قصيدةُ النثر عجزتْ مثلَ أختها العمودية!

سامر أبو هوّاش
لو افترضْنا وجودَ مَن يدعو إلى مسابقة شعرية، وأنّ هناك جمهورًا من المستمعين يحدِّد الشاعرَ الأفضل والقصائدَ الفضلى. ولنفترضْ أنّ "الموضوع" الأول الذي سيجري التنافسُ عليه هو أحداثُ الحادي عشر من أيلول: مَنْ أفضلُ شاعرٍ يَكتب قصيدةً عن هذا الحدث التاريخي المجلجِل الذي شاء الحظُّ أو القدرُ أو منعطفاتُ التاريخ أن يقع في صلب حياة جيلنا، وربما أجيالٍ أخرى ستأتي؟

أقترح هذه الفكرة نصفَ ممازحٍ، بل ممازحًا تمامًا على الأرجح. ذلك لأنني أدرك أنّ مسابقةً كهذه لن تكون واقعيةً لأسبابٍ كثيرة، من أهمّها أنّ أحدًا من الشعراء "الكبار" لن يشارك فيها، وأنّ كثيرين من الشعراء "الصغار" سيتردّدون في المشاركة فيها... إنْ لم يزدروها. والأهمّ طبعًا أنه لو اقترح أحدُهم الأمرَ عليّ فسأرفض فورًا، لأنني لا أتخيّل نفسي قارئًا شعرًا أمام عشرة أشخاص، فكيف بـ "مسابقة" (تثير الذكرى السيئةَ لسوق عكاظ) وفي "موضوع" (وهي كلمةٌ تقودنا مباشرةً إلى التصنيف المذموم إلى أغراض المديح والهجاء والرثاء... إلخ)؟! إنّ كلمة "موضوع" نفسَها هي من الكلمات المحرَّمةِ تقريبًا، والمثيرةِ للاشمئزاز بالتأكيد، بين "الشعراء الشباب" (والتنصيصُ هنا للتحفّظ عن التعبير): ذلك أنّ "الموضوع" ينتمي إلى العامّ، إلى المجال العامّ، ويقود من ثم إلى "جمهور" و"منبر" و"قضية" و"مباشَرة"... وما إلى ذلك من كلماتٍ جرى العرفُ على نبذها؛ بل قامت خطاباتٌ شعرية/صحافية، غيرُ نقدية إلاّ نادرًا، على أساس الانتماء إلى كلِّ ما هو ضدُّها. فالجمهورُ يقابله الفردُ؛ والمنبرُ تقابله العزلةُ والصمتُ والهمس؛ والمباشَرةُ تقابلها التوريةُ والإشارةُ؛ والكلّيُّ والعامُّ تقابلهما التفاصيلُ؛ والقضايا يقابلها رفضُ القضايا، على أساس أنّ القضايا تعني: كلَّ ما مللنا منه، أيْ تعني القديمَ، السطحيَّ، الصُّراخيَّ، البَرّانيَّ، الزائفَ، السنتيمنتاليَّ، الاستعراضيَّ، التقليديَّ... وصولاً إلى النقاش البائت جدّاً والسطحي جدّاً حول الشكل: يعني المقفّى والموزونَ، يعني الحرِنَ، يعني الغنائيَّ. وكلُّ ذلك لا يعني، باختصار، كوكبَ "قصيدة النثر" الذي هاجرْنا إليه وجعلناه وطنَنا وبيتَنا ومنفانا... وقضيتَنا!
أعود إلى المسابقة: ما جعل مثلَ هذه الفكرة المجنونة يخطر في بالي إحساسان متلازمان. الأول، إحساسي بالتورّط الشديد في كلِّ ما يجري؛ ولا أعني هنا التورّطَ الفكري أو الإنساني المجرّد فحسب، بل أعني أيضًا التورّط الشخصي، المعيشي، الملموس، وبأنّ ما يجري يؤثِّر في حاضري ومستقبلي، ويُضرّ حياتي مباشرةً، إنْ لم يكن يهدّدها بالفناء (خصوصًا إذا وَسّعنا الدائرةَ قليلاً باتجاه أسلحة الدمار الشامل التي باتت شديدةَ الرواج).
