العمل والأمل
مضى أكثرُ من عام على بدء العدوان الإسرائيليّ الأخير على الفلسطينيين في غزّة، وأكثرُ من أربع سنوات على بدء الحصار الأخير عليهم.
ولقد تزايدت الفظائعُ ضدّ الفلسطينيين على كامل تراب فلسطين، وهي فظائعُ لم تنتهِ وإنْ خفّت وتيرتُها أحيانًا، وذلك من خلال بناء المستعمرات/المستوطنات في الضفّة الغربيّة المحتلّة والقدس المحتلّة، ومن خلالِ الفصل العنصريّ المفروض على فلسطينيّي أراضي فلسطين 48، ومن خلال الإنكار المتواصل للحقوق المدنيّة والإنسانيّة داخل المخيّمات الفلسطينيّة، وأكثر من ذلك...
كلُّ ذلك بتنا نعْرفه، فماذا نفعل؟ وما الذي تمّ إنجازُه؟
أريدُ أن أسلّطَ الضوءَ على برنامج واحدٍ للعمل، يمتلك قدرةً جدّيّة على مساعدة المقاومة على تحرير فلسطين: إنه حملةٌ تهدف إلى مقاطعة إسرائيل، وسحبِ الاستثماراتِ منها، وفرضِ العقوبات عليها (م. س. ع).
فمنذ إطلاقِ المجتمعِ المدنيّ الفلسطينيّ نداءَه من أجل م. س. ع. عام 2005، نمتْ موجةٌ عارمةٌ من النشاط العالميّ في كافّة قطاعات هذه الحملة: الثقافيّة، والاقتصاديّة، والأكاديميّة، بل والرياضيّة أيضًا. وتشمل النجاحاتُ الأخيرةُ ما يأتي:
1) استهداف شركة فيوليا الفرنسيّة بسبب بنائها سكّةً حديديّةً تربط المستعمرات/المستوطنات في القدس؛ 2) رفض مؤتمر النقابات في جنوب أفريقيا إفراغَ باخرةٍ محمّلةٍ بالبضائع الإسرائيليّة؛ 3) إجبار طلاّب كليّة هامشير في الولايات المتحدة جامعتَهم على سحب استثماراتِها من الكيان الصهيونيّ؛ 4) سحب صندوق التعويضات النروجيّ استثماراتِه من شركة الأمن الإسرائيليّة "ألبيت"؛ 5) إصدار النقابات العمّاليّة البريطانيّة قرارًا بمقاطعة البضائع الإسرائيليّة؛ 6) حملة عالميّة ضدّ شركة ليف ليفيف للألماس، وهي شركة أفريقيّة ـ إسرائيليّة مشتركة، ونجاح الحملة في سحب الاستثمارات الأميركيّة والنروجيّة والإنكليزيّة منها؛ 7) حملة ضدّ شركة موتورولا، أدّت إلى إغلاقِ فرعِها الإسرائيليّ للخطوط اللاسلكيّة "ميرس"؛ 8) تصويت "الاتحاد الكنديّ للموظّفين العموميين" لصالح مقاطعة إسرائيل.
إنّ لائحة الانتصارات التي ذكرتُها غيرُ كاملةٍ بالطبع، لكنها تقدّم فكرةً عن سرعة انتشار حملة م. س. ع. خلال العام الماضي وحده.
* * *
وفي المقابل، ماذا جرى في العالم العربيّ خلال العام الماضي؟
1) افتتاح مخزنٍ للألماس في دبي، تابعٍ لشركة ليف ليفيف الإسرائيليّة؛ 2) افتتاح مصنع أقمشة موسى” الإسرائيليّ ــ الأردنيّ المشترك، الذي يستغلّ عمّاله في مصنعه في إربد (الأردن)؛ 3) تعاون شركة تك سيغنالز (أبو ظبي) مع شركة أوراد الإسرائيليّة للبثّ الإذاعيّ؛ 4) استخدام شركة آي. بي. أس في صيدا مَعدّاتٍ من الكيانِ الصهيونيّ لمعالجة النفايات الصلبة؛ 5) استخدام محطّة الباروك في لبنان موادَّ اتصالاتٍ مصدرُها الكيانُ المذكور.
وما ذكرتُه ليس إلاّ غَيْضًا من فَيْض.
على موقفِنا هنا في العالم العربيّ، وبخاصّةٍ لبنان، ألاّ يكتفي بمقاطعة إسرائيل وسحبِ الاستثماراتِ منها، بل أن يتجاوزَ ذلك إلى رفضِ التطبيع معها. فما هو الطبيعيّ” في أن نكونَ خاضعين للاحتلال والحصارِ والقصفِ والسجنِ والتهديدِ الدائم؟
على موقفِنا أن يكونَ مقاطعةً شاملةً وثابتةً لكلِّ المؤسّساتِ الإسرائيليّة، الاقتصاديّة والأكاديميّة والثقافيّة، والامتناعَ عن المشاركة في أيّ شكلٍ من أشكال التعاون الاقتصاديّ والأكاديميّ والثقافيّ معها. وفي لبنان لدينا قوانينُ، فلنفعّلْها، ولاسيّما قانون العام 1955 لمقاطعة إسرائيل مع تعديلاته، وهي تعاقِبُ المتعاونين مع الإسرائيليين أو المستثمرين فيها، أفرادًا ومؤسّسات.
