مَشهديّة الأغاني ومسوًّدة الأفكار في لقاء زياد وفيروز
في مَطلع تسعينيّات القرن المُنصرم، عَرضتْ إحدى المحطّات التلفيزيونيّة اللبنانيّة عرضًا مُصوَّرًا لأغنية "كيفكْ إنْتَ" بعدَ فترةٍ وجيزةٍ من صدور العمل. ولقد حاول معدّو الشريط أن يَسْردوا الأغنيةَ باقتطاف مشاهدَ تروي (بحسب مفهومهم) قصّةَ النصّ الغنائيّ. لكنّ العرض كان أشبهَ بازدحامِ صورٍ اقتصر معظمُها على تجسيدٍ حرفيٍّ لما استُنتج من مَشاهد من قلبِ الأغنية. فحين تغنّي فيروز: "كيفك قالْ عمْ بيقولو صارْ عندََكِ ولادْ،" يظهر فجأةً أطفالٌ صغار؛ أمّا عندَما تقول: "أنا واللهْ كِنْتِ مفكّرتكْ برّاتِ البلادْ،" فلم يجد المعدّون فاصلاً أفضلَ من مسافرين من مطار بيروت. وباستثناء هذين المثالين، حيثُ قُيِّدَ النصُّ بحرفيّةِ معانيه، فقد بدا جليّاً أنّه استعصى على المُعدّين أن يُجاروا تصويريّاً باقي مراحل الأغنية؛ ولذا كانت المشاهدُ الطبيعيّةُ، وبالأخصّ مشاهدُ أمواج البحر (إشارةً ربّما إلى بيروت، مسرحِ الأحداث المُحتمَل)، هي التي تملأُ مساحةَ الأغنية، وتُرافق الكلامَ، من دون أن تدّعي تمثيلَه بالأسلوب البسيط نفسه. انَّ هذا العرض المُصوّر لـ "كيفكْ إنتَ" لهو خيرُ نموذجٍ على القراءة المُتعثّرة لنصّ الأغنية. بل لقد تجلّى من خلال هذا الشريط، ربما بسببٍ من كونه هاويًا، الالتباسُ الذي يقعُ فيه كثيرون عند تقصّي معنى "الواقعيّة" التي طَبعتْ لقاءَ زياد بفيروز.
إنّ مقولة "نسْخ الواقع" التي التصقتْ بتجربة زياد الشعريّة، وإنْ كانت صحيحة، قد فتحتِ المجالَ أمام تناولاتٍ تبسيطيّةٍ لمضمون النصّ الغنائيّ. واذا كانت المُفرداتُ الزياديّة التي فاجأتْ كثيرين بسبب خروجها عن مُعجم الأخوين رحباني هي التي أوقعتهم في هذا اللغط، فإنّ القيمةَ الفنيّة للنمط الجديد لا تكمن في كونه تجديديّاً على مستوى المعجم فحسب، بل في كونه تجديديّاً على مستوى مشهديّة الأُغنية أيضًا. فالحال أنّ الأغنية التي تستقي معالمَها من لحظتها الآنيّة، ومن صميم واقعها المدينيّ، لم تعد تَغْرس جذورَها في أرضٍ بعيدة، ولم تعُد تستند إلى مخزونٍ فكريٍّ مُتوارَث، وانّما راحت تَتَشكّل مع زياد من إيقاعِ دورة الحياة نفسها. وعندما يكون كلامُ الأغنية نابعًا من صلبِ الحياة اليوميّة، فإنه لن يَجْهد على الأرجح في الوصول إلى المتلقّي، بل سيجعل منه حليفًا مُباشرًا في كامل أحاسيسه. ففي حين اختلقتْ أغنيةُ الأخوين رحباني أمكنةً حميمةً اصطحبتْ إليها المُستمعَ، تباغتُ أغنيةُ زياد أمكنةَ مستمعيها وتتقمّص ملامحَها.
إنّ هذا الفارق بين الأسلوبين هو الذي جعلنا نستهلّ حديثَنا بأقصوصة الشريط المصوّر بغية التوقّف، منذ البداية، عند الصعوبة التي يُثيرها "نَسْخُ الواقع" في عمليّة إخراجه. وهذا لا يعني أنَّ الأغنية التي أدّتها فيروز قبل لقائها الفنيّ بزياد تتجاوب بسهولة مع التصوير. غير أنّ الهامش الخياليّ الذي تتركُهُ أغنيةُ الأخوين رحباني، أي المساحةَ الحميمةَ التي يَتّخذها المُتلقّي في الأغنية، غالبًا ما يوحي بحدودٍ مكانيّةٍ مألوفة، في حين أنّ التّخوم التي يرسمها نصُّ زياد تتطابق في الغالب مع فضاء المُتلقّي.
