المشروع الرحبانيّ-الفيروزيّ: من المؤسِّسين إلى الثائر
تقديم
من أجل فهم النهضة الغنائيّة التي حقّقتْها الأسرةُ الرحبانيّة، ممثَّلَةً بالثلاثيّ فيروز وعاصي ومنصور، على مدى ما يزيد عن نصف قرن، لا بدّ من رؤيتها في سياقٍ تاريخيّ: هو تاريخُ لبنان الحديث، أو تاريخُ الدولة اللبنانيّة الحديثة، وما رافق ذلك من تحوّلاتٍ سياسيّةٍ اجتماعيّة، وما أنتجتْه من تطوّراتٍ ثقافيّة، كان الشعرُ أبرزَ تمثّلاتها.
فقد شهد لبنانُ ازدهارًا في إنتاج الشعر، تحقّق دائمًا في مناخات التغيّر، أو القلق، والحاجة إلى التعبير، وإلى الحلم أيضًا. وفي مرحلةِ ما بين الحربين، حين كانت أسئلةٌ كثيرةٌ تُطرَح حول الحاضر والمستقبل، وعلاقةِ الماضي بالحاضر، بالذات والآخر، نهض في لبنان أعظمُ تجمّعٍ شعريّ عربيّ تمثلتْ فيه مذاهبُ متنوّعة. بعضُ هذه المذاهب الشعريّة كان بدايةَ الانفتاح على المدارس الشعريّة في العالم من جهة، وبدايةَ الانفتاح على الراهن المعيش والأسئلةِ الكيانيّةِ من جهةٍ ثانية، بينما كان الشعرُ التقليديّ يتّجه نحو محجّةٍ قائمةٍ في الماضي. وتراوحت الاتجاهاتُ الجديدةُ بين كلاسيكيّةٍ منفتحةٍ على الجديد، ورومنسيّةٍ، ورمزيّة. وإلى جانب ذلك ازدهر الشعرُ الشعبيّ، والمساجلاتُ التي تنهل مباشرةً من التحوّلات في الواقع الاجتماعيّ.
ويمْكن القولُ إنّ الشعر اللبنانيّ، بالفصحى أو العاميّة، ولاسيّما المغنّى، قد حفل، في مرحلةِ ما بين الحربين بشكلٍ خاصّ، بالتعبير المباشر عن التغيّرات السكّانيّة والثقافيّة والقيميّة التي شهدها لبنان. أمّا مناخُ الحنين الذي تمثّل في أغنياتٍ أو قصائدَ شارك فيها شعراءُ الزجل وكبارُ شعراء الفصحى على السواء في مرحلة ما بين الحربين وصولاً إلى الخمسينات، فقد تواصل بعد ذلك متّخذًا صورةً أعظمَ تعقيدًا وبناءً واقترابًا من المعيش، ولكنْ أشملَ حضورًا وأعمقَ دلالةً، وذلك جنبًا إلى جنب مع انطلاق موجة الحداثة الشعريّة منذ أواخر الخمسينات.
تمثّل التيارُ الشعريُّ الحنينيّ، الرومنسيُّ منه والرمزيّ، في تمجيد فردوسٍ لبنانيٍّ مفقود، سوف يتطوّر إلى أن يجد أبرزَ تمثّلاته في ما يمْكن اعتبارُه "يوتوبيا القرية اللبنانيّة،" كما أبدعها وجسّدها الأقطابُ الثلاثة: الأخوان رحباني وفيروز.
في هذا المناخ الثقافيّ الحنينيّ العامّ، تشكّل الثلاثيُّ الرحبانيُّ بعد اللقاء بفيروز، وارتباطِ عاصي الرحباني بهذه الشخصيّة التي جنّح صوتُها ثم حضورُها المسرحيّ موهبةَ الأخوين الموسيقيّة. وتطوَّرَ التعاونُ الثلاثيّ في اتجاه بناء صورةٍ مثاليّةٍ للقرية اللبنانيّة، ولبطلةٍ مُتَخَيَّلَةٍ تحمل هذه القيمَ وتحْرس التناغمَ الجمعيّ. ولا يخفى أنّ اختيارَ المؤنّث كجنس "للبطل" إنّما فرَضَه حضورُ فيروز وموقعُها في هذا المشروع الفنّيّ.
ولقد احتلّت هذه الصورةُ المشهديّةُ النمطيّةُ معظمَ النتاج الرحبانيّ وطبعتْه، حتى وفاة عاصي واستقلالِ فيروز ـ نجمةِ الثلاثيّ التاريخيّ. ثمّ ذهب كلٌّ من القطبين، فيروز ومنصور، في اتّجاه.
لمحة حول التطوّرات التاريخية للشعر المغنّى في القرن العشرين
لفهم "اليوتوبيا الرحبانيّة ـ الفيروزيّة" والمناخ الذي ظهرتْ فيه المدرسةُ الرحبانيّة، لا بدّ من الكلام على "عقيدةٍ" أو "هوًى جبليّ" تمثَّلَ في الحنين إلى القرية وتمجيدها نتيجةً للتحوّلات المتسارعة التي شهدها لبنانُ في مرحلةٍ تاريخيّةٍ سبقتْ صعودَ الظاهرة الرحبانيّة. فبين العشرينات والخمسينات من القرن العشرين كان هناك مناخُ حنينٍ إلى القرية اللبنانيّة، اغتذى من مؤثّراتٍ عديدة، بينها تيّارُ الأدب المهجريّ وما يفيض به من توقٍ إلى الطبيعة والقرية؛ واتّساعُ المؤثّرات الرومنسيّة وما تدعو إليه من العودة إلى الفطرة. ذلك أنّ المرحلة اقترنتْ بهجرتين لأهل الجبل والريف إجمالاً: هجرةٍ كبرى إلى العالم الجديد (الأميركتيْن خصوصًا) عند مطلع القرن وبسبب المجاعة والسياسة العثمانيّة، وهجرةٍ صغرى من الريف إلى المدينة.
