الإفتتاحية: التنازل الذهبيّ
ّثمّة ما يستوجب ملاحظاتٍ مبدئيّةً عند الحديث في الموضوع السوريّ الشائك.
الملاحظة الأولى تفيد بصعوبة الكلام على قضيّةٍ تتغيّر معطياتُها بسرعةٍ هائلة. فكلماتي هذه تأتي بعد يومين من قرار الجامعة العربيّة تعليقَ عضويّة سوريا فيها بسبب عدم تنفيذ النظام السوريّ ما كان قد وَعد بتنفيذه، ولكنْ قبل يومين من "مهلةٍ" إضافيّةٍ للوفاء بهذا الوعد. وربما نُشرت هذه الكلماتُ وقد تفاقمتِ الأمورُ إلى نقطة اللاعودة (بالعقوبات الاقتصاديّة أو التصعيد الأمنيّ)، أو ربما شهدنا نزعًا لصاعق التفجير. إنّ هذا ليس تبريرًا للأخطاء التي سيقع فيها تحليلُنا أو تحليلُ أيٍّ كان في هذه اللحظة الحرجة الواقعة بين لحظتين، بقدْرِ ما هو تعبيرٌ عن عجزِ دوريّةٍ شبهِ فصليّةٍ عن مواكبةِ الحدث السياسيّ اليوميّ بما يتعدّى التصريحَ بجملةٍ من المبادئ العامة.
الملاحظة الثانية تَحْمل الموقفَ ونقيضَه، وكلاهما صائبٌ إلى هذه الدرجة أو تلك. نعم، لا يجوز أخلاقيًّا لمن لم يَكْتوِ بجرائم النظام اليوميّة أن "يُنظِّر" من علِ ــ من موقعِه في بيروت أو واشنطن أو عمّان أو رام الله ـ على ضحايا هذه الجرائم في حِمْص مثلاً. لكنْ، أخلاقيًّا أيضًا، لا يجوز أن يكون سيفُ الداخل مُصْلتًا على كلّ رأيٍ معترضٍ بذريعةِ أنّ "مَنْ يتلقّى العصيَّ ليس كمن يَعُدّها." إنّ الموقعَ الجغرافيّ لا يحدِّد، في ذاته، الموقفَ الواجبَ اتّخاذُه إلا في حالةٍ واحدة: جهلُ التاريخ الحديث، وعلى رأسه تاريخُ ما يسمّى "التدخّل الإنسانيّ."
وفي الحالة السوريّة تحديدًا، فإنّ تشبّثَ بعض المثقفين والمعارضين بمطالب "الحصار الجويّ" و"العقوبات الاقتصاديّة" و"المنطقة الآمنة" و"الحماية الدوليّة" تجاهلٌ للتجربة العراقيّة في تسعينيّات القرن الماضي، كي لا نقول تجارب أخرى (كالبلقان). فالحصار الدوليّ أدّى إلى موت أكثر من مليون عراقيّ، معظمُهم من الأطفال، في أقذر إبادةٍ "إنسانيّةٍ" عرفتْها البشريّةُ الحديثةُ، وبما يَفُوق وحشيّةَ القصف العسكريّ نفسِه بأشواطٍ كبيرة... ومن دون أن يتأثر نظامُ صدّام حسين البتّة طوال أكثر من عقدٍ كامل. أما "المنطقة الآمنة" التي أقامتها الأممُ المتحدةُ "لحماية" الأكراد من قمع صدّام حسين فلم تمنعْه من إخماد هبّتهم الشعبيّة في 28/2/1991، ومن هجرةِ أكثر من مليونيْ كرديّ إلى تركيا وإيران من جرّاء ذلك.(1) إنّ الأمم المتحدة لم تكن يومًا جمعيّةً خيريّةً، ولا هيئةَ صليب أحمر دوليّ، بل كانت، وما تزال، خاضعةً لتحكّم الدول الرأسماليّة الكبرى ذاتِ المصالح الاستعماريّة، وبخاصةٍ لأنّ مجلس أمنها الدوليّ لا يضمّ تمثيلاً وازنًا للشعوب الضعيفة وللشعوب التي لا دولَ لها (كالأكراد). وكنّا ظننّا أنّ ما سُقْناه للتوّ هو من البدهيّات، حتى فاجَأَنا بعضُ مَن تتلمذْنا على أفكارِهم منذ نعومةِ أظفارنا يميّزون اليومَ بين التدخّل الإنسانيّ والتدخّل الاستعماريّ!وبالعودة إلى منطق "تلقّي العصيّ غيرُ عَدِّها،" فإنّ علينا أن نضيفَ أنّ أيّ تفكّكٍ أو انهيارٍ في بنية الدولة السوريّة أو المجتمع السوريّ، وأيَّ حربٍ على سوريّة أو فيها، ستصيبُ بالضرر الفادح المنطقةَ بأسرها. وبكلامٍ آخر، فإنّ مَن "يَعدّون العصيَّ" من جيرانِ سوريا سيتلقّوْنها بالتأكيد إنْ أحجموا عن اعتبار الشأن السوريّ شأنَهم: فبقاءُ الاستبداد أو رحيلُه ينعكسان عليهم، ولكنّ طريقة رحيله (هل ستتمّ، إنْ تـمَّتْ، بالتدخّل الخارجيّ أمْ بالانتفاضة المدنيّة؟) ستنعكس هي أيضًا على آفاق التغيير في ذلك الجوار. وإذا كنّا شخصيًّا لا نجادل في ضرورة رحيل جميع الأنظمة العربيّة، ومن دون أيّ استثناء، فإنّ من واجبنا الأخلاقيّ والمهنيّ أن نطرحَ أقلَّ الطرقِ كلفةً لتحقيق ذلك. وفي رأينا أنّ الانتفاضة الشعبيّة، اللاعنفيّة، هي أقلُّ تلك الطرق كلفةً، وبخاصةٍ إذا تُوّجتْ بشكلِها الأسمى: العصيانِ المدنيّ. ولكنّ هذا موضوعُ مقالٍ مفصّلٍ آخر.
