ترجمة: سماح إدريس
كلُّ الحديث "الواقعيّ" الذي تتبنّاه القوى العظمى، من أوسلو إلى كامپ ديفيد، و"خارطة الطريق" وأناپوليس وغيرها إلى اليوم، عن إنشاء دولةٍ فلسطينيّةٍ في المناطق المحتلّة عام 67 يتوقّف على احتمالٍ واحد: وهو أنّ مجموعة "الجُزُر" المدمَّرة والفقيرة من الأراضي الفلسطينيّة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل وإدارتها، يُمْكن أن "تُخاطَ" رقعةً إلى رقعة لتسمّى "دولةً،" وأنّ خلقَ "دولةٍ" كهذه يمكن أن يُلبّي مطالبَ الشعب الفلسطينيّ وحقوقَه.
ولكن ذلك ليس صحيحًا بتاتًا.
والسبب الأوّل هو أنّ فكرةَ دولةٍ تَفْتقر إلى أراضٍ معيّنة وإلى السيطرة على حدودِها ومجالِها الجويّ ومياهِها، وغيرِ ذلك من صفات السيادة الحقيقيّة، لهي فكرةٌ عبثيّةٌ في حدّ ذاتها. ولكنْ لو افترضْنا أنّ إسرائيل انسحبتْ غدًا من كلّ سنتيمتر من الأراضي التي احتلّتها عامَ 67، وفَكّكتْ كلَّ مستعمراتها، وسَحبتْ آخرَ مستعمِر (مستوطن) باقٍ فيها، وأَرْختْ قبضَتها المُحْكَمَة على المجال الجوّيّ الفلسطينيّ والحدودِ الفلسطينيّة ومياهِ الضفّة الغربيّة، وسمَحَتْ بإنشاء كيانٍ فلسطينيّ في الضفّة وغزّة والقدس الشرقيّة بحيث يكون أقربَ إلى المفهوم المعتاد لكلمة "دولة" شكلاً ووظيفة؛ لو فعلتْ ذلك كلَّه، فإنّها مع ذلك لن تحلّ الصراعَ الصهيونيّ مع الفلسطينيِّين.
صحيحٌ أنّ سكّان الأراضي المحتلّة عام 67 سيكونون في حال إنشاء دولة على أرض 67 أفضلَ حالاً، لكنّ هؤلاء لا يمثّلون إلاّ أقليّةً من الشعب الفلسطينيّ: ذلك أنّ إنشاء دولةٍ هناك سيخلّف 5 ملايين فلسطيني في المنفى الأبديّ، وسيُعلَن حقُّهم القانونيُّ والأخلاقيُّ في العودة إلى أراضيهم ــ لا في الضفّة الغربيّة بل في حيفا ويافا واللدّ وعكّا والناصرة وشفا عمرو والقدس نفسِها ــ باطلاً ولاغيًا، وسيساوِم عليه ممثّلو الشعب الفلسطينيّ المزعومون (مع أنّ أحدًا لا يَمْلك الحقّ ولا السلطةَ في تلك المساومة).
ثمّ إنّ إنشاءَ دولةٍ فلسطينيّةٍ في أراضي 67 سيَحْكم على 1،5 مليون فلسطينيّ إضافيّ بأن يبقوا (في أحسن حال) مواطنين من الدرجة الثانية في دولة إسرائيل (فلسطين 48)، وإنْ كان إنشاءُ دولة فلسطينيَّة مستقلّة على أراضي 67 سيضعهم ــ بوصفهم غيرَ يهودٍ في الدولة اليهوديّة على حدود 48 ــ في موقفٍ أكثرَ تقلقلاً وخطرًا ممّا هم عليه اليومَ بمراحل. وهكذا فإنّ إنشاء دولة فلسطينيّة مستقلّة على أراضي 67 لن يَحلَّ الصراعَ مع الصهيونيّة، بل سيعزِّزه بشكلٍ جديد.