بالعودةِ إذًا إلى تحديد المَشاهد، فإنّ ما تمكّنَ المنفّذون من نقله قد كان المقاطعَ الثانويّةَ التي زُجّت في النصّ لإغناء المراحل الأساسيّة: "شو بدّي بالبلاد/الله يخلّي الولاد/كيفكْ إنتَ ملاّ إنتَ"؛ أمّا الجزءُ الأغلبُ من الأغنية فقد حالت "واقعيّةُ النصّ" دون تطابقه مباشرةً مع مشاهدَ تُجسّدهُ حرفيّاً. ولا يعود ذلك إلى انعدام وجود ترجمةٍ حرفيّةٍِ للكلام، بل إلى عدم جدواها أصلاً ـ وهو ما تنبّه إليه المنفّذون بشكلٍ غير مباشر.
البناء التصاعدي في تكوين المشهد
إنّ الارتقاء باليوميّة، أو بالواقع وتفاصيله، إلى الفنّ، يَقطع على ما يبدو طريقَ عودة هذه التفاصيل إلى إطارها الأوّل. بل لو حدثَ أنِ استُعيدتْ، في الحديث اليوميّ، عبارةٌ أو مفردةٌ مستلّةٌ من أغنيةٍ ما، فإنها تُستخدم بكامل قيمتها الشعريّة المُكتَسبة. ففي أغنية "كيفك إنتَ" يستوقفنا السياقُ الآتي: "زعِلتْ بوقتا وما حلّلتا، أنّو إنتَ، هيدا إنتَ،" حيثُ يُمسي لحالةٍ تتَكرّرُ باستمرارٍ في الحياة اليوميّة تسميةٌ ووصفٌ يُعطيان الواقعَ عينَه بُعدًا آخر. ولئن كانت تلك المعادلةُ لا تَتحقّق مُباشرةً، فانّ ذاكرة المُتلقّي التي تَتَشبّع وتغتني بحميميّة الواقع منذ عمل "معرفتي فيك" (بل منذ أُغنية "البوسطة" في أسطوانة "وحدُن" من قبلِه) باتت تُغني تفاصيلَ الحياة بصوت فيروز.
إنَّ التعاطي الخاطئ مع مَشهديّة الأغنية يؤدّي غالبًا إلى "تفويض" العناصر المحسوسة في النصّ مهمّةَ تشكيل هويّة الأغنية. غير أنّ ما ميّز نصّ أغاني فيروز الزياديّة هو أنّ صياغة المشهد تأتي من خلال تفاعلِ عناصرَ جمّةٍ قد يتقلّص دورُها إنْ وُجدتْ مُنفردةً. ولعلّ إسقاط الواقع على العمل الغنائيّ لا يُنجَز بانتقاء مشاهدَ جاهزةٍ من نسيج الحياة، بل بإعادة تركيب المشهد لحظةً بلحظة، مع الاحتفاظ بكامل مراحل تكوين المعنى. وهكذا يبدو أنّ المضمون عند زياد لا ينبع من رؤيا جاهزة، وإنّما ينمو شيئًا فشيئًا.
