الشعر حيٌّ يُرزق!

محمد ديبو
أزمةُ الشعر، موتُ الشعر، تهافتُ الشعر، اضمحلالُ دور الشعر: هذا قليلٌ مما تُتْحفنا به وسائلُ الإعلام اليومية، حتى غدت هذه "الأزمةُ" مسلَّمًا بها. وهو ما يَطرح سؤالاً مقلوبًا: مَن يروِّج لموت الشعر؟ ولماذا يخيفهم الشعرُ إلى حدِّ دفنِه حيّاً؟

هل الشعر في أزمة؟
الشعر لا يعيش أزمةً. إنّه، ككائنٍ لغويّ، مازال حيّاً يُرزق، على قيد الحبّ والقلب، يمارس شيطنتَه وجنونَه وهذيانَه وكفرَه بمقدَّسات الدين والدنيا على السواء. والشعراء أكثرُ من الهمّ على القلب: كلَّ يومٍ يولد شاعر! انظرْ حولكَ لا ترَ إلاّ الشعراءَ الشبابَ، ومشاريعَهم، ونزقَهم، ومحاولاتهم المستميتةَ لإثبات الوجود الشعري والخروجِ من معطف الآباء المستبدّين. وهذا أمرٌ طبيعي: فهم أبناءُ مجتمعٍ مُتْخمٍ بهزائمه وكوارثه. وهنا الأزمة: الأزمة ليست في كتابة الشعر، بل في ترويجه وقراءته. إنها خارج الشعر، لا فيه، وليست مرتبطة به، بل هي أزمةُ ثقافةٍ وهويةٍ وأمةٍ لم تجدْ معادلَها المتمثِّلَ في دولةٍ تَضْبط مكوِّناتِها وتُوقِفُ انهيارَ أحلامنا. الشعراء العرب يعيشون ضمن قواقعَ ثقافيةٍ متْخمةٍ بالموت والاستبدادِ السياسي والديني والثقافي والشعري. وقلّةٌ منهم يستطيعون اجتيازَ حواجز الخوف والموت والسجون، لا لتخاذلهم (رغم تخاذلِ المتخاذلين)، بل لأنّ حجمَ الموت المحْدق بنا أفجعُ من أن يتمكّن الشعرُ وحده من صدّه.
نخبةٌ تجدِّد مأزقَها، مجتمعٌ يقدِّس طوائفَه، حريّاتٌ غائبة، سجونٌ ملأى بنا، سياسيون يَنْضح العهرُ من وجوههم، ليبراليون يستنجدون علنًا بقواتٍ ودبّاباتٍ تَحْمل رياحَ "الديمقراطية" الحُبلى بدماء أبنائنا وأرواحِ أطفالنا الصاعدين إلى ألوهيّة الريح. وسطَ كلّ هذا الجنون، ماذا يمكن الشعرَ أن يَفعل؟ يكفيه شرفًا أنه مازال على قيد الحياة، يقاوم طغاةَ موته، ويشير بأصبعه إلى مكامنِ الجمال ونقاطِ البهاء رغم ندرتها!
عندما استقلّت الدولُ العربية، لم تكن النخبةُ الحاكمةُ تملك أدنى فكرةٍ عن مشروعٍ لقيادة مجتمعاتها وبناءِ دولتها المستقلّة. وهذا يَشمل كلَّ الأحزاب التي احتكرتْ قيادةَ المجتمع في تلك الفترة (شيوعية وقومية وإسلامية وليبرالية)، وأكثرُ ما كان يميِّزها عمليةُ إقصاء بعضها بعضًا، وإيمانُ كلٍّ منها بامتلاك الحقيقة. وكان المثقف (والشاعرُ منه) يؤْمن بما تؤْمن به عقيدتُه؛ كان ابنَ العقيدة والحزب أكثرَ ممّا كان ابنَ الوطن والشعر. كان تابعًا، وكلُّ تابعٍ لا يمكن أن يكون حرّاً. والمجتمع الذي تَكون ثقافتُه تابعةً هو مجتمعٌ مأزومٌ ومهزومٌ بالضرورة. وقد تجلّت تلك الهزيمةُ في حزيران: إنها هزيمةُ مجتمعات متخلّفة، تقودُها غريزةُ الطائفية وعلاقاتُ ما قبل الأمّة. وذلك لا يعني طبعًا أنّ هذه المجتمعات تشكِّل بنيةً مغلقةً غيرَ قابلةٍ للإصلاح والتغيير؛ بل الحقّ أنّها تشكّل بنيةً مفتوحةً قابلةً للتجاوزِ وإعادةِ البناء والتطوير.
الطامة الكبرى أنّ الأنظمة اعتَبرت الهزيمةَ مجردَ "نكسة،" نكسة سياسية لا ثقافية. فاستمرّ النهجُ نفسُه، والخطابُ نفسُه، مدعوميْن من ثقافةٍ شموليةٍ متغلغلةٍ في الوعي الجماهيري؛ ومن أحزابٍ لم تَفهمْ بعدُ مجتمعاتها جيّدًا، ولم تغيّرْ سياساتها منذ ربع قرن على الأقلّ، ولم تُجْرِ مراجعةً لبرامجها وأساليب عملها بين أوساط الجماهير (نقول ذلك من دون أن ندّعي أنّنا نَفْهم مجتمعاتنا بشكلٍ أفضل).
