الخطاب والهيمنة: في تلمّس وجه "العراق الجديد"

1-فنون الهيمنة

في أواسط الثمانينات، صَدم ارنستو لاكلو وشانتال موفه الوسطَ الثقافي الماركسي بكتابهما الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية، الذي حاججا فيه بأنّ الهويّات الاجتماعية والسياسية نتاجٌ لـمشاريع هيمنة تَغرسها مراكزُ القوّة المجتمعية في نفوس المواطنين.
والحال أنّ مصطلح الـ "هيمنة" كان مستعمَلاً في الأدبيّات الماركسية منذ غرامشي، ولكنّه كان مشخصَنًا في الدولة، وكان يرمز إلى قيام النخبة الحاكمة بـ "خلق" الهويّات الوطنية التقليدية. ما فعله لاكلو وموفه هو أنّهما وسّعا مفهومَ الهيمنة ليضحي في قلب كلّ مشروعِ هويّةٍ يسعى إلى رسم الحدود التي تفصل الذاتَ المتخيّلة عن "الاَخر،" سواء كان ذلك على مستوى الدّولة، أو ما هو أدنى منها أو أوسع. وبهذا المعنى، لم يقدّم الفيلسوفان جديدًا في ما يتعلّق بمفهوم الهويّة: فالوسط الفكري الغربي، منذ السبعينات، كان قد بدأ يرفض باطّراد التعاريفَ "الجوهرانيةَ" للهويّة كـ "معطًى" لاتاريخيّ مرسومٍ سلفًا ومستمرّ إلى الأبد. وقام أندرسون وغلنر، كما سعيد وهوبسباوم، بدراسة الهويّات الوطنية بوصفها عمليّةَ بناءٍ تاريخي، يتركّز جلُّها في عصر الحداثة السياسية (حيث وُلد مفهوما الـ "مواطن" والـ "مجتمع الوطني" كما نعرفهما اليوم).

الهيمنة هي، ببساطة، تلك القوة السياسية التي تنشر الكتبَ التي تعلّمنا من "نحن،" ومَن الـ "الآخر،" ومَن الغريبُ، ومَن العدوّ. إنها القوّة الّتي تَرسم لأوطاننا وطوائفنا وقوميّاتنا تواريخَ متّسقةً تجعل منّا شعبًا موحَّدًا، وعائلةً وطنية، ننتمي لأصلٍ مشترك، أو توحِّدنا تجارب ومعتقدات. الهيمنة هي المشروع الذي يحوِّل "معتقَدًا خاصّاً" عن الهويّة، تَحمله نخبةٌ أو طبقةٌ أو قيادةُ حزب، إلى "معتقدٍ كونيّ،" يعرِّف عبرَه أبناءُ الشعب عن أنفسهم.

عند نشر الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية، كان الوسط الماركسي متقبِّلاً لفكرة نقد الهويّة القومية و الإثنية بوصفها "أساطيرَ مهيمِنةً" تروِّج لها الارستقراطيةُ أو النّخبةُ الرأسمالية. ولكنّ لاكلو وموفه صوّبا سهامَ نظرية "الهيمنة" باتجاه البنى الاجتماعية الماركسية نفسِها، كـ "الطبقة" و"البروليتاريا،" موضحين أنّ فكرة المجتمع الشيوعي ذاتهَا (بغضّ النظر عمّا إذا كانت جيّدةً أو تقدّمية) هي، في العمق، بناءٌ لهيمنةٍ جديدةٍ، بديلةٍ، تسعى إلى فرض هويةٍ "جوهريّة" على المجتمع والمواطن تحت أسماء مختلفة.

علاقةُ الهيمنة (كمشروع سياسي وخطابي) بالهوية إشكاليّ ومعقّد. فالهيمنة الناجحة لا تتبدّى هيمنةً، بل "حقيقة." إنها، كما تقول موفه، تلك التي تنجح في إخفاء ذاتها، وتتحوّل إلى هويّة "معطاةٍ سلفًا" تعتمدها الشعوبُ بلا تفكير: أي انّ إيمان الفرنسيِّ بفرنسيّته، والأميركيِّ بأميركيّته، والباسكيِّ بباسكيّته، بتلقائيّةٍ وبلا شكوك، هي علائمُ نجاح مشاريع هيمنة تمكّنت من تأسيس نفسها بحيث يتماثل معها مواطنوها كحقيقة أزليّة، ويشاح النظرُ عن عملية البناء التاريخية، الطويلة والعنيفة، التي أَنتجت هذه الهويّات وكرّستها في مناهج التدريس واللّغة والثقافة والعادات الشعبية.

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ الـ "هيمنة" ليست بالضرورة مشروعًا عنفيّاً؛ ولا هي، بالتعريف، مشروعٌ استبداديّ أو تسلّطيّ؛ ولا يمثّل التعبيرُ – في ذاته – حُكمًا أخلاقيًّا. فالحال أنّ تركيب الهويّة الوطنية وفكرة "المجتمع الوطني" كانا من ركائز بناء الدولة/الأمّة في عصر الحداثة. ومشاريع الهيمنة يمكن أن تشرَََّع عبر آليّات دستورية وديمقراطية، حيث يقوم الشعبُ، بواسطة العملية الانتخابية، بالتصديق على هذه الهويّة وشرعنةِ إعادة إنتاجها وتطويرها... مع ملاحظة أنّ هذه الصفة الديمقراطية غالبًا ما "تركّب" على مشاريع الهيمنة بعد أن تصل إلى درجة عالية من الكمال: فالمهاجرون الأوروبيون في أميركا مثلاً أبادوا السكّانَ الأصليين (ما يسمّى الهنودَ الحمر)، واستَعبدوا الأفارقةَ بضعةَ قرون، ومن ثمّ أسّسوا اقتصادًا رأسماليّاً متقدّمًا ودولةً مركزيةً راسخة، قبل أن يفتحوا أبوابَ الهويّة لمن كان - سابقًا - خارجها، ويتمَّ التّاسيسُ لمجتمع "حقوق مدنية" يتساوى فيه - بالمعنى القانوني - الأميركيُّ الأبيضُ مع الأسود والمهاجر، ضمن بوتقة "هويّة أميركية" تقوم على "المساواة والحرّية" وتَحملها الأغلبيةُ طوعًا وفخرًًا.