فولايةُ بيروت ولواءُ طرابلس وأقضيةُ البقاع ضُمَّت إلى جبل لبنان، عند إعلان لبنان الكبير في 1/9/1920 على يد الجنرال غورو؛ وأُعلنتْ بيروتُ عاصمةَ الدولة اللبنانيّة الجديدة.(1) وقد اجتذبتْ بيروت، المدينةُ المتناميةُ المنفتحةُ على التغيّرات، والمستفيدةُ الأولى من العمران والتطوّر والفرصِ الاقتصاديّة، سكّانَ القرى. لكنّ هذه الهجرة لم تكن لتقضي بسهولةٍ على تعلّق أبناء الجبل ببيئتهم، وهم الذين يحْملون إرثًا تاريخيّاً صراعيّاً طويلاً. وما كانت الهجرةُ إلاّ لتنتجَ رؤيةً حنينيّةً إلى القرية اللبنانيّة، في وجه التحوّلات التي تهدِّد الذاكرةَ وعالمَ القرية بالدمار.
وهكذا، عندما أخذت الأغنياتُ التي تمجِّد القريةَ أو تستلهم حياتَها تظهر وتشيع، بل تتداخل بحسٍّ وطنيٍّ سياسيٍّ أيضًا، كانت أدبيّات واسعة تتمحور حول القرية والحياة الريفيّة. فالحنين إلى لبنان والقرية اللبنانيّة موضوعٌ محوريٌّ في الأغنية الشعبيّة (على غرار "مشتاق إرجعْ عَ الضيْعة مشتاقْ كتير")، وفي أدب المهاجرين اللبنانيين إلى العالم الجديد. وكان معظمُ هؤلاء من أصولٍ جبليّةٍ وريفيّةٍ كما هو معروف. ولم يَحْجب البعدُ هذا الأدبَ، لأنه كان يتسرّب إلى صحف الوطن... هذا فضلاً عمّا نُشر هنا من أعمال المهجريين.
وفي لبنان حيث كانت الرومنسيّةُ هي التيّارَ الغالب، نجد أنّ الشعرَ لا يقتصر على تمجيد الطبيعة بل يُماهيها بحياة الفطرة وحياة القرية اللبنانيّة وعناصرها. فنجده يحْفل بمفرداتٍ وصورٍ من قبيل العرزال والخيمة والعين والناطور والكوخ والكرْم والموقد والوجاق والتنّور والعلّيّة؛ بل نجد حديثًا عن صفاتٍ خلقيّةٍ قرويّةٍ كأنها صفاتٌ أصليّة، تَكْشف عن اعتقادٍ بتميّز أهل الجبل.
أشهرُ شعراء المرحلة، إلياس أبو شبكة (1903 ـ 1947)، تغنّى بالقرية وتمنّى عودةَ زمانها وثقافتها، وذلك في ديوان ألحان (1941). جاء ذلك في قصيدة "ألحان القرية،" ومطلعها: "أرجِعْ لنا ما كانْ/يا دهرُ في لبنان..." ليقول بعد ذلك معدِّدًا عناصرَ من عالم القرية: "أرجعْ إلى الاحداقْ/أطيافَها المُبعَدَة/وللّيالي الوِجاقْ والموقده/أرجعْ إلينا الصّاجْ/والجرنَ والمِهْباجْ/وخصبَنا في الرُّبى/ونورَنا في السراجْ/واسترجعِ الكهربا/وكاذباتِ الغنى!"(2)
وميشال طراد الذي يمثّل مناخًا غنائيّاً عامّاً، واجتذبتْ أشعارُه الألحانَ وغنّاها كبارُ المغنّين وبينهم فيروز، يُكثر في شعره من التغنّي بصنّين والخيمة والعينِ والسلّة والقمر. ويشيع في شعره الوصفُ الفردوسيّ للقرية، وعلاقاتِ الناس فيها، وعلاقتها بالطبيعة. يقول في ديوان جلنار: "عَ طريق العينْ مَحْلا التكتكي/والقمر عَ كتف صنين متِّكي..." ثم: "هـَ الخيمة اللي كان يضحَكْلا النجم/هـَ الْكان حَيْطا مرتكي عَ صنوبرة..."(3) ثم: "تخْمين راحِت حلوة الحلوين/وما ضلّ في غير الحَبَق.../ولا عاد رَحْ تلعبْ على التلّي…/ولا يْداعِبا هاك النهَر/وتداعبو، ويخطفلها السلّي…" بل إنّ هذه اللغة المفرطة في المحلّية تجيء في سياق الحنين وتوكيد الانتماء.
كذبلك مجّد فؤاد سليمان (1912 ـ 1951) عالمَ القرية والجبل معارضةً لعالم الهجرة والمدينة. وظلّ على مدى سنواتٍ في جريدة النهار، ثمّ في كتابه درب القمر، يَكشف عن خفايا الجمال ونبيل المعاني والقيم في ذلك العالم المفقود. يقول في كتاب تموزيّات في مقالةٍ بعنوان "مع النجوم": "… وأنتَ لو رأيتَ هذه الكبرياءَ التي عندنا في الجبل، لمسَحْتَ من عينيك غبارَ المدينة، وما في المدينة من ضلالات… وأنتَ لو قُدِّر لك يومًا أن تسهرَ ليلَك كلَّه على مساطب بلاد الجبل، مع القمر والنجوم… أنفُكَ في السماء، وخدُّكَ على حجر… لعرفتَ كيف يكون الإنسانُ إنسانًا كبيرًا في الجبل."
ولعلّ الكِتاب الذي كان أبلغ أثرًا واستُقبل بموجةٍ عارمةٍ من المديح هو المفكِّرة الريفيّة (1942) للشاعر أمين نخلة. وهو كتابٌ في تمجيد الريف، واكتشافِ شعريّة العناصر فيه، والتغلغلِ في ظلال المعاني وتلاوين الحياة. والشواهدُ على روعة المفكِّرة الريفيّة، وقبل ذلك على وجود حساسيّة عامّةٍ وتجاوبٍ خاصٍّ إزاء هذا التذوّق الهائم بجماليّات القرية، نجدها في عشرات الرسائل والمقالات التي تناولتْ هذا الكتابَ وهنّأتْ صاحبَه، ومعظمُها يعبِّر بدوره عن تعلّقٍ بالجبل أو القرية. أكتفي بإيراد مقطعٍ وجيزٍ من مقالةٍ نشرها حول الكتاب الشيخ خليل تقي الدين في جريدة الجمهور (20/9/1942)(4): "إنّ تَبلونَ والباروك وهاتيك الجهات مهوى أفئدة، ومساقطُ رؤوس، وأعشاشُ ذكرياتٍ غاليات عليكَ وعليّ. لقد كنتُ حتى اليوم أعبد تلك البقعةَ من الأرض، فأصبحتُ أفخر بها لأنها أوحت إليكَ هذه المقاطعَ الرائعةَ من الأدب القرويّ الجميل".