ولكنْ إذا كان حلُّ الدولتَيْن مستحيلاً في أفضل الحلول الممكنة ذاتها ــ من قبيل انسحاب إسرائيل الكامل إلى خطّ الهدنة الذي رُسِمَ بين عاميْ 49 و67، وتفكيكِ البرنامج الاستيطانيّ الاستعماريّ تمامًا ــ فما هو البديلُ الأكثرُ ترجيجًا (وعدلاً)؟ وما الذي يُمْكن تحقيقُه بالأدوات والإمكانيّات المتوفّرة أمام الفلسطينيِّين اليوم، لا في مستقبلٍ بعيدٍ مُؤَمْثل؟
إنّ الفكرة التي يَقْترحها البعضُ، وتَقْضي بتحرير كامل فلسطين بالقوّة المسلّحة، مشكوكٌ فيها في أحسن الأحوال. وإنّ أيّةَ مقارنةٍ بين وضع فلسطين وتحرير جنوب لبنان عامَ 2000 (أو مقاومة العدوان على لبنان عامَ 2006) هي في غير مكانها. فأيّاً ما كانت عظمةُ الإنجاز الذي حقّقتْه المقاومةُ في لبنان، فإنّ طردَ بضعة آلاف (أو عشراتِ الآلاف) من الجنود من أرضٍ لا يؤْمنون أنّها لهم شيءٌ، وهزيمةَ دولةٍ نوويّةٍ على أرضٍ تَعْتبرها لها، بل وَطَّنَتْ فيها ملايينَ الناس شيءٌ آخر. ولكنْ لو فَرَضْنا أنّ تحريرًا مسلَّحًا أمرٌ ممكن، فما ستكون كلفتُه البشريّة؟
فلنقلْ إنّه أيّاً كانت قوّةُ الهجماتِ المسلّحةِ التي سيكون بمقدور الفلسطينيِّين شنُّها اليومَ أو في المستقبل المنظور ــ وهي ليست إلاّ "حركشاتٍ" بالنسبة إلى قوّةٍ نوويّةٍ كإسرائيل ــ فإنّها لن تُزيحَ إسرائيلَ ولو قليلاً، بل ستعزِّز تصلُّبَها، وتقوّي الدعمَ الذي تعتمد عليه في أوروبا والولايات المتحدة. إنّ هجماتٍ تَسْتخدم قنابلَ وصواريخَ عتيقةً من مخلّفات الحرب العالميّة الثانية هي ما تريده إسرائيلُ، لا ما تخشاه، بل هي ما تنتعش بفضلِه وتزدهر!
***
فما الذي تخشاه إسرائيل، إذًا؟ ما هي نقاطُ الضعف الإسرائيليّة التي يستطيع العربُ والفلسطينيّون استغلالَها اليومَ ــ لا في "غدٍ" ما زلنا ننتظره منذ ستّةِ عقود ــ سعيًا وراء حلّ عادلٍ للمسألة الفلسطينيّة؟ كيف يستطيع الفلسطينيّون أن يَقْلبوا الطاولةَ، ويُمسِكوا بزمام المبادرة، ويضعوا إسرائيل في موقف الدفاع ولو مرّةً، بدلاً من أن يكتفوا بردّ الفعل على الهجمات والفظائع الإسرائيليّة المتتالية؟ إنّ ما تَخْشاه إسرائيلُ، أكثرَ بكثيرٍ من خسارة هويّتها اليهوديّة المزعومة، إنّما هو خسارةُ علاقتها بأوروبا والولايات المتحدة، وخسارةُ سلطتِها "الأخلاقيّة" هناك؛ أيْ خسارةُ ارتباطاتها بالغرب سياسيّاً واقتصاديّاً وتكنولوجيّاً وثقافيّاً وأكاديميّاً ورياضيّاً. فهذه الارتباطات بُنيتْ على أساس أنّ إسرائيل "ديموقراطيّةٌ ليبراليّةٌ،" بل دولةٌ غربيّةٌ في حدّ ذاتها. ولذا، فإنّ الدعوة إلى تأسيس دولة ديموقراطيّة وعلمانيّة حقيقيّةٍ، على كامل فلسطين التاريخيّة ــ وهي دعوةٌ باتت تتعاظم في الشهور الأخيرة ــ تُوضح أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى أنّ إسرائيل ليست كذلك: فهي ليست ديموقراطيّةً، ولا علمانيّةً، ولا علاقةَ لها قانونيّاً أو سياسيّاً بالدول الغربيّة. ذلك أنّ الحجر الأساسَ في