيّة.

حقُّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره
ولكنْ لماذا يُعتبر حقُّ تقرير المصير أداةً شرعيّةً ضروريّة لتحصيل الحقوق الفلسطينيّة، وبلوغِ حلّ عادلٍ ومستدام؟
لقد كَرَّست الأممُ المتّحدةُ حقَّ تقرير المصير شرطًا إلزاميًّا للتمتّع بحقوق الإنسان الأخرى كلِّها. ولقد أُدرج هذا الحقُّ في القانون الدوليّ، بشكلٍ رسميّ على الأقلّ، في ميثاق الأمم المتّحدة، المادة1 (2)، التي تنصّ على ما يأتي: "إنّ أهداف الأمم المتّحدة هي أن تنمّي علاقاتٍ ودّيّةً بين الأمم، على أساس احترام مبدإ الحقوق المتساوية للشعوب وتقريرِ مصيرِها بأنفسها." (لاحظوا أنّ الحقوقَ المتساوية لكلّ الشعوب تَسْبق حقَّ تقرير المصير والحقوقَ الأخرى، وهي المبدأ الأول والأساسُ في ميثاق الأمم المتحدة).
بحلول العام 1960، ومع تبنّي "إعلان منح الاستقلال للشعوب المستعمرة" في قرار مجلس الأمن رقم 1514، رُفِعَ هذا المبدأ إلى مرتبة الحقّ غير المشروط للشعوب الخاضعة "للسيطرة الأجنبيّة أو الكولونيّاليّة أو القمعيّة،" وتمّت المطالبةُ بـ "إنهاءٍ سريع، وغيرِ مشروط، للكولونياليّة بكلّ تجلِّياتها." وفي العقود اللاحقة اتّسع حقُّ تقرير المصير في المجال والتطبيق، فبات يَشْمل الشعوبَ الأصليّةَ التي تعاني تبعاتِ الحكم الكولونياليّ السابق، والشعوبَ التي لم تحظَ بالتمثيل، والأقليّاتِ القوميّةَ التي تقمعها أكثرياتٌ قوميّةٌ ضمن حدود دولةٍ ما. وفي 22/11/1974، رَفَع قرارُ مجلس الأمن رقم 3236 تطبيقَ حقّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره إلى مرتبة الحقّ "غير القابل للتصرّف،" من دون تدخُّلٍ خارجيّ، فضلاً عن حقِّه في الاستقلال والسيادة الوطنيّيْن، وعودةِ اللاجئين الفلسطينيِّين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هُجِّروا منها؛ كما يشدّد القرارُ على أنّ الاحترامَ الكاملَ لهذه الحقوق غيرِ القابلة للتصرُّف أمرٌ لا غنى عنه لحلّ المسألة الفلسطينيّة.

التوفيق بين حقّ الفلسطينيِّين غير القابل للتصرُّف وحقوق اليهود ــ الإسرائيليِّين الفرديّة والجماعيّة
ثمّة أمورٌ مهمّةٌ أخرى تتعلّق بالحقوق، وينبغي فحصُها عند رفع شعار "الدولة الديموقراطيّة في فلسطين التاريخيّة."
(1) المواطنة المتساوية والديموقراطيّة. وهذه تَحُولُ دون أن يُعطى أيُّ مواطنٍ منزلةً متميِّزةً بسبب هويّتِه الإثنيّة أو الدينيّة أو غير ذلك، طبعًا بعد تحقيق المتطلِّبات الأوَّليّة للعدالة وتعويض الفلسطينيين المقتلعين من ديارهم وأرضهم. وينبغي أن تشمل هذه المواطَنة كلَّ الفلسطينيِّين داخل فلسطين التاريخيّة، وفي المنافي، وفي مخيّمات اللجوء؛ كما تَشْمل أيضًا كلَّ اليهود الإسرائيليِّين الحاليِّين. (2) حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيِّين وتعويضهم من خَسائرهم. ولكنْ كيف يُمْكن تطبيقُ التعويض واستعادةُ الممتلكات في الدولة الديموقراطيّة؟ وماذا ينبغي عملُه حيال المستعمرات اليهوديّة ــ الإسرائيليّة، أو المستوطنات المنتشرة على أراضٍ فلسطينيّة (وأنا هنا لا أميّز بين المستعمَرات المقامة على أراضي 48، أو 67، أو البيوت التي صودرتْ بشكلٍ غير شرعيّ أثناء النكبة ومنذ ذلك اليوم)؟
إنّ الحُكْم العامّ، بموجب القانون الدوليّ، يفيد بحقّ كلّ لاجئٍ فلسطينيّ في العودة إلى بيته الأصليّ وأرضه الأصليّة، وبأن يتلقّى التعويضات كاملةً وبأثرٍ رجعيّ (retroactive) . وعلى هذا أن يتمّ من دون إلحاق أيّ معاناة غير ضروريّة أو غير متناسبة باليهود في فلسطين. إذًا، هناك حاجةٌ للتمييز بين نوعَيْن من الأملاك المسلوبة: (أ) ملْك خاصّ أو ملْك جماعيّ؛ و(ب) ملْك حُدّد بأنّه للدولة قبل حصول النكبة. في الحالة الأولى على الملْك الخاصّ أو الجماعيّ، بموجب القانون الدوليّ، أن يُعادَ إلى مالكيه الشرعيِّين الفلسطينيِّين. فإذا كان متوقّعًا أن يُلْحق ذلك ضررًا غيرَ عادلٍ أو غيرَ متناسب (disproportionate) بعددٍ كبيرٍ من المواطنين الذين يسكنون حاليّاً في هذا الملْك، فإنه ينبغي في هذه الحال تطويرُ معاييرَ منْصفةٍ، مستوحاةٍ من المعايير التي تمّ تبنِّيها في البوسنة وأماكن أخرى، من أجل تحديد ما يُعتبر غير عادل في حجم الضرر وعددِ المتضرّرين، وبالتالي البتّ في ضرورة تقديمِ تعويض إلى المالكين الأصليِّين على شكل أملاكٍ ذاتِ قيمةٍ شبيهة وموقعٍ شبيهٍ بما خَسِروه.