والشيخ خليل تقي الدين نفسُه صوّر الجبلَ في مجموعته، عشر قصص. وكان هوى القرية دينًا لعصبة أدباء سموّا أنفسَهم "عصبة العشرة"(5) وما تجاوز عددهُم الأربعة: هم خليل تقي الدين، وفؤاد حبيش صاحب مجلة المكشوف التي شكّلتْ مرحلةً مهمّةً من مراحل الصحافة الأدبيّة، وميشال أبي شهلا، وإلياس أبي شبكة.
وأما مارون عبّود (1886 ـ 1962)، كبيرُ نقّاد لبنان بين الأربعينات والستينات، ومصوِّرُ الشخصيّات تصويرًا حركيّاً حنونًا ساخرًا بصريّاً، فاستقى أبطالَه من القرية، وصوّر مشاهدَ حياتها كما عاشها وكما استعادها خيالُه المبدع، وأودعها كتابيْه: أحاديث القرية ووجوه وحكايات.(6)
هكذا كانت القرية تتشكّل في المخيّلة العامة يوتوبيا ضائعةً أو حلمًا مفقودًا. وقد حفلتْ تلك المرحلة بالكتب التي تتناول مظاهرَ أو موضوعاتٍ تقليديّةً لبنانيّة، مثل كتابيْ لحد خاطر، الأمثال والأساطير اللبنانيّة المختصّة بأشهر السنة الشمسيّة(7) والعادات والتقاليد اللبنانيّة، وكتاب أديب لحّود، العادات والأخلاق اللبنانيّة.(8)
ويبدو أنّ مسألة الاعتداد بالمنشإ الجبليّ أو القرويّ تحوّلتْ إلى ظاهرة، حتى كثُرَ التلميح حولها، ووصلتْ إلى المساجلات الزجليّة حول "البيروتيّ" و"الجبليّ." ففي جلسةِ زجلٍ ضمّت الشعراءَ الشعبيين عمر الزعني وأسعد سابا وعبد الجليل وهبي وأسعد السبعلي، دارت معركةٌ زجليّة، وجرى الحوارُ الآتي بين سابا ممثِّلاً ابنَ الجبل، والزعنّي ممثِّلاً ابنَ بيروت، فقال الأول: "أوعى يغرّك سكوتي/بتهزّ الصخْر بيوتي/هات الليلة شو عندكْ/يللي بتحْكي بيروتي." فأجابه الزعنّي: "لو عندك بالضيعة توتْ/وكلامك كلُّه مثبوتْ/ما كنت تركتِ الضيعة/وجيتْ سكنتْ في بيروت!"
وقد يكون من المناسب أن نشيرَ إلى هذه التحوّلات من موقعٍ مقابلٍ هو موقعُ ابن المدينة. فعمر الزعنّي (1895 ـ 1961) ظاهرةٌ فولكلوريّةٌ مدينيّةٌ تمثََّلَ فيها الذكاءُ، والنظرُ الثاقبُ، والتقاطُ ما يهمّ الناسَ ويروي غليلَهم ويترجم ما يجول في الأفكار. تشكَّل قصائدُه التي كان يغنّيها ويمسرحها سجلاً للأحداث والتحوّلات. ومن ذلك مساجلاتُه مع الشعراء الشعبيين الذين يمجّدون الجبلَ معارضةً للمدينة وأهلها. ومنها أيضًا تعليقاتُه اللاذعة على الأحوال الراهنة. بمعنًى ما، كان الزعنّي شاعرَ التحوّلات الحاضرة، فيما كان شعراءُ "الجبل" يعبّرون عن الحنين إلى عالم القرية وثقافتها المتحوّلة. ولا يزال اللبنانيّون والسوريّون يذكرون أغنياتِ الزعنّي التي كانت توجع الفرنسيين حينًا، وبعضَ الحكّام والشخصيّات حينًا آخر. وأكثرُ أغنياته السياسيّة انتشارًا هي التي غنّاها بعد تعليق الدستور عام 1932 وتعيينِ رئيس الجمهورية، الذي انتهت ولايتُه، حاكمًا على لبنان: "بدْنا بَحْريّة يا ريّس/صافيين النيّة يا ريّسْ/بزنود قويّة يا ريّسْ/أبدًا ما تحلّس يا ريّس/...الموج جْبالْ يا ريّس/قَطّاع حْبالْ يا ريّسْ/ما كان عالْبالْ يا ريّسْ/تتنصّبْ رئيس يا ريّس!"(9) ومنذ عام 1918 بدأ الزعني "طريقَ الفنّ والموسيقى والشعر الضاحك، وأحيانًا القارص، مع صديقه الحميم الشيخ رائف فاخوري… على مسرح الكريستال في النوريّة، حين قدّم الشيخ رائف مسرحيّة جابرُ عثراتِ الكرام. وخلال عرض المسرحيّة بين الفصل والآخر، كان يصعد الفتى عمر إلى المسرح ويقدّم أغنيةً من تأليفه مطابقةً لواقع القصّة وللأحداث التي كانت تمرّ فيها البلادُ وقتئذ."(10)وهكذا بدأتْ مسيرتُه النقديّة الشعريّة - الاستعراضيّة في المسارح والفنادق وأماكن التجمّع والاحتفال:
"عام 1920، يومَ ذهب عهدٌ وجاء عهدٌ، وقف عمر الزعنّي على خشبة مسرح الكريستال واضعًا على رأسه طرطورًا، حاملاً صندوقَ الفرجة ليسْخرَ من التحوّلات التي جاءت بأبناء الريف إلى المدينة وغيّرتْ أسلوبَ حياتهم. وقف ليغنّي قصيدته: "شوفْ تفرّجْ آه يا سلام/شوف أحوالَك بالتّمامْ،" وفيها رصدٌ مبكّرٌ ثاقبٌ للتحوّلات الاجتماعيّة العميقة: "الفلاّح شلح التّبّانْ/وعاف السكّة والفدّانْ/وراح تْعَيَّنْ عند فلان/مغرور بحبّ الألقابْ/وما حاسِب للعزْل حساب/كان سلطانْ وصار بوّابْ/بعشرة فول وبخمسة زيت/كنت تعشّي أهل البيت/أمّا هالأيام يا ريت/ ليرة واتْنين ما بتكفيك/يا محلا يوم المتْليك/يا حفيظْ ويا أمين...""(11)
هذا المناخ هو ما قدّمه أنيس فريحة (1902 ـ 1992) بنوعٍ من الحنين والشهادة الشخصيّة، لكنْ أيضًا بنوع من الرؤية النظريّة الأنتروبولوجيّة التي لا تغيب عنها الحكاية. كان أوّلَ كتبه في الموضوع هو الأمثالُ العاميّةُ اللبنانيّة.(12) ثم جاء كتابُه المدهش الطافح بالحنان والحنين، بالمرح والمقدرة الأدبيّة على السرد المشوّق: إسمعْ يا رضا.(13)، ثم كتابه: القرية اللبنانيّة، حضارة في طريق الزوال(14) الذي صدر عام 1957، أيْ في العام الذي بدأتْ فيه سهرةُ الفولكلور على مدرّجات بعلبك. وهذا الكتاب يلخِّص مرحلةً شهدتْ بدايةَ الغروب في "الحضارة" أو الثقافة القرويّة، كما شهدتْ أواخرَ أمواج الحنين العالية إلى عالم القرية. وليس أبلغ من عنوان الفصل الأول من الكتاب، "الفولكلور اللبنانيّ وضرورة جمعه،" لأنه يبيّن كيف أنّ الدعوة إلى إحياء الفولكلور اللبنانيّ بشكلٍ احتفاليّ فنّيّ لائق قد جاء تلبيةً لحاجةٍ عامّةٍ ولمشاعر راهنةٍ وأشواقٍ لم تكن تنتظر إلاّ إشارة البدء.
من هذه الخلفيّة الثقافيّة الإيديولوجيّة جاء الأخوان رحباني ليحملا تلك المشاعر والحالات إلى ذروةٍ فنّيّة.
الريادة الرحبانيّة
كان عاصي (1923 ـ 1986) قد بدأ في الأربعينات يقدِّم مسرحيّاتٍ في أنطلياس. ولكنّ اهتماماته الموسيقيّة سوف تجعله يلمع في ميدان الأغنية، ويتطوّر في اتجاه المسرحيّة الغنائيّة الإذاعيّة القصيرة. هذه المرحلة الثانية هي مرحلة التعاون مع أخيه منصور؛ وهو تعاونٌ عبّر عنه التوقيعُ المشترك "الأخوان رحباني،" وبات من الصعب التمييزُ بين حدود إسهام أيٍّ منهما في العمل الواحد. وكان ذلك في مصلحة النتاج المشترك، وعنوانًا لمرحلةٍ ذهبيّةٍ فيه: مرحلةٍ توسَّطَ فيها حضورُ فيروز المشاهدَ والأغنياتِ الإذاعيّة أولاً ثمّ المشهديّة. وقد نهض حضورُها بالرموز، وألهم الألحانَ وأرسلها في العالم؛ كما نهض حضورُها المسرحيّ بعد ذلك بالحكايات والمواقف حضورًا حيّاً لم ينجحْ أحدٌ بعدها في تحقيقه.
ما يتوجّب الوقوفُ إزاءه هو أنّ الأغاني الرحبانيّة قد خرجتْ عن سجلّ الموضوعات الغنائيّة العربيّة السائدة، وعن هيمنة الأغنية المصريّة يومذاك؛ أيْ خرجتْ عن حصريّة شكوى البعاد وشوقِ الوصال، وتداخلتْ بالمدرسة الشعريّة الرومنطيقيّة، بآفاقها ومعانيها. وحملتْ نكهةً جديدةً ومعنًى جديدًا للحياة. وأثّرتْ في الفنّ الغنائيّ اللبنانيّ، والسوريّ أيضًا، وطبعتْه في أهمّ مراحله. وبالنتيجة شكّلتْ ركائزَ نهضةٍ غنائيّةٍ لبنانيّةٍ، وعربيّةٍ واسعة.
بعد موسم مهرجانات بعلبك لعام 1960 حين قدّم الأخوان رحباني موسم العزّ (لعب الدورين الرئيسين وغنّى أهمَّ الأغنيات كلٌّ من صباح ووديع الصافي)، ومع تأسيس "الفرقة الشعبيّة اللبنانيّة" (عام 1957)، أخذت العروضُ تتدرّج: من المشهد الغنائيّ المنظوم من عناصرَ فولكلوريّةٍ تجْمعها مناسبةٌ احتفاليّةٌ قرويّة، إلى مسرحيّةٍ غنائيّة. وقد اقترنتْ هذه المسرحيّة في السنوات الأولى بمواسم المهرجانات في بعلبك أو الأرز. ومن قلعة بعلبك والمهرجانات كانت تنطلق إلى مسارح ومواقع أخرى (معرض دمشق الدوليّ، مسرح البيكاديللي، مسارح عالميّة...)