أما الإحساس الثاني فيبدو لوهلةٍ مناقضًا للأول، لكنه شديدُ الالتصاق به. إنَّه الإحساسُ بالبعد الشديدِ، الباردِ، على المستوى الإبداعي (الشعري وغيرِه)، عن كلِّ ما يجري منذ أحداث الحادي عشر من أيلول تحديدًا. ولا أعني بهذا البعد تجربتي الشعريةَ الشخصيةَ فقط، بل المجال العامّ أيضًا الذي يُفترض أنّ تجربتي تنتمي إليه؛ وهو في أقلّ تعريفٍ يُفترض أن يكون مجالاً زمنيّاً، بمعنى التشارك في زمنٍ ما، والانتماءِ الحقيقي، وبحرارةٍ، إليه.
بيْد أنّ ردّة الفعل الأولى وشبهَ العفوية، لكنْ شبهَ المنهجية في الوقت نفسه، على الأحداث السياسية والحربية والمأساوية التي شَهِدها ويَشْهدها زمانُنا، كانت عكسيةً: فقد شعرنا بالخطر يقترب مجدّدًا، وشعرنا بموجةٍ أخرى من موجات المجال العامّ، التي علينا أن نفعل كلَّ ما في وسعنا لكي نحمي أنفسَنا منها. افترضنا "نقاءً" أصليّاً لقصيدة النثر، قصيدةِ الداخل، قصيدةِ الفرد والعزلة. وافترضْنا أنّ علينا أن نحميَ هذه القصيدةَ من بضعة مجانين يقودون طائراتهم إلى الأبراج، أو بضعةِ يائسين يقفزون من الأبراج، أو آلافِ الزاحفين لشنّ الحروب هنا وهناك، أو آلافِ الهاربين منها أو الساقطين ضحاياها. وربما شعر بعضُنا بأنَّها ذريعةٌ طازجةٌ للتأكيد مجدّدًا على القيم الأصلية في قصيدة النثر (التي شخصيّاً لا أَعْرف مصدرَها)، وعلى الإيديولوجيا المستترة في هذه القصيدة التي تنفي كلَّ ما هو ضمن المجال العامّ وتمجِّد كلَّ ما هو ضمن المجال الخاصّ. هكذا، وعلى الرغم من محاولات بعض شعراء قصيدة النثر ممن ينتمون إلى الجانب الرؤيوي فيها، أو بعضِ مَن يريدون تماسكًا أكبر لـ "أعمالهم الكاملة،" أو بعضِ الساعين إلى كسب منبرٍ عامٍّ جديدٍ وواسع... هكذا، إذنْ، أَخفقتْ قصيدةُ النثر، التي تضاعَفَ مراتٍ كثيرةً عددُ مَن يكتبونها، في أن تنتمي (لا أقول تعبِّر، ولا أقول تكون شاهدة... فقط تنتمي...) إلى هذا الزمن، لا لأنها عاجزة، ولا لأنّ مجالها التعبيري لا يتّسع، وإنَّما لمجرد أنها لا تريد ذلك، بل تقاومه.