نحن اليومَ أمام وضعٍ بالغِ الخطورة، بغضّ النظر عن ادّعاءات النظام أنّ الحلّ "مسألةُ أيّام." سوريا اليومَ يتهدّدها خطرُ الحرب الأهليّة (خلافًا لتوقّعاتنا السابقة للأسف)، وخطرُ التدخّل الخارجيّ الاقتصاديّ (وربّما العسكريّ)، وخطرُ استمرار القمع النظاميّ اليوميّ في الحالين معًا. النظام لم يقدِّمْ أيَّ تنازلاتٍ ذاتِ قيمةٍ للمتظاهرين حتى الآن: فالقتلُ والتعذيبُ إلى ازدياد؛ وأعدادُ المُفْرَج عنهم من المعتقلين بسبب الانتفاضة لا يتعدَّوْنَ المئاتِ من أصل عشرة آلافٍ أو أكثر كما يقال؛ و"الحوارُ" الوطنيّ الشامل الذي أطلقه النظامُ كان محضَ ذرٍّ في العيون وشراءٍ للوقت. أما المعارضة فلم تتحوّلْ معارضاتٍ متعدّدةً بلا برنامجٍ موحّدٍ فحسب، بل غدت أطرافًا يخوِّن بعضُها بعضًا أيضًا: فهذا فرنسيّ، وذاك روسيّ، والثالث أميركيّ، والرابع تركيّ، والخامس مخابراتُ نظام، والسادس قَطَريّ. وزاد الأمورَ سوءًا ازديادُ الخروق العنفيّة للانتفاضة ذاتِ الطابع السلميّ أساسًا (حتى اللحظة)، إمّا دفاعًا عن النفس في مواجهة قمعٍ سُلطويٍّ منفلتِ السراح، وإمّا بتأثيرِ ما يقولُ النظامُ إنّه تمويلٌ وتخطيطٌ خارجيّان (خليجيّ، تركيّ، 14 آذاريّ،...). والأخطرُ من هذا وذاك تقبّلُ جزءٍ من المعارضة "الحمايةَ الدوليّةَ" التي هي كلمةٌ مطّاطةٌ قد تعني أو تمهِّد لأمورٍ أعظمَ تمسّ السيادةَ الجغرافيّةَ ووحدةَ الشعبِ السوريّ.
إنّ أفدحَ ما قد تَؤُولُ إليه الانتفاضةُ السوريّةُ الكبرى هي استبدالُ استبدادٍ باستبداد، أو نجاحُ أطرافٍ "معارضةٍ" مرتبطةٍ بالأجندات الخارجيّة أو ذاتِ تاريخٍ إجراميّ (خدّام ـ الإخوان ـ رفعت الأسد) في حَرْفِ هذه الانتفاضة أو استغلالها في لعبة الأمم. وإنه ليبدو لنا أنّ المرحلة الحاليّة تتطلّب المزيدَ من الضغط الشعبيّ المدنيّ اللاعنفيّ على النظام من أجل السماح بدخول هيئاتٍ إنسانيّةٍ مستقلّة، ووسائلِ إعلامٍ متعدّدةٍ لتغطيةِ ما يجري على الأرض، وتتطلّب المزيدَ من الضغط من أجل إجراء انتخاباتٍ حرّةٍ تمهيدًا لعمليّة انتقالٍ سلسةٍ للسلطة من طور الاستبداد إلى طور التعدديّة والحريّة. إنّ مفتاحَ الخراب يَكمن في تعنّت النظام وإنّ مفتاحَ الحلّ يَكْمن في تنازله الذهبيّ أمام شعبه العظيم درءًا لمخاطر الحرب والتدخّل العسكريّ والعقوباتِ الاقتصاديّة. والتنازلُ لا يعني اليومَ، وفي هذه اللحظة، إلا سلّةً متكاملةً من الإجراءات الفوريّة أبرزُها: إطلاقُ سراح المعتقلين كافةً، وسحْبُ الجيش والأمن والشبّيحة من الشوارع، ومحاكمةُ القتلة والمجرمين، وإلغاءُ المادّة الثامنة من الدستور، والتعجيلُ في انتخاباتٍ سريعةٍ ونزيهةٍ تمهِّد لخلاصِ سوريا من كابوس الحزب الواحد وتُشرع لها الأبوابَ أمام أفقٍ مدنيّ ديموقراطيّ مقاومٍ.
بيروت
1- رونالد أوفترينغر ورالف باخر، مجلة ميريب الأميركية، عدد خاص بعنوان "التدخّل الإنسانيّ،" ربيع 1994.










التعليقات
علِّق