تتوجّب الإشارةُ إلى أنني في الكلام على المسرحيّة الغنائيّة الرحبانيّة، سأقتصر على المستوى المشهديّ والبعد البنائيّ الدلاليّ للقصة ونصوص الحوار والأغاني. ولن أتطرّقَ إلى البعد الموسيقيّ وما يتّصل به من إحياء ألحانٍ قديمةٍ وتطويرها أو الإفادةِ من تراث الموسيقى في العالم. بتعبيرٍ آخر سأتناول البعدَ البصريّ الحركيّ الشعريّ في هذا المسرح المركّب من مسرحٍ وغناء.(1)
المسرحيّة الغنائيّة الرحبانيّة
في الأعمال الموسيقيّة المشهديّة التي تعاون فيها الثلاثيُّ الرحبانيُّ المبدع، كانت القريةُ اللبنانيّةُ أكثرَ من مجرّد مكانٍ تقع فيه الأحداث. كانت محورَ العمل: تحْضر كنظام قيم، وأسلوبِ حياةٍ وثقافة، وشخصيّاتٍ نمطيّةٍ غالبًا. وبدا التاريخُ، ممَثَّلاً في هذه القرية، في مسيرةٍ فردوسيّةٍ صاعدةٍ نحو عالمٍ يسوده التناغمُ والوحدةُ والعدل، حيث الخيرُ يهزم الشرّ في نهاية المطاف، والعدلُ والمصالحة ينتصران دائمًا. بل إنّ مثل هذا الفردوس، وإنْ بدا أو بدأ مفقودًا، قابلٌ للاستعادة. والاستعادة، عند الرحبانيين، كما في مرحلة ما بين الحربين، هي ما تتمثّل فيه حركةُ التاريخ ومسارُ المسرحيّات.
أما المسحة الرومنسيّة في مسرح الرحابنة فتتجلّى في تصوّرهم لعالمٍ حنينيٍّ يشفّ ويضيء بحزنٍ نظيفٍ صافٍ لا يشوبه نواح. هذا الحنين يقترن برؤيا الفردوس الغائب والشوق إليه. والشخصيّات التي تتحرك في هذا المسرح تنتمي إلى ذلك الفردوس: أطفالٌ كبارٌ يحْلمون بعالمٍ هاجسُه العدلُ، ولغتُه الحلمُ والموسيقى ونظافةُ الفنّ، ويصارعون في الوقت نفسه الشرَّ والمسؤولين عن ضياع الفردوس.
ومع أنّ أعمال عاصي ومنصور امتلكتْ أسسَ العرض الناجح لمجرّد وجود فيروز، والغنى الموسيقيّ، والشعرِ الرفيعِ الذكيّ الحيويّ والمرح، والدبكة، فإنّ الرحبانييْن لم يكتفيا بهذا كلّه، بل كتبا مسرحيّاتٍ ذاتَ مقوِّماتٍ دراميّةٍ حقيقيّة، أبرزُها:
1 - تنهض المسرحيّةُ الرحبانيّةُ على بنيةٍ حكائيّةٍ متماسكةٍ ومبتَدَعةٍ كلّيّاً، تتقدّم باطّرادٍ وترابُطٍ نحو التأزّم والحلّ. ومخطّطُها العام يذكِّر بمخطّط الأعمال الموسيقيّة للباليه والأوبرا. تبدأ بحركة تصادمِ رموزٍ ونماذج، ثم تتأزّم، وغالبًا ما تكون الضحيّة هي الـ "فادية" إلاّ إذا تمكّنتْ هذه البطلة من رأب الصدوع وإرساء الوئام. عندها تنتهي الحكايةُ بالخلاص والعيد، الذي يأخذ شكلَ الفوران الغنائيّ الحركيّ اللونيّ الذي تمثّله الدبكةُ اللبنانيّة.
2 ـ هذه الأعمال التي وقّعها الأخوان، وتواصلتْ حتى نهايات السبعينات، وتباطأتْ مع إصابة عاصي، وتوقّفتْ مع توقّفه عن الإنتاج، تميّزتْ بالخروج عن جزئيّة مواقف الحنين إلى عناصر القرية، واتّجهتْ نحو رؤيةٍ واسعةٍ للنظام الاجتماعيّ الريفيّ بخاصّة. وهنا كان ارتسامُ العمل كبنيانٍ مثاليٍّ يضمّ شتاتَ العناصر والحوادث والعلاقات، ويسلّط الأضواءَ على مظاهر الحياة اليوميّة. هذه الرؤية الواسعة والحلميّة والمثالية شكّلت انتعاشًا للحركة الرومنسيّة التي كانت قد بدأتْ منذ الثلاثينات، وفيها يحْضر الماضي الغاربُ فردوسًا مفقودًا، وتحْضر القريةُ اللبنانيّةُ موطنًا للمُثل والخير الأعلى. وتخرج الأغاني من حصريّة موضوعات الحبّ، وتتداخل بالمدرسة الشعريّة الرومنسيّة، بحيث يمْكن اعتبارُها تأسيسًا لمدرسةٍ لبنانيّةٍ في الغناء، لها نكهتُها الجديدة، ورؤيتُها الخاصّة للحياة.
3- الصراع الذي تمحورتْ عليه معظمُ الأعمال (البعلبكيّة 1961، جسر القمر 1962، الليل والقنديل 1963، أيّام فخر الدين 1966، هالة والملك 1967، الشخص 1968، جبال الصوّان 1969، يعيش يعيش 1970، ناطورة المفاتيح 1972، بترا 1977) يقدِّم نماذجَ تنضوي في قطبين متصارعين: الخير والشرّ. ويتمثّل الخيرُ في قيمٍ، في مقدّمتها وحدةُ الجماعة، ثم الحريّةُ، والعدلُ. ينطلق الصراعُ عندما يهدِّد الشرُّ لحمةَ الجماعة أو حريّتَها أو رموزَها أو أخلاقيّاتِها أو حقوقَها في أرضها وعملها ونموّها. لكنّه لا يكون تراجيديّاً ولا ينتهي بموت البطلة (لم يكن تراجيديّاً إلاّ في جبال الصوّان). وهو يتمثّل، في الغالب، في مواجهة نشازٍ اجتماعيّ، إلاّ أنّ المجموعَ سرعان ما يتماسك ويستردُّ الناشزَ إلى دائرة الانسجام أو يحيِّده. فالصراع لا يتولّد عن البطل المنشقّ أو عن الفرد ووعيه الشخصيّ ومجابهته لمصيره. وشخصيّة البطل ليست قائمةً على الإرادة المنشقّة، بل إنّ إرادة التضحية، والتقدّم ذبيحةً لخلاص الجماعة تتمثّلُ بادرةً حكيمةً، تستردّ الناشزَ إلى الهارمونيا الجمعيّة. فلقد جاء المسرحُ الرحبانيّ أساسًا من الاحتفاء بإيقاع الحياة في القرية، من تلخيص الحياة في ساحة القرية، من توكيد الروابط والانسجام في بلدٍ متعدّدِ النوازع، من حلم التطهّر من الانشقاق (إذ لم تغبْ عن وعي الرحبانيين وذاكرتِهما حروبُ الانشقاق). وهنا يلتقي القصدُ الوطنيّ بالمخطّط الفنّيّ، لأنّ مسرح الأخوين رحباني حركةٌ تتوجّه نحو ذروةٍ فورانيّة؛ وهذا ما أعطاه بعدًا وظيفيّاً هو وظيفةُ العيد نفسها.