أما في الحالة الثانية، أيْ في حالة الأملاك التي كانت الدولةُ تَمْلكها قبل النكبة، فمن الممكن أن تبقى المباني والهياكلُ الحاليّةُ على حالها، شرطَ أن يستفيد منها كلُّ مواطني الدولة الديموقراطيّة العتيدة من دون تمييز.
(3) اليهود في فلسطين الديموقراطيّة. والسؤال هنا: هل تطوّرتْ فعلاً، على امتداد العقود الستّة الأخيرة، "هويّةٌ قوميّةٌ يهوديّةٌ ــ إسرائيليّةٌ"؟ إذا كان الجوابُ نعم، فمَنْ تَشْمل هذه الهويّة؟ لكنْ، وبصرف النظر عن ذلك، نسأل: هل اليهود الإسرائيليّون، كفئةٍ منفصلة، يَمْلكون حقَّ تقرير المصير في فلسطين؟
(أ) يزعم بعضُ الباحثين، وبخاصّةٍ الإيديولوجيون الصهاينة والمتأثِّرون بالمزاعم الصهيونيّة، حقَّ اليهود (الكامنَ أو المكتَسَبَ) في تقرير مصيرهم في فلسطين، بوصفه حقّاً يعادل ــ بل يوازي أخلاقيًّا ــ حقَّ الفلسطينيِّين في ذلك. غير أنّ هؤلاء الباحثين يَطْمسون الفوارقَ المهمّةَ بين حقوق الشعب الأصليّ غير القابلة للتصرّف وحقوقِ المستوطنين ــ الكولونياليِّين المكتسَبة. فالواقع أنْ لا مساواةٌ أخلاقيّة ولا تماثلٌ قانونيّ بين الفئتيْن، بل لم يوجدا في أيَّة حالة استعمارٍ استيطانيّ عبر التاريخ الحديث. إنَّ حقّ تقرير المصير، بحسب الأمم المتّحدة، لم يُقْصدْ أن يكون أداةً لإدامة الامتيازات الكولونياليّة أو لتوطيد الأنظمة العنصريّة؛ فبعد أكثر من 300 عام من سيطرة الاستعمار ــ الاستيطانيّ الأوروبيّ في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، لم يقدِّم المستوطنون حجّةً معقولة إزاء حقِّهم في تقرير مصيرهم بوصفهم شعبًا منفصلاً.
(ب) في العام 1998، أعاد مؤتمرٌ عقدتْه اليونسكو (UNESCO) في برشلونة،5 لخبراء في تطبيق حقّ تقرير المصير، التشديدَ على أنّ هذا الحقّ ينطبق على كلّ الشعوب بموجب القانون الدوليّ المعاصر. لكنّ المؤتمر أكّد انطباقَ ذلك الحقّ بشكلٍ خاصّ على "الشعوب الخاضعة التي تعاني أنظمةً كولونياليّةً وعنصريّةً واحتلاليّةً، وعلى سكّان دولٍ بأجمعهم لجهة حقِّهم في تقرير وضعهم السياسيّ ونموّهم الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وعلى مجموعاتٍ ضمن سكّان الدول ــ أصليّةً أو غيرَ ذلك ــ تُعتبر 'شعوبًا' وتعاني أشكالاً حاليّةً من الكولونياليّة، كالاستعمار ــ الاستيطانيّ..."6 بكلماتٍ أخرى، فإنّ حقّ تقرير المصير، بحسب ذلك المؤتمر، إنّما هو أداةٌ لتمكين السلام العادل، ولإنهاء الاضطهاد، لا لتحصينه. ويتحقّق تقريرُ المصير "من خلال عمليّاتٍ ديموقراطيّةٍ تشاركيّةٍ كاملةٍ لدى الشعوب الساعية إلى تحقيق تقرير المصير، بما في ذلك عمليةُ الاستفتاءات (referenda) حيث تكون ملائمةً... ثمّة ضرورةٌ لمنع كلّ الأفعال التي يقوم بها أيٌّ من اللاعبين المعنيّين ــ ويَشْملون الحكوماتِ، والمنظّماتِ الدوليّةَ وغيرَها، والأفرادَ والشركاتِ ــ والتي قد تؤدِّي إلى الحرمان من ممارسة حقّ تقرير المصير، مثل الاعتداء أو التلاعب الديموغرافيّ، والصَّهْرِ الثقافيّ، وتدميرِ البيئة الطبيعيّة اللازمة لبقاء الشعوب على قيد الحياة."
