الإفتتاحية: النقاط الثلاث بين معقوفيْن

أنزل/ي الافتتاحية بصيغة PDF

هذا عددٌ حزينٌ جدّاً، ولأسبابٍ كثيرة، لا تعود فقط إلى موضوع الملفّ الذي يتناوله (أي "اليسار العربيّ").
مبعثُ حزني الأكبر هو النقاطُ الثلاثُ بين معقوفين، في مقالات الأصدقاء جلبير الأشقر، وطارق الدليمي، وسلام عبّود، وطلال يحفوفي.

النقاط الثلاث بين معقوفيْن: تلك مهمّةٌ مقيتةٌ أخجلُ إذ أعترف، أمامكم الآن، بأنني لم أمارسْها على هذا القدر من التوسّع من قبل. فلا شكّ في أنّ معظم القرّاء يعْلمون أنّ السنة الماضية شهدتْ منعَ أحد أعداد "الآداب" في قطرٍ عربيّ مهمّ [...] هو من بين سبعة أقطار فقط تدخلها المجلةُ أصلاً. ومعظمُ القرّاء يعْلمون أيضًا أنّ القضاء اللبنانيّ أصدر حكْمًا [...] وغيرَ منصفٍ في حقّ "الآداب" بسبب افتتاحيّةٍ كتبتُها عام 2007، اعتبرَها "كبيرُ مستشاري الرئيس العراقيّ" القادمِ بدعمٍ من [...] مسيئةً له ولشرفه وسمعته.

ما يخفِّف من وطأة شعوري بالذنب هو أنّ الأصدقاءَ الآنفي الذكْر يتفهّمون وضعَ "الآداب"، ويتعاطفون مع ألمي النابع من كوني أمارس دورَ الرقيب عليهم. ويخفّف من شعوري بالذنب أيضًا أنّ بعضَهم اطّلع على نصّه المعدّل، أيِ "المزيّنِِ" بالنقاط الثلاث بين معقوفين، وأعطاني موافقته على نشره بكلّ أريحيّةٍ... ممزوجةٍ بالألم. لم يعتبْ عليّ أحدٌ، وبخاصّةٍ مَن يعيش منهم في بلدانٍ تتمتّع ـ أيّاً ما كان رأيُنا في سياساتها الاستعماريّة ـ بحريّة تعبيرٍ تحميها من قانون مطبوعاتٍ متخلّفٍ ومن مقصلة الإرهاب الفكريّ.

إلى هذا الحدّ ينبغي الاعترافُ بأننا، بنقاطنا الثلاث بين معقوفيْن، قد تراجعْنا قليلاً في معركتنا أمام الرقابة العربيّة، "حاميةِ الأمن الاجتماعيّ،" وأمام قانون المطبوعات اللبنانيّ، مفخرةِ "الديمقراطيّة اللبنانيّة."

لكنّ شيئًا من عزائنا، أيّها الأعزّاء، كامنٌ في تلك النقاط بين معقوفيْن. أليس كذلك؟ إنها إحدى وسائلنا القليلة اليوم لنقولَ ونَشتمَ، من غير أن نقولَ ونَشتم. نقاطنا الثلاثُ بين معقوفين مَجازٌ لرفض الصمت المطبق؛ إنها أنينٌ متصاعدٌ من بين ضلوعٍ أُشبعتْ ضربًا، لكنها ترفض الاستسلامَ لمعذّبيها.

طبعًا هذه حالةٌ يجب أن تكون مؤقّتة. بل يجب أن لا نستمرئ النقاطَ الثلاثَ بين معقوفيْن بحيث يبلغ بنا الأمرُ أن نُسقطها، هي الأخرى، من مقالاتنا، فنوهمَ أنفسَنا وقرّاءَنا بأننا قد قلنا كلَّ ما كنّا نريد قولَه! لا، فلنُبْقِِ النقاطَ والمعقوفيْن، ولو قليلاً، ولننثرْها هنا وهناك: وصمة عارٍ على جبين قامعينا. ولنُبقها لكي يبقى إحساسُنا بالألم نابضًا، ولكي لا نستكينَ إلى جرحنا الراعف. ولنبْقها لكي نَشعرَ ككتّاب، ولكي يَشعر قرّاؤنا، بأننا نمارس رقابةً ذاتيّة، أو رقابةً مهنيّة (تحريريّة)، لا تُرضينا في الحالين؛ فذلك أفضلُ من خداع ذواتنا وخداعِهم بأننا أحرارٌ تمامًا. فلنُبْقها لكي يَعْلم الجميعُ أننا نعي ما نقترفه في حقّ أنفسنا وقرّائنا، ولكي يَشعر القامعون ومستشارو السلاطين والسلاطينُ أنفسُهم بأنّنا ثابتون على موقفنا الرافض لهم... ولو بالصرخة المكبوتة.

بيروت

المرفقالحجم
editorial_4-5_2010.pdf‏45.31 ك.بايت

المقالة منشورة في مجلة الآداب, ٤-٥/ ٢٠١٠


التعليقات

الآداب في سوريا ؟؟

لم توزع الآداب في سوريا حتى اليوم !! هل منعت مجددا ؟؟ ام انها ما زالت بين يدي الرقيب " الأمينة" ؟؟ نرجو التوضيح

سوريا

لا اعرف. لا ارى مبررا للمنع. سماح

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.