2- سماح إدريس و"العراق الجديد"

بعيدًا عن حيثيّات الدعوى القضائية التي أقامها فخري كريم على سماح إدريس ومجلة الآداب، فإنّ هنالك علامةً مهمّةً في العرائض والمقالات الّتي دُبّجت في بعض الصحافة العراقية استهجانًا لما قاله إدريس عن مهرجان المدى والمشاركين فيه، وذلك في افتتاحيّة الآداب الشهيرة رييعَ العام الماضي. يشعر القارئ بأنّ "معسكر كريم،" في جانب كبير منه، ينتفض ضدّ سماح إدريس لا بوصف ذلك المعسكر "جماعةَ رأيٍ" وَجدت نفسَها في الخندق المقابل للكاتب اللبنانيّ في مسألةٍ جداليةٍ معينة، بل بوصفها "جماعةَ هويّة" ترى في نفسها نقيضَ ما "يمثِّله" سماح إدريس، رمزيّاًً وإيديولوجيّاً، وتسعى للدّفاع عن منظومة هويّتها هذه.

إنّ إدريس، في مقالات خصومه، ليس مجرّدَ كاتبٍ أخطأ في حقّ شخصيةِ عامّة، ويستحقّ، من ثم، المحاكمةَ. بل هو يمثّل خطابًا "يَكره العراق كاظم الحجّاج، "لأنّهم يكرهون العراقَ يا عبد الستّار،" المقال موجود على موقع جريدة المدى، "لتنتصر الحرّيّات ... لينتصر القانون،" www.madayat.com،" ويبتغي "ارهابَ العراقيوجيه عبّاس، "آداب بيروتية ... أم بيروتيّة آداب،" المصدر السابق،" ويقصد "الإساءةَ والتشهيرَ بالإنسان العراقيهادي الناصر، "سماح إدريس وعماءُ الرؤية،" المصدر السّابق" عمومًا. إدريس يقف، بالمجمل، كما يزعم خصومُه، "ضدّ العراق،" أو، على الأقلّ، ضدّ نسخةٍ معيّنةٍ من هذا العراق سأسمّيها: "العراق الجديد."

لا تحوي مقالاتُ حملة المدى نقاشًا موسَّعًا حول تاريخ تشكيل هذا العراق "الجديد" وظروف ذلك التشكيل، بل تتناوله كأنه معطًى سلفًا، أو كأنّ ثمة إجماعًا وطنيّاً حول هويّة العراق تأسّس مباشرةً بعد الاحتلال - وإن حاد عنه بعضُ المارقين والكارهين والبعثيين والتكفيريين. وسماح إدريس، بحسب هذه المقالات، يتموقع ضمن هذه الدائرة الأخيرة: فهو فزِعٌ من "الفضاء العراقي الجديد،ناجح المعموري، "الفزع من الفضاء العراقي الجديد: سماح إدريس انموذجًا"، المصدر السابق" يقف "ضدّ أيّ نجاحٍ للعراق الجديد،كاظم الحجّاج، مصدر مذكور سابقًا" متحفِّزًا ضدّ "الوعي الجديدإبراهيم سبتي، "القانون لا يحمي سماح إدريس" المصدر السّابق" و"الثقافة العراقية الجديدةالمصدر السابق" و"الحرية الجديدة،المصدر السابق" متطاولاً على "التجربة العراقية الجديدة.من عريضة وقّعها برلمانيون وسياسيون عراقيّون "استنكارًا ... للتهجّم الذي قام به سماح إدريس،" من . www.madayat.com"

ما زاد في تعقيد الموقف أنّ إدريس ليس مجرّدَ "آخرَ،" غريبٍ عن هذه الهويّة، ويهاجمها من بعيد. إنه، في عين الـ "عراق الجديد،" تهديدٌ مألوفٌ وقديم: إنّه يمثِّل "الآخرَ الذي يمنع الذّاتَ من أن تتكوّن،" كما كانت شانتال موفه ستقول؛ إنه تجلٍّ لأشباح الماضي القمعي والخوف من عودة الاستبداد. فخطابه يدعو إلى "العودة إلى الوراء،المصدر السابق" ويَنضح بـ "التعصّب القومي"ناجح المعموري، مذكور سابفًا (تعبيرًا عن "مشكلة قومية"المصدر السابق يعانيها إدريس - وربّما الآدابُ ككلّ).

من المؤكّد أنّ العديد من هذه الردود تعبِّر عن حوار من طرف واحد، وتساجِلُ سماحًا إدريسًا متخيََّلاً يُجمَل فيه هذا الآخرُ المعادي للـ "عراق الجديد" بكلّ تجلّيات هذا الآخر: من ساطع الحصري إلى أسامة بن لادن. ولكن، لئن كان هذا الـ "آخرُ" متخيََّلاً، فإنّ سؤال "العراق الجديد" يبقى قائمًا. فما هي الهوية السياسية لهذا العراق؟ وبمَ يفترق العراقُ الجديدُ عن القديم؟ وما نوعُ المجتمع الوطني الذي تتخيّله هذه الهويّةُ المحدثة؟ وما مشكلة سماح إدريس معها، أو ما مشكلتُها معه؟

من خلال التوصيفات القليلة المتوافرة في مقالات حملة المدى، يبدو "العراقُ الجديد" ديمقراطيّاً، ليبراليّاً، متسامحًا، يَقبل الاختلافَ، ويرفض "التكفيريةَ" والتعصّبَ القومي. إنه وطنٌ تقدّميّ، لا يَفرض على أهله هويّةً موحّدةً نهائيّة، بل ينادي بهويّةٍ تشبه فرنسا المثاليّةَ كما تخيّلها آلان باديو، حيث "المواطنُ يبتدع ماهيّتَه بنفسه، فيكون عاملاً مغربيّاً في باريس مثلاً."Alain Badiou, “The Communist Hypothesis,” New Left Review 49, January-February 2008 هويّةُ "العراق الجديد،" كما تعرِّف عن نفسها، هويّةٌ مابعد-حداثيّة، فضفاضةٌ، تَحتمل وتَرعى تشكّلاتٍ حرّةً للانتماءات الاجتماعية.

