العام المقبل في معرض بيروت للكتاب

تمْطر السماءُ في هذا اليوم من كلّ عام: إنه إذاً يومُ افتتاح معرض الكتاب العربيّ! نهْرع إلى الافتتاح، مع أننا نعْلم مسبقاً ما سيقوله الحريري الأبُ والسنيورة، وقبلهما الحصّ والصلح، وبعدهم الشيخ سعد، رئيسُ حكومة «ديموقراطيّتنا التوافقيّة». نعاني ازدحامَ السير، تحت المطر الهاطل، على امتداد كورنيش البحر، ومن جهة محطّة شارل حلو، لكننا نصْبر ونشتم. ونعاني تفتيشَ الحرّاس عند بوّابة المعرض، لكننا نصْبر ونشتم. ندْخل المعرض كطفل اندفع بعد طول احتباس إلى مدينة الملاهي. نضيع بين الأجنحة. نفْرح بالسجّاد الأحمر أو الأزرق الجديد. نعبّ صدورَنا من رائحة الكتب، وكأننا لن نشمّها عاماً كاملاً. نبحث عن ناشرينا الأثيرين، فنرى في حياتهم حياتَنا... وأننا ازددنا قرباً من الهاوية.

شخصيّاً، أعتبر يومَ افتتاح معرض الكتاب في «البيال»، وقبله في الأكسبو، وقبل ذلك في القاعة الزجاجيّة التابعة لوزارة السياحة، أهمَّ من عيد ميلادي، ومن كلّ المناسبات الدينيّة بلا استثناء، ومن كلّ المناسبات الوطنيّة الرسميّة، وعلى رأسها «الاستقلال». ومن هنا أضع أمام الأصدقاء في «النادي الثقافيّ العربيّ»، منظّمِ المعرض، بعضَ الاقتراحات لمعرض العام المقبل في عام 2010، بوصفي قارئاً أولاً، و«مواطناً» (بالقوّة لا بالفعل) في مزارع لبنان الطائفيّة ثانياً، وكاتباً ثالثاً، وناشراً رابعاً.
▪ ▪ ▪
فلنبدأْ من البداية أيّها الأصدقاء. الزحام قاتلٌ قبل أن نصلَ إلى «البيال». ولكنّ هذه ليست مسؤوليّتكم بالتأكيد، بل مسؤوليّة وزراء الداخليّة والأشغال العامة والنقل، ومسؤوليّة نظام المبادرة الفرديّة التي تتيح لصاحب القدرة أن يقتني ما شاء من السيّارات، ولو على حساب البيئة والأعصاب. عال! ولكنّ الكاراج، كاراج «البيال»، هل نستطيع أن نتمنّى عليكم، يا منظّمي المعرض، أن تطلبوا إلى أصحاب «البيال» أن يخطّطوا أرضَه، وأن يرْسموا لكلّ موقف سيّارة رقماً خاصاً؟ أتعْرفون أننا نتوه طويلاً في التفتيش عن سيّاراتنا حال عودتنا من المعرض؟ بل قد يقرِّر بعضُنا عدمَ الضياع منذ البداية، فيدفع عند وصوله إلى مدخل المعرض للـ«فاليه» 6 أو 7 آلاف ليرة لكي يرْكنها بنفسه. ولكنْ ماذا يفعل، في هذه الحال، من لا يمْلك هذا الترفَ؟ ولماذا تنحرف الآلافُ السبعةُ عن هدفها الأساس أصلاً: ألا وهو شراءُ الكتب؟
▪ ▪ ▪
نرْكن السيارة، أو نعطيها للفاليه، لا فرق. ونركض لحضور الافتتاح. الشيخ سعد، أو مَن ينوب عنه، سيلقي الكلمة بالتأكيد؛ ذلك لأنّ معرض النادي الثقافيّ العربيّ هو، دائماً وأبداً، برعاية رئيس مجلس الوزراء. فهل نستطيع أن نقترح على نادينا أن يتخلّى في العام المقبل عن هذه العادة القبيحة؟ وبالمناسبة، هل يتخلّى منظّمو معارض الكتاب الأخرى عن عاداتهم القبيحة هم أيضاً: فيتوقّف رئيسُ الجمهوريّة (المارونيّ) عن افتتاح معرض أنطلياس، ورئيسُ مجلس النوّاب (الشيعيّ) عن افتتاح معرض الجنوب، والسيّد حسن (أو مَن يمثله من الثنائيّة الشيعيّة) عن افتتاح معرض الضاحية، ورئيسُ الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ (الدرزيّ) عن افتتاح معرض الشوف أو الجبل، والحبلُ على الجرّار مع بروز ثنائيّة مارونيّة في دولة الطوائف؟ فلتكن البدايةُ من معرض «البيال»، وليعلن النادي الثقافيّ العربيّ منذ اليوم أنّ مَنْ سيفتتح المعرضَ المقبل سوف يكون كاتباً عربيّاً أو عالميّاً كبيراً أو مناضلاً من أجل الحريّة (مانديلا؟ دزموند توتو؟...). فالزعامات عندنا (مع احترامنا للقليل القليل منها ولأمور محدّدة لها علاقة بمقاومة إسرائيل لا غير)، ليست هي مَن ينبغي أن يرعى الكِتابَ، ومعظمُها لا يشرِّف الثقافة أصلاً، بل يشينها بتاريخه ومواقفه الطائفيّة والرجعيّة والاستسلاميّة، كي لا نقول بـ«ثقافته» الضحْلة ولغته العربيّة الركيكة (رغم أنّ المستشارين هم الذين كتبوا خطاباته، وأضافوا إليها علاماتِ الإعراب الصحيحة). الكتّاب والمثقفون والمناضلون الأحرار هم وحدهم مَن يشرّفون الكلمةَ والكتاب. وليكن أيضاً اقتراحي هذا، الذي أضعه أمام «النادي الثقافيّ العربيّ»، مناسبةً لكي تصبح معارضُ الكتاب في لبنان قاطبةً وسيلةً لبناء أسس تجْمع اللبنانيين على قيم شبهِ مشتركة، لا ذريعةً لتعزيز المواقع الطائفيّة والفئويّة والمذهبيّة والزعاماتيّة (وكأنّ هذا ما ينقصنا!). ولنقلْها صريحةً: ليست في لبنان مرجعيّةٌ سياسيّةٌ جامعةٌ واحدة، مع أنّ لدينا اليومَ، ومن بعد طول عناء، حكومةَ وفاق (نفاق؟) وطنيّ؛ ذلك لأنّ محرّكات مجتمعنا ليست في أساسها محرّكات وطنيّة. وإنْ شئنا توحيداً فعليّاً في لبنان، فالثقافة العربيّة أحدُ أركانه، ومعارضُ الكتاب العربيّ أحدُ مداميكه.
▪ ▪ ▪
سندخل إلى المعرض الآن. وسيكون أولَ ما يطالعنا، بالتأكيد، هو تلك الأجنحةُ الضخمةُ المخصّصة للدول العربيّة، وعلى رأسها السعوديّة. نغضّ الطرفَ؛ فـ«النادي الثقافي العربيّ» يحتاج إلى تمويل كما يقال، والدولُ النفطيّة تدفع لقاءَ هذه الأجنحة مبلغاً كبيراً كما يشاع. عال! ولكنْ... هل يَلْزم أن يكون جناحُ الدولة جناحَ نظامها، بل جناحَ دعاية لرأس نظامها؟ أشعر بالأسى وأنا أرى الملوكَ والأمراءَ «يزيّنون» تلك الأجنحة، فيختزلون بأشخاصهم وعائلاتهم حيويّةَ مجتمعاتهم وثقافتها. ليت النادي يطلب إلى كلّ جناح دولة أن يترك صورة مليكه أو أميره أو رئيسه في غرفة المعاطف. ثم أتذكّر: لا غرفة للمعاطف عند مدخل البيال!
▪ ▪ ▪
نبدأ التجوالَ داخل الأجنحة. معرضٌ جميلٌ ومنظّم هو معرضُ النادي. هكذا كان، وهكذا سيكون دوماً، بهمّة الأصدقاء عمر وعدنان والآخرين والأخريات. لكننا نريد فكرةً لهذا المعرض! معارضُ العالم الكبرى كلّها تطرح فكرةً كلَّ عام: أدب الأطفال، الأدب الكوريّ، أدب الصين، حوار الثقافات،... لذا، أقترح أن يبادر النادي منذ اليوم إلى إقامة معارضه المقبلة تحت ثيمة (موضوعة) معيّنة: الرواية العربيّة، المسرح، الالتزام، الشعر العربيّ، المواطنيّة، أدب الناشئة، الفنّ التشكيليّ، التعدّديّة الثقافية... وأن يبادر إلى منح جوائز لأفضل الأعمال التي تعالج تلك الثيمة المعيّنة. وهذا سيشجّع، في رأيي، الناشرين والكتّابَ على تقديم أفضل ما لديهم في ذلك الاختصاص، شرط أن تكون اللجنةُ الفاحصة (المتطوّعة والمختارةُ بعناية) من ضمنه، لا على طريقة المحاصصة الطائفيّة اللبنانيّة المقيتة. بل قد تبدأ الورشُ المهنيّة والمؤسّساتُ التربويّة (إذا كانت الموضوعة متعلّقةً بأدب الأطفال أو الناشئة أو البيئة...) بالتحضير منذ الآن لمعرض العام المقبل، فتحْشد الطاقات، وتؤمّن الدعمَ الماليّ، طامحةً إلى نيل تلك الجوائز. وفي هذا لا بدّ أن تتضافر جهودُ النادي، ونقابةِ الناشرين، ووزارةِ الثقافة، والمؤسّساتِ التربويّة. وهكذا يصبح معرضُ البيال (أو غيرُه) معرضاً متصلاً بحركة المجتمع اللبنانيّ، لا حدثاً ننتظره بفارغ الصبر... لكنه ينتهي بلمْح البصر.