وفي هذا السياق نتوقّف عند أسطوانة "معرفتي فيك،" وعند مراحل تكوين المشهد: "بس اليوم/ما بَعرِفْ/كيف قلّك/يمْكن هلّق عمْ قلّك/حبيبي/لآخر مرّة بقلّك/حبيبي/مشْ إنتَ حبيبي..." الكلام هنا مُستقًى من صلبِ حالةٍ وجدانيّة، وهو يتقصّى أصغرَ تفصيلٍ في تطور الشّعور، وصولاً في نهاية المطاف إلى: "مشْ إنتَ حبيبي." هنا تغيبُ لغةُ السّرد، أي اللغةُ التي تُخاطب المُتلقّي: فلا اقتصاد في الكلام، والنتيجة لا تظهر إلاّ بعد عرضٍ تراتبيٍّ للاختلاجات الداخليّة. وما يسمعه المتلقّي، بل يكاد يراه، ينبع في أداء فيروز مُباشرةً من الحالة الشعوريّة نفسها، فيُدركُهُ من غير وسيط. إنّ هذه المُباشرة تحافظ على التصاعد، أيْ إنّ المعاني تَختمرُ كلمةً بعدَ كلمة، ليغدوَ ما يُراود صاحبةَ الكلام من تردّدٍ وتوتّرٍ في الأفكار جزءًا صريحًا من الأُغنية. وإذا كان حديثُنا سيرتكزُ إلى النصّ، فلا بُدّ أن نتوقّف أيضًا عند براعة مُزاوجة الكلام للموسيقى، وإعطاء المضمون بُعدًا دراميّاً عميقًا. فصرخة "مش إنتَ حبيبي" تأتي أشبهَ بانفراجٍ في لحظة تفجّر. وقد تلت هذه الصرخة جملةٌ تأكيديّة، وهي "مِش إنتَ،" أوحت بنبرتها الخجولة بلحظةِ انعتاقٍ أو ارتياحٍ بعد الاعتراف الصّافع. أمّا في "حبيبي، لآخر مرّة بقلّكْ حبيبي،" فقد هيّأ المدُّ الصوتيُّ للخاتمة التراجيديّة تهيئةً تامّة.
مسودة الأفكار في"كبيرة المزحة هاي"
يتكرّر مبدأ تشكيل هذا المشهد في أكثر من حال، ويكتسبُ قيمةً دراميّةً ومعانيَ مُختلفةً تنتظمُ بالعناصر التالية: 1) الصّراحة في رسم الاختلاجات، 2) الحفاظ على البناء التّصاعديّ للفكرة، 3) امتزاج المفردات بالموسيقى. وهذه التراتُبيّة في رسم المشهد، أو ما نسمّيه "مسوّدة الأفكار،" تكرّرتْ في تجربة زياد بأساليبَ مُتعدّدة. فبناءُ الأحاسيس، والاحتفاظُ بمراحل تَكوينها، أخذا حينًا شكلَ البوح الصريح بكلّ ما جال في خاطر المُتكلّم، وكانا حينًا آخر سعيًا إلى تفسير خصائص اللغة المحكيّة الخصْبة وإلى ِتسليط الضوء عليها. وقد تجلّى هذا البحثُ، الذي لازمَ تجربة زياد المسرحيّة، في نصوص الأغاني. نذكُرُ على سبيل المثال أُغنية "كبيرة المزحة هاي" (بيت الدين، 2000)، وتحديدًا مقطع "ما بعْرفْ كيف بتحسّ وما بتَعرِف شو عمْ بتحِسّ/ما بَعْرِف كيف بتحِبّ وما بتعرِف شو عمْ بتحِبْ." ففي هاتين الجُملتين طرحٌ يتجاوز التحليلَ الداخليّ لأنه يتطرّق حتّى اللغة والكلام المُستخدم في حديث الناس بالذات. إنّ التردُّد في البوح بالشعور، أو الإفصاحَ عن شعورٍ ونقيضِه في آنٍ واحدٍ، يحدّان من صدقيّة المُخاطَب ومن حجمِ شغفِه: فكيف له الإحساسُ بشيءٍ لا يُدركُ ما هو، أو كيفَ له أن يشعُرُ أصلاً إذا لم يكُن يعْلم ما يشعُر به؟ هذا الطرح يدعو بوضوحٍ إلى تعبيرٍ فعليٍّ عمّا يجول في الداخل، وإلى الاصغاء إليه، بعيدًا عن التردّد وتحريف الأفكار. يلي المقطعين السابقين جملةٌ ذاتُ وقعٍ أقوى: "من بعد هالعُمر، كبيرة المزحة هاي،" ردّاً على التساؤل السابق الذي عصيَ على التفسير؛ فما صدرَ عن لسان الحبيب من كلام حائر يُلخَّص، إذًا، بمزحةٍ كبيرةٍ يصْعبُ تصديقُها. وعليه، فإنّ هذا الحوار أو التحليل الدّاخليّ (في الجملتين المذكورتين "ما بعرف كيف بتحس ...") هو ربّما إعادة نظرفي هذا الأسلوب من التعبير، وهو ـ كما قلنا ـ الكشف عن إحساسٍ ونقضهِ بآخَر في آنٍ واحِد.