بهذا المعنى، يصحّ السؤال: ما مشكلةُ سماح إدريس مع "العراق الجديد" (علمًا أنّ ادريس لم يستعمل هذا التعبير في افتتاحيته الشهيرة)؟ فحتى لو اعتبرنا هذه الهويّةَ (التي يَدعمها - في وجه إدريس - أكثرُ من مئة برلماني وسياسي عراقي يمثِّلون ثلثَ مجلس النوّابمن عريضة وقّعها برلمانيون وسياسيون عراقيون "استنكارًا ... للتهجّم الذي قام به سماح إدريس،" من . www.madayat.com) مشروعَ هيمنة إيديولوجيّاً، فإنها تبقى مشروعًا يستحقّ أن ندافع عنه. وهي بالتأكيد أكثرُ ديمقراطيةً وأخلاقيةً من مختلف أنظمة الهويّة في البلاد العربية المحيطة، فلماذا يُهاجَم مفهومُ "العراق الجديد" علنًا، ويتمّ التشكيكُ بشرعيّته باستمرار، من إدريس وسواه؟

سأحاول في هذا المقال رسمَ تصوّرٍ أوّليّ لتطوّر مشاريع الهيمنة والهويّة في العراق الحديث، وتفسيرَ موقع "العراق الجديد" ضمن تلك السّردية التاريخية. وسوف أحاجج بأنّ مشاريع تصنيع الهويّة في عراق البعث قد مرّت – بالتوازي مع مشروع بناء الدولة – بثلاثة أطوار مؤسّسيّة، يَقبع "العراقُ الجديدُ" في آخرها. وقد شهدت كلٌّ من هذه الأطوار تدميرًا وإعادةَ تشكيلٍ لمؤسّسات المجتمع والدولة في العراق، كان أوّلُها عقدي السبعينات والثمانينات، وثانيها سنواتُ الحصار، وثالثُها - الّذي لم يزل مستمرّاً - مرحلةُ الاحتلال الأميركي وما بعده.

3- صناعة الهيمنة في العراق: مسرحيّة من ثلاثة فصول

I
في السبعينات والثمانينات،و هي تُقسم، بدورها، إلى مرحلتين منفصلتين: 1968-1978، ثمّ سنوات الحرب مع إيران 1980-1988، ولكنّي لن أفصّل هنا في هذا الموضوع. تكفي الإشارة الى أنه كان للحرب مع إيران دورٌ رئيسٌ في دفع مشروع الهيمنة التوتاليتاري للدولة الى أقصاه: ففي الحرب تذوب المسافةُ بين جهاز الدولة القمعي وجهازها الإيديولوجي، ويُعامَل "الآخرُ" الداخلي كالعدوّ على الجبهة. وفي تلك المرحلة شهد العراق أكثرَ مشاريع الهندسة الاجتماعية بشاعةً، كحملات الأنفال الّتي ذهب ضحيّتَها عشراتُ الآلاف من الأكراد الأبرياء (تقدّر هيومان رايتس ووتش عدد ضحايا الأنفال من المدنيين غير المسلّحين بـ 50 إلى مئة الف). شهد العراقُ مشروعَ هيمنة دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ أي انّه كان مشروعًا شبهَ توتاليتاريّ ناجحًا، أو في طور النجاح. كان النظام العراقي وقتَها (الذي زيّنه البعثيون، في البدايات، بائتلافٍ صُوَريّ مع عدد من الأحزاب) نظامًا "شرعيّاً،" ذا علاقاتٍ جيّدةٍ مع القطبين العالميين، وحلفاءَ دوليين وإقليميين. كان صدّام حسين، حتّى احتلال الكويت، رئيسًا "محترمًا" يزور الدولَ العربية والغربية وسط التّرحاب، برغم كلّ تقارير هيئات حقوق الإنسان. وكان، في الثّمانينات، من الزّعماء العرب القلائل الذين امتلكوا شعبيةً حقيقيةً خارج بلدانهم.

لم يكن شاعرٌ عربيٌّ حسّاسٌ مثلُ محمد الفيتوري يجد غضاضةً في تلقّي "جائزة صدّام الأدبية،" ولا كان مطربٌ رقيقٌ مثلُ عبد الله الرّويشد يتردّد في الغناء لرئيس البعث في بغداد، والأمثلة كثيرة. وبحسب رواية كنعان مكّيّة، فقد كانت مقبوليّةُ هذا النظام شبهُ الجماعيّة هي ما استثار مكّيّة لإصدار القسوة والصمت.

كان للنظام مثقّفوه ومنظّروه ومهرجاناتُه و"مشروعٌ لإعادة كتابة التاريخ" تحدّث عنه إريك دايفيس منذ سنوات قليلة في كتاب عن الدولة والثقافة في العراق. مارس النظامُ الهيمنةَ بالمعنى الفعّال، أي انه لم يمارسها بالقمع والمنع فحسب، بل أيضًا بإنشاء "صناعة إنتاجٍ ثقافيّ"Eric Davis, Memories of State: Politics, History and Collective Identity in Modern Iraq (Berkeley: UC Press, 2005), p156. ضخمة موّلتها مداخيلُ النفط في السبعينات (والقروضُ والمساعداتُ من الحلفاء في سنوات الحرب مع إيران).

