تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
ما زالت الدوريّات والمواقع الإلكترونيّة العربية تنشر المقالات الشاجبة لخطوة فخري كريم القمعية ضدّ مجلة الآداب ورئيس تحريرها ومديرتها المسؤولة (بعد أن سَحَبَ الدعوى عن سهيل إدريس قبل وفاته إثر الاستنكارات الهائلة التي لا بدّ من أن تكون قد أشعرتْه بالصَّدمة).
هنا ننشر مقالةً واحدةً فقط بسبب ضيق المجال، علمًا أن الدعوى تأجّلتْ إلى ما بعد انتهاء "العطلة القضائية."
الآداب
نبيل فرج
الدعوى بدلاً من الحوار
رَفع الكاتبُ والناشرُ العراقي فخري كريم دعوى قضائية في بيروت ضدّ مجلة الآداب اللبنانية ورئيس تحريرها سماح إدريس، لأنّ افتتاحية عدد مايو ـ يونيو 2007 من المجلة تناولتْ مهرجانَ المدى الخامس الذي ينظّمه فخري كريم، واعتبر أنّ ما جاء فيها من "قدحٍ وذمّ" يمسّه ويمسّ شرفَه.
وكما تضامَنَ مع فخري كريم في دعواه عددٌ من المنتفعين به، برّروا اتجاهَه إلى القضاء، فقد تضامَنَ مع الآداب ورئيسِ تحريرها عددٌ لا يُحصى من الكتّاب والمثقفين في أنحاء الوطن العربي، لم يجتمعْ مثلُه من قَبلُ في أيّة قضية ثقافية. ودافع هؤلاء ـ في حملةٍ واسعةٍ جدّاً في الصحافة والإنترنت ـ عن الآداب وسماح إدريس، وعمّا تمثّله المجلةُ في تاريخ الثقافة العربية الحديثة من قيمٍ أصيلةٍ وانفتاحٍ على العصر: بموقفها الفكري القومي الذي لا يتناقض مع اليسار، واحتفالِها بالوجودية في بعدها الإنساني المتلزم. وقد شجبوا الدعوى المرفوعة بشكلٍ يُثْبت أنّ المجتمعات العربية ليست متفرّقةً أو متباعدةً، وإنّما هي مجتمعٌ واحدٌ يعرف كيف يلتقي إزاء ما يهدِّد حياتَه وثقافتَه المتفاعلة بما لا تستطيعه المؤسّساتُ الرسميةُ في الدول العربية.
وحتى لا يزداد الوضعُ سوءًا أو يُتَّخَذَ ذريعةً لقضايا أخرى، فقد حَذفت المجلةُ من مقالات المدافعين عنها، التي أعادت نشرَها مع النصوص المخالفة لها في عدد يناير ـ مارس 2008، كلَّ كلمات "الإساءة" التي نالها فخري كريم من كتّابها، بسبب إقامة هذه الدعوى، رغم أنّ تلك الكلمات منشورةٌ بالكامل في مدوَّنات أصحابها على المواقع الإلكترونية التي نَقَلتْ عنها المجلة. فـالآداب آثرتْ ممارسةَ هذه الرقابة الذاتية وهي آسفة (لأنّ كلّ حذفٍ مهما كان هيّنًا أو هامشيّاً يُخلّ بالمعنى وقد يَطْمسه) بعد أن وَجَدت نفسَها في هذا الموقف المناقض للأعراف الأدبية، والذي ما كان ينبغي أن تتعرّض له قطّ من قِبل مثقفٍ وزميلِ قلمٍ يُفترض أن يكون مثالاً طيِّبًا للتمسّك الأدبي بالأصول المرعيّة في خلافات الرأي، بالمساجلة وحجج الفكر وحدها، ولاسيّما أنّ الآداب منبرٌ مفتوحٌ لكلّ الآراء، لا تمتنع عن نشر ردود الكتّاب عليها؛ فإذا امتنعتْ عن النشر بالبنط نفسِه والمساحة نفسِها ـ وهو امتناعٌ لم يَحدثْ أبدًا ـ كان هذا هو المبرِّرَ للخروج عن هذه الأصول، والالتجاءِ إلى القضاء. ومع هذا لم يمتثلْ صاحبُ الدعوى لاستياء هذه الأعداد الغفيرة من الكتّاب والمثقفين، الذين اقترب عددُهم من الألف أو تجاوَزَها، يمثّلون كلَّ ألوان الطيف في حقول الفكر والثقافة، وأصرّ على دعواه القضائية.
إنّ الحوار هو جوهرُ كلّ فكر حضاري، وجوهرُ كلّ إبداع إنساني. أما الالتجاء إلى القضاء والمحاكم ـ في شؤون الثقافة والمثقفين ـ فهو سلوكٌ إرهابيّ لا يمارسه إلاّ الجهلاءُ وأهلُ التعصّب والمؤسّساتُ الأمنية وأعداءُ الديموقراطية، في ملاحقتهم لكلّ فكر، ومنعٍ لكلّ حوار، تكميمًا للأفواه وتثبيتًا للظلامية والانغلاق.