يحظى إجراءُ الاستفتاء بقبولٍ واسعٍ بوصفه ممارسةً لحقّ تقرير المصير. إلاّ أنّ الأزمات قد تنشأ في المناطق التي يتشارك فيها الراغبون في ممارسة تقرير المصير مع شعوبٍ ومجموعاتٍ أخرى. ولقد شَعَر عددٌ كبير من الخبراء، في مؤتمر اليونسكو ذاك، أنّه حين تكون تلك الشعوبُ والمجموعاتُ من صفوف المستوطنين تحديدًا، فإنّه "لا ينبغي أن تَحقَّ لها المشاركةُ في استفتاءاتٍ كهذه." ويضيف أحدُ تقارير المؤتمر أنّ هذا الوضع "صحيحٌ بشكلٍ خاصّ حين يكون المستوطنون قد نُقِلوا إلى مناطقَ تابعةٍ للشعوب الأصليّة، أو شُجّعوا على ذلك، بموجب برنامجٍ حكوميّ يَهْدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافيّة للمنطقة المعنيّة. إنّ ممارساتٍ كهذه، مكشوفةً أو خفيّةً، طالما أدّت إلى أن تُختَزَل شعوبٌ كثيرةٌ إلى محض أقليّةٍ عدديّةٍ في أوطانها ذاتها." وقد جرى التعبيرُ عن هذا الوضع في استفتاءٍ دعمتْه الأممُ المتّحدةُ في الصحراء الغربيّة عام 1975. فالأمم المتّحدة، في سابقةٍ مهمّةٍ، "قرَّرتْ أنّ الأشخاص الذين رُحِّلوا إلى المنطقة، أو شُجِّعوا على الانتقال إلى هناك من طرف الحكومة المغربيّة منذ العام 1975، لا يَمْلكون حقَّ التصويت في الاستفتاء."
(ج) إذا وَضَعْنا الاستعمار الاستيطانيّ جانبًا، فهل يشكِّل اليهودُ الإسرائيليّون شعبًا، بمعنى تمتّعهم بحقّ تقرير المصير؟ إنّ "تعريفَ كيربي" (Kirby definition)، الذي تبنّاه مؤتمرٌ عالميٌّ للخبراء عقدتْه اليونسكو عامَ 1989،7 حول "تطبيق حقّ تقرير المصير إسهامًا في منع الأزمات،" قد يوحي بالإيجاب. فهو يعرِّف شعبًا ما بأنّه "مجموعةُ أفرادٍ يتمتّعون ببعض السِمات المشتركة التالية أو بجميعها: التاريخ، الهويَّة الإثنيّة، الثقافة، اللغة، الاتّصال الجغرافيّ، إلخ."
غير أنّ خبراء اليونسكو يؤكِّدون أنّ "على المجموعة، ككلّ، أن تمتلك إرادةَ تعريف نفسها كشعبٍ، أو الوعيَ بأنّها شعب،" لكون ذلك عنصرًا ذاتيّاً أساسيّاً تشترطه تعريفاتٌ قانونيّةٌ أخرى للشعوب. والحال أنّ هذا العنصر الذاتيّ يُعتبر شرطًا ضروريّاً لا ينطبق على حالة اليهود الإسرائيليّين؛ فهم لا يُقرّون، في معظمهم، إلاّ بـ "أمّةٍ يهوديّةٍ" لا إسرائيليّة، بل ولا يهوديّة ــ إسرائيليّة. كما أنّ المحكمة العليا الإسرائيليّة تَرفض أن تعترف بالجنسيّة الإسرائيليّة. ثمّ إنّ "الجنسية" اليهوديّة (Jewish nationality)، كما ينصّ على ذلك "قانونُ العودة" الإسرائيليّ الصهيونيّ، توليفةٌ تتخطّى الحدودَ الجغرافيّة لتشمل اليهودَ في كافّة أرجاء العالم، بما يخالف المعاييرَ القانونيّةَ الدوليّةَ العامّة المتعلّقة بموضوع الجنسية.8
(د) إنّ إنشاء دولة إسرائيل قد تمّ بتدمير المجتمع الفلسطينيّ، وتهجير غالبيّة الشعب الفلسطينيّ قسرًا، وهو ما اعتبره القادةُ الصهاينةُ شرطًا لازمًا لقيام دولةٍ ذاتِ غالبيّةٍ يهوديّة. وهذا الإنشاء، فضلاً عن كونه جريمةَ حربٍ وانتهاكًا لحقّ الشعب الفلسطينيّ الأصليّ في تقرير مصيره، لا يمْكن أن يؤدِّي إلى تمتّع المستوطنين اليهود الإسرائيليِّين (وهم الذين يشكِّلون حاليّاً غالبيّةَ سكّان الدولة) بحقّ تقرير المصير على أرض فلسطين التاريخيّة. ويأتي ذلك انسجامًا مع المبدإ القانونيّ الدوليّ العامّ "ex injuria non oritur ius"، ومعناه: لا حقّ يمْكن أن يَنْجم عن الظلم أو ارتكاب الخطإ.
(هـ) ولكنْ، لو تجاهلْنا جدلاً ما أوردناه أعلاه، فهل يحقّ لليهود الإسرائيليِّين، كمجموعة، تقريرُ مصيرهم في فلسطين؟ إنّ حقّ تقرير المصير، علاوةً على عواملَ أخلاقيّةٍ وقانونيّة، يتضمّن في إحدى حالاته القصوى حقَّ الانفصال في دولةٍ مستقلّة؛ وهذا ما لا يُمْكن أن ينطبق على المستوطنين الكولونياليِّين لأنّ ذلك سينتهك في حدّ ذاته حقَّ الشعب الأصليّ في تقرير مصيره.