يروي دايفسالمصدر السابق، ص166. يقول دايفس مثلا إنّ استهلاك الورق في دار النشر الحكومية، دار الحريّة، تضاعف من 3,654 طنّاً عام 1974 الى 11,211 طنّاً بعد عامين فحسب. وزاد توزيع مجلّة مثل الأقلام من 1,500 نسخة عام تأسيسها (1964) إلى 3000 (1968) ومن ثمّ إلى 15,000 (1977). أنّ تلك الفترة شهدت انفجارًا، لا تقلّصًا، في حجم الإنتاج الثقافي والفنّي في العراق؛ كما تضاعف، مرّاتٍ عدة، عددُ الدوريّات والمجلاّت العامّة والمتخصّصة. وتمّ ذلك بمعظمه بتمويلٍ من الدولة الّتي استَملكت، أو أرهبت، أو مَنعت الحركاتِ والإصداراتِ الثقافيةَ المستقلّة. كان على الثقافة في عراق السبعينات والثمانينات التكلّمُ تحت سقف الخطاب البعثي، برغم وجود حالات مقاومة "رمزيّة" داخل الثقافة الرسمية - وكثيرٌ منها كان شجاعًا، بل بالغَ الشّجاعة، وكلّف أصحابَها غاليًا. إلاّ أنّ هيمنة الدولة على إنتاج ثقافة العراق البعثي - "الجديد" حينذاك – مَنعَ نشوءَ خطاباتِ هويّةٍ متكاملة، شعبيّة، بديلة، تتحدّى النّسخة الرسمية. هذا، مع استثناء كبير، هو الحالة الكردية؛ والأكراد (وقوميّوهم أصحابُ مشروع هويّة هو من المشاريع الأقدم والأكثر شرعيّةً في العراق الحديث) كانوا الـ "آخر" الدائمَ في الدولة العربية في العراق، وكم عانى أكرادُ العراق، منذ أيام ساطع الحصري، هذه الوضعيّةَ!

مشروع الهيمنة هذا بدأ بدخول أزمته مع نهاية الحرب مع إيران عامَ 1988، إذ لم يعد بإمكان الدولة تمويلُ مشروعها الهائل في ظلّ اقتصادٍ مدمََّر، وأسعارِ نفطٍ منخفضة، ونضوبِ الدعم من "الحلفاء." وقد تجلّت علائمُ هذه الأزمة في فشل مشاريع الّلبرلة الاقتصادية في أواخر الثمانينات،وحينها، امتدّ عنفُ الدولة إلى قطاعٍ جديدٍ من المجتمع، هو طبقة التجّار، الذين أعدم العشرات منهم وعوقب كثيرون آخرون لـ "عدم تعاونهم" مع الدولة في المجال الاقتصادي. وانفجرت مع احتلال الكويت وحرب الخليج.

II

في التسعينات دخلت الدولةُ في العراق إلى ما تسمّيه الباحثةُ الأميركية كيرن شودري "سياسات القلّة" ((politics of scarcity، أي الممارسات التي تتّبعها الدولُ لدى تعرُّضها لأزماتٍ تضغط على بنيتها المؤسّسية. بمعنى آخر، سقطت إمكانيّاتُ مشروع هيمنة الدولة في العراق، داخليّاً وخارجيّاً، وصار همّ النظام الأول هو البقاء على قيد الحياة، وفي سدّة الحكم. كان صدّام حسين، في سنوات الحصار، قادرًا على إنشاء مؤسّسة استبداد داخل المجتمع السياسي (بمعنى أنّه قد سحق كلّ حركة سياسية علنيّة تتحدّى النظام في الداخل)، ولكن شتّان ما بين الهيمنة والاستبداد.

يمكن الدولةَ، عبر القمع والمنع، أن تُجبر مواطنيها على الرضوخ السياسي وعدم التمرّد، وهذا ما أسمّيه الاستبداد. أمّا أن يَكسب النظامُ مقدارَ الشرعية التي تمكّنه من العمل على مستوى هويّات مواطنيه، فهذا يتطلّب جهدًا من نوعٍ مختلف لم يكن لدولة بعث العراق عامَ 1991، الخارجةِ من الهزيمة والثورات الشعبية، والمقبلةِ على حصارٍ دوليّ شَلَّّ اقتصادَها، الاضطلاعُ به.

في تلك المرحلة، تحوّل مشروعُ هيمنة الدولة إلى مجرّد مشروع استبداد. واستحال نمطُ الـ "هيمنة" في العراق إلى شيء يشبه توصيفَ ليزا ويدين للحكم في سوريا: حيث تحصل الدولةُ بمزيج من العنف والترغيب على رضوخ مواطنيها العلني، ولكنّها غير قادرة – لا غيرُ راغبة – على تغيير قناعاتهم. أي انّ المواطن مستعدّ لأن "يسمِّع" أنّه بعثيّ للناظر في ساحة المدرسة، ولكنّه في المنزل والحارة لا يرى للبعث أثرًا إلاّ من خلال الشرطي ورجل المخابرات.