في الماضي كانت الأنظمةُ العربيّةُ تتنافس إعلاميّاً على تحرير فلسطين. اليوم تتنافس بعضُ هذه الأنظمة على خَطْبِ ودّ إسرائيل! وبدلاً من أن تَنْشط مقاومةُ التطبيع (خصوصًا مع استمرار الفظائع الإسرائيليّة وازديادها)، ثمّة مَن يسعى إلى الاستسلامِ والاسترضاء، وإلى إضعاف الدعوة وإضعافِ العمل من أجل العدالة والتحرير، ويشجِّع على قبولِ فُتاتِ المائدة. غير أنّ قبولَنا بهذا الفتات المذلّ لن يُكْسبَنا إلاّ مزيدًا من الإذلال.
إننا ضدّ إسرائيل. لقد كانت إسرائيل عدوّاً، وهي اليوم عدوّ. ومادامت تحتلُّ أراضيَ عربيّة، وتفرض الفصْلَ العنصريّ، وتهدِّدُنا، وترفضُ حقَّ عودة الفلسطينيين، وتؤْمن بـ يهوديّة الدولة،” فستبقى عدوّاً.
وإننا مع فلسطين، ومع الفلسطينيين (نعم هاتان نقطتان منفصلتان). وبوقوفنا مع الفلسطينيين، فإننا نرفض انتهاكَ حقوقِهم المدنيّة والسياسيّة، أيّاً كان مرتكبُها. وهنا، في لبنان، ندعو إلى منح الفلسطينيين حقوقَهم المدنيّة، وإلى إعادة إعمار نهر البارد.
* * *
ولا يَسَعُنا بالطبع أن ننسى جدارَ العار على الحدود المصريّة مع غزّة. إنه جدارٌ صمّمه الجيشُ الأميركيّ. وهو سيكون بطول 10 ـ 11 كيلومترًا، وبعمق 18 إلى 25 مترًا، وسيمتدّ على طولِ الطريقِ الفاصلةِ بين رفح المصريّة وكرم سالم الخاضعة للإسرائيليين عند معابرِ الحدود مع غزّة. وسيُستخدم الفولاذُ والمياهُ لكسر الأنفاق، التي تشكّل مصْدرَ حياةِ غزّة (بعد إقفال مصر معبرَ رفح). وستُغرس أنابيبُ (كلٌّ واحدٍ منها بسماكة حوالى 15 سنتيمترًا) 30 مترًا في الأرض، ويبعد الواحدُ عن الآخر 20 سنتيمترًا تقريبًا. وستوصَل هذه الأنابيبُ بأنبوبٍ أفقيّ يَضُخّ الماءَ من البحر؛ وهذا لا يعني سدَّ الأنفاقِ فحسب، بل قد يعني تلوّثَ المياه الجوفيّة في غزّة ـ وهي المصدرُ الأوحدُ لماء الشرب والريّ هناك ـ بسبب اختلاطها بمياه البحر المالحة.
لقد أصبح كلُّ المواطنين في قطاع غزّة، رجالاً كانوا أو نساءً أو أطفالاً، أسرى حرب سياسيين، وذلك على يد الكيان الصهيونيّ والنظام المصريّ.
إننا، كمجتمع مدنيّ، قد نستطيعُ وقفَ هذه الجريمة. وإذا تضافَرَ العملُ على الساحتيْن العربيّة والعالميّة، فقد تزدادُ قدرتُنا على ذلك. وستزدادُ هذه القدرةُ أكثرَ فأكثرَ بمساعدة الحكومات. ولكنْ أيّاً كان الأمرُ، فمن واجبنا معارضةُ جدارِ العار هذا. لم يُكْشفِ النقابُ بعدُ، رسميّاً، عن منفّذي الجدار. لكنّ بعضَ المصادر تقول إنّ شركة المقاولين العرب،” وهي شركةُ بناءٍ مصريّة بارزة في العالم العربيّ وأفريقيا، هي المسؤولة عن تنفيذ المشروع. ومازالت مساعينا في لبنان جارية للتحقّق، من الشركة نفسها، حول صحّةِ ضلوعها. فإذا ثبت أنّ المقاولين العرب” ضالعةٌ بالفعل، فقد يَعْكس عملُنا ضدَّها الحملةَ الناجحة ضدّ فيوليا الفرنسيّة التي كانت تسعى إلى بناءِ سِكّةٍ حديديّةٍ بين المستوطنات في القدس.
* * *
وفي الوقت الذي نناقش فيه برامجَ عملنا، علينا أيضًا أن نفحصَ ذواتنا: فنحن نطالب بالتحرّر والحريّة، ولكنْ هل نحن أحرارٌ فعلاً؟ وتحديدًا، إذا كنا نتلقّى، كمنظّمات، تمويلاً من الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة” (يو. أس. آيد)، فهل سنكون أحرارًا في الوقوفِ ضدّ إسرائيل، وإلى جانب فلسطين؟
وفيما نحن نستعرضُ برامجَ العمل الممكنة، علينا أيضًا أن نؤْمنَ بإمكانيّة النصر. فنحن لا نعمل انطلاقًا من مشاعر خيريّة،” ولا لنبرّئَ ضميرَنا من الذنوب. نحن نعمل وننشط لأننا نؤْمن بوجود إمكانيّةٍ فعليّةٍ لتحقيق النصر. ونحن نعمل وننشط انطلاقًا من إدراكنا أنّ فلسطين جزءٌ لا يتجزّأ من هويّتنا.
بيروت
* ـ أستاذة مساعدة في علوم البيئة في جامعة البلمند، وناشطة سياسيّة. وهذه هي الكلمة التي ألقتها في مؤتمر نصرة القدس والمقدّسات،” بيروت.










التعليقات
علِّق