لعلّ هذه الطريقة في تحجيم الشعور، أو في كِتمانه يعودُ إلى توجّهٍ تأصَّلَ في اللغة المحكيّة، ومن خلاله يتحفّظُ المُتكلّمُ عَن المُجاهرة بخصوصيّاته، مُكتفيًا بالتلميحِ إليها: فهو يُحبُّ ولا يُحبّ، ويشعُرُ بشيءٍ ولا يدري ما هوَ. وهذا النوعُ من الحياء في التعبير ارتدى مرارًا في أعمال الأخوين رحباني وجهًا شاعريّاً، إذ كان هذا التردُّدُ أو التأرجُحٍُ في المقصود يُفضي إلى معانٍ جديدةٍِ نذكُرُ منها، على سبيل المثال، "تَعا ولا تِجي": فهذه الصورة هي إحدى أروعِ الصُوَر الشعريّة، حيثُ كانت البراعة عند الأخوين تكمُن في صياغةِ المعنى من كلمةٍ واحدةٍ ومن نقيضها معًا؛ يليهما القولُ: "وكذوبْ عليّ" التي أوضحتِ المقصودَ في الجملةَ الأولى، فأُحكمتْ جماليّةُ الصورة. وقد تكرَّرَتْ هذه التجربةُ في أُطرٍ كلاميّةٍ مُختلفة عند الأخوين، وكانت فكرةُ بحثهما عن المعنى بين القول وبين نفيِه قد تكرسّتْ أسلوبًا رئيسًا في بناءِ القصيدةِ المَحكيّة. نذكُرُ: "انساني ولا تنساني،" "غيبي ولا تغيبي،" "خذني ولا تاخذني،" وغيرها. إننا نسترجعُ الإرثَ الشعريَّ الرحبانيّ في حديثنا عن أعمال زياد، وأعمالِه لفيروز تحديدًا، سعيًا منّا إلى رصدِ التحوّل والنضوج في تجربته الشعريّة الحديثة. وإنَّ ما أُثيرَ في "كبيرة المزحة هاي" هو إعلانٌ غيرُ مُباشِر لا لسقوط فكرة "التردُّد" المُتمثّلة في التعبير بالكلمة وبنَقيضِها، وانّما هو إقرارٌ بِسذاجة ذلك الطرح متى كان الحديثُ هو عن إحساسٍ داخليّ محض كما "الشعورُ" و"الحُبّ." تتوسّع هذه الفكرة بشكلٍ لافتٍ في أغنية "يا ضيعانو.". ففي مطلَع الأُغنية، يستوقفنا مقطع "حَبّيت ما حبّيت ما شاورتْ حالي،" وهو يَطرح في قالبٍ ساخرٍ مسألةَ التردُّد في تشخيص الأحاسيس، داعيًا بذلك إلى خلخلة هذا الادّعاء الشاعريّ. فالمرأة هنا لا تُفصح عن حُبّها أو عدم حُبّها لأحدهم بسببٍ من عدم اكتفائها بالجوّ الحالم بين الاثنين، بل لأنّها ـ ببساطة ـ لم تتكبّدْ عناءَ "مُشاورة" نفسِها. هكذا تنبع جماليّةُ النصّ من صميم هذه الروح السّاخرة، لتعودَ وتكتملَ بعناصرَ أُخرى عجّت بها هذه الأغنية.