في تلك المرحلة، إذًا، تقلّص مشروعُ الهيمنة المتعدّدُ الأطراف لعراق السبعينات والثمانينات إلى مشروع استبداد، مشكَّلٍ، في جوهره، من عائلةٍ تملك جهازًا قمعيّاً ومؤسّسة لتوزيع الحصص التموينيّة.شهدت تلك المرحلة أيضًا انفجارًا في حجم البروباغاندا الرمزية للنظام، ممثّلاً برئيسه: من بناء عشرات القصور الرئاسية، لتكون، في كلّ مدينة، تذكيرا بصريّاً مستمرّاً للمواطنين بحضور السلطة، إلى العدد المتزايد من الـ "مناسبات" الوطنية، الّتي كانت، عمليّاً، مسارحَ لطقوس التعبير عن الولاء للنظام ولصدّام حسين. أشكال الـ "هيمنة الرمزية" هذه كانت، كما تقول ليزا ويدين عن حالة سوريا، انعكاسًا لعجز النظام عن تحقيق مشروع هيمنة توتاليتاري "حقيقي." أي انّ النظام يبالغ في رسم "صورة" توتاليتارية عن نفسه ومجتمعه ليخفي عجزَه عن إرساء مشروع شموليّ فعًال. فيتمّ، مثلاً، بناءُ "أعلى برج في الشرق الأوسط" و"أكبر قصر في الشرق الأوسط" في قلب بغداد، صرحينً رمزيين ضخمين لسطوة النظام، ولكنًهما، في الوقت ذاته، بديل كاذب لمشروع هيمنة "حقيقي" تقوم فيه الدولةُ- مستعملةًً العنفين: القمعي و"الإنتاجي"- بإعادة هندسة المجتمع من جذوره وإعادة رسم المدن وأحيائها وعاداتها. في عراق التسعينات، حصرت الدولةُ علاقتَها بالمواطن عبر مؤسّستين أساسيتين: جهاز الدولة القمعي، حيث كان كلُّ فعل اعتراض من المجتمع المدني يُرَدّ عليه بعنفٍ أهوج؛ وجهاز توزيع الحصص الغذائية، الذي وصفته الأممُ المتحدة بأنّه "من أكثر أجهزة التوزيع كفاءةً في العالم"Andrew and Patrick Cockburn, Saddam Hussein: An American Obsession (London and New York: Verso, 2002), p123 والذي شكّل، في تلك الأيّام، السبيلَ الوحيدَ لمعظم العائلات العراقية لتحقيق قدرٍ من الاكتفاء التمويني.

بهذا المعنى، فإنّ الحصار الذي أجاع العراقَ وقَتلَ مئاتِ الآلاف من أبنائه ودمّر بنيةَ مجتمعه التحتيةَ (هذه الجريمة الكبرى التي لا يكاد يتكلّم عليها أحدٌ اليوم، ربما لأنّها لم تكن موجَّهةً ضدّ مجموعةٍ طائفيّةٍ أو إثنيةٍ بعينها) لم يهدِّد سلطةَ صدّام الاستبدادية، التي أعيد تشكيلُها في مؤسّسات جديدة تَستخدم ظروفَ التجويع لإخضاع المواطن للدولة. الحصار والاستراتيجية الأميركية في الحقيقة مكّنا صدّام من إدامة استبداده لسنوات طويلة وقاسية بعد سقوطه العسكري الكامل في الحرب وانتهاء مشروع دولته الطموحة.

سقوطُ مشروع الهيمنة البعثية فَتَحَ فضاءَ الهوية العراقي على مشاريع جديدة لتشكيل الانتماءات الاجتماعية،وبعضها بتشجيع من بعث صدّام الّذي بدأ باستخدام قوى من ضمن "المجتمع" لحماية الدولة، بعدما كان يستعمل الدولة لتغيير المجتمع. تديّنُ صدّام المفاجئ في آخر سنيّ حكمه كان دليلاً على انسياقه إلى ما يريده الشارع، لا العكس، واستسلاماً نهائيّاً في مسألة علمنة المجتمع. وأما "إعادة إنتاج القبليّة" في التسعينات، فقد تحدّث عنها با\لإسهاب أماتزيا بارام وعصام الخفاجي. كان جلُّها طائفيّاً-إثنيّاً يزاحم الدولةَ على مفهومها للهويّة ويبني تواريخَ "خاصّةً" لجماعاتٍ في العراق تُسبغ على نفسها "جوهرًا" مختلفًا عن باقي الشركاء في المجتمع الوطني "المفترض." هذه السرديّات الطائفية نضج بعضُها وتبلور في سنوات التسعينات (كحال القومية الكردية)، وبعضُها الاَخر أعيد تشكيلُه وتأسيسُه (كحال العشائر)، في حين شهدت هويّاتٌ أخرى انبعاثًا و انتشارًا على مستوى الجماهير (كالشيعية السياسية).في هذا المجال، وعن دور العلاّمة الشهيد محمد صادق الصدر في إعادة احياء دور المرجعية الشيعية في التسعينات، راجع كتابات بيتر هارلينغ وتقارير مجموعة الأزمات الدولية عن الحركة الصدرية

في تلك السنوات، وضمن تجربة "إقليم الحكم الذاتي،" انتقل طموحُ القوميين الأكراد من المفاوضة على شكل من أشكال الحكم الذاتي في ظلّ الدولة المركزية إلى الحلم بالاستقلال الناجز. وصارت أكثريةُ الشعب الكردي، بحسب استطلاع رأيٍ أٌجري مؤخّرًا، تطالب بعراقٍ مقسّمٍ إلى دولٍ مستقلّة.للحصول على التّقرير كاملاً، راجع: http://www.abcnews.go.com/images/PollingUnit/1060a1IraqWhereThingsStand.pdf وهذه ليست سُبّةً أو مدعاةَ اتّهام: فالحركة القومية الكردية حركةُ هويّةٍ شرعيةٌ لا يمكن أحدًا أن ينكر عليها حقَُّ المطالبة بدولة، إذ لا توجد في السياسة والأخلاق هويّاتٌ "أصحّ" أو "أفضل" أو "أكثر شرعيّة،" كما سبق وأسلفنا. الإمكان الوحيد للحكم على مشروع هويّة هو عبر رؤيته الأخلاقية والسياسية للمجتمع الوطني الذي ينوي تأسيسَه.

III

في الفصل الأخير من قصّة الدولة في العراق، أي عراق الاحتلال، نجد خطابَ "العراق الجديد." هذه المرحلة - التي تخلّلتها دورةٌ جديدةٌ من تدميرٍ وإعادةِ تشكيلٍ لمؤسّسات الوطن العراقي بكلفةٍ بشريةٍ ومادّيةٍ لا تصدّق - هي مرحلةُ استيلاء الهيمنات الطائفية على الدولة. وهي مرحلة الحرب بين نخبةٍ طائفية متحالفة مع الاحتلال، وبين الجماهير التي تدّعي النّخبُ تمثيلَها.