أيّة ديموقراطيّة ليبراليّة غربيّة هو مفهومُ "المُواطنة العَلمانيّة" (secular citizenship)، وهذا المفهوم غائبٌ تمامًا في إسرائيل. فمن الناحية القانونيّة، ليس ثمّة شيءٌ اسمُه "قوميّةٌ إسرائيليّة" لأنّ الدولة الإسرائيليّة لا تَعترف إلاّ بـ "القوميّة اليهوديّة" التي تَستبعد طبعًا غيرَ اليهود وإنْ كانوا (اسميّاً) مواطنين فيها. كما أنّ الزواجَ المدنيّ، الذي هو الحجرُ الأساسُ الثاني للديموقراطيّات العَلمانيّة الحديثة في الغرب، غائبٌ هو الآخر في إسرائيل: فاليهود لا يستطيعون أن يتزوّجوا إلاّ من يهودٍ مثلاً، ووفقًا للقانون اليهوديّ الدينيّ الصارم. غير أنّ هذه الأمورَ قلّما تُدرَكُ في الغرب. وباختصار، فإنّ صورةَ إسرائيل في الغرب لهي من نسجِ الخيالِ تقريبًا. ولكنْ إذا كانت هذه الصورةُ هي سرَّ نجاح إسرائيل الدائم، فإنّها قابلةٌ للانتهاك والخدْش عبر صُوَرٍ مضادّةٍ تستند إلى الحقيقة: حقيقةِ قمعها، وعنصريّتِها، وتوسُّعيّتها، وطائفيّتها.
لا مبالغةَ في القول إنّ إسرائيل تعتمد اعتمادًا هائلاً على ارتباطاتها بأوروبا والولايات المتحدة من أجل البقاء على قيد الحياة... بل لو وَضعْنا جانبًا قوّةَ إسرائيل السياسيّة والديبلوماسيّة، فإنّ اقتصادَها البالغَ التطوّر مندمجٌ اندماجًا تامّاً في النظام الماليّ العالميّ، وهو نظامٌ يعتمد على الپسيكولوجيا الجماعيّة قدْرَ اعتمادِه على الأرقام الصّلبة. ولذلك فإنّ تهديدًا جدِّيّاً ومستديمًا لذلك الاندماج سيؤدِّي لا محالةَ إلى خللٍ في تدفّق الرأسمالات إلى إسرائيل، وإلى انهيار في بورصتها، ودمارٍ في قطاعها المصرفيّ، وضربةٍ لاقتصادها العالي التقنية الموجَّهِ إلى التصدير، وانهيارٍ في عملتها النقديّة. وأيّاً ما كان جبروتُ إسرائيل عسكريّاً، فإنّ قوّاتها المسلّحة ستكون بلا فائدة تُذْكر لحمايتها من ذلك الانهيارِ والدمار. والحال أنّ إسرائيل، باندماجها الشديد في السوق الماليّة العالميّة، لهي اليومَ، وبسبب الانهيار الماليّ العالميّ، أكثرُ عرضةً لأخطار المقاطعة والعقوبات ممّا كانت عليه جنوبُ أفريقيا في الثمانينيّات. والحقّ أنّ حملة م.س.ع. (حملة المقاطعة وسَحْب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل BDS) تُلْحق ضررًا كبيرًا اليومَ بإسرائيل. وهاكم بعض الأمثلة: ففي نيسان (أبريل) 2009 أعلن خُمْسُ المصدِّرين الإسرائيليِّين أنّهم يواجهون صعوباتٍ في بيع السِّلع الإسرائيليّة إلى أوروبا بسبب حملة المقاطعة، ولاسيّما في بريطانيا واسكاندينافيا (علمًا أنّ أوروبا هي شريكُ إسرائيل التجاريُّ الأضخم). كما أنّ شركاتٍ عالميّةً تعمل في الأراضي المحتلّة عام 67 قد خسرتْ عقودًا ثمينةً في بلدانٍ أخرى بسبب عملها لصالح المستوطنات اليهوديّة، وذلك نتيجةً لحملة م.س.