بيْد أنّ حقّ تقرير المصير يمْكن أن يمارَسَ من خلال احتمالاتٍ متعدّدة. ففي نهاية المطاف تنصّ الموادُّ الدوليّة، ولاسيّما "إعلانُ مبادئ القانون الدوليّ بخصوص العلاقات الودّيّة والتعاون بين الدول،" على أنّ أشكالَ تطبيق حقّ تقرير المصير لا تقتصر على حقّ الانفصال. فها إنّ الإعلان المذكور يقول: "إنّ إنشاءَ دولةٍ سيّدةٍ ومستقلّةٍ، أو الارتباطَ أو الاندماجَ الحرَّ بدولةٍ مستقلّة، أو الانبثاقَ من داخل أيّ كيانٍ سياسيّ آخر بطريقةٍ حرّةٍ يقرِّرها الشعبُ [نفسُه]، تشكِّل جميعُها أنماطًا من تطبيق حقّ تقرير ذلك الشعب لمصيره..."
وعلى الرغم من عدم وجود تمييزٍ مقبولٍ عالميّاً بين تقرير المصير "داخليّاً" و"خارجيّاً،" فقد يكون مفيدًا البحثُ عن الفروق بين هذين الشكليْن في سياق الصراع الكولونياليّ في فلسطين. ذلك أنّ تقرير المصير داخليّاً يستلزم، إلى حدٍّ كبير، الديموقراطيّةَ التشاركيَّةَ، أيْ حقَّ مجموع سكّان دولةٍ ما في تقرير شكل الحكم وانتخاب الحكّام، وحقَّ أيّ مجموعةٍ سكّانيّةٍ داخل هذه الدولة في المشاركة في صناعة القرار على مستوى الدولة. وقد يعني حقَّ ممارسة الاستقلال الذاتيّ الثقافيّ أو اللغويّ أو الدينيّ أو السياسيّ (الجغرافيّ) ضمن حدود الدولة القائمة.
أما تقريرُ المصير خارجيّاً (وهو ما يصفه البعضُ بأنّه تقريرُ المصير "بصورة كاملة")، فيعني "حقّ شعبٍ ما في تقرير المنزلة السياسيّة وموقعِه في المجتمع الدوليّ نسبةً إلى الدول الأخرى، بما في ذلك حقُّ الانفصال عن دولةٍ قائمةٍ كانت المجموعةُ المعنيّةُ جزءًا منها، وحقُّ بناء دولةٍ جديدةٍ مستقلّة،" وذلك حسب فان پراغ (Van Praag).
وفي كلّ الأحوال، ولمّا كان الخيارُ هو خيارَ الشعب الذي يَمْلك حقّ تقرير المصير، فإنّ المرء لا يستطيع أن يوافق على حقّ جماعةٍ في تقرير مصيرها وأن يُقيِّد ــ في الوقت نفسه ــ ذلك الحقّ، بحيث يَستبعد منه إمكانيّةَ الانفصال عبر إنشاء دولة مستقلّة. ولو نحَّيْنا جانبًا الحلّ المتطرِّفَ المتمثِّلَ في الانفصال، فإنّ أيّ ممارسةٍ لتقرير المصير من طرف اليهود الإسرائيليِّين كمجموعةٍ منفصلةٍ في أيّ جزءٍ من فلسطين التاريخيّة، وبشكلٍ يستثني الفلسطينيِّين (مواطنين أمْ لاجئين)، لا يُمْكن أن تكون شرعيةً لأنّها تنتهك حقّ ذلك الجزء من الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره (وهو حقٌّ غيرُ قابلٍ للتصرُّف كما ذكرنا). ثم إنّ تلك الممارسة لا يُمْكن أن تكون أخلاقيّةً لأنّها سَتْحرم أولئك الفلسطينيِّين حقوقَهم الأساسيّة، بما فيها حقُّهم في المساواة، وهو أهمُّ الحقوق بحسب شرعة الأمم المتّحدة واتفاقيّات حقوق الإنسان.
(4) "قانونُ العودة" الصهيونيّ وحقوقُ اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربيّة وغيرِها من الدول. إنّ "قانون العودة،" الذي يجيز لأيّ يهوديّ "العودةَ" إلى "أرض الميعاد،" قانونٌ عنصريٌّ بشكلٍ صارخ، وهو مخالفٌ للقانون الدوليّ. وعليه، فإنّه يتعيّن إلغاؤه مع كافة القوانين التمييزيّة الأخرى لدى إنشاء الدولة الديموقراطيّة العتيدة.
أما بالنسبة إلى اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربيّة، فإنّه يحقّ لهم، بموجب القانون الدوليّ، الحصولُ على الحقوق التي يَمْلكها اللاجئون في أيّ مكانٍ آخر، بما في ذلك اللاجئون الفلسطينيّون؛ وأعني حقَّ العودة إلى الأراضي التي هجروا منها أو نزحوا عنها، وحقَّ التعويضِ واستعادة الممتلكات (repatriation & reparation).