بالرغم من بعض الحديث الأميركي، أوائلَ أيّام الاحتلال، عن "عراقٍ جديد" و"مجتمع مدني عراقي" و"طبقةٍ وسطى عراقية،" فقد نظر الأميركيون إلى العراقيين منذ الأيام الأولى كمجموعة طوائف، وعاملوهم وصَمّموا نظامَهم السياسي على هذا الأساس. وبعد "تحالف" لم يدم مع طاقم الاحتلال الأوّل، الذي أثبت أنّه غيرُ قادر على تحقيق شعبيةٍ أكثريةٍ طائفية، وَجّه الأميركيون أبصارَهم إلى نخبةٍ طائفيةٍ وقبليةٍ ادّعت أحقّيتَها في تمثيل "طوائفها." بعضُ هذه الشخصيات اشتُهر وصُنعت زعامتُه في تلك الفترة (مَن كان يعرف عدنان الدليمي في العراق قبل الاحتلال؟ والتقارير تدلّ على أنّ الشّيخ عبد الستّار أبو ريشة لم يكن من كبار عشيرته).راجع مشرق عبّاس في الحياة، 16/1/2007 ولكن هذه النخبة لم تكن تمثّل أغلبيةً بين العراقيين في حقيقة الأمر، ولا هي اليوم أغلبية بعد سنوات من سيطرتها على الدولة وأجهزتها. فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدّعوة، مثلاً، يضطرّان إلى التحالف مع الصدريّين (الذين وُلدوا، في الأساس، كحركة احتجاجٍ ضدّهم وضدّ نخبتهم وضدّ الاحتلال!)International Crisis Group Report: “Iraq’s Civil War, the Sadrists and the Surge,” 7 Feb 2008 للفوز بالانتخابات. إنّ مشاريع الهيمنة الطائفية التي زُرعت في الدولة، وتتحكّم بالحكومة، هي هيمنةُ نخبٍ تحاول فرضَ سيطرتها على جماهيرها المهمَّشة (أو ما يدعى بالإنكليزية subaltern.ويقول العديد ممّن درسوا الهيمنة، وأوّلهم غرامشي، إنّ الهيمنة هي، في الأساس، عملية بسط السيطرة على المهمّشين (subaltern)) ومن جديد ، فإنّ المجلس الأعلى وحزب الدعوة، مثلاً، لا يمثّلان الجماهيرَ المهمَّشة بالملايين في مدينة الصّدر أو البصرة والمدن التي تضخّمت بفعل الهجرة من الريف، بل يتكوّنان – بشكل رئيسي – من النخبة الشيعية وطبقتها الوسطى والوفيّة للمرجعية التقليدية. وأثناء كتابة هذه السطور (الأسبوع الأول من نيسان)، تخوض الحكومةُ وأحزابُها ما يمكن وصفه بـ "حرب أهلية" لإرضاخ الفضاء الصدري المهمَّش والمسلّح - والذي يمثّل غالبيّةَ الشيعة في العراق - لإرادتها، أو إلغائه من المسرح السياسي.International Crisis Group Report, opcit

حصل شيءٌ مماثلٌ في الوسط العربي السُّنّي، حيث أحدث الاحتلالُ ثورةً ضمن الجماهير المهمَّشة منذ عهد صدّام: أبناءِ الأحياء الفقيرة في بغداد، سكّانِ مدن الأطراف المفقرة والمتديّنة، وكان اسمُها المقاومةعلى عكس ادّعاءات الإدارة الأميركية في أوّل سنوات الاحتلال، لم يكن المقاومون العراقّون "سنّةٌ أضرّ امتيازاتِهم سقوطُ النّظام" (ذلك أنّ أغلب الطبقة الوسطى العراقية كانت قد صارت خارج البلد آنذاك). فالمدينة الّتي سادت فيها المقاومةُ حتى "حكمتها" بانتفاضة شعبية كانت الفلّوجة، لا تكريت مثلاً (بشكلها السّنّي على الأقلّ)، تُحرّكها وطنيةٌ عراقيةٌ عامّةٌ ترفض الاحتلالَ وتديّنٌ محافظ. حاولت مؤسسةُ الاحتلال استيعابَ هذا الجمهور عبر نخبتين طائفيتين "صُنعتا" خصّيصًا لهذه الغاية، فيما حاولت إخضاعَه عسكريّاً عبر حربٍ بلغت مرحلةً من العنف تذكِّر بأفعال صدّام – كتدمير الفلّوجة وبعثرة أهلها مثلاً أو وضعِ أهالي بغداد في أقفاص إسمنتيّة. ما فشلت نُخَبُ الاحتلال الطائفية في تحقيقه، بعد سنوات من الحرب وعشرات آلاف المعتقلين، قد تنجح فيه القاعدةُ – ومثيلاتُها على الطرف الآخر - التي أَجبرت جماهيرَ العرب السُّنّة على قبول تهدئةٍ مؤقّتةٍ تحميها من الإبادة.

يتكلّم الكثيرون على اندلاع الحرب الأهلية بين الطّوائف، السُّنّية والشيعية في العراق- وهي حربٌ لا نملك بعدُ كلَّ تعاليلها وأسباب اندلاعها وأدّت أيضًا إلى اصطدام دمويّ بين الجماهير المهمَّشة على الطرفين. ولكن قلّما يتكلّم المراقبون على الحروب الأهليّة ضمن الطائفة الواحدة، وهي حروبٌ تواصلت منذ لحظة الاحتلال بهدف إخضاع مهمَّشي العراق (أي مَن همّشهم صدّام والحصارُ والفقرُ وتفكّكُ الدولة) لنخبٍ طائفيةٍ اختارها الاحتلالُ، وضمن نظامٍ طائفيّ انتقاه الاحتلالُ، وباتّجاه "عراقٍ جديدٍ" يقرِّر مسارَه الاحتلالُ.