***
صياغة الذاكرة في "اشتقتلّك" و"مش كاين هيك تكون"
من "كبيرة المزحة هاي" و "يا ضيعانو،" ننتقل إلى عملٍ آخر من أسطوانة "مش كاين هيك تكون،" وتحديدًا إلى المقطع الأوّل من أغنية "اشتقتلّك" التي رافقتْ غالبيّة برامج حفلات فيروز منذ صدورها (1999): "رغم الحاصلْ من زمانْ/الوقت الكافي للنسيان/عزّة نفسي كإنسانْ/ اشتقتلّك." إنّ هذه الجملة الأولى لا تحملُ تعدادًا أو سردَ وقائع فحسب، بل هي أيضًا أشبهُ بتركيبٍ هندسيّ لظرفٍ داخليّ: ينطلقُ من قاعدة البُعد الزّمنيّ (الذي أثقل المعنى في الجزء الأوّل)، يليها ترسيمٌ لموقع هذا الماضي على حدود النسيان، ثمّ ارتباطُ المُتكلّم الوطيدُ بتلك الذكرى، فالاعترافُ بالاشتياق. هذا البناء التصاعُديّ في المشهد الدّاخليّ يبدأ بطرحٍ فضفاضٍ للزمن الماضي؛ أمّا ذكرُ النسيان، فهو مجالٌ أوّل لإغناء الجُملة ببعدها الإنسانيّ، الذي يعودُ ويتوطّد مع صيغة المُتكلّم في الجزء الثّالث؛ ليأتي الاعترافُ في الجزء الأخير انقلابًا على كلّ ما قيلَ سالفًا. وقد تلت هذا الاعترافَ فترةُ صمتٍ قصيرةٌ عزّزتْ وقعَه في السياق، وجاءت بمثابة مفارقةٍ مع الإيقاع السريع ورتابته. إنّ هيكل الأغنية اتّسمَ بترابطٍ متينٍ بين مُختلف عناصرها. ونحنُ إذ نغفلُ عن خصائص أخرى فإننا نتوقّف عند صياغة المشهد الداخليّ الذي طَبَعَ أعمال زياد لفيروز.
ولكنَّنا من هذا المشهد الدّاخليّ، الذي يحْمل في طيّاته خبايا الاختلاجات الحميمة، نجدُنا أحيانًا على تُخومٍ بين عالمين: أحدُهما داخليٌ يُخاطبُ النفسَ (وهو ما وصفناه إلى الآن)، والآخر يستقدمُ من محيطه المكانيّ والزمانيّ معالمَ ودلائلَ يتبنّاها النصُّ في صياغة معانيه. نعودُ في هذا المجال إلى أُغنية "اشتقتلّك" وإلى مقطعٍ آخر تحديدًا: "وهيدي الشجرة العتيقة/يلّي ما كنّا نطيقا/حبّيتا واشتقتلاّ واشتقتلّك." فالحال إنّ إدخال المعالم المحسوسة لم يكن لدعم المشهد الداخليّ بخلفيّةٍ مألوفة، بل من أجل الدخول إلى صميم الحوار الوجدانيّ، حيثُ تتحوّل تلك المعالمُ إلى جزءٍ ثابتٍ من فَلك المُتكلّم. إنّ استخدام عنصر "الشجرة" في الفكرة الجريئة، المتمثّلةِ في قول "يلي ما كنّا نطيقا،" هو محاولة بارعة في اختراق الرمزيّة التي لازمتْ هذه المفردةَ على الدوام، ودفعٌ بها إلى الواقعيّة. أمّا تحوّلُ الشجرة من عنصر سلبيّ إلى مصدرٍ للحنين، فقد أضفى معنًى رومنسيّاً إضافيّاً؛ ذلك أنّ التعريف الشعريّ بالمَعْلم ينحصرُ بحال المُتكلّم: به يتلوّن، ومنه يستمّد معانيَه.
في أغنية "مش كاين هيك تكون" طرحٌ للمعالم المحسوسة، ولكنْ بأسلوبٍ جديد. فاستعمال مفردات "الزيتون، الصابون، اليانسون" وغيرها جاء في سياقٍ يُجرِّدها من خصائصها التصويريّة، وجعلها أداةً لتقويم مضمون النصّ الذي قد يُختصَر في "يا ضيعانُن راحوا،" وهي جملةٌ تَهزمُ الماضي كُلّه إنْ جاز التعبير. ففي التحسّر على ما لم يعُد على حاله مُباركةٌ لكلِّ ما كان، صغيرًا أو كبيرًا، وإشارةٌ إلى تحوّل كبير. والحقّ أنّ استخدام هذا الكمّ العشوائيّ من المعالم في أغنيةٍ واحدة، من دون أن يحظى أيٌّ منها بتوسّع في مدلوله الأساس، ولّدَ تلك النّفحة الفكاهيّة المُتعمّدة، التي تبدّدتْ بدورها في جملة "يا ضيعانُن." إنَّ تكثيف المفردات، وزجَّها الواحدة تلوَ الأخرى، هما اللذان عرّياها من معانيها، بحيث تحوّلتْ إلى مُجرّد جَرْسٍ موسيقيّ في سياق الأغنية. إنّ عزل الكلمة عن المدلول هو تأكيدٌ على توظيفها في خدمة المشهد الداخليّ، الذي تجلّى في: "إذا هلّق حُبّكْ غيّر، ريتو عمرو ما يكون." وفي هذا الإطار نذكر مثلاً التحسّرَ على ما لا يتغيّر إلاّ بتحولّ مَنْ ينظر إليه، كما في: "كان أوسع هالصَالون، كان أشرَح هالبَلكون."
وبالعودة إلى مقولة "لغة الواقع،" فإنها في "مش كاين هيك تكون" لا تتجلّى في انتقاء المُفردات (وإنْ كانت هذه هي المرّة الأولى التي ينفتح فيها نصٌّ لفيروز علىَ اللغة اليوميّة بهذا الشكل) بقدْر ما هي بيِّنةٌ في استقدام مَرجِعٍ من مخزون المُتلقي، متمثّلٍ في جملة: "مش سامع غنيّة: راحوا؟" أمّا أداء كلمة "راحوا" باستعادة نغمتها الأصليّة (من مغناة "البعلبكيّة" للأخوين رحباني عام 1961) فهو تشديدٌ قاطعٌ على أنّ كلَّ شيء تحوّلَ؛ حتّى إنّ كلمة "راحوا" الأصليّة أتت من جوّها الملحميّ وباتت جسرَ ربطٍ بين ما كان وما صار. هذا المزجُ المدروسُ بين استرجاع ذاكرة المُتلقّي، والاستعانةِ بالمعالم المحسوسة، والتعبيرِ عن مشهدٍ داخليّ، جديرٌ بالبحث والتنقيب. وإذا كان نصُّ هذه الأغنية لا يُفلتُ من سرب باقي النصوص، فهو يمثّلُ استجابةً كاملةً لأزمةٍ داخليّةٍ استنفرتْ كلّ ما حولها من معالم، وابتكرتْ منها صلةَ ربطٍ بين ما يدورُ في نفسِ المُتكلّم ومحيطه.
***
المضمون والمشهد: معاني المَلل والفضاء المُصغّر
إنّ الخصائص التي تطرّقنا إلى بعضها آنفًا، في ما خصّ نصّ أغنية زياد، نُحدّدها اختصارًا بثلاث نقاط. أولاً، نلتمسُ في بناء النصّ عمقًا وثقلاً لا سابقَ لهما من جانب المُتكلّم، وهو يقع في ما عرّفناه بـ "المشهد الداخليّ." ثانيًا، تدخلُ شخصيّة المُتكلّم في علاقة جدليّة مع مُحيطها. أخيرًا، هذا الصراع بين المُتكلّم وما حوله، أو مَن حوله، ينكفئ في أغلب الأحيان من طريق اللامبالاة. هذه النقاط تُبرزُ تطابُقًا لافتًٍا بين بناء المضمون وبين صياغة المشهد في نص أغنية زياد. ففكرة اللامبالاة مثلاً وازتها علامةٌ مهمةٌ في النص تمثّلت بثبات مكان المُتكلّم. هذا المكان تحدّدَ، دائمًا، في فضاءٍ مُصغّر، قد يكون البيت، المكانَ المُتكلّم الحميم، وقد أصبحَ امتدادًا لشخصيّته.