ع؛ والمثالُ الأوضحُ على ذلك هو شركةُ فيوليا (Veolia) المتعدّدةُ الجنسيّات. فهذه الشركةَ دفعتْ ثمنَ مشاركتها في مشروع بقيمة 500 مليون يورو لبناء شبكة سكّةِ حديدٍ تَرْبط مستعمراتِ الضفّة الغربيّة؛ وكانت خسارةُ الشركة جرّاء ذلك أكثر من 7 بلايين يورو، قيمةِ عقودٍ خسرتْها في بلدانٍ كثيرة (من إيرلندا إلى السويد وأستراليا). وفي حزيران (يونيو) 2009 وَرَدَ أنّ فيوليا قرّرتْ أن تنسحب من المشروع لأنّ ضريبةَ العمل مع إسرائيل كانت باهظةً جدّاً. وبالأهمِّية نفسها كان قيامُ عددٍ كبيرٍ من الفنّانين والممثّلين الدوليِّين بإلغاء حفلاتهم في إسرائيل نزولاً عند طلب حملة م.س.ع؛ كما تمّ تهميشُ إسرائيل في المناسبات الثقافيّة الدوليّة. وكمثالٍ آخر، فقد كان على مباراة كرة المضرب بين إسرائيل والسويد لنيل كأس دايفيس في آذار (مارس) 2009 أن تجري في ملعب خالٍ من الناس في مالمو لأنّ المسؤولين استعجلوا في إلغاء المباراة التي كانت مقرّرةً في ستوكهولم تحسُّبًا لأعمال الاحتجاج.
ولئن كانت حملةُ م.س.ع، التي ما تزال في بداياتها، تؤْذي إسرائيلَ اليومَ على الرغم من الخلافات الناشئة في صفوف القيادة الفلسطينيّة، فتصوّروا درجةَ الأذى الكبرى التي ستُلْحقها بإسرائيل إنْ تجاوَزَ الفلسطينيّون مماحكاتِهم وترّهاتِهم وركّزوا مطالبهم!
لهذا السبب تشدِّد إسرائيلُ كثيرًا على حماية صورتها أمام الرأي العامّ في الغرب؛ ذلك أنّ صورتها المضلِّلة، بوصفها ديمقراطيّةً ليبراليّةً غربيّة، تساعد الأوروبيِّين والأميركيِّين على اعتبار إسرائيل "واحدةً منّا،" وتعزِّز الاندماجَ الماليّ والاقتصاديّ والتكنولوجيّ والأكاديميّ والثقافيّ مع الغرب كما ذكرنا.
إنّ الدعوةَ إلى قيام دولةٍ واحدةٍ على كامل فلسطين التاريخيّة تمتلك إمكانيّاتٍ هائلةً، لا لأنّها تقدِّم الحلَّ العادلَ الوحيدَ للمسألة الفلسطينيّة فحسب، بل لأنّها تَكْشف أيضًا حقيقةَ إسرائيل العنصريّة الإثنوقراطيّة المبتذلة. ثمّة خطران جبّاران، إذًا، يتهدّدان إسرائيلَ من جرّاء الدعوة المذكورة، ولا تَمْلك إزاءهما أيَّ دفاع: فتبنّي أطروحة "الدولة الديموقراطيّة العلمانيّة" التي يتساوى فيها المواطنون، بديلاً واعدًا وعادلاً من الواقع الراهن، يقوِّض من صورة إسرائيل في الغرب لأنّه يَكْشف حقيقتها الحاليّة (وهي أنّها دولةُ أپارتهايد) ويُسْهم ــ من ثمّ ــ في الدفع قُدُمًا بحركة م.س.ع المتنامية القادرة على تركيع إسرائيل خلال زمنٍ قريب (كما سبََقَ أن حصل لجنوب أفريقيا الأپارتهايديّة قبل عقديْن). هذا أولاً، وثانيًا، يَطْرح تبنّي أطروحة "الدولة الديمقراطيّة" الأفقَ الأوحدَ لحلّ الصراع سلميّاً، وبشكلٍ يحقِّق العدلَ للجميع، وبسرعةٍ كبيرة، ولو لم تلتزِمْ به إلاّ كتلةٌ حيويّةٌ وفعّالةٌ من الفلسطينيين. بل الحقّ أنّ الدعوة إلى قيام الدولة الواحدة، وبالترابط مع "جناحها العسكريّ" المتمثّل في حملات م.س.ع، لهي أقوى سلاحٍ في الترسانة الفلسطينيّة اليوم؛ أو أنّها بالأحرى، تستند إلى أقوى سلاحٍ يَمْلكه الفلسطينيّون على الإطلاق: سلاحِ العدالة وإرادةِ المقاومة وردِّ الظلم.