الصراع الذي دار في البصرة مؤخّرًا، وتصريحاتُ رئيس الوزراء نوري المالكي، التي وصلت إلى مقارنة الميليشيا الصدريّة غير المنظّمة بالقاعدة بل "وأسوأ،" شاهدٌ على حرب الإخضاع والإقصاء بين الهيمنات الطائفية من جهة، والقواعد الّتي تدّعي تمثيلَها من جهة أخرى. وتتلخّص معضلةُ العراق، في منطق النّخب الطائفية، بأنّ أغلب العرب الشّيعةهذا بالرغم من كلّ "الجهود" الّتي يبذلها العديد من أعضاء القيادة الصّدرية؛ وأوضّح لأقول إنّني، حين أتكلّم على المهمّشين، فأنا أقصد جماهيرَ الصّدر، لا قيادتَه، الّتي قد تكون مستعدّةً لتسوية مع النخبة الحاكمة يرفضون الخضوعَ للقيادات الطائفية المنتقاة لهم، وبأنّ أغلبَ السّنّة يرفضون ذلك أيضًا، وبأنّ الأغلبيتين ترفضان الخضوع للاحتلال، فما العمل؟! إنّهم لا يريدون الديمقراطية!

وتبقى كردستان العراق استثناءً هنا، حيث يسود ما يشبه الإجماعَ الوطني على القومية الكردية في ظلّ "ثنائيّةِ" زعيمين، كلاهما واحدٌ أوحدُ في "نطاق زعامته،" وبينهما تاريخٌ من الحرب الأهلية. والجدير بالذّكر هنا أنّ استعمالَ الميليشيات الكردية – من قِبل مؤسّسة الاحتلال - في الموصل والشّمال لإخضاع المقاومة الشعبية زرع أحقادًا عرقيّةً لم تَعرف المنطقةُ مثيلاً لها منذ الستّينات.

مع تجذّر هذه النخبة الطائفية في الحكم، يأتي مَن ينطقون باسم المؤسّسة الرسميّة ويقبضون رواتب منها ليحاضروا على سماح إدريس في "العراق الجديد" والديمقراطية والوطنية والتسامح. المشكلة ليست في خطاب "العراق الجديد،" والمشكلة ليست أنّ "العراق الجديد" هيمنة أو هيمنة سيّئة. المشكلة هي أنّ العراق الجديد ليس هيمنة أصلاً، بل ولا مشروعَ هيمنة. "العراق الجديد" هو خطاب/واجهة لمؤسّسة استعمار تتحالف مع نخبٍ طائفية، والنّخبُ تستعمل عنفَ الدولة والجيش الأميركي لقمع جماهيرها وإعادتها إلى أيّام الإقطاع (تخيّل الدولةَ "الحديثةَ" أو "الليبرالية" التي ستبنيها الأحزابُ الدينية في الجنوب لو حصلت على "الإقليم" الذي تطالب به!). المشكلة ليست في العراق الجديد؛ المشكلة هي في غيابه.

خطابُ "العراق الجديد" يماثل، من زاوية معيّنة، الخطابَ اللبناني الرسمي بعد اتّفاق الطائف. ففي لبنان، كما في العراق، خَلقت مشاريعُ الهيمنة الطائفية خطابًا "وطنيّاً،" هو في الأساس وسيلةُ تخاطبٍ بين الطوائف/الأمم – إلى حين تتحارب أو تستقلّ بعضُها عن بعض - لا هويّة ًبديلةً أو مجرّدَ إمكانيّةِ هويّة. تحتجّ إحدى الكاتبات المدافعات عن فخري كريم لأنّ سماح إدريس، كما زعمت، "صَنّف العراقيين إلى عربٍ و كرد."سلوى زكّو، "دفاعًا عن المثقّف العراقي والادآب معاّ،" madayat.com لقد جُرحت مشاعرُ هذه الكاتبة، وكأنّ المؤسّسة السياسية العراقية تستنكف عادةً عن الكلام الطائفي! وأما الحقيقة فهي أنّ كلّ الكلام السياسي في العراق الرسمي اليوم هو كلامٌ طائفي، بل إنّ الدستور العراقي نفسَه "صنّف العراقيين إلى عرب و كرد"! الاحتجاج على إدريس يعود، عمليّاً، إلى أنه لم يحترم قواعدَ اللعبة الطائفية، وتكلّم على هذه الهويّات من خارج لغة التّخاطب التي كرّستها الطّوائفُ وتُجسِّدها المؤسّسةُ الحاكمة: لغةِ "العراق الجديد."

المشكلة ليست في "العراق الجديد"؛ المشكلة في ما وراءه. فإن كان خطابُ العراق الجديد يريد أن يرى نفسَه ديمقراطيّاً، فإنّ النُّخب الّتي تصنعه توريثيةٌ وسلطوية.وإن كان يرى نفسَه ليبراليّاً وحداثيّاً، فإنّ السٌّلالات الطائفية التي توقِّع عرائضَه متديّنة ومحافِظة وذكوريّة. وإن كان يريد أن يرى نفسَه متسامحًا ومنفتحًا، فإنّ أمراء الطائفية متعصّبون وشوفينيّون وكارهون للآخر، إلى حدّ الذّبح الجماعي. وإن كان خطابُ العراق الجديد "وطنيّاً" وداعيًا إلى الاستقلال والسّيادة، فإنّ الهيمنات الطائفية تعاملت وتتعامل مع كلّ أجنبيّ، ومع الديكتاتورية في العراق وخارجه. هي تريد اليومَ تقسيمَ بلدها، لا لتخلقَ في "أقاليمها" مشروعًا سياسيّاً تقدّميّاً حداثيّاً، بل لتتحكّم النخبةُ المكرَََّسةُ بموارده وتنهبها.وهذه النّخب الطائفية لم تنتظر تأسيسَ دولها وأقاليمها الخاصّة حتّى تبدأ النهب، إذ تذكر مصادر عراقية أنّ أكثر من مئة مليار دولار قد "اختفت" بسبب الفساد منذ 2004. أتعرفون ما يعني هذا الرّقم؟ انّه أكثر من ضعف ميزانية جمهورية العراق السنوية، وخمسة أضعاف ميزانية صدّام العسكرية في قمّة جنونه. راجع خلود العامري في الحياة 19/2/200؟؟؟