لا نحتاج إلى الكثير من الشواهد والأمثلة التي تؤكّد أنّ إقصاءَ المجال العامّ ليس من سمات الحداثة في الغرب على الإطلاق. بل إنّ معظم التجارب المؤثِّرة في القرن العشرين كانت متّصلةً بهذه الدرجة أو تلك بهذا المجال العامّ، متأثّرةً به ومؤثِّرةً فيه. هكذا أَنتجت الحربان الكونيتان مزاجَهما الأدبي والفني الذي تطوّر وتشعّب وسلك دروبًا شتّى، لم تكن في الحسبان أحيانًا؛ ومثلهما الحربُ الباردة، كما نهايةُ الحرب الباردة وسقوطُ جدار برلين. وهكذا رأينا أيضًا أنّ النيوليبرالية الاقتصادية، بما أنتجتْه من وقائع اجتماعية وسياسية، كانت دافعًا وراء إنتاجٍ كتابيّ، روائيّ خصوصًا، لكنّ الشعر لم يكن خارجَه تمامًا، وفنيّ وسينمائيّ وتشكيليّ وعبر فنّ الفيديو والتصوير الرقمي.. إلخ. رأينا كيف استجابت الحداثةُ الغربيةُ (وما بعدها) للتطوّرات والتحوّلات، لا السياسية فقط، بل الاقتصادية والتكنولوجية أيضًا، التي اكتسحت العالمَ خلال العقدين الفائتين، وذلك انطلاقًا في الغالب من الذات الفردية: كيف تَنْظر هذه الذاتُ إلى ما يجري حولها، كيف تَفْهمه، تسائله، تجادله، ترفضه، وكيف تتأثّر به وتحاول التغيير فيه؟
وأما نحن فقد اخترنا، في هذه المنطقة من العالم، شكلاً واحدًا للفهم والرفض والمساءلة: البيت. لقد أصبح البيت الثيمةَ الشعريةَ الأكثرَ سيطرةً، لكن للأسف الأقلَّ إيحاءً، وبتنا نرى عشرات التجارب التي تتكاثر يوميّاً، وبسرعة تتجاوز سرعةَ استهلاكها، ومعظمُها يدور في الحلقة المفرغة نفسِها: كتابة الشعر في الحدّ الأضيق، المعرِّفِ للهوية الفردية، لكنِ المقصيِّ عن أيّ محاولةٍ لسبر أغوار هذه الهوية وأبعادِها التي تتجاوز عتبةَ البيت. وهذا الحدّ الأضيق خلق حدّاً أضيقَ موازيًا له على صعيد اللغة، أعني اللغةَ العربية، التي أصبحتْ ـ في غياب التحدّي التعبيري، ومن ضمنه تحدّي الموضوع ـ أشبهَ بنصوص الأبراج في الصحف والمجلاّت، والتي تقوم جميعُها على تدوير عدد من المفردات والمشاعر والأفكار، وتلبّي عددًا محدودًا من التوقّعات. أصبحتْ قصيدةُ النثر (مع التحفّظ عن تعميم التسمية على كلِّ ما يُكتب ويُنشر من شعر أو من كتابات) الوجهَ الآخرَ للقصيدة العمودية، حيث التكرارُ والنمطيةُ والبلادةُ وانعدامُ الخيال وقلةُ التجريب والاكتفاءُ بالحيّز الآمن غيرِ المغامر وغيرِ المتطلّب. لقد أصبحتْ شكلاً (وإنْ فضفاضًا)، ملامحَ شبهَ ثابتة، عرفًا تعبيريّاً، نسقًا ثابتًا. وبالتالي عجزتْ، مثلَ أختها القصيدة العمودية أو الحرة أو غيرهما، عن الارتفاع إلى مستوى التحدّيات التي يَفْرضها العيشُ في عالمٍ متغيّرٍ ومتقلّب... لتشارك اللغةَ العربيةَ ـ الحاليةَ ـ عجزَها وجمودَها وانكفاءها وجزءًًا وافرًا من مصيرها القاتم: فحين تصبح اللغة غيرَ جذّابة، بالتحديد لأولئك الناطقين بها، فإنّ هذا يندرج في عداد النكبات الكبرى، لا الأزمات فحسب.
حين تعجز عشراتٌ، بل مئاتٌ من المجموعات الشعرية، ناهيك بالقصائد المنشورة على مواقع الإنترنت وسواها، عن تحريك ولو جزءٍ ضئيلٍ من هذه المياه الراكدة، مياهِ اللغة والمخيِّلة، فعلينا أن نَطرحَ عن أنفسنا ثوبَ نرسيس، ونبدأَ بطرح الأسئلة الجدية، حول الشعر، واللغة، والحياة، وحول ادّعاءاتنا الشخصية... وفي كثيرٍ من الأحيان حول جهلنا الشخصي!

بيروت