والمحاكم في بلادنا العربية التي لا تستعين بأهل الاختصاص والخبراء في مجال الفكر والإبداع، مع حظر الخوض في القضايا المعروضة عليها، وإصدار أحكامها دون مراجعة أحد من خارج هيئة القضاء، إنما هي سيفٌ مسلطٌ يثير القلقَ ويكبِّل العقولَ، ويَنْدر أن تكون أحكامُها في صالح الفكر والإبداع.
تتناول افتتاحيةُ الآداب مهرجانَ المدى الخامس الذي أقيم في أربيل في ربيع 2007 بدعوة من حكومة إقليم كردستان. وقد رأى فيه سماح إدريس، بالوقائع والأدّلة الدامغة، خلطًا وتواطؤًا مع السلطة غير الوطنية، وغيابًا للحريات. كما رأى في تمويل المهرجان من خارج المجال الثقافي تكريسًا للاحتلال الأميركي للعراق، في الإقليم الذي تُهدَرُ فيه الحريات، وفعلاً من أفعال تقسيمه الطائفي والعرقي الذي يؤدّي إلى التنازع، وإلى تزييف ثقافته... ولقد كان أداةَ المهرجان الفعّالة المستشارُ الثقافي أو "كبيرُ المستشارين" للرئيس جلال طالباني، منظّمُ المهرجان وراعيه، فخري كريم، الذي انقلب، بفعل السلطة الجديدة والتمويل، على المبادئ القومية التي كان يدافع عنها من قَبلُ كيساري. وهكذا تخلّى عن معتقداته، وتحوّل من الالتزام إلى ليبرالي يتحالف مع كلِّ من كان يقف في الماضي على النقيض منه.
وإذا تأمّلنا هذا الموقفَ من الثقافة والمثقفين في ضوء وضع فخري كريم بين السلطة والثقافة، فليس له معنى إلاّ أنّنا كأمة عربية نمرّ بمرحلة جديدة في مناهضة الفكر الحرّ وعداءِ الثقافة، لا تقلّ عن مراحل سابقة في أرشيفها القريب والبعيد، اتّسمتْ بكتابة التقارير الأمنية عن المثقفين، وجرِّهِم إلى ساحات المحاكم، وتهميشِهم، وتجاهلِهم، وتكفيرِهم. وها هو لبنان، أمُّ الشرائع القديمة، وزهرةُ الفكر التحديثي، يعاني هذه الأوضاعَ، بهذه الصورة الحادة.
يُذْكَرُ لمصرَ أنّها شاركتْ بعدد من أدبائها في الحملة المدافعة عن الآداب ورئيس تحريرها، وإنْ كان حجمُ المشاركة بالقياس إلى حجمها الكلّي لا يتلاءم مع وزنها وتاريخها ومعاناتها من مثل هذه القضايا، ولا يتلاءم أيضًا مع علاقتها بـ الآداب كمجلة قومية يصفها البعضُ بأنّها كنزٌ ثمينٌ ودرّةٌ نادرةٌ وذاكرةٌ حيةٌ لا يجب أن تُقتل. ولعلّ ذلك يعود إلى سببين: السبب الأول هو تصاعُدُ التيارات الأصولية التي غدت تشكّل الرأيَ العامّ بأكثر مما يشكِّله الفكرُ المجدّدُ غيرُ التقليدي. والسبب الثاني هو عدم معرفة كثيرة من المثقفين في بلادنا بهذه القضية اللبنانية التي لا تزال أوراقُها مفتوحة، لم تُغلْق بعد.
ولهذا أكتب هذه الكلمات لتكون مشاركةُ الثقافة المصرية في هذه القضية وفي كلّ القضايا المماثلة أكبرَ مما هي عليه، وهذا هو المتوقَّعُ من كتّابها ومثقفيها.
الإذاعة والتلفزيون، القاهرة، 17/5/2008
التعليقات
فخري كريم والقضاء والاداب
بوركتم جميعا ...
كريم وان سلك مسلك القضاء فهذا حق محترم له ولا يعني بالضرورة ان نتناوله قدحاً وذماً ... فالحق شمس ٌ لا تنالها سحب مارقة .... وقد يكون الحق مع الاداب وترد دعوى الرجل فلِمَ هذا الضجيج ؟؟؟
اتمنى ان نكتسب عقلا ً عربيا ً يقبل النقد دونما هجاء وأسقاط للآخر .... فالرجل أدعى مظلومية والاداب لها التبرير او المواجهة دونما شتائم ....
فالوسط الثقافي وانت كنت بعيد عنه يجب ان يكون مثالاً
تحياتي ...
رياض الجبوري / العراق