ولهذا العيد الرحبانيّ خصوصيّة: فهو يُضْمر الطقسيَّ إذ يقترن بضحيّة وفاءٍ وفعلٍ تطهيريّ. ولقد أسهمتْ عمليّةُ الترميز والتعامل الشعريّ في إغناء هذا البعد الطقسيّ المضمر.
4- شخصيّاتُ المسرحيّات في أعمال الأخوين بدأتْ نمطيّةً مأخوذةً من بيئة القرية، وتتكرّر ملامحُها الأساسيّة من مسرحيّةٍ إلى أخرى. لكنها منذ هالة والملك (1967) والشخص (1968) أخذتْ تتنوّع: فلم تعد تنحصر في خصوصيّة موضوعاتها الريفيّة الزراعيّة... وإنْ بقيتْ دائمًا شخصيّاتٍ ـ نماذجَ تشكّل تجسيدًا لقيمٍ وطبائع، وتتقدّم بوصفها حمّالةَ مواقفَ وسماتٍ.
5- اللغة والحوار في مسرح الأخوين يغْلب عليهما الشعرُ الموقَّع، أو على الأقلّ الروحُ الشعريّةُ واللغةُ المصوّرةُ الكنائيّة. واللغة هنا، شعريّةً أو نثريّةً، هي العاميّةُ اللبنانيّة؛ لكنها مصقولة، متْرفة، مدروسة، متأثّرة على مستوى المفردات بالمدرسة الرمزيّة كما تمثّلتْ لدى سعيد عقل، وإنْ كانت أكثرَ عفويّةً ومرحًا واتصالاً بالحياة من لغة عقل. والمسرحيّات الرحبانية كانت ميدانًا لنموّ قاموسٍ رحبانيٍّ متميّز، من أسماء ونماذجَ شخصيّةٍ وعناصرَ قرويّةٍ ومشاهدَ فولكلوريّةٍ وأحداثٍ وتسميات. وقد أخذ هذا القاموسُ يتكرّر، فيما هو يتّسع. ولم يتجدّدْ ويتغيّرْ إلاّ مع أواخر المسرحيّات.
أما الحوار فمغنًّى بكامله تقريبًا ، ولا سيّما في المسرحيّات التي شارك فيها الفنّانُ الراحلُ نصري شمس الدين. لكنْ منذ الشخص (1968) ويعيش يعيش (1970) ودخولِ ممثّلين شاركوا في الأدوار الرئيسة، ولا سيّما أنطوان كرباج، تراجَعَ الحوارُ المغنّى فاسحًا المجالَ للحوار النثريّ.
6- تطلّبَ إنتاجُ عالم القرية، بشكلٍ خاصّ، عملاً هائلاً وتنقيبًا ذا بعدٍ أنتروبولوجيّ يستند إلى المكوّنات الثقافيّة لهذا العالم: من أشكالٍ هندسيّةٍ وزخرفيّة، وأمثالٍ وتعابيرَ وأزجالٍ وحِكمٍ وأحاجٍ وعاداتٍ وألعابٍ وأزياء وألوانٍ ولهجات، وأساليبَ في التحيّة والعتاب والمطارحة والصدّ، في الخطبة والزواج، في النميمة والغيرة والشتيمة، أو في الشكر والترحيب، في المشاجرات الكبرى والمصالحات، في الحياة الريفيّة التقليديّة ولحظاتها المميّزة. هذا فضلاً عمّا كان من إحياءٍ للأزياء والألحان والآلات الموسيقيّة ولأنواع الدبكة.
وإذا كان الأخوان قد أسهما في هذا الجهد إسهامًا ظاهرًا لأنهما من أبناء القرية اللبنانيّة، إلاّ أنهما كانا يمْلكان موهبةَ الإصغاء والتنقيب واستدعاءِ أهل الاختصاص والمعرفة. ولقد أفادا وفيروز من تجمّعٍ فريدٍ حولهم لشعراءَ هم من أكبر شعراء لبنان (أعني جورج شحادة وسعيد عقل وأنسي الحاج، وأحيانًا طلال حيدر)، ولمؤرّخين وظرفاء امتلكوا عبقريةَ النكتة (وأذْكر تلك الرفقةَ الطويلةَ مع سيّد الظرف، الراحل نجيب حنكش)، فضلاً عن مثقفين وأهل معرفة كثيرين. كما انتخبوا أشعارًا لشعراء كبار: من أبو ماضي وجبران وسعيد عقل وأبو شبكة وبولس سلامة وميخائيل نعيمة وعبد الله غانم وميشال طراد، وصولاً إلى نزار قبّاني وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل وأبو سلمى وهارون هاشم رشيد، فضلاً عن أشعار القدامى أمثال ابن ذريق البغدادي وابن جُبيْر.
ولقد أحاطتهم لجنةُ مهرجانات بعلبك إحاطةً تجاوزتْ حدودَ المهرجانات، إلى درجة أنّ سلوى السعيد (التي ترأّستِ المهرجاناتِ بين عاميْ 1969 و1972) رافقتهم في أول جولةٍ إلى القارّة الأميركيّة.