أما ردُّ فعلَ المثقف ـ باستثناء قلّةٍ سنتحدّث عنها لاحقًا ـ فتَراوح بين التطبيل للسلطة والهروب، تاركًا المجتمعَ لرحمة سلطةٍ اختزَلتْ دولتَها واستحدثتْ سجونَها، ولرحمةِ فقهاء جَيّشوا أتباعَهم. وهكذا وَجد المثقفُ نفسَه ـ بعد فترة ـ معزولاً ومهمَّشًا، لا صوت له ولا رأي؛ ووَجَدْنا، نحن الشعراءَ الشبابَ، أنفسَنا وحيدين، نصارع طغاةَ السلطة من جهة، وعفاريتَ الدين من جهة ثانية، واستبدادَ الشعراء الجالسين على قمقم الشعر من جهة ثالثة، تتجاذبنا أمواجُ المحيط بلا وجهةٍ محدّدة، محاولين التمسّكَ والتجذّرَ في بحرٍ لا قاع له!
بعد تجذّر الهزيمة، وانحلالِ المشاريع السياسية على كافة أشكالها، وتقزُّمِ المساحة المدنية المستقلّة التي يُمْكن الثقافةَ أن تتحرّك فيها؛ وبعد استحداث السجون الوطنية، وتمكُّنِ القائدِ الفردِ من امتلاك البلاد والعباد؛ اتّخذ المثقفُ /الشاعرُ واحدًا من ثلاثة طرق لا رابع لها. التحق أوّلُها بالسلطة، ينظِّر لها ويسوِّغ عنفَها واستبدادَها، لنصلَ إلى ما يسمّى "المثقف/الشاعر السلطوي." ويتمثّل ثانيهما في المثقف/الشاعر الهارب إلى الغرب (مكانيّاً وفكريّاً)، مغيِّرًا جلدَه وثقافتَه لتتماشى مع منظومة "الغرب" الثقافية السائدة، علّ هذا "الغربَ" يَقبله ويرحِّب به، لنصلَ إلى نموذج المثقف/الشاعر المغترب المتعالي المنظِّر من بعيد من دون أن تتلوّث يداه بوحل الواقع. أما الثالث فهو نموذج المثقف/الشاعر الذي بقي هنا، وحافظ على الحدّ الأدنى من قيمه وارتباطه بناسه. ومثقفو/شعراء هذا الطريق قلّة، ونموذجُهم مرفوضٌ من السلطة والمعارضة (السياسية والشعرية) على السواء. وهذا النموذج هو الذي حفظ للثقافة هيبتَها، ورعى بذرتَها من الانحلال والموت، وهو مَن سعى جاهدًا إلى أن يَنقل إلينا تجربتَه علّنا نستفيد منها. أنا، مثلاً، كشاعرٍ شابّ، استفدتُ من الراحل ممدوح عدوان أكثرَ مما استفدتُ من أدونيس، لأنّ ممدوحًا كان يساجلنا ويعلِّمنا ويربّينا ويناقشنا في كلّ شيء، وكان يوصينا بأن نقف دائمًا على طرف الدائرة لا في مركزها، كي نوسِّعها قدرَ الإمكان، بينما كان أدونيس وأمثالُه ينظرون علينا شعريّاً من عليائهم.