هذه الدعوة، بعيدًا عن أن تكون محض مَطْلبٍ يتبنّاه رؤيويّون وحالمون سذّج، يمثِّل بالتأكيد عودةً إلى الأجندة التي وضعتْها منظمةُ التحرير الفلسطينيّة بعد العام 1968، وعدّلتْها عامَ 1974، قبل أن تتخلّى عنها في "إعلان الاستقلال" عامَ 1988 في الجزائر. وهي أكثرُ واقعيّةً بكثير من حلّ الدولتيْن (الذي لا يعدو أن يكون وهمًا في هذه المرحلة ولن يحلّ المشكلةَ أصلاً كما سبق أنْ ذكرتُ)، أو من انتظارِ تغيّر في ميزان القوى بعد مئة عامٍ أو مئتين. إنّ إنشاء دولة ديمقوقراطية علمانيّة، يعيش فيها الفلسطينيّون والإسرائيليّون على قَدَم المساواة، سيكون قادرًا، وفي آنٍ واحد، على إنهاء الاحتلال، وتمكينِ الفلسطينيِّين (وأحفادهم) من العودة إلى أراضيهم وبيوتهم، والتخلُّصِ من كلّ أشكال التمييز الذي يعانيها فلسطينيّو إسرائيل [فلسطين 48] منذ ستّة عقود، وإعطاءِ اليهود الإسرائيليِّين حقَّ العيش كمواطنين متساوين مع المواطنين الآخرين.
رُبَّ مَنْ يعترض بالقول إنّ الإسرائيليِّين لن يَقْبلوا أن يعيشوا متساوين مع الفلسطينيِّين. والردُّ على هذا الاعتراض سهل، وهو أنّ المسألة ليست ما إذا كانوا سيَقْبلون أمْ لا. فلكي يكون حلُّ الدولة الواحدة قابلاً للحياة، ينبغي على إسرائيل أن تُجبَرَ على الرّكوع، بقوّة المقاطعة والعقوبات أولاً، كما أُجبرتْ على ذلك في جنوب أفريقيا. وحين لا يعود أمام اليهود الإسرائيليّين من خيار فسيوافقون على التخلّي عن امتيازاتهم ــ تمامًا مثلما وافق آخرون في ظروفٍ مشابهة (كالبِيض في جنوب أفريقيا أو البِيضِ في جنوب الولايات المتحدة). أما مَنْ يَرْفضون التخلّي عن حسّ التميُّز والتفوُّق، فسيختارون بلا شكّ أن يغادروا ليعيشوا في مكانٍ آخر.
