عن تمييزيّة النظام الإسرائيليّ المتعدِّدة
(ترجمة: سماح إدريس)
أنزل/ي المقالة بصيغة PDF
في الفكر النقديّ تُمثّل الأسماءُ التي نمنحها للظواهر الاجتماعيّة ـ السياسيّة كيف نفهم المشكلة وكيف نفهم الحلّ. فمصطلح "الرأسماليّة" يفسِّر المشكلةَ ويقترح حلولاً: الاشتراكيّة أو الشيوعيّة. ومصطلحُ "الديكتاتوريّة" يقترح هو أيضًا الحلَّ: الديمقراطيّة. ويمْكننا بالطريقة نفسها أن ننظرَ إلى المصطلحات المستخدمة لوصف النظام الإسرائيليّ ولنقده، وإلى ارتباطها بـ "الحلول." فاستخدامُ مصطلح "أبارتهايد" يتّصل برؤيةٍ تدعو إلى دولةٍ ديمقراطيّةٍ واحدةٍ تمنح مواطنةً متساويةً لكلّ سكّانها في كامل منطقة "فلسطين/إسرائيل." والحقّ أنه إذا كان نظامُ السيطرة عبارةً عن جهازٍ موحّدٍ للتمييز العنصريّ، فإنّ إستراتيجيّة إنهائه بسيطةٌ جدّاً: "شخصٌ واحد ـ صوتٌ واحد"؛ فتكون جنوبُ أفريقيا في هذه الحال هي المجازَ الذي يُقتدى به والدربُ التي تُقتفى. وبالطريقة ذاتها يمْكننا فهمُ استخدام كلمة "الاحتلال": فإذا كانت المشكلة هي فقط النظامَ العسكريَّ في الضفّة الغربيّة وغزّة، فإنّ إنهاءَ الاحتلال وإنشاءَ دولةٍ فلسطينيّةٍ في تلك المناطق ينبغي أن يكونا الإستراتجيّة المنشودة؛ فتكون الجزائرُ في هذه الحال هي المجازَ الذي يقتدى به والدربَ التي تُقتفى.
لكنّ المشكلة هي أنّ نظام السيطرة الإسرائيليّ ليس ذاك الذي ساد في جنوب أفريقيا ولا في الجزائر: فلا هو أبارتهايد، ولا هو احتلال. النظام الإسرائيليّ لا يشمل كلَّ الفلسطينيين في نظامٍ موحَّدٍ من التمييز، والمناطقُ "المحتلة" ليست منفصلةً عن الدولة المسيطرة بل هي جزءٌ منها. النظام المذكور يشمل الفلسطينيين في مجالي الاقتصاد والعسكر، لكنه يستبعدهم من الفضاء السياسيّ بطرقٍ مختلفة، بحسب أماكن وجودهم: فاللاجئون هم أكثر المستبعدين بروزًا، ومواطنو الدولة اليهوديّة [فلسطينيو 48] هم الأقلّ تعرّضًا للتمييز بروزًا، ولدينا في الوسط أشكالٌ مختلفةٌ من الاستبعاد في القدس الشرقيّة والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. هذا ليس أبارتهايدًا: إنه نظامٌ أكثرُ تركيبًا وتعقيدًا بكثير من ذلك، ويحُول دون حصول إستراتيجيّةٍ موحّدةٍ للشعب الفلسطينيّ، المقسَّمِ بشكلٍ دائمٍ ويعاني أنماطًا متعددةً من القمع. ومصطلح "الاحتلال" بدوره يعجز عن وصف نظام السيطرة الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة، وعن وصفه بالتأكيد في غزّة.
لقد سبق في أماكن أخرى أن ناقشتُ افتقارنا إلى مصطلحاتٍ ملائمةٍ قادرةٍ على أن تستوعب ماهيّةَ ذلك النظام الإسرائيليّ البالغ التعقيد والتركيب، وأن تنقده، وتزيلَ شرعيّتَه، وتغيّرَه؛ وهو نظامٌ أسميتُه "الأمر الذي لا اسمَ له." وإنّ غيابَ مصطلحاتٍ ملائمةٍ قادرةٍ على فهم هذا النظام إنما هو نتيجةٌ للافتقار إلى إستراتيجيّةٍ واضحةٍ للنضال ضدّه، ولكنه أيضًا عائقٌ دون تطوير إستراتيجيّة مقاومةٍ له. إنّ المبالغة في التبسيط وفي اختزال النظام الإسرائيليّ إلى [محض] أبارتهايد أو احتلال لا تستطيع أن تنزعَ عنه الشرعيّة بما فيه الكفاية، ولا أن تدركه بطريقةٍ تقود إلى رؤيةٍ سياسيّةٍ لنظامٍ بديل.
إنّ تعقيد النظام الإسرائيليّ وشدّة تركيبه ليست حصيلةَ خطةٍ معدّةٍ إعدادًا جيّدًا على يد مستعمري فلسطين الصهاينة الأوائل، بل هي نتيجةُ توالٍ لا يمْكن التنبّؤُ به لأحداثٍ تاريخيّةٍ تراجيديّةٍ على الساحتين المحليّة والدوليّة. ولقد أدّت هذه الأحداثُ إلى تهجير الفلسطينيين من بيوتهم وأراضيهم، وإلى قطع أوصالهم الجماعيّة بوصفهم مجتمعًا سياسيّاً. ولئن أمكن أن تفُسَّرَ هذه الحصيلةُ بأنها كانت من أهداف الاستعمار الصهيونيّ [أصلاً]، فإنّ النظام الناشئ منها لا يمْكن تفسيرُه إلاّ بوصفه حصيلةً لأحداثٍ تاريخيّةٍ غير متوقّعة أدّت إلى تشظية الفلسطينيين الحاليّة، فأصبحوا خاضعين لأنظمةٍ تمييزيّةٍ مختلفة تَحُول دون إعادة بناء حركةٍ وطنيّةٍ واحدةٍ ذاتِ إستراتيجيّةٍ واضحةٍ ورؤيةٍ إلى المستقبل. في بعض أجزاء من فلسطين يعيش الفلسطينيون في أوضاع أفضل من الأبارتهايد (وذلك داخل الدولة العبريّة والقدس الشرقية)، ولكنْ ثمة فلسطينيون آخرون يعيشون في أوضاعٍ أسوأ بكثير (كما هو حالُ الشعب السجين في غزّة). إنّ إدراك ماهيّة هذا النظام ذي الأشكال التمييزيّة المتعدّدة مهمّ من أجل تغييره، ونقدِه، وإزالةِ شرعيّته، واستشرافِ البديل. فهذا النظام لم يُنشأ في لحظةٍ تاريخيّةٍ واحدة، بل في مفاصلَ حاسمةٍ مختلفةٍ تسبّبتْ في تشظية الفلسطينيين وخلقتْ أنظمةَ إخضاعٍ يمْكن تمييزُ بعضها من بعض. ولكي ندرك أين صرنا اليوم، وكيف نفهم النظامَ الإسرائيليّ، وكيف نبني مستقبلاً مختلفًا، سأقترح هنا توجّهًا يتأمّل الماضي، ومن ثم سأقترح سبلاً جديدة للنضال من أجل مستقبل أفضل.
***
تشظّي الفلسطينيين الأول حصل أثناء الثورة العربيّة التي بدأتْ عام 1936 انتفاضةً وطنيّةً، وانتهت بانحلالٍ داخليٍّ للحركة الوطنيّة على شكل احترابٍ بين الفصائل. هذا العجزُ عن تنسيق إستراتيجيّةٍ وطنيّةٍ واحدةٍ لمواجهة الكولونياليّة الصهيونيّة استمرّ، وانتهى بالنكبة، وباستبعاد اللاجئين بمنعهم من العودة إلى فلسطين. وقد أدّت النكبةُ إلى تشظّي الفلسطينيين في ثلاث مجموعاتٍ أساسية: الأقليّة أصبحتْ مواطنين في الدولة العبريّة تحت الحكم العسكريّ؛ والغالبيّة من اللاجئين يعيشون في الدول العربيّة ويُحْرمون حقَّ العودة إلى وطنهم من جهة وحقَّ المواطنة في دول لجوئهم من جهة أخرى؛ وهناك أخيرًا فلسطينيون بقوا في بيوتهم في الضفّة الغربيّة وغزّة لكنهم أصبحوا خاضعين لنظام الأردن ومصر على التوالي.
المفارقة أنّ هزيمة الدول العربيّة عام 1967، واحتلالَ كامل فلسطين التاريخيّة، وإخضاعَ غالبيّة الشعب الفلسطينيّ [للحكم الإسرائيليّ]، كانت المفصلَ التاريخيَّ الذي سهّل توحيدَ الفلسطينيين في كفاحهم ضدّ النظام الإسرائيليّ. فقد نجحتْ منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة (م.ت.ف) في توحيد الفلسطينيين وراء هدفٍ واحدٍ، هو بناءُ دولةٍ علمانيّةٍ ديمقراطيّةٍ في كلّ فلسطين. ولكنْ بعد الاجتياح الإسرائيليّ للبنان عام 1982 وطردِ م.ت.ف من لبنان، اشتعلت الانتفاضة [الأولى سنة 1987] في الأراضي المحتلّة عام 67، فكانت هي التي وضعتْ إطارًا [مناسبًا] للمطالبة الفلسطينيّة بدولةٍ مستقلةٍ في الضفّة وغزّة. هذه الانتفاضة، وإعلانُ م.ت.ف الدولة المستقلّة عامَ 1988 [في الجزائر]، عزّزا الفلسطينيين وخلقا ضغطًا دوليّاً على إسرائيل للاعتراف بـ م.ت.ف. وهذا الضغط أدّى إلى اعترافٍ "متبادلٍ" في أيلول (سبتمبر) 1993 تميّزَ بلاتكافؤٍ صارخ: ففي حين اعترفت م.ت.ف بدولة إسرائيل، اعترفت الحكومةُ الإسرائيليّة بـ م.ت.ف، لا بدولةٍ فلسطينيّةٍ مستقلّة.
هذا اللاتكافؤ في اتفاقيّات أوسلو وفي المفاوضات اللاحقة عكَس اللاتكافؤَ في علاقات القوّة بين إسرائيل ـ كقوةٍ مهيمنةٍ ـ والفلسطينيين المفكّكين والمعتمدين على حسن نوايا الحكومة الإسرائيليّة. ومن المهمّ هنا أن نقرّ بأنّ اتفاقيّات أوسلو خلقتْ وضعًا جديدًا لا يمْكن عكسُه: وهو أنّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة اعترفتْ بدولة إسرائيل ومُنحتْ حقَّ إجراء الانتخابات [لاختيار مرشّحيها]. وسُمح للسلطات الفلسطينيّة المنتخَبة بأن تدير مناطقَ صغيرةً منفصلةً حدّدتْها إسرائيلُ، وهي مناطقُ مشتّتةٌ ومطوّقةٌ بالجيش الإسرائيليّ. إذًا اتفاقيّاتُ أوسلو، بمعنًى من المعاني، شرّعت النظامَ الإسرائيليّ لأنها مَنحت الحكومة الإسرائيليّة حقَّ تقرير متى تشاء سحْبَ قوّاتها العسكريّة ومن أين. إنّ انسحاباتِ إسرائيل الأحاديّةَ الجانب، وبقاءَ سيطرتها على الحدود الخارجيّة للمناطق الفلسطينيّة، كما هو حالُ سجن غزّة حاليّاً، استندتْ إلى اتفاقيّات أوسلو. وهذا الوضع الجديد، حيث السلطاتُ الفلسطينيّة المنتخَبة تدير مناطقَ مطوَّقةً بالجيش الإسرائيليّ، تمّ تشريعُه بوصفه "عمليّةَ سلام"؛ وفي المقابل أزيلت شرعيّةُ المقاومة الفلسطينيّة لأعمال إسرائيل الأحاديّة الجانب بوصفها (أي المقاومة) معاديةً للسلام!
إنّ قدرة إسرائيل على تهجير الفلسطينيين وتفريقهم باستمرار، مترافقةً مع شرعنة ذلك بـ "عمليّة السلام،" هي ما أعنيه بالنظام "الذي لا اسم له." فمؤسّساتُ الدول تستند إلى حدودٍ معيّنةٍ معترفٍ بها، لكنّ للنظام الإسرائيليّ حدودًَا متعدّدةً تقْسم الفلسطينيين: فحدودُ العام 1967 تفْصل مواطني إسرائيل الفلسطينيين عن الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال العسكريّ في أراضي 67، والحدودُ مع لبنان ومصر والأردن وسوريا تفصل الفلسطينيين الخاضعين للسيطرة الإسرائيليّة عن اللاجئين الفلسطينيين في هذه البلدان. ولهذا تصرّ إسرائيلُ على الاختفاظ بتحكّمها بكلّ الحدود، ولهذا لم تساومْ على هذه المسألة منذ "الاعتراف المتبادل" [عامَ 1993]. إنّ الحدود المتعدّدة هي الشرطُ البنيويّ للحفاظ على النظام ذي أشكال التمييز المتعدّدة، الذي يَحُول دون تماسُك الوطن الفلسطينيّ. وهذا النظام ليس أبارتهايدًا تمامًا، ولا احتلالا فقط؛ وفي ظلّ هذا النظام لا يستطيع الفلسطينيون الاتفاقَ على إستراتيجيّةٍ واحدة، أكانت دولةً واحدة أمْ دولتين. فاللاجئون يريدون أن يعودوا، والغزّاويّون يطالبون بإنهاء سجنهم المادّيّ وخنْقهم الاقتصاديّ، وأهلُ الضفّة يسعوْن إلى إنهاء الاحتلال العسكريّ، والفلسطينيون داخل إسرائيل يطالبون بحقوقٍ مدنيّةٍ متساويةٍ [ مع اليهود]. وفي الوضع الراهن الذي يتّسم بنجاحٍ إسرائيليّ لا يصدَّق في تفريق الفلسطينيين وحكْمِهم بأنظمة تمييزٍ متعدّدة، يصْعب كثيرًا تصوّرُ "حلّ" وتعبئةُ الناس في سبيل دعمه.
***
إنّ الديمقراطيّة الليبراليّة المرتكزة الى المبدإ الفردانيّ "شخص واحد ـ صوت واحد" لا يمْكن أن تكون حلاً لهذا النظام الإسرائيليّ المعقّد. ففي كلّ المجتمعات الاستيطانيّة ليست الديمقراطيّة هي الحلّ بل المشكلة، وتؤدّي إلى التمييز في أحسن الأحوال، وإلى التطهير العرقيّ والإبادة الجماعيّة في أسوإها. لقد سعى المستوطنون الأوروبيون دومًا إلى انتزاع الأرض من مالكيها الأصليين وإلى استبعادهم من الحكم. وكانت الديمقراطيّة مصمّمةً للمستوطنين وحدهم؛ وفي جنوب أفريقيا وأميركا الشماليّة وأستراليا كان السكّان المحلّيون يُعتبرون تهديدًا ديموغرافيّاً. في غياب اتفاقٍ مسبّقٍ على ملْكيّة الأرض، وعلى [طريقة ردم] الهوّات الاقتصاديّة، وعلى الحقوق الفرديّة والجماعيّة، لا يمْكن أن تَحلّ الديمقراطيّةُ النزاعَ بين المستوطنين والسكّان المحلّيين.
في حالة الدولة الديمقراطيّة الواحدة في فلسطين/إسرائيل، سيبقى النزاعُ الديموغرافيّ مفتوحًا بسبب الشتاتيْن الكبيريْن، اليهوديِّ والفلسطينيّ. ومن ثم فإنّ دولةً ليبراليّةً ديمقراطيّةً ستزيد التأزّمات بين الجماعات القوميّة وستنصّبها ـ بنيويّاً ـ أعداء سياسيين صميمين يخوضون نزاعًا دائمًا: فأن تكون يهوديّاً سيعني أنكَ ضدّ الفلسطينيين، وأن تكونَ فلسطينيّاً سيعني أنكَ ضدّ اليهود. بكلامٍ آخر، فإنّ الديمقراطيّة في حلّ "الدولة الواحدة" ستكون هي المشكلة لأنّ "الطرفين" سيكونان مشغوليْن أساسًا بالسباق "الديموغرافيّ" سعيًا إلى أن يكون كلٌّ منهما هو الغالبيّة، جالبًا في سبيل ذلك المزيدَ والمزيدَ من اليهود أو من الفلسطينيين، من المَهاجر أو من أرحام االنساء. وفي رأيي أنّ أحدَ المبادئ التي ينبغي أن يتم تبنّيها لتحييد السباق الديموغرافيّ ليس الديمقراطيّة، بل التكافؤ في دولةٍ مشتركة.
المشكلة طبعًا هي أنّ الدولتين ـ الأمتين لا تستطيعان أن تقدّما حلاً ثابتًا للنزاع الأساس، لعدّة أسباب، أهمُّها: الافتقارُ الى التواصل الجغرافيّ، وإلى القدرة الاقتصاديّة على الحياة، وإلى القوة العسكريّة لحماية السيادة الاقتصاديّة والجغرافيّة الفلسطينيّة، واستحالةُ تقسيم القدس والأماكن المقدّسة، وغيابُ حلّ قضيتين أساسيتين هما حقُّ عودة اللاجئين وحقوقُ المواطنين الفلسطينيين في المساواة داخل الدولة اليهوديّة. لقد أجمع "اليمينُ" الصهيونيُّ و"اليسارُ" الصهيونيّ في إسرائيل على حلّ الدولتين تحديدًا لأنه ليس حلاً بل وسيلةٌ لاستمرار نظام التمييزات المتعدّدة والسيطرة الإسرائيليّة على كامل فلسطين/إسرائيل..
***
من أجل تطوير إستراتيجيّة نضال ضد نظام التمييزات المتعدّدة، ولتصميم مؤسّساتٍ سياسيّةٍ قادرةٍ على تمثيل المجموعتين القوميتين كلتيهما من دون فرض إرادة أقواهما على الأخرى، علينا أن نفكّر خارج الأطر التقليديّة. وبهذا المعنى فإنّ وضعَ "حلّ الدولتين" و"حلّ الدولة الواحدة" على طرفيْ نقيضٍ خطاُ، بل علينا أن نفكّر في مزيجٍ من الحلّين. إذ في مواجهة العوائق المنصوبة أمامهما كليْهما، ينبغي بذلُ مجهودٍ كبير، لتصميم مؤسّسات، ولابتداع أطر عملٍ سياسيّةٍ قادرةٍ على احتواء الأزمات بفضل قوانينَ متّفقٍ عليها تؤدّي إلى إنتاج التمثيل والحوار. وعلى هذه المؤسّسات المقترحة أن تجسِّدَ السمات الإيجابيّة لكلا الحلّين (الدولة او الدولتين) وتتجاوز عوائقهما. ولا بدّ من أن يتأتّى ذلك عبر مزيجٍ خلاّق من نماذج أنظمة اتحاديّة قائمة؛ تعدديّة (كبلجيكا) وكونفدراليّة ذات مؤسّسات فدراليّة، وحكومتين قوميتين منفصلتين، وإدارة مشتركة واحدة (كالاتحاد الأوروبيّ).
ولكنْ يبدو لي أنّ من المهمّ، قبل تصوّر أيّ رؤيةٍ للمستقبل، الإقرارَ بمبدإ أساسٍ واحدٍ وشرطٍ رئيسٍ واحد. أما المبدأ فهو رفضُ التمييز بين اليهود والفلسطينيين أينما كانوا: سواءٌ داخل الحدود المعترف بها لإسرائيل، أو الضفّة الغربية، أو قطاع غزّة، أو القدس، أو الشتات. وأما الشرط فهو تقديمُ حمايةٍ دوليّةٍ للفلسطينيين من قوة إسرائيل العسكريّة والاقتصاديّة المتفوّقة. وفقط حين يتمّ الإقرارُ بذينك المبدإ والشرط سيصبح ممكنًا التفاوضُ على بناء مؤسّسات سياسية قادرة على تمثيل الجماعتين القوميتين، وعلى بناء مؤسسات مشتركة تهدف الى أن تدير الوطن المشترك لصالح الشعبين معًا.
*ليف لويس غرينبرغ: مُحاضر في قسم العلوم الاجتماعيّة في جامعة بئر السبع.










التعليقات
علِّق