هذا الرُّسوخ والاختلاءُ في المكان الواحد هما مصدران للتعبير عن العُزلة وعن الضّجر، ويُقابلهما استرسالٌ في التعبيرِ عن اللامبالاة. وهذا ما سيتجسّد بأبرعِ صورةٍ في أغنية "يا ضيعانو" التي ذكرناها آنفًا. أما من الأعمال المنشورة فلعلّنا نعودُ مُجدّدًا إلى أسطوانة كيفك أنت، وإلى الأُغنية الأخيرة "مش قصّة هاي" التي تبوحُ في عنوانها بِحالة عدم الاكتراث هذه. ففيها ننطلقُ من اللازمة: "بتِمرُق علايْ امرُق/ما بتمرُقْ ما تِمرُق/مش فارقة مَعايْ" التي تحقّقتْ فيها فكرةُ الثبات وانصهار هويّة المتكلّم بمحيطه الصغير. هذا الثبات يرسمُ هنا شكلاً للحالة الدّاخلية، وَيتعمّقُ في معاني الملل أو في "التمرّس باللامبالاة" (جوزيف عيساوي، النّهار، 3/7/1991). فالكلّ سيّان" ما حدثَ، وما قد يحدُث، وما قد لا يحدُث. أمّا قمّة السُخرية فتظهر عندَ جُملة "بتفرق معاي تفرُق ما بتِفرُق ما تِفرُق،" وكأنَّ الطرح قد أدخلَ إحساس اللامبالاة في حلقةٍ مُقفلةٍ لا سبيل إلى إيقافها. حلقة اللامبالاة هذه أبرزتْها الموسيقى في تكرار جُملها، وتباطؤ اندفاع الإيقاع الذي رافقَ المعنى في شكلٍ شبه دائريّ. هذا الحاجز، الذي يردُّ عن المُتكلّم عبءَ الحياة الخارجيّة، يَجعلُهُ يُبدّلُ نظرتَه إلى ما يدور من حوله: فعوضًا من تناول سلبيّات الحياة كأمرٍ استثنائيّ، تُمسي الإيجابيّاتُ هي الاستثناء. هذه الرؤيا السوداويّة برزتْ في "تسَودَن مساي يلله/ما تسَوْدَن خير من الله"؛ فالطرحُ بدأ بالاحتمال الأسوإ، لا العكس، وها هو يُواجَه باللامبلاة المتمثّلة في تعبير "يلله"؛ أمّا الاحتمال الآخر فبدا أقلّ حظّاً في الحدوث. ولعلّ الواقعيّة التي ميّزتْ هذا العمل تقتربُ في بنائها من مثلِنا السّابق من ناحية المزج بين واقعيةِ ما يُروى بلسان المُتكلِّم في سياق الأغنية، والواقعيّةِ التي نلتمسها في العمل مُكتمِلاً. ففي القسمِ الأخير مثلاً كانت جملة "هيدي الغنيّة جزء صغير من عقلك والشقا والتعتير" نموذجًا على اتّحادِ مضمون العمل بالرسالة المُوجّهة إلى المُتلقّي. فها هو التبرير يأتي بأنّ الكلام الذي سبقَ، وهو الأُغنية، لم يكُن سوى جزءٍ وجيزٍ ومُختصرٍ من قصّة العلاقة بين الاثنين، حياءً من المُستمع؛ فالرابط بينهما قد تعدّى الكراهية وتخطّى العَتاَب حتّى اتُّخِذَت الأغنية وسيلةً للتعبير عن مواضيع مثل "الشقا والتعتير."
وبالعودة إلى موضوعِنا الأوّل، أيْ صياغة المشهد في أغنية زياد الفيروزيّة، نرى أنَّ المُتكلّمة تعلِنُ بصوتٍ عالٍ وجودَها ومكانَها من خلال تَشبُّثها بعدمِ الاكتراث، ومن ثم الهروب من مواجهة الحياة. إنها، برفضها المُواجهة، تُحصِّنُ مكانَها الثابت وتكادُ أن تذوبَ كُليّاً في ِفضائه (وهو ما سيبرزُ في اُغنية “يا ضيعانو” القادمة). والحال أنّ فكرة المَلَل والرسوخ غير الإراديّ في مكانٍ واحدٍ انعكستْ في الكثير من أعمال زياد، قديمها وحديثها، نذكُرُ منها "قديش كان في ناس" (1973)، حيثُ أخذ هاجسُ العُزلة بُعدًا شبهَ ملموس عندما تجسّدت الصورة في "حيطان" الدكّان، وكان الضجرُ يَحوكُ حدودًا جديدة للمكان لدرجةِ أنّ المُتكلّم نفسه تحوّلَ إلى مصدرٍ للملل. وبعيدًا عَن الأسلوب السرديّ في العمل الباكر "قديش كان في ناس"، تشبّعت تجربتا "مش قصّة هاي" و"مش كاين هيك تكون" بِلغةٍ ونمطٍ جديدين في تحديد المَعنى. فعوضًا من تزويد المُتلقّي بصُورٍ ولوحاتٍ تُعبّر عن الأحاسيس، نرى أنّ القيمة الفنيّة لأعمال زياد اللاحقة مع فيروز تكمن تحديدًا في ترسيخ شخصيّة المُتكلِّم وتثبيت دوره في فرضِ حالةِ تأهّب لدى المستمع. فالمستمع راصدٌ لكلّ كلام، ارتجالاً كان أو بوحًا، وهذا ما أطلقنا عليه “مسوّدة الأفكار” كما في أُغنية "معرفتي فيك." وقد ساهم صوتُ فيروز في تأدية هذا الدور الجديد المُجدّد، إذ لم تصطحب المُستمعَ إلى صورٍ تعبيريّة بل في رحلةِ فلسفةِ الواقع هذه.
***
في أعمالٍ أكثر مُعاصَرَةً تَطْرحُ موضوعَ الملل والاستقرار الخارج عن الإرادة، نتوقّف عندَ أغنية "أفلاطون" لجوزيف صقر من أسطوانة بما أنّو (1995) التي انعكستْ فيها عُزلةُ البيت أو الغُرفة على المُتكلِّم، أو على ذلك الذي يتوهّم أنه أفلاطون. هُنا، في التناقُض بينَ شعور الانغلاق وبين الرغبة الجامحة في التحرّر من قيود المكان الصّارمة، كان نصُّ هذه الأُغنية يُحاكي، بطريقةٍ ما، الأمثلة التي استعرضناها. "نيّالُن والله نيّالُن/برموا الدنيي فَتَلوا الكون/وأنا علقان بنفس الغُرفة مفكِّر حالي أفلاطون." اللافت في هذه الجُملة هو المجاهرة باكتشاف الحُلُم وضياعه. فالتمنّي يأخذُ منحاه الطفوليّ، ألا وهو التخلّص من عُزلة المكان الذي تجذّرَ فيه المُتكلّم. يأتي وقعُ اسم أفلاطون اختصارًا لهذا الواقع في نقلٍ هزليٍّ فذٍّ جعلهُ يهزأ ليس فقط بذلك الرّجل المُتمسّك بطقوس عالمه الصّغير، بل بالحياة المدينيّة المتقوقعة أيضًا. أمّا ما يميّز هذا النصّ من الأعمال التي تناولناها سابقًا، فهو توسّعٌ بارزٌ في المشهد الدّاخليّ: فبناء عالم المُتكلّم جاء مُتوازيًا مع مشهدٍ خارجيّ تمثّل في مرور العصافير على شُرفة البيت، وفي ما تبقّى من شجرِ المدينة بيروت. أمّا اللقاء بين المشهدين فقد برزَ في وصف المُتكلّم لحركة العصافير الدؤوبة. ولقد كانت المُفرداتُ المستعارةُ من لغة الشرطة (دوريّة، مَوكب، كَركون) خيرَ دليلٍ على استثنائيّة هذا المشهد، ومزجًا واضحًا بين مخزون "أفلاطون" الثقافيّ المُتأصّل في عالم المدينة، وبين صورَة العصافير البعيدة عادةً عن هذا العالم.
في انتقالنا إلى اُغنية "أفلاطون" لجوزيف صقر، لم نتوقّفْ عند موضوع الثبات وحده، بل تطرّقنا إلى الأسلوب في صياغة المَشهد، وتحديدًا المشهد الداخليّ. في لُغة أغنية فيروز انحيازٌ واضحٌ إلى المُتكلّم الذي كان يشكّل اللاعب الأوّل والأخير في إدارة الحركة من حولِه. وإذا كان المُتكلّم يؤدّي دورَ المُتلقّي في أكثَرِ من حال، أيْ يسترجع في حديثه أحداثًا تدورُ من حوله، كاستخدام المعالم المحسوسة، فإنّ المُعالجة في أغنية فيروز التي اعتنت بالمشهد الداخليٍّ اغتنت وأغنت الواقع، لا بقراءةٍ شاعريةٍ جديدة للُغته اليوميّة فحسب بل أيضًا بصوتٍ انغرستْ جذورُه في الذاكرة الجماعيّة. ومتى كانَ الثباتُ والرّسوخ قيدًا في مضمون الأغنية، كانت هالةُ الصوتِ تستميلُ المُستمع أكثرَ فأكثر إلى حميميّةِ عالمه فيتبدّلُ معنى القيد وينفتحُ لمشاهدَ جديدة.
*مازن حيدر: مُهندس معماريّ، اختصاصيّ في الترميم، مقيم في إيطاليا. له عدّة مقالات وأبحاث في الهندسة المعماريّة والذاكرة، بالعربيّة والإيطاليّة. من منشوراته:
Città e Memoria, Beirut, Berlino, Sarajevo (Bruno Mondadori ,2006)
المُدُن والذّاكرة، بيروت، برلين، ساراجيفو (برونو موندادوري، 2006)










التعليقات
علِّق