يُقال أحيانًا إنّ بلدًا ما لا يَذْهب إلى الحرب بجيشٍ كان يتمنّى أن يمتلكَه، بل بجيشٍ يَمْتلكه فعلاً. والأمرُ يصحّ بالنسبة إلى أنواعٍ أخرى من النضال. والفلسطينيون لا يَمْتلكون جيشًا جرّارًا، ولا نفوذًا اقتصاديّاً أو عسكريّاً أو ديبلوماسيّاً هائلاً. فبإمكانهم، إذًا، أن يواصلوا محاولةَ التفاوض مع إسرائيل والولايات المتحدة من موقع الضعف إنْ لم يكن الخضوع المُذِلّ؛ أو بمقدورهم أن ينتظروا تبدّلاً في موازين القوى قد يستغرق أعوامًا طويلة كما قلنا؛ ولكنّهم يستطيعون أيضًا أن يعالجوا أمورَهم بما يَمْلكون من أدواتٍ اليومَ. وما يَمْلكونه إلى جانبهم هو شعورٌ عالميٌّ بالعدالة والمشروعيّة أَثْبتَ قيمتَه وقوّتَه الإقناعيّة التحويليّة الكبيرةَ في سياقاتٍ تاريخيّةٍ أخرى (فرنسا في القرن الثامن عشر، بريطانيا في القرن التاسع عشر، جنوب أفريقيا والولايات المتحدة في القرن العشرين). فإذا استُخدِم ذلك الشعورُ بشكلٍ صحيح، وبثباتٍ لا تردُّدَ فيه، فبمقدوره أن يكون قوّةً لا يمكن وَقفُها.
النقطةُ المهمّةُ هي أنّ الدعوة إلى إنشاء دولة ديمقراطيّة علمانيّة على كامل فلسطين التاريخيّة ليس الأمرَ الصوابَ الذي ينبغي عملُه فحسب، بل هو أيضًا أمرٌ يُمْكن أن يقوم به الفلسطينيّون للتوّ، وبالأدوات التي يَمْلكونها الآن، وبمساعدة المجتمع الدوليّ الذي كان تاريخيّاً وما يزال إلى جانبهم ــ ولا أقصد هنا مجتمعَ الدول ــ الأمم، بل الأفراد والمجتمعات التي يحرِّكها حسُّ العدالة. وإنْ شككتمْ في ذلك فاسألوا أنفسَكم: لماذا أصبحت الكوفيّةُ الفلسطينيّةُ الرمزَ الأعظمَ للنضال من أجل العدالة في العالم؟
المفارقة هي أنّ الإسرائيليِّين بشكلٍ خاصّ هم الذين يُدْركون الجاذبيّةَ العالميّةَ والقوّةَ التعبويّة الهائلةَ لعدالة القضيّة الفلسطينيّة. ففي العام 2003 مثلاً أشار إيهود أولمرت، وكان رئيسَ وزراء إسرائيل، إلى أنّ "مزيدًا من الفلسطينيِّين لم يعودوا مهتمِّين بالتفاوض على الدولتَيْن لأنّهم باتوا يريدون أن يغيِّروا جوهرَ الصراع من النموذج الجزائريّ إلى النموذج الجنوبأفريقيّ، من صراعٍ ضدّ "الاحتلال،" بحسب خطابهم، إلى صراعٍ من أجل إقرار حقّ كلّ إنسان في التصويت. إنّ هذا، بالتأكيد، صراعٌ أنظفُ بكثير، صراعٌ أكثرُ شعبيّةً بكثير ــ وهو في النهاية صراعٌ أقوى بكثير."
إنّ مَنْ تفوَّهَ بهذه الكلمات ليس إنسانًا متعاطفًا مع القضيّة الفلسطينيّة بل إسرائيليٌّ يمينيٌّ! وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، بعد قمة أناپوليس، أعاد أولمرت التحذيرَ ذاتَه على صفحات هاآرتس الإسرائيليّة، قائلاً: "إذا حَلَّ اليومُ الذي ينهار فيه حلُّ الدولتَيْن، وواجَهْنا صراعًا على الطراز الجنوبأفريقيّ من أجل حقوق تصويتٍ متساويةٍ، فما إن يَحْصل ذلك حتى تنتهي دولةُ إسرائيل."
يَضعف أن أتخيَّل نفسي موافقًا أولمرت على أيّ أمرٍ. لكنّ عليّ الاعترافَ بأنّني أوافقه هنا تمامًا!
كاليفورنيا
سري المقدسي
كاتب من لبنان. أستاذ الأدب الإنكليزيّ في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس.