عمّ يبحثون؟ خدعة الكتابة
كان القمعُ في القرون التي خلت هو الدافعَ الرئيسَ لظهور أعمالٍ تنقّب عن العدل والمساواة، وتعيد صياغة أفكارٍ نضاليّة، حيث تدقّ اليدُ المضرّجةُ بالدم بابَ الحرية. ولم يكن ذلك الدقُّ نغمًا ناشزًا، ولا التوقُ إلى الخلاص مثيرًا للاستهجان: فقد كانت الشخصيّاتُ الروائيّة، سواءٌ صوّرها تولستوي أو محفوظ، مشحونةً برغبةٍ قي التحرر، ومحمّلةً بانسانيّةٍ تكاد تقفز من بين الصفحات.
لكنّ صورةَ العالم تغيّرتْ، وتغيّر موقعُ الفرد فيه. فالعالمُ اليوم يتّسم بلامبالاةٍ مخيفةٍ تُشعر الفردَ بأنه يقف في الخواء، لا يعرف بأيّ حبلٍ يتمسّك: أبحبل الإيديولوجيّة الدينيّة، أمْ بإيديولوجيّةٍ تابعةٍ للفكر الرسميّ الأمريكيّ، أمْ بإيديولوجيةٍ شموليّةٍ لا تتوانى عن سحق المعارضة بحجّة العدوّ المتربّص على الأبواب، أمْ بأيديولوجيّة الإغراق في الملذّات الفرديّة والإعلاءِ من شأن الجسد؟ تبدو كلُّ إيديولوجية وكأنها عالمٌ مغلقٌ على ذاته، رافضٌ لغيره من العوالم، أو ربما غيرُ واع بوجودها. وهذا ما يحوِّل كلَّ عالمٍ إلى دالٍّ واضحٍ على... الديكتاتورية. فمن أيّ عالمٍ ينهل الروائيُّ والكاتبُ إذًا؟ وما هي المعطيات التي تدفع بخياله إلى العمل على إعادة صياغة عالمٍ بديل؟
وإذا افترضنا أنّ على الروائيّ أن ينهلَ من تلك المعطيات المرتبكة المتداخلة المشوّشة المتناقضة المتحفّزة المدّعية (وبقليل من الشجاعة يمكن أن أضيف "الوقحة")، فما هو الناتجُ الإبداعيّ؟ لقد استخدم أحدُ النقّاد الآسيويين، في إشارةٍ إلى حال اللغة النقديّة الخاصة بنظريّات ما بعد الاستعمار، صورةً بليغةً لوصف المشهد، فقال إنّ الأمر يبدو وكأنّ مجموعةً من الحقائب قد تبعثرتْ محتوياتُها على الشريط الخاصّ بالأمتعة: مشهدٌ فوضويّ لا يلهِم ولا يدلّ. وتنطبق هذه الصورة على حال السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والتخييليّ. وإذا كنا نوافق لوكاش على أنّ الرواية هي الشكلُ الأكثرُ ديموقراطيّةً، فكيف تلهم تلك المعطياتُ الشموليّةُ شكلاً ديموقراطيّاً؟ هناك مأزقٌ يواجهه الروائيُّ بالتأكيد، ويتعيّن عليه البحث عن وسيلة تساعده لا على رسم عالمٍ بديلٍ منافٍ للواقع القبيح فحسب، بل على إيجاد شكلٍ يحتوي هذا العالم ويبرّر وجوده أيضًا.
على الروائيّ، إذًا، أن يبحث عن شكلٍ وعن قالبٍ لاحتواء الخلاص التخييليّ. وعليه أن يجدّ في البحث ليجد المخرجَ المناسب من هذا الحصار الشموليّ. وهو ما يحتّم عليه أن يبحث في مناطقَ مغايرةٍ للمتعارَفِ عليه، أن يبحث عن الشخص أو السرّ أو المكان أو المعنى. وهو ما فعله، مثلاً، أمين معلوف في رائعته بالداثار، حيث كان البحث عن الكتاب الذي يحوي الاسمَ السرّيّ للخالق هو طريق الخلاص من نهاية العالم. وقام سالم بنحميش بالبحث نفسه في هذا الأندلسيّ إذ كان بحثُ ابن سبعين عن المخطوط وسيلةَ الحصول على الأمان. لا يقوم البحث هنا بوظيفة تقنيّة فقط تساهم في الحبكة والحدوتة، بل يتحوّل في حدّ ذاته إلى نهج فكريّ يتتبّعه الروائيُّ ويقتفي أثرَه في الكتابة. فكأنّ الكتابة تستهدي على الطريق وتحاول أن تتبع العلامات. يتحوّل البحثُ في هذه الحال إلى اكتشاف للشخصيّات ولأحاسيسها وأفكارها ودروبها، وإلى كشفٍ للمغاير والمسكوت عنه والهامشيّ والمختبئ والمقموع والمنبوذ والمحرَّم والمرفوض. يسير الروائيُّ على الدرب في محاولة لاقتفاء آثار عالمٍ اختفى، وحلّ محلَّه عالمٌ غريبٌ لا يحمل من العالم المألوف سوى أشكالٍ مغايرةٍ متطورةٍ من القمع والقبح.
***
في أثناء محو الآثار المألوفة لا يَغفل القامعُ عن محو التاريخ وتحويل علاماته إلى دوالَّ باهتةٍ تكاد لا تدلّ أو تَكشف إلاّ بصعوبة. ومن المعروف أنّ محو التاريخ أو تشويهه من السمات الرئيسة لمنظومة القمع الحداثيّة: فليس تاريخ النساء والفقراء فقط هو الذي يمحى أو يشوه كما قالت الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، بل ذلك ما يحصل أيضا لتاريخ "الأقليّات." ومن هنا يكون البحثُ عن حقيقة ما جرى دافعًا للكتابة، وهو ما فعلته ماري رشو في طفلة الكوليرا.1 تستمع لورا إلى حكايا جدّتها "آرشا" عن التهجير الذي وقع للأرمن، وعن المذبحة التي قام بها الأتراك. الطفلة تختزن في وعيها كلَّ ما حدث للجدّة، وتقرر أن تعيد ترتيب الأحداث وسدّ الفجوات عندما تتخصّص في التاريخ. تبحث لورا عن الصور والخطابات والوثائق وقصاصات الصحف، وتجري وراء حكايا جدّتها لتكملَ القصة الأرمنيّة. وفي هذا البحث المحموم ـ الذي يقاومه الأبُ بشدة لأنه لا يريد إعادة تقليب الأوجاع ـ تنفتح الروايةُ على تاريخ الأرمن منذ بداية القرن العشرين. تتداخل تعليقاتُ الحاضر (الصادرة من الأب والأمّ والعمّ) مع حكايا الماضي (الصادرة من الجدّة)، ليتجسّدَ شكلُ الجوع والقتل والاغتصاب والإهانة والذلّ أثناء رحلة التهجير. هكذا كان البحثُ عن التاريخ المهمَّش هو الدافعَ إلى الكتابة، الأمرُ الذي يحول ذلك البحثَ إلى مضمونٍ ذي شكل خاصّ به: فيه تتولّد الحكاية من الأخرى، مع التركيز على أهميّة التاريخ الشفويّ.
***
في أميركا2 يعيد ربيع جابر كتابة "صورة عتيقة" لايزابيلا الليندي بشكلٍ مختلف. تقرّر مارتا حدّاد، الصبيّة الجميلة، أن تترك الضيعة في لبنان وأن تسافر إلى أمريكا لتبحث عن زوجها خليل حدّاد، الذي انقطعتْ رسائله منذ عام (1913). تسافر على الباخرة حتى مرسيليا، ومن هناك إلى مرفإ أليس لاند حيث تدخل أمريكا. في رحلة البحث عن زوجها تتحول أميركا إلى تتبّعٍ لتطوّر شخصيّة مرتا: من صبيّة ترتعد، إلى سيّدة أعمال ذات خبرة، ومن بائعة تحمل "الكشة" (القفّة) على ظهرها وتجوب بها الطرقات إلى صاحبة محل تورِّد البضاعةَ إلى مَن يحملون الكشة على ظهورهم. تتطور الشخصيّة لتصنع أصدقاء من ناحية، ولتتخلّص من وهم انتظار الزوج من ناحية أخرى. وفي رحلة البحث ـ التي تكفّ تدريجيّاً عن البحث ـ يتمكّن الكاتب من رصد تاريخ وصول ملايين المهاجرين من سوريا، وكيفيّة استقرارهم في "العالم الجديد." كما ترصد الرواية الحربين العالميتين والحربَ الكوريّة والكسادَ الكبير، من دون أن تفقد في سطر واحد إمكانيّةَ الإمتاع والتشويق. أميركا وثيقة روائية تقيم مرتا حدّاد في القلب منها، ويفضي بحثها إلى رصد تاريخيّ لحقبةٍ رئيسةٍ في تاريخ أميركا.
***
من الحكمة أن يطلقَ على رواية أموات بغداد3 للعراقي جمال حسين علي روايةَ تجريبيّةً. فهى تطرح فكرةً لا يمْكن أن نعرفَ النتائج التي يمكن أن تفضي إليها. يعود العالِمُ العراقيّ (الذي لا يذكر اسمُه) من موسكو إلى بغداد بعد سقوطها ليبحث عن والديه. وفي رحلة البحث يتطوّر الأمرُ بشكلٍ مذهل: فالمذابح طالت كلَّ شبر في العراق، وبدأ الكشفُ عن المقابر الجماعيّة. يعمل العالِم "دفّانًا متطوّعًا،" وفي أثناء رحلة العمل يفنّد العظامَ، ويرصد الكيفيّة التي مات أو قُتل بها هؤلاء الأشخاص. العالِم العراقيّ يندمج تمامًا في عمله، راصدًا جغرافيا الموت، ومُظهرًا الوحشيّة العشوائيّة التي عومل بها العراقيون. وبعد بحث مضنٍ يتوصل العالِمُ إلى ضرورة تخليق إنسانٍ عراقيّ جديدٍ بهدف الارتقاء بالأحياء. وهو ما يطرح إشكاليّة الصراع بين العلم والثقافة: أيّهما له فعاليّة في مداواة الأمراض؟
لقد كان الكاتب محقّاً عندما صدّر روايته بمقولة من ملحمة جلجامش: "أنا سأفضح ما هو مخبّأ." وأفضى بحثُه إلى الكشف عن الأمراض المتوطّنة في العقليّة العربيّة. لكنه غامر في طرح محاولة إعادة الخلق: فهذه لا يمكن التعاملُ معها إلا بوصفها فكرة تجريبيّة تحمل الكثيرَ من الرمزيّة المبطنة وتؤكد أهميّة كلّ جزءٍ في تاريخ الحضارة الآشوريّة.
***
في أبناء ا لجبلاوي4 يوظّف إبراهيم فرغلي آليّةً تسمح له بالبحث عن أكثر شطحات الخيال جنونًا. فلقد وقع تحت إغواء شخصيّات نجيب محفوظ ، إلى حدّ إعادتها إلى الحياة من أجل التواصل معها، بل محاكمتها ومساءلتها أحيانُا. وهذا جنون الغواية!
اختفت كتبُ نجيب محفوظ من البلد بأكمله: هذا هو الخبر الذي تُبلغه نجوى لكبرياء (اسم البطل)، وهو الخبر الذي يشكّل الشرارة السردية الرئيسة التي تنبني عليها الرواية، أو التي تعيد أبناءَ الجبلاوي إلى الحياة. يبدأ البحثُ المحمومُ عن سرّ اختفاء الكتب، وهو ما يسمح للكاتب بالتصوير الدقيق للبيروقراطيّة المعوِّقة لأيّ إنجاز (وتشكيلُ اللجان هو أشهر علامة مصريّة). أما ما يتمّكن الكاتب من إنجازه بسلاسة، ومن تحويله إلى جزءٍ أصيلٍ في متن السرد، فهو استرجاعُ مقاطعَ كاملةٍ من أعمال محفوظ، وإعادةُ ما تقوله الشخصيّات إلى الحياة، وذلك عبر استعراض أعمال اللجنة التي تشكّلتْ لاستعادة تراث نجيب محفوظ. ويتوازى مع ذلك البحث صعودٌ وهبوطٌ في علاقة نجوى وكبرياء: إذ يبدوان وهما يتقاربان (نفسيّا وجسديّاً) بحذر شديد، لكنه التقارب الذي يسمح بكشف التركيب والتعقيد الإنسانييْن في شخصيتيهما.
وبحيلةٍ روائيّةٍ ينتقل السردُ إلى نجوى، لتدير الدفّة في جهةٍ مغايرة، (فـ "الحقيقة لها ألفُ وجه")، وليقوم الكاتب بتسريب رؤيته عن سلطة السرد ـ وهو السؤالُ النقديّ الذي لم يُحسمْ مطلقًا. في الوقت ذاته كانت قصةُ اختفاء كتب محفوظ تزداد تعقيدًا، إذ ظهر المحفوظيون (أي أنصارُ محفوظ) والمحافظون (أي الرافضون للأدب برمّته)، وشوهدتْ شخصيّاتُ محفوظ تسير في الشوارع ليلاً (بما يسمح بإعادة اقتباس مقتطفات من أعماله). هكذا ينتهي الجزءُ الأول من الرواية ليبدأ الجزء الثاني، وفيه يعلن الكاتب أنّ كلّ ما سبق لم يكن سوى مخطوطِ روايةٍ أنجزها كاتبُ الكاشف، وهو كاتبٌ معتزل (مغترب بمعنى أدقّ) لم ينشر أيَّ عملٍ من قبل. تتوازى سيرة حياة كاتب الكاشف (بكلّ دلالة الاسم) مع سيرة حياة كبرياء، بل تتقاطع التفاصيل، وتنهل كلُّ قصة من الأخرى، حتى يرتبك القارئُ بينهما.
وفي انتقالٍ فانتازيّ آخر يجد كبرياء نفسَه فجأةً في مكانٍ يشبه المخبأ، محاطًا بشخصيّات محفوظ، فتبدأ رحلته في إعادة التعرّف عليها ( زينب دياب، زهرة، قرنفلة، زينات، كمال، ياسين، الحرافيش...)، وفي محاولة فكّ شفرة رسوم الجداريّات، والتأمّلِ العميق في أنواع الخطّ العربيّ. والكلُّ يلهث وراء كشف سرّ اختفاء الكتب (وهو بحثٌ عن الأب في الحقيقة). ولا يتوقف السعي إلى كشف السر حتى عندما نكتشف أنّ ما يحدث لكبرياء ليس إلاّ حيلة روائيّة في ما يكتبه كاتب الكاشف. ومحاولة البحث التي لا تتوقف هي في حدّ ذاتها ما يقدّم الدفعة السرديّة.
يتطلّب الكشفُ عن سرّ اختفاء الكتب الكثيرَ من الجهد: كجهد كبرياء في التعرّف إلى أنواع الخطّ العربي، وجهدِ الجبلاوي في الحفاظ على الحارة، وجهدِ الجميع في الحفاظ على مقتطفات من التراث المحفوظيّ. إنه الجهد الإنسانيّ اللانهائيّ الذي يتجلّى في كافة أنواع الفنون، ومنها العمارة، ذلك المصدّ المنيعُ ضدّ النسيان، لأنّ "آفة حارتنا هي النسيان" على ما يلفت الكاتبُ نظرَ القارئ في تمهيد الرواية.
يصف كبرياء القبوَ الذي وجد نفسه فيه مع أبناء الجبلاوي بأنه "ليس قبوًا بالمعنى الحرفيّ: فالمدخل الخادع يوحي بأنه قبو، لكنه يتصل بسردابٍ طويلٍ ممتدّ، ومنه إلى فناءٍ شاسع، كأنه مخبأ سرّيّ عملاق، تتوزّع فيه أركانٌ عدّة، يفضي كلٌّ منها إلى ما يشبه أزقّةً وحاراتٍ تتناثر فيها غرفٌ صغيرةٌ خُصّصتْ كلٌّ منها لشخصٍ من الموجودين في القبو" (ص 306). تتماثل بنيةُ الرواية مع هذا التصميم تمامًا: فكلّ حكايةٍ تفضي إلى الأخرى. وكالمعمار الفرعونيّ الخادع، تفضي كلُّ نهاية إلى بداية جديدة، وكأنّ هناك ثمرةً للنصّ تنتظر مَن يقطفها في النهاية. إلاّ أنّ النصّ متعدّد الطبقات، وكلّ طبقة تكتسب معناها من الطبقة السابقة واللاحقة عليها. هكذا يتحول البحثُ إلى مضمون وشكل.
***
البحثُ عن نهلا وعن قصّتها هو ما يولّد رواية اسمُه الغرام للكاتبة اللبنانيّة علويّة صبح.5 تبدأ الرواية والبطلة قد اختفت، وهي مصابة بمرض الزهايمر، أثناء حرب تمّوز الأخيرة. لكنّ روحَ نهلا حاضرةً بقوة، لتحثّ علويّة الكاتبة (كاتبةَ العمل والكاتبةَ داخل النصّ) على كتابة قصتها. وعندما تتساءل علويّة عن كيفيّة الكتابة من دون أن تكون على معرفةٍ تامّةٍ بحياة نهلا، تقول هذه لها: "مين قلك حتى لو عرفتيني وقت طويل حتعرفيني بالكامل لتكتبي عني؟ قومي اكتبي. وإنت وعم تكتبي رح تصيري تستهدي، ويمكن بتصيري تعرفيني. وما تنسي إنه الكتابة دايمًا ناقصة."(6)
الحقّ أنّ فلسفة الرواية بأكملها ترتكز على هذه المقولة. فالكتابة تهدي وتدلّ، بل تتحوّل هي ذاتُها إلى البديل الحقيقيّ المعيش. الكتابة تكشف وتستكشف في الوقت ذاته: تكشف شخصيّة نهلا عبر ما حكته عن نفسها، وعبر حكي الصديقات (سعاد ونادين وهدى وعزيزة)؛ وتستكشف المعانيَ الجوهريّة الكامنة في الحبّ والزواج والأمومة والصداقة والعلاقة بالطبيعة، بالإضافة إلى معنى الرغبة وتحوّلاتها على مدار العمر.
تبدو اسمُه الغرامُ وكأنها ردٌّ نسويٌّ خالص على رائعة ماركيز، الحبّ في زمن الكوليرا (1985). فقد بقي فلوريتينو وفرمينيا يحلمان بأن يشيخا معًا، ولم يخفت غرامُهما لحظةً واحدة، ولم يتلاشَ الحلم. فقرّرا أن يبحرا في السفينة ذهابًا وإيابًا من أجل الحبّ وحده. تكتب علويّة عن نهلا، وعن هاني الذي أهداها نسخة من رواية ماركيز. لكن كتابتها ليست مماثلة لكتابة ماركيز؛ فكتابتها تصوّر علاقة نهلا بهاني، وعلاقة نهلا برغبتها في وجود هاني: ذاك الذي اسمُه الغرام. وفي تحوّلات هذه الرغبة ورسوخها في روحيهما، توظّف الكاتبة كلَّ أشكال الكتابة النسويّة التي نجحتْ في كتابة الرغبة، تلك الكتابة المراوغة كالذاكرة. لم تكن رغبة نهلا منفصلة إطلاقًا عن صداقتها لسعاد الصامتة دائمًا، ولم تكن منفصلة عن إحساسها الأموميّ تجاه أبنائها. بمعنًى آخر، لم تصوّر علويّة صُبح إحساس نهلا برغبتها وبجسدها مع هاني بشكلٍ منفصلٍ عن إحساسها المتّقد تجاه كلّ ما تحبّه. إنها الرغبة المتعدّدة الأبعاد، التي تستمدّ قوتَها من هذا التعدّد، وترسِّخ صدقها من عدم المراوغة... على عكس الذاكرة المراوغة، وكأنّ الرغبة في وجودها هي البديل عن الذاكرة المتحولة. في حكيها لسعاد عن الرغبة، تقول نهلا:
"غرامنا يا سعاد جمرٌ بقي متوقّدًا. بدأ مشرقطًا جامحًا كعمرينا وكشبابنا، ثم تدريجيّاً راح يضخّ دفئًا. ما عاد غرامُنا لاحقًا يلسعنا بجمرة الشهوة، بل بدفئها. نشوةٌ لا يحْدثها لقاءُ جسدين فقط، بل نستمدّها من عناقٍ يدفن فيه الواحدُ رأسَه في حضن الآخر مغمضَ العينين. يشمّ رائحته، يصغي إلى كلام قلبه، وصوتِ أنفاسه، ويقول هامسًا للآخر: يا سكني!" (ص 274).
في محاولة الاهتداء إلى نهلا وحياتها بالكتابة ـ وهو شكلٌ من أشكال البحث أيضًا ـ تظهر على الدرب علاماتٌ دالّة تقود إلى نهلا. وتُعَدّ سعاد، أستاذةُ الفلسفة، واحدة من تلك العلامات: فهي أولاً مستودعُ أسرار نهلا، وفي حكي نهلا تعوّض سعاد عن كلّ ما تفتقده، حتى إنّ نهلا على وعي كامل بذلك: "والغريب أني لمّا كنتُ أحكي أحيانًا عن رغباتي وجسدي ومشاعري، كنتُ أشعر من نظراتها إليّ بأني أحكي كلامًا طواه داخلها لسانها المبلوع" (243). ومثلما تغْزل نهلا حكايتها بالكلام تغْزل سعاد وجودها "بخيطان الصمت" (244). ليس من المستغرب إذًا أن تحاول سعاد اللحاق بنهلا. وبشكل مفارق تبدو سعاد نقيض نهلا في كل شيء، وليدرك القارئ في النهاية أنّ سعاد كانت تفتقر إلى كلّ ما تسبح فيه نهلا: الغرام. أما هاني فقد ضاع تمامًا: "كأنه أضاع ذاكرة جسمه وفقدها. أحسّ أنه ضعيف، وأنّ حبّها كان يجعله قويّاً. ضعفه بدا خفيفًا مثل ريشة، لكنه ضعف قويّ ويهدّ جبالاً" (ص291).
بعد كلّ محاولات الاستهداء إلى نهلا بالكتابة يبقى سرُّ الاختفاء بلا حلّ. إلا أنّ تلك المحاولات تؤدّي إلى كشف كافّة المعاني المحتملة للغرام، للذاكرة، للجسد، للرغبة، للعمر، للوجود ذاته. لا تنتهج الرواية النهجَ البوليسيّ المعتادَ في الكشف عن السرّ، ولا تسقط في فخّ السذاجة التي تقول إنّ نهلا فُقدتْ بسبب الزهايمر، بل تنتقي علويّة من كلّ النهايات المتاحة ما يكْمل فعليّاً شخصيّةَ نهلا ويزيد من تأجّج رغبتها ويؤكّد الاتساق الكامل. فمنذ الطفولة في القرية اكتشفتْ نهلا جسدها عبر الطبيعة. وعندما كانت تدوّن خواطرها خافت من أخيها، فخبّأتْ ما تكتبه في الطبيعة تحت شجرة الرمّان. وعندما كانت تتأمّل الطبيعة كانت تمنّي نفسها بأن تصبح جزءًا منها (بالإضافة إلى حلمها المتكرر بالطيران). وعندما اختفت تساءلتْ سعاد: "أليس الاختفاء ذوبانًا في الشمس والريح والماء والشجر والأغنية والموسيقى والشعر الجميل الذي عشقته نهلا؟" (ص 304). لطالما تمنّت نهلا "أن تكون هي وهاني شجرتين تتضاجعان، تتداخل جذورُهما ببعضهما البعض تحت التراب، وتحتهما حشائش تؤنسهما" (ص 305-306). وهذا يعني أنه من الوارد أن تكون نهلا قد تحوّلتْ إلى "شجرة، أو صارت نجمة" (ص 306). وبدأتْ سعاد تستأنس بالنجوم في السماء ليقينها أنّ نهلا تحوّلت إلى واحدة منهم.
تلتقط الكاتبة خيطَ السرد لتدخل في فانتازيا ما بين الحلم والواقع (وهي تقنيّةٌ سبق أن وظّفتها في روايتها دنيا) لتقابل نهلا في أربعينات القرن. بالفعل عادت نهلا إلى الطبيعة، وهو ما يعيد إنتاج الفكرة الرومانسية التي تمحورتْ حولها الكتابةُ الشعريّة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، والقائلة بأننا من الطبيعة خُلقنا وإليها نعود (كان رائد هذه المدرسة الإنكليزي ويليام وردزورث، وله قصيدة عن فتاة اسمها "لوسي" تعود إلى الطبيعة، وهو ما يمنعه من رثائها). بالمثل تشرح نهلا لعلوية:
"هي الرغبة. أنا الآن في قلب الرغبة يا علويّة. هل تفهمين؟ رغبتي تبقيني على قيد الحياة لأنني أعيشها وأقف تمامًا في عمقها. أنا لا ألاحقها أبدًا، فلا داعي لعملية اللحاق. حين تلحقين برغبتك، تشكّين في أنك تعيشين الغرام. أنا لا أعيش مثل هذا الالتباس، أنا حيّة صدقيني. أنا حيّة. ما ظننتموه حول اختفائي كان عمليّة غرقٍ في الرغبة. لماذا حين يغرق الإنسان في رغبته، يعتقد الآخرون أنه اختفى، أو مات، أو انتهى؟" (ص 333- 334).
من الرغبة بدأتْ إذَا، وإليها تعود. وكلّ هذا البحث المضني كان يهدف إلى الكشف عن معنى الرغبة التي كتبتها علويّة صُبح كما لم يكتبها أحد من قبل. ولقد تحوّل البحث أيضًا في هذه الرواية إلى المحرّك الرئيس لاكتشاف المعاني المتعددة للذاكرة، وصولاً إلى ذاكرة الجسد وجوهر الرغبة.
***
تبدو تقنيّةُ "البحث" ملائمةً لواقع متشرذم. فالروائيّ، كمثل من يبحث داخل الأنقاض عن أحياءٍ، يوظّف تلك التقنيّةَ في محاولة للإمساك بالجوهر، أيِّ جوهر. وعلى مسار رحلة البحث تتكشّف العديدُ من طبقات المعرفة غير المتوقّعة. كأنّ البحث يقوم بوظيفة التنقيب عن الهامشيّ والمهمَل والمقموع. وعلى الدرب يجد الروائيُّ أو القارئ العديدَ من المعاني التي يمكنه التمسّكُ ببعضها والبناءُ عليه، أو إلقاءُ ما لا يهمّه في النهر. وبذلك يعود لجنس الرواية خاصّيّةُ الديموقراطيّة التي كادت أن تدهسها أقدامُ اليوميّ المخرِّب القامع. وفي كل الأحوال يتكشّف في النهاية أنّ البحث ليس إلاّ تقنيّةً روائيّة تحمل مبرِّراتٍ ودلالاتٍ غنيّة، لكنها أيضًا تنتمي إلى خِدع الكتابة الروائيّة التي تفتح على ثراء التخييل والإبداع.
القاهرة
*ناقدة وروائيّة مصريّة.










التعليقات
علِّق