4- حين يُكتب التاريخ

تحدّث دريدا يومًا عن خطر عمليّة سمّاها "التلقيح-الذاتي" ضدّ الليبراليّات الغربية. المقصد هو أنّ الليبرالية، حين تتحوّل بالفعل إلى هيمنةٍ ناجحة و"حقيقةٍ" مسيطِرة، تلقِّح نفسَها ضدّ احتمال "الآخر": تفقد ذلك الشعورَ بالفضول تجاهه، وتخسر احترامَها للمختلف، وتحصِّن نفسَها من احتمال الخطإ. إذّاك تتوتّر العلاقةُ مع "الآخر" – كلّ آخر – ويصير كلُّ مَن يقطن خارج هذه الإيديولوجيا خطرًا عليها لأنّها لا تفقه ألاّ يتّبعَ إنسانٌ سويٌّ طُرقَها الخيّرةَ والنّيّرة، ويصبح هذا الآخرُ (تلقائيّاً) شرّيرًا وظلاميّاً، أو في أحسن الأحوال، متوحّشًا بدائيّاً يحتاج إلى عمليّة إعادة تأهيل استعماريّة. ساعتَها، تبدأ التيّاراتُ الفاشيّة بالظّهور من قلب الليبرالية، وبحجّة الدفاع عنها أيضًا.

الديمقراطية الليبرالية تبقى، برغم الأخطار التي يحذِّر منها دريدا ورهطُه،"حلمًا" أفضلَ بما لا يقاس ممّا تعيشه مجتمعاتُنا العربية. المشكلة هي أنّنا "استوردنا" (أو لُقِّمنا) ليبراليّةَ الطّور الأخير، ليبراليّةَ "الإمبراطورية،" الليبراليةَ المهيمنةَ الّتي تصنع من كلّ "آخر" عدوّاً وتكفّره، الليبراليةَ الّتي تمثِّل بجثث أعدائها وتجرّدهم من إنسانيّتهم.

المشكلة الكبرى هي أنّ هذه الثّقةَ المفرطةَ للّيبراليةِ الطور الأخير، وقابليّتَها للعنف، أسبغتهما على نفسها تيّاراتٌ طائفيةٌ ليس همُّها بناءَ المجتمع الديمقراطي، بل خوضُ حروبنا الأهلية المؤجَّلة، ورفعُ نخبةٍ جديدة، و لو بالدّم، إلى مصاف الحكم.

حتّى كنعان مكّيّة يعترف اليوم بأنّ أعداد القتلى العراقيين منذ الغزو الأميركي "بدأت تقترب" من أعداد ضحايا صدّام. أعداء مكّيّة يقولون إنّ عدد الضحايا الفعلي فاق الرَّقمَ الذي "أنجزه" صدّام – خلال ثلاثة عقود. غير أنّه من الصعب أن نتبيّن الحقيقة؛ فشهداء العراق يُحصَون في تقارير "تقريبيّة" – أي ضمن هوامش بمئات الألوف.

تلالُ الجثث تتراكم، ولدينا جميعًا خيارٌ من اثنين. الخيار الأوّل هو أن نقبل روايةَ المؤسّسة الرسمية العراقية عن أحداث السنوات الماضية، فنردّدُ أنّ العراق حرّرته أميركا ويَحكمه اليومَ مشروعٌ ديمقراطي، وأن نتجنّبَ مساءلةَ النظام الحاكم لأنّه، في النهاية، "منتخبٌ ديمقراطيّاً،" الأمرُ الذي يعطي نُخَبَه الطائفيةَ "مناعةً" ضدّ التشكيك والنقد.

أما الخيار الثاني فهو أن ننظر إلى ما خلف الخطابات والكلام الرخيص، فنتأمّل، ولو لدقائق، فوّهةَ المأساة؛ أن نفكّر، للحظات، بحجم الموت وعذابات الموتى والأحياء؛ ومن ثمّ نرفع العقيرةَ بالسؤال عن المرتكبين، جميعِهم، وعمّن أعطاهم الحقَّ في استرخاص الحياة إلى هذه الدرجة. عندها، فقط، نبدأ باكتشاف الحقيقة.
قد نُسأل جميعًا، بعد عقدٍ أو أكثر، عن موقفنا الأخلاقي يومَ كانت المجزرةُ تدور. تذكّروا، حين ارتكب صدّام جرائمَه، لم يفتح أحدٌ فمَه.

كاليفورنيا
عامر محسن: طالب دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بيركلي (كاليفورنيا)، وموضوع أطروحته: عن تشكّل الهوية في العراق. نال البكالوريوس من الجامعة اليسوعية (بيروت)، والماجيستير من جامعة جورجتاون (واشنطن دي سي).

التعليقات

رد

اخي كاتب المقال بعد التحية
ماعلاقة موضوعك بموضوع التهجم على جريدة ورئيسها الاستاذ فخري كريم
اعطيتنا سردا تاريخيا لاوضاع العراق وكان سردا موفقا يبرز قدرات الكاتب التحليلية
ملخص مقالك ان العراق تقوده النخب الطائفية وهذا عين الصواب
لكن عزيزي الكاتب ان العراق اليوم هو في افضل المراحل التي التي سردتها
تعال الى العراق سترى التغيير الذي حدث على المستوى المعاشي والتغير الذي حصل في تطلعات الفرد العراقي
وهو ينظر بتفائل للمستقبل العراق الان غير ماتصوره الفضائيات واجهزة الاعلام المغرضة التي تطبق معاييرها الخاصة بها
اما النخب الطائفية التي تحدثت عنها بدا العراقيون بلفظهم بدليل ان مستوى وعي الجماهير اصبح ارفع من مستوى وعي النخب والدليل تحسن الوضع الامني والتعايش الذي كان موجودا سابقا بدا يظهر
مع التقدير

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.