هذا فضلاً عن تعاونهم مع نخبة من الملحّنين والممثلين والمخرجين والراقصين والتقنيين في مجالات الإضاءة والصوت والأزياء وتصميم اللوحات. ولقد تعاون معهم مصمّمُ الأزياء المسرحيّة، المبدعُ الأرمنيّ اللبنانيّ جان بيار دوليفر. وكان صبري الشريف، صديقُ العمر ورفيقُ رحلة الصعود منذ برامج "إذاعة الشرق الأدنى" حتى وفاته، مهندسَ اللوحة الرحبانيّة وناظمَ إيقاعها. كما أنّ بيرج فازليان رافق المسيرة نحو مزيدٍ من التأصّل المسرحيّ.
هذا التجمّعُ حول الرحبانييْن وفيروز والفرقة كان نوعًا من التضامن مع جبهةٍ إبداعيّةٍ لبنانيّة؛ كان تضامنًا مع الفنّ والجمال؛ ورهانًا على الحلم.
7- استُكملتْ عمليّةُ استنفار العناصر والمكوّنات والمفردات بترميزٍ يعود إلى الرؤية الشعريّة لهذا العالم. وجاء ينتشل عالمَ القرية من أسْر زمنيّتها، ليقدّمَها صورةً حلميّةً لفردوسٍ مفقود، أو يوتوبيا وئامٍ مرتجًى. وهي صورةٌ لا تَبْرأ من الميتافيزيقيّ الخارق والمسحة الخرافيّة، اللذين يولّدان الروحَ الرومنسيّةَ في الأعمال الرحبانيّة.
لقد غدت صورةُ القرية كما قدّمها الأخوان ومَنْ تجمّعَ حولهما كنايةً عن لبنان، وعن إنسان لبنان المرتجى. ومضت فيروز مع هذا الترمُّز، وسمَتْ بنزوعها الرومنسيّ وطهريّتها الفنيّة، حتى غدت أقربَ إلى ملهِمات كبار الرومنسيين.
8 ـ المخطَّط في معظم المسرحيّات الرحبانيّة يتّخذ المنحى الآتي: تبدأ أولاً مؤشّراتُ اختيار الضحيّة. ثم تتحلّق الحركةُ حول "ناطورة" القيم (فيروز دائمًا)، أيْ ناطورة الوحدة، وموضع السرّ والأمانة والنذر (جسر القمر، وأيّام فخر الدين، وجبال الصوّان، وناطورة المفاتيح)؛ وناطورة الحلم (هالة والملك، والمحطّة). وهي ناطورةُ الرهان على الخير في الإنسان (الليل والقنديل)، وذلك في مسرحٍ ضدّ الانشقاق، بما هو مسرحٌ خلاصيّ.
9 ـ البطلة دائمًا هي معنى المسرحيّة لأنها الضحيّة المنذورة للخسارة أو للانتصار لكي تنجو الجماعةُ وتتطهّرَ من أزمتها. كما أنها حالةٌ جماليّةٌ عليا تتماهى مع الخير. وفيروز، التي ستحمل هذا الدورَ باستمرار، قد تدخّلتْ في صياغته وإنتاج دلالاته. وعلى مدى عقود أمكنها، بما امتلكتْ من مواهبَ وإيمانٍ بالفنّ، أن تبني أيقونةَ "القيم اللبنانيّة" والرحبانيّة.
وعندما اقترن دورُ الضحيّة والمخلّص المتعالي، بالجمال والصوت المتجاوز للمألوف (أعني صوتَ فيروز)، تحقّقَ التماهي وترسّخَ في هذا المسرح بلا رجعة: إنه تماهي الوطنيّ والأخلاقيّ والشعريّ والجماليّ.
10 ـ هذا المسرح، ككلّ مسرح، رهينُ لحظة العرض. لكنّ حضورَ فيروز، كممثلةٍ مبدعة، فضلاً عن مواهبها الصوتيّة الاستثنائيّة، وشيوعِ أغانيها وامتدادها الزمنيّ إلى ما وراء المسرح وما بعده، قد انتشلاه من الآنيّة والعرضيّة. بل إنّ فيروز عاشت دورَها إلى ما وراء الخشبة، وما بعد زمن العرض. وإذا كان الرحبانيّان قد ابتدعا هذا الدور كحكاية، فإنّ فيروز عاشته وكرّسته على أنه حقيقةٌ مثاليّةٌ ومتجسّدة، هي حقيقتها الباقية. وسوف تتمسّك دائمًا بحقيقتها، ناطورةً للوحدة والتآلف، أو رمزًا للوحدة رغم التمزّق، وفي زمن التمزّق، إبّان الحرب الأهليّة.
فيروز: الإبداع في الفنّ والمعنى والموقف
تمثَّلَ لدى فيروز التكاملُ بين المواهب الصوتيّة، الطبيعيّة منها والثقافيّة الفنيّة، وبين النزوع المتسامي. وهي في مسيرتها الفنيّة الطويلة المتبتّلة رسمتْ رسالتَها عبر شخصيّة البطلة ـ التي ابتدعتها عبقريّةُ الأخوين رحباني ـ لتزيدها عمقًا: إنها شخصيّة "ناطورة القيم" و"ناطورة الوحدة" كما ذكرنا؛ شخصيّةٌ مرادفةٌ للجمال والطبيعة. ولقد اعتنقتها فيروز، وغذّتها بمواهبها وإيمانها؛ توحّدتْ بها، وزادتها شفافيّة وورعًا في مسيرتها المستقلّة، ومضت بها إلى مراقٍِ جديدة. ففيروز تنتسب إلى التراث الرحبانيّ، لكنها في مسيرتها المتأمّلة المستقلّة، وفي لقاءاتها الشعريّة والموسيقيّة برعيلٍ منتخَبٍ من الشعراء والموسيقيين، قد أبدعتْ حضورَها الخاصّ.