(5) الخصوصيّات الإثنيّة والثقافيّة للفلسطينيِّين العرب واليهود الإسرائيليِّين. على أيّ تجمّعٍ أو قانونٍ أن يغذّي الخصوصيّاتِ الثقافيّةَ والهويّاتيّة، لا أن يكتفيا بتحمُّلها على مضض. ولقد كانت فلسطينُ، طوال قرون، أرضًا خصبةً للقاء حضاراتٍ وثقافاتٍ متنوِّعة، معزِّزةً بذلك التواصلَ والحوارَ والمثاقفةَ في ما بينها. واليوم ينبغي إحياءُ هذا الإرث، الذي يكاد أن يُنسى تحت وطأة الهيمنة الثقافيّة الصهيونيّة الكولونياليّة، وينبغي إنعاشُه والاحتفاءُ به، بصرف النظر عن أيّ خلل في ميزان قوى الدولة العتيدة. وعلينا ألاّ ننسى، بالمناسبة، أنّ الجذور الثقافيّة لنصف السكّان اليهود الإسرائيليِّين، وأعني اليهودَ المزراحيِّين أو الشرقيين، تَضْرب عميقًا في الحضارة العربيّة وحضاراتِ المنطقة المسمّاة "الشرق الأوسط."
لعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يستدعيه طرحُ "الدولة الديموقراطيّة العلمانية الواحدة" يتعلّق بإمكانيّة تحقيق هذه الرؤية وكيفيّة ذلك. ويبدو أنّ كثيرًا من المعلّقين والمحلِّلين يَهْجسون بسؤالٍ واحدٍ في هذا المضمار: كيف يُمْكن إقناعُ الإسرائيليِّين بقبول هذه الرؤية؟

الوسيلة: المقاومة، والتضامن الفعّال
ثمّة مشكلةٌ أساسيّةٌ في فرضيّة السؤال السابق: إذ هل يُمْكن، بل هل يجب، إقناعُ مجتمعٍ كولونياليّ استيطانيّ بالتخلِّي عن هيمنته العنصريّة وامتيازاته الكولونياليّة؟ الحقّ أنّ الشعوب الخاضعة للاستعمار، عبر التاريخ الكولونياليّ بأسره، لم تستطعْ أن تُنهي اضطهادَها إلاّ بمقاومةٍ مثابرةٍ وفعّالةٍ، مسلَّحةٍ أو مدنيّةٍ أو بالشكليْن معًا، لا عبر التسوّل والتملّق والإقناع عن طريق "الحوار." ثمَّ إنَّه لا حوار أو مصالحة حقيقيَّيْن إلاّ بعد الوصول إلى أرضيّةٍ مشتركةٍ تستند إلى العدالة والمساواة وحقوقِ الإنسان الكونية والقانون الدوليّ؛ وتجربةُ جنوب أفريقيا مصدرٌ إلهامٍ مهمٌّ في هذا الصدد.
إنّ المصالحة الأخلاقيّة بين المجتمعات المتصارعة مستحيلةٌ ما بقي جوهرُ علاقة الاضطهاد بينها على حاله؛ ذلك أنّ الهويّات المتناقضة بين المضطهِد والمضطهَد لا يُمْكن أن تجدَ حلاً وسطًا ولا أرضيّةً أخلاقيّةً مشتركة. ولا يُمْكن بلوغُ التعايش والمصالحة إلاّ عبر "الإزالة الأخلاقيّة" للاستعمار والاضطهاد برمّتهما.
ما هو شكلُ المقاومة الذي نحتاجه، إذًا، للدنوّ من تحقيق الدولة الديموقراطيّة العلمانيّة؟ أعتقد أنّ هناك ثلاثَ ركائز أساسيّة يتوجّب أن تستند إليها أيُّ حركةٍ يقودها الفلسطينيّون لتحقيق هذه الدولة:
(1) الركيزة الفلسطينيّة: على الأداة الرئيسة التي تسير بعمليّة بناء الدولة المنشودة قُدُمًا أن تكون حركةً فلسطينيّةً موحّدةً، ثوريّةً، تمثِّل الفلسطينيِّين في كلّ مكان، وتضمّ جميعَ الأحزابَ السياسيّة والمنظّمات والمؤسّسات والاتحادات الشعبيّة، وتتبنّى رؤيةَ الدولة الديموقراطيّة، وتقود المقاومة ــ بكلّ أشكالها ــ بهدف تحقيقها. إنّ حركةً تقدُّميّةً فلسطينيّةً تعتنق المساواةَ والمبادئَ الأخلاقيّة الكونيّة والقانونَ الدوليّ لهي أكثرُ ضرورةً اليوم من أيّ وقتٍ مضى، ولاسيّما بسبب تصاعد خيبة الأمل إزاء "حلّ الدولتيْن" في أوساط الفلسطينيِّين بأقسامهم الثلاثة (اللاجئون، القابعون في المناطقِ المحتلّة عام 67، وفلسطينيو 48).
إنّ مؤسّسات وتحالفات حقّّ العودة، التي تمثِّل أكبرَ فئةٍ من الشعب الفلسطينيّ، أي اللاجئين، كانت وتبقى أكبرَ المتحمِّسين لهذا الحلّ، لإدراكها أنّ حقّ العودة و"حلّ الدولتيْن" لا يمكن التوفيقُ بينهما. كما أنّ معظمَ المواطنين الفلسطينيِّين من حَمَلة الجنسيّة الإسرائيليّة قد تبنّوْا ــ من خلال وثائق تاريخيّة ثلاث9 أصدرتْها مؤسّساتٌ رائدةٌ وزعماءُ سياسيّون ومثقّفون ــ شعارَ "دولة لكلّ مواطنيها" الذي يَدْعم رؤيةَ الدولة الواحدة ومبادئها، كما شدّدوا على حقّ العودة. ثم إنّ استفتاءاتٍ حديثةً10 تَكْشف أنّ الفلسطينيِّين في أراضي الـ 67 يعبِّرون، هم أنفُسهم، عن دعمٍ متصاعدٍ ثابتٍ لخيار الدولة الواحدة، على الرغم من أنَّ أيًّا من الأحزاب السياسيّةَ لا يُطالب بها.
إنّ إعادة تقويمٍ شاملةً ونقديّةً لمجمل إستراتيجيّة المقاومة الفلسطينيّة تشكّل حاجةً ملحّةً لتعبئة الفلسطينيِّين تعبئةً خلاّقةً في أيّ قطاعٍ أو موقعٍ جغرافيّ من مواقع النضال. ولهذا فإنّ الأولويّة القصوى هي للترويج للمقاومة الشعبيّة والمدنيّة، كما في "حملة مقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها" (م.س.ع).11
وفي هذا المجال تنبغي إعادةُ هيكلة منظّمة التحرير الفلسطينيّة (م.ت.ف) من الأسفل إلى الأعلى، عبر المشاركة الجماهيريّة الواسعة، وبخاصّةٍ من خلال الاتحادات ذاتِ القاعدة الشعبيّة؛ بحيث تَحْكمها علاقاتٌ ديموقراطيّةٌ بلا أيّة قيود، وتتبنّى مبدأ التمثيل النسبيّ. ولمّا كان شعارُ "الدولة الواحدة" ما يزال اليومَ هدفًا بعيدَ المنال، فإنّ على الشعب الفلسطينيّ في كلّ مكان أن يأخذ زمامَ المبادرة، ويستعيد م.ت.ف، فينتخب قياداتٍ محلّيّةً في المنظّمات والاتّحادات تمثِّل النساءَ الفلسطينيّات والطلاّبَ والأساتذةَ والعمّالَ والمثقَّفين الفلسطينيِّين وغيرَ هؤلاء، من دون انتظار التعليمات أو الضوء الأخضر من "فوق." وعندها سيكون في مقدور هذه الحركات الشعبيّة ترسيخُ تأثيرها بوصفها ممثِّلةً لقطاعاتٍ واسعة، وأن تلعبَ دورًا أساسًا في إعادة بناء هياكل قيادة م.ت.ف بشكلٍ ديمقراطيّ حقيقيّ.
وفي هذا السياق، يُعتبر قادةُ فلسطينيي 48 نماذجَ مُلْهِمةً فعلاً. فبعد أنِ استُبعد فلسطينيّو 48 من قِبل إسرائيل وقيادةِ م.ت.ف، طوال عقديْن كامليْن، من تعريف "الشعب الفلسطينيّ،" ها هم يؤكِّدون من جديد أنّهم جزءٌ لا يتجزّأ من الشعب الفلسطينيّ، وأنّ لهم الحقَّ في أن يشاركوا في ممارسة الشعب الفلسطينيّ لحقّه في تقرير المصير. الجدير ذكرُه أنّ فلسطينيِّي 48 نَظّموا، أثناء العدوان الإسرائيليّ الإجراميّ على غزّة في كانون الأول 2008 ــ كانون الثاني 2009، واحدة من أضخَم التظاهرات في التاريخ الفلسطينيّ: فقد حشدتْ تظاهرتُهم ما يقارب 150 ألف متظاهر، أيْ أكثر من 10% من مجموع فلسطينيِّي 48، في مواجهة جرائم حرب إسرائيل.
(2) الركيزة العربيّة: إنّ أيّة قراءةٍ دقيقةٍ ومتعمّقةٍ لتاريخ المنطقة العربيّة تؤكّد لنا أنّ التحوُّلات لا يُمْكن أن تَحْصل في جزءٍ ما من دون أن تَنْضجَ الظروفُ المناسبةُ في السياق المحيط به. والحقّ أنّ كون الفلسطينيِّين جزءًا من الأمّة العربيّة، بما لها من أهميّةٍ جيوإستراتيجيّةٍ كبرى، هو واحدٌ من العوامل الأساسيّة التي جَنَّبت الفلسطينيِّين الكأسَ المرّةَ التي تجرّعتها الشعوبُ الأصليّةُ في أمريكا وأستراليا. وعلى الرُّغم من أنّ معظمَ الأنظمة العربيّة اليوم أنظمةٌ استبداديّةٌ، طغيانيّة، لا تمثِّل شعوبَها، وتعتمد في بقائها على الحماية الغربيّة إلى حدٍّ كبير، فإنّ الجماهير العربيّة أكثرُ وعيًا والتزامًا بالنضال الفلسطينيّ من أيّ وقتٍ مضى؛ وهذا ما يَظْهر جليّاً في تدفُّق الدعم الشعبيّ العربيّ ــ العاطفيّ في معظمه حتى الآن، للأسف ــ للفلسطينيِّين أثناء العدوان الإسرائيليّ الأخير على غزّة.
لطالما اعتُبر العاملُ الفلسطينيُّ عاملاً "داخليّاً" لا في البلدان المحيطة بفلسطين فحسب، بل كذلك في دولٍ بعيدةٍ عنها كالمغرب واليمن والإمارات العربيّة المتّحدة. ومن هنا فإنّ ظهور قيادةٍ فلسطينيّةٍ تدعو إلى حلٍّ قائمٍ على دولةٍ ديموقراطيّةٍ علمانيّةٍ واحدةٍ سيكون قادرًا على تعبئة دعمٍ شعبيّ عربيّ أوسع، بحيث يصبح في نهاية المطاف قوّةً سياسيّةً يُعتدُّ بها. والحال أنّ مقاطعة إسرائيل ومقاطعة الشركات المساهِمة في استمرار الاضطهاد الإسرائيليّ تنتشر في أماكن عدّة من العالم العربيّ، وإنْ من غير قيادةٍ منظّمةٍ في الأغلب. كما أنّ ما يسمّى "عائدات السلام،" التي عَوّلتْ إسرائيلُ عليها منذ أوسلو، من دون أن تتنازلَ عن أيّ أرضٍ أو عن أيّ حق للفلسطينيِّين في العودة، يزداد تلاشيًا. ثم إنّ الأمّة العربيّة عادت تنظر إلى إسرائيل بوصفها عدوّاً استراتيجيّاً وكيانًا مصطنعًا عدوانيّاً في ذاته، لا يُمْكن التسامحُ أو التطبيعُ مع وجوده العنصريّ ولا مع كونه رأسَ حربةٍ للإمبرياليّة.
(3) الركيزة الدوليّة: إنّ النضال من أجل الحقوق الفلسطينيّة لا بدّ أن يرتبط بالحركات الاجتماعيّة الدوليّة، وبالنقابات والمنظّمات الإيمانيّة والمجموعات الثقافيّة والأكاديميّة وغيرِها من هيئات المجتمع المدنيّ الدوليّ، كما كان شأنُ النضال ضدّ الأپارتهايد في جنوب أفريقيا. ولئن كانت مجموعاتُ التضامن المدنيّة الدوليّة، الملتزمة بخط "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرضِ العقوبات على إسرائيل" (م.س.ع أو BDS) بهدف عزلها، قد ظهرتْ بعد المؤتمر الدوليّ ضدّ العنصريّة الذي عقدتْه الأممُ المتحدة في دوربان عام 2001، فإنّها اليوم، بعد أربع سنوات من إطلاق المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ نداءَه، تتصرَّف كحركةٍ عالميّةٍ واسعة، تسترشد بالنداء الفلسطينيّ المذكور. وهي، اليوم، تَضْرب بجذورها في بلدانٍ عدّة: من جنوب أفريقيا إلى السويد والنروج، ومن أستراليا إلى كندا، ومن بريطانيا إلى فنزويلا.
والحال أنّ هذه الحركة المتنوِّعة المعادية للعنصريّة تهتدي بمبادئ الإشراك [لا الاستبعاد]، والتدرُّج، والاستدامة، والحساسيّة للسياق والظرف الخاصّ بكلّ موقع، وأولويّة القانون الدوليّ وحقوق الإنسان الكونيّة. وعلى الرغم من أنّ الغرب ــ بسبب قوّته السياسيّة والاقتصاديّة الكاسحة وتواطئه في إدامة الهيمنة الكولونياليّة والعنصرية الإسرائيليّة ــ يبقى هو الحلبةَ الرئيسةَ للمقاومة المدنيّة ضدّ إسرائيل، فإنّه ينبغي عدمُ تجاهل بقيّة أنحاء العالم. فعلى حركة المقاطعة أن تَبْلغَ الصينَ والهندَ وماليزيا والبرازيلَ وروسيا وغيرَها من البلدان الساعية إلى تحدِّي احتكار الغرب للسلطة. والحقّ أنّ النفوذ الصهيونيّ في هذه البلدان أضعفُ بكثيرٍ من نفوذه في الغرب؛ بل إنّ المجتمعَ المدنيّ في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، هو اليوم أكبرُ داعمٍ للنضال الفلسطينيّ من أجل م.س.ع.
ولكنْ هل بمقدور المقاطعة أن تغيِّر أيّ شيءٍ على أرض الواقع، على الرغم من النفوذ الإسرائيليّ الهائل على الكونغرس والبيت الأبيض، وعلى الاتّحاد الأوروبيّ بالتالي؟ لقد أثبتتْ حملةُ م.س.ع، الفلسطينيَّةُ المنشإ والقيادة، والتي تستلهم نموذجَ النضال المعادي للأپارتهايد في جنوب أفريقيا، أنّها تمتلك، رغم فتوّتها، إستراتيجيّةً للمقاومة أخلاقيّةً وفعّالةً وقابلةً للاستمرار. ولقد تجاوبتْ عدّةُ مجموعاتٍ واتّحاداتٍ ومؤسّساتٍ نافذةٍ وسائدةٍ مع نداء المقاطعة الفلسطينيّ في الأعوام القليلة الماضية، وبدأتْ تفكِّر في تطبيق أشكالٍ مختلفةٍ من الضغط الفعّال على إسرائيل، بل بعضُها طبّق ذلك فعلاً.
لقد كان إرهابُ دولة إسرائيل في غزّة، والذي تمّ بدعمٍ غيرِ محدود من الولايات المتحدة والحكومات الغربيّة عامّةً، محفّزًا أساسيّاً في نشر م.س.ع. وتعميقِها في كافة أرجاء العالم، الأمرُ الذي دَفَعَ بأنصار حقوق الفلسطينيِّين إلى الشعور بأنّ "لحظتنا الجنوبأفريقيّة" قد حانت أخيرًا. واليوم تُعتبر إسرائيل في أوساطٍ واسعةٍ على مستوى المجتمع المدنيّ الدوليّ، كائنًا منبوذًا، مُجْرِمًا، ينتهك القانونَ الدوليّ بحصانةٍ غربيّة، ولذا تنبغي محاسبتُه أمام القانون الدوليّ والمبادئ الأساسيّة لحقوق الإنسان.