▪ ▪ ▪
نوغل في المشي بين الأجنحة، فنلاحظ أنّ مساحات اللقاء بين الكتّاب والمبدعين والجمهور والناشرين ضئيلة، تكاد تقتصر على حدثين: توقيع الكتب، وبعض القراءات للأطفال. الحدثان مهمّان في حدّ ذاتهما، لكنّ علينا أن نساعد النادي الثقافيَّ العربيَّ على اجتراح أفكار جديدة لتوسيع التفاعل بين المكوّنات المذكورة أعلاه. الندوات المعقودة داخل المعرض تحتاج إلى تطوير، والتطويرُ يحتاج إلى تمويل (ألا تلاحظون أنّ معظم المدعوّين يكادون ينحصرون في بعض بلدان «الهلال الخصيب»؟). لكنّ التفاعل ينبغي أن يجري داخل الأجنحة أيضاً، لا في القاعات السفليّة وحدها التي لا يرتادها إلاّ القاصدون. أقترحُ، إذاً، أن يُدعى بعضُ الفنّانين التشكيليين (من رسّامين، ورسّامي كاريكاتور، وإيمائيّين...) إلى داخل الأجنحة. وأقترح أيضاً أن يؤدّي بعضُ العازفين الإفراديين داخل الأجنحة مقطوعات مستوحاةً من الشعر العربيّ، بما يجْذب الزوّارَ إلى قراءة الشعر وتذوّقه. وربما يبادر النادي والناشرون إلى إنتاج أشرطة تسجيليّة تُعرض داخل المعرض، وتتناول كتّاباً وفنّانين لبنانيين وعرباً، لا سيّما أولئك الذين غُمطوا حقّهم رغم عظمتهم، أمثال رئيف خوري وعمر فاخوري وسلوى روضة شقيْر. نعم، إنّ الكلمة المطبوعة، ويا للأسف، لم تعد تجتذب، في ذاتها، فئة الشباب، المولعين بالفنون البصريّة. ويبدو أنّ أحدَ مخارجنا لجذب هؤلاء إلى عالم الكلمة قد يكون عبر الصورة والنغم.
▪ ▪ ▪
تبقى مسألةٌ بالغةُ الحيويّة تتعلّق بتفاعل الناشرين اللبنانيين والعرب والأجانب داخل المعرض. فحين نقول إنّ معرضاً ما «عربيٌّ ودوليّ»، فذلك لا يعني أنه يضمّ كتباً عربيّة وغيرَ عربيّة فحسب، بل يعني في المقام الأول أنّ هناك تفاعلاً عميقاً بين الناشرين أنفسهم. لذا، أقترح أن يخصَّصَ يومٌ كاملٌ، ربما بعد انتهاء المعرض ولكنْ داخله، للقاء مهنيٍّ يجْمع الناشرين: فيه يتناولون قضاياهم، ويعرِّفون بنتاجهم الجديد، ويتداولون سبلَ التعاون بينهم، ويتبادلون خبراتِهم المكتسبة، ويشترون الحقوقَ الأجنبيّة أو العربيّة.
▪ ▪ ▪
أزمةُ الكتاب العربيّ لا يمْكن علاجُها بالنقّ، ولا بإصدار أرقام محبطة عن تراجع المقروئيّة العربيّة وحركة الترجمة. كما أنه لا يمْكن علاجُها بطرح أفكار تعجيزيّة لا تؤدّي، في الحصيلة، إلا إلى زيادة الإحباط إحباطاً. في السطور السابقة، إذاً، دعوة إلى أن نشمّر عن سواعدنا ونبدأ ورشة إعمار ثقافيّة ونشريّة فعليّة، تتخذ من المعرض الجميل نقطةَ انطلاق... هذا إذا كنّا لا نزال نرغب في ألاّ يكتسحَنا خواءُ هذا البلد.

* رئيس تحرير مجلة «الآداب» وأحد العاملين الثقافيين في دار الآداب (بيروت)

التعليقات

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.