رسالة مفتوحة "إلى من يهمّه الأمر"

كنتُ أودّ أن تكون هذه مقالةً موجّهةً إلى الحلقة الأوسع من القرّاء، التي تنتظر وتتلقّى أو تهتمّ وتدعم الحراكَ الجاري من أجل إسقاط النظام الطائفيّ في لبنان. ولكنْ، لحظةَ الكتابة، وجدتُني أكثرَ حاجةً إلى مخاطبة من يرى نفسَه منظِّمًا أو محرِّكًا أو ناشطًا في الحراك نفسه... على أمل أن تقدّمَ هذه الرسالةُ إسهامًا إلى أكثر من حلقة، ليتمكّن الجميعُ من القيام بدوره.
***
كنتُ أتوقّع أن نكون قد تخطّينا مرحلة تحديد الهدف، بعد ترسيخ القناعة بالعمل المشترك وأهميّة التنوّع وتحويلِه إلى غنًى وقوةٍ حقيقيّة للحراك. وكنتُ أتوقّع، بالتالي، أن ينحصر النقاش الأن بكيفيّة الوصول إلى الهدف. ولكنّ الضرورة برزتْ لإعادة تصويب المنطلقات قبل الدخول إلى المرحلة التالية.

بدأ هذا الحراكُ مع مجموعات وأفراد التقوْا، في جوّ من الحماس انعكس أملاً في التغيير بعد انتصار الثورتين التونسيّة والمصريّة. ولقد كان هذا الأملُ وليدَ مسألتين: سقوطُ أنظمةٍ اعتُبرتْ منيعةً يستحيل تغييرُها، وتحرّكُ الجماهير بدافع قيم إنسانيّة.
كثيرون من هؤلاء كانوا يعملون، بشكل فرديّ أو جماعيّ، على الهدف عينه. ولكنّ آخرين (كثرًا أيضًا) كانوا ينطلقون من حماسٍ جديد (أو متجدّدٍ لدى بعضهم) وُلد في هذه الظروف وتفاعل عبر الفايسبوك وغيره.

التمايزات في بداية اللقاء كانت كثيرة. منهم من كان منظّمًا في حزب أو مجموعة، ومنهم مَن كان مستقلاً؛ منهم مَن كان
يساريًا، ومنهم مَن لم يكن كذلك؛ منهم مَن آمن بضرورة التنظيم ووضع البرنامج قبل النزول الى الشارع، ومنهم مَن اعتبر أنّ الشارع ينظِّم نفسه بنفسه ويسلك طريقه؛ منهم مَن رأى نفسه أمام ثورة شعبيّة قادرة على تحقيق انتصار فوريّ، ومنهم مَن رآه عملاً طويلَ الأمد... فأتت الأسقف مرتفعة حينًا، ومتواضعة أحيانًا.

ولكنّ الكثير كان يجمعنا أيضًا، وأهمّه الهدفُ النهائيّ، على الرغم من تعرّجات الوصول إليه واختلافِنا على تسميته (دولة مدنيّة أو علمانيّة أو غير ذلك)، ألا وهو: دولة قائمة على أساس المواطنة، تَضْمن الحريّةَ والمساواةَ والكرامةَ الإنسانيّة، وتؤمّن الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. والجميع كان يعي أنّ الخصم الأساس هو هذا النظامُ الطائفيّ، وقوى السلطة (على اختلافها) التي تستفيد منه وتسعى إلى تكريسه.
***
حين انطلق النقاش برزت الاختلافات ُالكبيرة. ولكنّنا توافقنا أن نلاقي الشارع، وأن ندعو الناسَ إلى العنوان العريض "إسقاط النظام الطائفي،" ومن ثمّ نرسم تدريجيًا، وبتفاعلنا بعضنا مع بعض ومع الشارع، طريقَنا إلى الأمام (ولولا ذلك، لكنّا اليوم ما نزال بضع عشرات نتناقش في قاعات مغلقة!). يومَها قلنا إنّ تنوّعنا غنًى علينا الاستفادةُ منه، وطرحنا المعادلة التالية:
على كلّ حزبيّ أن يكون حريصًا على دور كلّ مستقلّ داخل حراكنا، والعكسُ بالعكس. وعلى كلّ صاحب تجربةٍ في العمل العامّ أن يكون حريصًا على دور مَن لا يملك مثلَ هذه التجربة لكنّه يملك الحماسَ للعمل أو نظرةً جديدةً إلى سبل التغيير، والعكسُ بالعكس. وعلى كلّ "حالم" أن يكون حريصًا على دور كلّ "واقعيّ،" والعكس بالعكس... ففي النهاية لن يستطيع أحد من هؤلاء، منفردًا، تحقيقَ أيّ مكسب. وهنا وجب التأكيدُ حينها أنْ لا التجارب الماضية أفضت إلى الهدف المنشود ولا نحن اليوم ننطلق من فراغٍ من دون الاستفادة من تراكمات التجارب السابقة.

انطلقنا في العمل، فتيقّنّا أنّ شيئًا من التنظيم المرن مطلوب؛ كما تبيّن مدى صعوبة التفاعل والعمل المشترك والمفتوح على التوسّع. كنتُ أعرف يومها أنّ هناك عوائقَ (طبيعيّةً) أخرى ليست ظاهرةً تنتظرنا: من غياب الثقة بالآخر، إلى الثقة المفرطة بالنفس، فإلى إختلاف الطباع، والفرديّة، بل حبّ البروز أحيانًا. ولكنْ، من خلال معرفتي السابقة أيضًا بالمجموعات وبالكثير من الأفراد، ومعرفتي بحرصهم وصدقِ إيمانهم بقضيتهم؛ وبسبب رهاني على أنّ العمل الحقيقيّ إنّما يكون على الأرض وفي مواجهة الخصم نفسه؛ فقد كنتُ آمل في سهولة تخطّي تلك العوائق. ولكنّ هذا الأمر، ويا للأسف، لم يكن كذلك ــ وهو ما اقتضانا جميعًا الكثيرَ من الوقت والأعصاب والجهد. فبدلاً من التركيز على ما يَجْمعنا، والتسليمِ بأنّ كلاً من موقعه يُغْني الحراك، ترانا أحيانًا نركّز على ما يفرّقنا، وعلى اعتبار "الآخر" مصدرَ ضعفٍ لنا. ومع الوقت وتصاعدِ الحراك وتزايدِ المشاركين، ازدادت الأمور تعقيدًا.
***
لم يكن الحراكُ منذ بدايته حَكرًا على أحد ــ لا على المجموعة الكبيرة التي دعت إلى التظاهرات الأولى، ولا على مَن بادروا إلى الاعتصامات المفتوحة، ولا على المجموعات المستقلّة التي تكوّنتْ بدايةً على الفايسبوك، ولا على مختلف القوى السياسيّة أو الأفراد الذين انضمّوا فيما بعد واعتبروا أنفسَهم معنيّين بأهداف الحراك. فطابعُ الحراك المفتوح، الذي يطلق المبادرة أمام الجميع بالشكل الذي يروْنه مناسبًا، يتيح لكلّ راغبٍ أن يأخذ دورَه. ولكنّ المطلوب هو التواضع:
ـ تواضعُ مَن تداعى في البداية وانطلق إلى الشارع (ونحن لم نفترضْ يومًا أننا سنكون قيادته) وعدم اعتبار أيٍّ منا أنه يمتلك جميعَ الأجوبة أو أنه الوحيد المؤهّل للبحث عنها أو أنّ ما توصّلنا إليه غيرُ قابلٍ للتطوير أو التعديل.
ـ تواضعُ مَن انضمّ لاحقًا فاعتبر أنّ لديه، هو الآخر، جميعَ الأجوبة في مسائل التنظيم والآليّات والسياسة، ومن دون أيّ احترامٍ للنقاشات السابقة وما أنتجتْه من توافقات.
ـ تواضعُ مَن شكّل مجموعةً مغلقةً يَفترض أنّها توحّدتْ على مبادئ معيّنة، فأراد أن ينسِّق، من موقع المستقلّ والموازي، مع الآخرين مجتمعين، بكلِّ ما يشتملون عليه من تنوّعٍ وتعدّدٍ وتمثيلٍ وانفتاحٍ جعلتْهم يتوسّعون ويزدادون باستمرار، من غير أن تفتح تلك المجموعةُ المجالَ لنفسها لكي تنخرطَ معهم في إطار حراكٍ موحّد. والسبب في ذلك افتراضُ تلك المجموعة أو ادّعاؤها أنّ الآخرين هم عبارةٌ عن أحزاب أو فريقٍ يتمسّك جميعُ أفراده بشعار "العلمنة."
ـ تواضعُ مَن أقاموا اعتصاماتٍ مفتوحةً، فاعتبر بعضُهم نفسَه أكثر تضحيةً من أولئك الذين يجتمعون في "اللجان" و"يضيّعون" الوقت في النقاشات في القاعات أو "الغرف السوداء."
ـ تواضعُ مَنْ سنحتْ له فرصةُ الظهور في وسائل الإعلام ليتحدّثَ عن الحراك، فلم يعترفْ إلى الآن بأنّ ظهوره ذاك كان من أكثر نقاط ضعفنا بسبب عدم جهوزيّته الكاملة للتطرّق إلى تشعّبات المسائل كافّةً. ويا ليتنا نفكّر مرّتين بعد اليوم قبل أن ننبري للظهور على وسائل الإعلام.
ـ تواضعُ مَنْ لم يظهرْ على وسائل الإعلام ولكنّه افترض أنّ أداءه كان سيكون أفضل ممّن ظهروا فعلاً؛ فالمشكلة الأساسيّة في موضوع الإعلام هي أنه ليس في خدمتنا، ناهيكم بأنّنا لسنا تنظيمًا ذا خطابٍ موحّد، ولسنا قادرين على رسم سياسة إعلاميّة والإشرافِ عليها وضبطِها.
ـ تواضعُ بعض "المنظّرين" على صفحات الإنترنت أو الجرائد، أو الذين يتنقّلون من اعتصامٍ إلى آخر، ولا يفعلون سوى الانتقاد الهدّام (المستند إلى افتراءاتٍ في أحيانٍ كثيرة)، محرِّضين، أو شامتين من أيّ ثغرة، وكأنّهم وحدهم امتلكوا الـ تجربة الـ ناجحة التي يجب على الجميع التعلّمُ منها... علمًا أنّ هناك مفكّرين (أو منظّرين بالمعنى الإيجابيّ) أفادوا الحراكَ بوجهات نظر أغنت النقاشاتِ وما تزال.
***
على أنّ التواضع وحده لا يكفي، بل المطلوب أيضًا أمران: تفهّمُ منطلقات بعضنا البعض، ومرونتنا في العمل. غير أنّ "المرونة" التي أتحدّث عنها يجب ألاّ تنعكس على الموقف السياسيّ، أو على جوهر الهدف، بل ينبغي أن نكون حاسمين هنا. وهذا ما أعتقد أنّ الحراك نجح فيه.
عندما فَرض الشعارُ والتحركُ نفسيهما على الساحة السياسيّة رأيناهما يتعرّضان للتشويه. وهذا يعود إلى أسبابٍ عديدة، منها ما يأتي:
ـ مواقفُ قوًى اعتَبرتْ نفسَها معنيّةً بالهدف ذاته لكنّها لم تتجاوز العقليّة غير المنتِجة التي اعتادت العملَ بها.
ـ طائفيّةُ معظم وسائل الإعلام، وعملُها بحسب أجندات زعماء الطوائف أنفسهم.
ـ تعقيداتُ الواقع السياسيّ في لبنان، وهو واقعٌ يسمح لمعظم القوى في السلطة بأن تتبنّى شعاراتنا وتشوّه أهدافنا. وقد اتّفقنا على أن نردّ على ذلك بوسيلتين: أولاً بإضافة "...ورموزه" إلى شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" بعد أول تظاهرة؛ وثانيًا بإعلان عدم ثقتنا بأحدٍ من المسؤولين في موقع السلطة، وبأنّهم إذا أرادوا أن يدعموا حراكنا حقًا فعليهم أن يُثْبتوا ذلك بالأفعال، وإلاّ فليستقيلوا.