مع كلّ إنجازٍ تسطّره حركةُ المقاطعة عالميّاً يغدو الطريقُ إلى الدولة الديموقراطيّة الواحدة في فلسطين التاريخيّة أقصَر. فعلى الرُّغم من أنّ الحركة لم تَنْحَزْ إلى أيّ طرفٍ في السجال الدائر حول الدولة الواحدة/أو الدولتيْن، فإنّ الحلَّ الوحيدَ الذي يَنْسجم مع كونها حركةَ حقوق، والذي يستطيع منطقيّاً أن يلبّي الحقوقَ الأساسيّةَ الثلاثةَ الواردةَ في نداء م.س.ع، إنَّما هو الحلُّ القائمُ على دولةٍ ديموقراطيّةٍ واحدة. كما أنّ انتشار رسالةِ م.س.ع الآسرة حول العالم يُلْهم قطاعاتٍ جديدةً من المجتمع الدوليّ للانخراط في النضال من أجل حقوق الفلسطينيِّين: فهي رسالةٌ تَشْحذ الوعيَ بنظام القمع الإسرائيليّ المثلّث للشعب الفلسطينيّ (في مناطق 67 و48 والمَنافي)، وتُقنع كثيرين ــ دونما قصدٍ أحيانًا ــ بأنّ الدولة الديموقراطيّة الموحّدة هي وحدَها الجديرةُ بأن يُناضِلوا من أجلها.
إنّ نموذج الدولة الديموقراطيّة العلمانيّة على كامل فلسطين التاريخيّة، إذ يتناول المستلزماتِ الأساسيّةَ للعدالة، هو الأكثرُ قدرةً على بناء سلامٍ عادلٍ ودائمٍ، مرتكزٍ إلى القانون الدوليّ والحقوق الإنسانيّة الكونيّة، وإلى التعايش الأخلاقيّ بين مكوِّنات فلسطين التاريخيّة. ولقد سبق أنْ ذكرنا أنّ مثل هذه العمليّة تحتاج إلى مقاومةٍ شعبيّةٍ فلسطينيّةٍ ديموقراطيّة، وذاتِ عزيمةٍ متجدِّدة، وذاتِ رؤية واضحة إلى بناء مجتمع عادل وتشاركيّ. كما تحتاج إلى دعمٍ دوليّ للحقوق الفلسطينيّة ولإنهاء كلّ أشكال الأپارتهايد الصهيونيّ والحكم الكولونياليّ، وذلك أساسًا من خلال حملات المقاطعة.
إنّ الدولة العلمانيّة الديموقراطيّة، بتشديدها على المساواة في إنسانيّة البشر مبدأً أساسًا وأوّل، تَعِدُ بتجاوز الثنائيّات القوميّة والإثنيّة التي تكاد تَجعل من سابع المستحيلات تصوُّرَ بلوغ أيِّ حلٍّ عادلٍ لأكثر أبعاد المسألة الفلسطينيّة تعقيدًا.

فلسطين

عمر البرغوثي: باحث فلسطينيّ مستقلّ وأحد مؤسّسي حملة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (م.س.ع).

  1. 1. هذا المقال مبنيّ على محاضرة قدمها الكاتب في مؤتمر حول الحلول والرؤى المستقبليّة المختلفة للصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ (Israel/Palestine: Mapping Models of Statehood and Paths to Peace)، أقيم بجامعة يورك في تورنتو، كندا، من 22 – 24 حزيران 2009.
  2. 2. Paulo Freire, Pedagogy of the Oppressed (New York: Continuum Books), 1993
  3. 3. التقارير السنويّة نفسُها حول "حقوق الإنسان" في العالم، الصادرة عن وزارة الخارجيّة الأمريكيّة، تدين "التمييزَ [الإسرائيليّ] المؤسّسيّ والقانونيّ والاجتماعيّ" ضدّ الفسطينيين من حمَلة الجنسيّة الإسرائيليّة. راجعْ، على سبيل المثال، تقرير 2008: http://www.state.gov/g/drl/rls/hrrpt/2008/nea/119117.htm
  4. 4. http://electronicintifada.net/downloads/pdf/071219-onestate-arabic.pdf
  5. 5. http://www.unpo.org/content/view/446/83
  6. 6. Amy Maguire, “Law Protecting Rights: Restoring the Law of Self-Determination in the Neo-Colonial World,” in: Law Text Culture, Volume 12, Issue 1, 2008. http://ro.uow.edu.au/cgi/viewcontent.cgi?article=1002&context=ltc
  7. 7. http://www.unpo.org/downloads/THE%20IMPLEMENTATION%20OF%20THE%20RIGHT%20...
  8. 8. لتحليلٍ معمّقٍ لأشكال الاضطهاد الإسرائيليّ للشعب الفلسطينيّ بمكوّناته الثلاثة، أي الاحتلال والكولونياليّة والأبارتهايد، راجع الدراسة الصادرة (بالعربية) عن اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها:http://bdsmovement.net/files/Arabic-BNC_Position_Paper-Durban_Review.pdf
  9. 9. الدستور الديمقراطي (2007): http://www.adalah.org/ara/democratic_constitution-a.pdf؛ وثيقة حيفا (2007): http://www.mada-research.org/UserFiles/file/publications_pdf/haifaarabic.pdf؛ التصور المستقبليّ (2006): http://www.adalah.org/newsletter/eng/dec06/tasawor-mostaqbali.pdf
  10. 10. http://electronicintifada.net/v2/article10497.shtml
  11. 11. http://www.BDSmovement.net