سألتُها مرةً: مَن هو أستاذكِ الأكبر؟ فأجابت: " أساتذتي كثيرون، أهمُّهم عاصي،" وذكَرَتْهم جميعًا. ثم أضافت: "لكنّ الأستاذ الذي وجّهني نحو النفس البشريّة، نحو أسرارها وأحوالها، هو الشعر." حقّاً لا أرى أستاذًا أعظم: ففيروز تحفظ مئات القصائد، بين فصحى وعاميّة، وبين قديمٍ وجديد. وهي تعايشها، أيْ تتغلغل فيها وتكتنه معانيَها، تتذوّق كلماتِها، تطرب لوقعها، تعْرف تاريخَها، وتلتمس أفقَها ومرماها. تحفظ قصائد في الحبّ، في الوطنية، والحزن، والحكمة، والآلام، والتسابيح، والتراتيل، واللعب. وهذه المعرفة الهائلة، فضلاً عن ثقافتها الموسيقيّة، تعزِّز عمقَ غنائها وغناه.
فيروز مع زياد
بقوة هذه الحيويّة الإبداعيّة استطاعت فيروز أن تلتقي بمشروعٍ آخر شديد الاختلاف عن مشروع الأخوين، هو مشروع زياد رحباني، ولاسيّما أنّ هذا الرحباني الجديد المتفرّد لا يتوقّف عن السير بعيدًا عن مآثر أسرته، ليبدعَ مأثرتَه الخاصّة.
في البداية عجبتُ كيف تجاوبتْ فيروزُ مع اتّجاه زياد. ثمّ بدأتُ أتنبّه
كيف أَدخلتْ إلى ثورته، وإلى ما يبتغيه من تعرية الحياة وشغبِ الواقع، شعريّةَ الحلم، وشقاوةَ الطفولة، حتى سربلتْ لحنَه بالحيرة. فزياد، المتمرّدُ على الرومنسيّة، له مشروعُه الخاصّ ورؤيتُه المختلفة كليّاً عن رؤية المؤسِّسيْن ومشروعِهما. وعلى كلّ حالٍ ليس تقليدُ الأخوين رحباني ممكنًا، وأيُّ محاولةٍ من هذا القبيل ليست في مصلحة الأخوين ولا مصلحةِ الأبناء أيّاً كانوا. وهكذا نجا زياد بعبقريّته وتفرّده. ومضى يُسقط الهالاتِ عن المقدَّسات الفنيّة وعن الماضي المؤسطَر. وإنّ أغنياتٍ من قبيل "كيفك إنت" و"مش كاين هيك تكون" لهي نوعٌ من البارودي (parodie)، أو نسخةٌ كاريكاتوريّةٌ عن أناشيد الحنين إلى الماضي.
مشروع زياد، فضلاً عن الرؤى الخاصّة والطموحات الفنّيّة المميَّزة، هو مشروعُ كسر اليوتوبيا أو تعريتِها وإقامةِ الراهن. فزياد ابنُ الزمن الحاضر، وصائدُ التحوّلات والانكسارات في إيقاع العالم وصورته. إنه صائدُ الأصداء، وترجمانُ شبيبةٍ تبحث عن نفسها على امتداد العالم. منحاه، بالإجمال، هو منحى الانقلاب على الرومنسيّة، أكثرَ مما هو انقلابٌ على الأب. ولقد سعى في انقلابه إلى استدراج فيروز في ثورته هذه . وإذا كانت فيروز لم تصدّ موجةَ زياد، فإنها بمجرّد استقبالها ومواكبتها إيّاها قد حوّلتْ طابعها. ولهذا كان لا بدّ لزياد من الاحتفاظ بميادينه الخاصّة، يوطِّد فيها ركائزَ ثورته، بعيدًا عن سحر فيروز.
وقد نتساءل: كيف أمكن فيروزَ، التي كانت عمادَ المشروع اليوتوبيّ الأول، أن تتفقَ مع مشروع زياد الثائرِ على الرومنسيّة، والعائدِ بقوّة إلى العالم اليوميّ، عالمِ الحياة العاديّة أو عالمِ الحضارة الراكضة نحو التمازج ونحو المجهول، في إيقاعه وتفاصيله وبُعده عن مثاليّات القرن التاسع عشر؟
الحقّ أنّ زيادًا استدرج فيروزَ إلى الإيقاع اليوميّ الحيويّ الذي يعمل على اكتشاف جماليّاته الخاصّة. استدرجها إلى عالمٍ فيه انكساراتٌ، وتغيّرٌ، واغترابٌ، واقتحامٌ لتناقضات الواقع وعريِ الحياة اليوميّة. وفيروز، من جهتها، أقامت بين هذه الرؤية وصوتها حوارًا وتساؤلاً وإلغازًا. ولكنْ إذا كان مشروعُ زياد قد حاول انتزاعَها من الأسطوريّ المثاليّ واليوتوبيا الرحبانيّة، ودَفَعَها في اتجاه اليوميّ واللعب العفويّ المجّانيّ، فإنها بدورها سعت إلى خرق مشروعه وإلقاء ظلالٍ شعريّةٍ عليه.
في هذا الازدواج والتمايز الذي يمثّله الخطّان العبقريّان لآل الرحباني (خطّ الرائديْن وخطّ الابن) ، كانت فيروز وحدها هي التي جَمعت الضفتين المتباعدتين، لكنْ من دون أيّ تنازلٍ عن خصوصيّتها المميّزة، أو أيّ تداخلٍ والتباسٍ بين الاتّجاهين. وكما حملتْ فيروز موسيقى الرحبانيين "الأبوين أو الرائدين" على أجنحة صوتها لتسير بموسيقاهما الركْبان، كما يقال، ولتبني بهذا الصوت أولمبَ الجمال، استطاعت أن تستقبلَ عبقريّةَ الرحباني الابن، الجديدِ المتجدّد، الذي غادر يوتوبيا الأبوين (عاصي ومنصور) في اتّجاه القبض على العالم في إيقاعه اليوميّ ونبضه اللاعب المتحوّل. وها هي فيروز في هذا المشروع الجديد تستعيد ألاعيبَ الفتوّة، من دون أن تتنازل عن أبعادها الروحيّة.
بيروت
*خالدة سعيد: ناقدة أدبيّة. لها كتب ودراسات في الشعر والرواية والمسرح . صدر لها عن دار الآداب مؤخّرًا كتابٌ حول المسرح بعنوان: الاستعارة الكبرى.










التعليقات
علِّق