هكذا اختصر البعضُ هدفَ إسقاط النظام الطائفيّ بمطلب "إلغاء الطائفيّة السياسيّة." وهذا الاختصار سَمح لقوًى أو شخصيّات طائفيّة، أو لا تؤْمن بدولة المواطن والمساواة (في كلّ المجالات) بين المواطنين، أن تعتبر نفسَها في الخندق معنا (ما زلت لا أفهم كيف يريد البعضُ إسقاطَ النظام الطائفيّ ولا يقبل بالأحوال الشخصيّة المدنيّة الاختيارية!؟). كما حاول البعض احتسابَنا على أحد أفرقاء قوى السلطة المتصارعة (8 و14 آذار) ـ وهذا أيضًا ما أعتقد أنّنا تخطيناه (ولو ببعض الخسائر).
***
هنا لا بدّ من فتح قوسين للإشارة إلى مسألتين تتعلّقان بموضوع بعض اليافطات التي رُفعتْ خلال التظاهرات.
الأولى هي أنّنا كنّا دائمًا نتّفق خلال التحضير للمظاهرة على أنّ الأولويّة هي لسلميّتها، وعلى أنّنا سنتعامل مع أيّة إشكاليّاتٍ بشكل حضاريّ وحريصٍ على احترام الرأي الآخر، ولكنْ من دون غضّ النظر عن أيّ شعارٍ أو موقفٍ يشوِّه مضمونَ التظاهرة ويُلزم المشاركين به، وذلك حمايةً لأهدافنا واحترامًا لمن يأتي ليشارك معنا في التظاهرات تحت شعاراتٍ واضحة. غير أننا، كمنظّمين، لم نفلحْ دائمًا في ذلك.

المسألة الثانية هي أنّ علينا أن نفهم أنّ التظاهرة ليست "هيد بارك" ليأتي كلُّ مَن يرغب فيُدلي بدلوه ويرفع ما يريد من شعاراتٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى الموقف الذي خرج المتظاهرون من أجله (وأخصّ بالذكر شعاراتٍ ذات علاقة بالمحكمة الدوليّة وسلاح المقاومة). إنّ حريّة الرأي أمرٌ نؤْمن به إيمانًا راسخًا، ولذلك مِن حقّ أيٍّ كان أن يتظاهر تحت الشعارات التي يراها مناسبةً؛ ولكنّ ما لا يجوز فعلُه هو أن يفرض شعاراتِه على الآخرين ــ وهذا ما يفعله بعضُهم عندما يرفع ما قد يتناقض مع آراء آخرين في التظاهرة نفسها. إنّ التظاهرة، في نهاية المطاف، هي تعبيرٌ عن موقف جمعيّ من مسألةٍ ما؛ ومن يردْ أن يعبّر عن أمرٍ لا يتضمّنه هذا الموقفُ الجمعيّ، فليحترمْ رأيَ الآخرين ولينظّمْ تظاهرة أخرى.
***
بعد حسم الهدف من الحراك، وهو إسقاط النظام الطائفيّ بكلّ تجلّياته السياسيّة والاجتماعيّة في القانون وفي الممارسة وبناء دولة المواطن (التي يسمّيها البعضُ "الدولة العلمانيّة الديمقراطيّة" ويسمّيها آخرون "الدولة المدنيّة" أو غير ذلك)، نعود إلى المرونة المطلوبة للتفاهم حول كيفيّة إسقاطه، إذ أعتقد أنّ هذا هو الآن أبرز التحدّيات أمامنا.
هناك وجهات نظر مختلفة حول كيفية إسقاط النظام الطائفيّ: بين مَن يرى أنّ تحقيقه يتمّ عبر ضغط شعبيّ متزايد يؤدّي إلى شلّ قدرة مؤسّسات السلطة على الحكم، وبالتالي حلّ مجلس النوّاب وتشكيل هيئة تأسيسيّة لوضع دستور جديد؛ وبين مَن يعتبر أنْ لا مفرّ من الاعتراف بمجلس النوّاب القائم ومن ثم تقديم مشاريع قوانين عبره، والضغط من أجل إقرارها، بما يَسمح ببداية تغييره.

أنا أعتقد أنّ المطلوب هو تحقيق اختراقين أساسيين في الحدّ الأدنى: الأول هو إقرار قانون انتخابيّ يعتمد النسبيّة والدائرة الكبرى؛ والثاني إقرار قانون مدنيّ للأحوال الشخصيّة... علمًا أنّ هذا لا يختصر قضايا أساسيّةً مثلَ التربية والإعلام وقانون الأحزاب وغير ذلك، وعلمًا أيضًا أنّ هذا لن يكون بديلاً عن رفع المطالب الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تزداد إلحاحًا في مجال الجواب على سؤال "لماذا نريد إسقاط هذا النظام؟" وبها نتوجّه إلى الفئات الأكثر تضرّرًا منه.

هذا التباين في وجهات النظر عطّل قدرتنا حتى الآن على الإجابة على أسئلة الناس الملحّة؛ وهو ما لا يجب أن يستمرّ.
قد يكون الحلّ، إنْ لم نتفقْ على وجهة نظرٍ واحدة، هو أن تجيب كلُّ مجموعةٍ بحسب وجهة نظرها، فنشكّل نوعًا من ائتلاف بين مجموعاتٍ لها الهدفُ الإستراتيجيُّ نفسُه لكنها تختلف على كيفيّة الطريق الأقصر للوصول إليه. علينا التسليمُ إذًا مجدّدًا بأننا لا نمتلك الحقيقة الوافية، وبأنّ وجهات نظرنا تحتمل المزيد من التفكير. وعلينا أن نمنح بعضنا بعضًا مجالاً أرحب لنبرهن ما نعتقده الأفضل. وحين تُثبت أيٌّ من وجهات النظر صوابيتها، فعلى الآخرين المضيّ بها.

ليس التعاون في هذا المجال مهمّة سهلة، ولكنها ليست مستحيلة. وهي بالطبع أسهل من إسقاط النظام ذاته!
في النهاية نحن جميعًا نصنع تجربتنا بأيدينا، ولن يتبلور الطريقُ الصحيحُ إلا على أرض العمل والنضال. فهيّا إلى العمل، هيّا إلى النضال!
بيروت
ناشط من لبنان.

التعليقات

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.