وعلى المستوى العالمي حصلتْ تحوّلاتٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ خلال المرحلة التي تلت انهيارَ الاتحاد السوفيتي، وسيادةَ العولمة الأمريكية إلهًا جديدًا، وتطوُّرَ وسائل الاتصال. وكلُّ ذلك جعل المفاهيم السائدة للأدب والشعر والثقافة غيرَ معبِّرةٍ عن واقع الحال، الأمرُ الذي يحتِّم إجراءَ مراجعة دقيقة وشاملة لوضع الثقافة (ومنها الشعرُ) في ظلّ النظام العولمي الجديد الذي حررّ الشعرَ من قضايا كثيرة كانت عبئًا عليه. وهذه القضايا قضايا تعبيرية، لا قضايا موضوع. فالشاعر قبل وجود التلفزيون كان يعبِّر عن مجرزةٍ ارتكبها العدوانُ الإسرائيلي في فلسطين، مثلاً، بطريقةٍ غيرِ الطريقة التي يعبِّر بها الآن عن مجزرة مماثلة: سابقًا كان يرسم المجزرة بدقةٍ ليعبّر عن آلام الضحايا ولينقلَ إلى قارئه قصيدةً قادرةً على التأثير في الحسّ والوجدان؛ وأما اليوم فقد أَخذ التلفزيونُ هذا الجانبَ من القصيدة، وبقي للقصيدة أن تكثِّفَ لحظتَها للتعبير عن المجزرة بشكل أكثر جماليةً. وهكذا غدا الشعرُ صوتَ الفردِ المعزولِ المهمَّشِ المحاصر، بعد أن كان ناطقًا رسميّاً باسم الجماعة.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى فَرض النظامُ العولميُّ على الشعر قضايا كثيرةً، تتعلّق بعملية نشر الشعر والترويج له، لم يُحسن الجسمُ الشعريُّ العربي الاستفادةَ منها بالشكل الأمثل حتى الآن. فسابقًا كانت الوسيلةُ الوحيدة أمام المتلقّي هي من خلال الأمسية الشعرية أو الكِتاب أو الصحيفة. ولكنْ مع تطوّر وسائل الميديا، أصبح المتلقّي يستطيع بكبسة زرّ أن يَحصل على ما يشاء عن أيّ شاعرٍ يريد: فهو يستطيع سماعَه، ورؤيتَه، وقراءةَ حواراته، والتواصلَ معه إنترنيتيّاً، الأمرُ الذي يجعل من حضور الأمسية وربما شراءِ الديوان أيضًا مجردَ تحصيل حاصل. وهذا الشيء لم يؤثِّر في الشعر وحده، بل في السينما والمسرح والرواية كذلك رغم ازدهارها، وذلك لصالح تلفزيونٍ يَختزل العقولَ ويبرمج الآراءَ بما يتناسب وسلطتَه السياسيةَ أو الماليةَ أو العولمية.

أين الشعر من كلّ هذه التحولات؟
الشعر كائنٌ لغويّ، مثله مثل خالقه، يتأثّر بما حوله ويؤثِّر فيه. ولذا كان الشعر دائمًا حاملاً لقضايا خالقه، سواء كانت قضايا سياسية أو إنسانية أو إيديولوجية. ولم تكن المشكلة يومًا في ما يقوله الشعر، بلْ كيف يقوله.
بين هذه الما والكيف، انقسم الشعراءُ منذ بدايةِ ما سُمّي بـ "مشروع الحداثة" والصراعِ الدائرِ بين تياراتٍ شعريةٍ احتكرتْ حقيقةَ الشعر لنفسها بدلاً من أن تتحاورَ لتشكّل خريطةً شعريةً متكاملةً ديمقراطية. وهذا كان حال مجلتَيْ شعر والآداب، إذ نَظّرتْ كلٌّ منهما لمشروعها وكأنه حقيقةُ الشعر المطلقة؛ فكان كلُّ مشروعٍ منهما يُقصي الآخرَ من مملكة الشعر، حاملاً أمراضَ أحزابه إلى الشعر. وكان التيّاران على خطإ، لأنهما حَزَّبا الشعرَ، وأدخلاه دوائرَ بعيدةً عن طبيعته الرافضة للأَسْر أصلاً؛ وهما ليس على خطإٍ فيما قالاه شعريّاً، بل في طريقة رفضهما بعضهما بعضًا. ومازال الأمرُ كذلك رغم ادّعاء الطرفين أنهما قد أصبحا خارج تلك التصنيفات؛ ذلك أنّ نظرةً متفحِّصةً سترى أنّ هذا الاعتراف المتبادل بينهما شبيهٌ بتبادل السفارات بين بلدين طَحَنَتْهما الحروبُ فاضطُرّا إلى السِّلم! وكلُّ مَن انشقّ عن هذين التيّارين كان، بحقّ، يُنقذ الشعرَ من فئويته وإيديولوجياته. وكان الراحل محمد الماغوط واحدًا من هؤلاء المنشقّين، فربح الشعرُ، وتألّق الشاعرُ. وحسنًا فعل بعضُ الشعراء السوريين حين كانوا تطويرًا لمشروع الماغوط المنشقّ (لا امتدادًا لأدونيس): فالماغوط كان ابنَ مشروع حداثةٍ حقيقيةٍ تأخذ من الواقع المرّ مفرادتِها، ومن الهزائم نكهتَها؛ بينما كان أدونيس ابنَ حداثةٍ تأخذ من المطْلق مستقَرّاً لها، ومن المجرَّد أفقًا لا حدودَ له، فخَسرتْ قارئَها، ولم تلتقِ حداثتَها المزعومة.

لكنْ، لماذا يبدو الشعرُ وكأنه في أزمة؟
إنّ أغلب الشعراء كانوا أبناءَ مؤسَّساتٍ حزبية، تربَّوْا في عزّها، وتضخّموا على حسابها (مع وجود استثناءات بارزة بالطبع مثل الماغوط ونزيه أبو عفش ودنقل...). وعندما دخلتْ هذه الأحزابُ خريفَها، تراجَعَ دورُها في دعم الثقافة، وكفّت عن أن تكون رافعةً وبوقًا للشعراء كما كان الشعراءُ أبواقًا لها ـ وهذا ما يراه البعضُ خسارةً للشعر، بينما أراه شخصيّاً دليلَ صحةٍ وعافيةٍ لأنّ الشعر كفّ عن أن يكون بوقًا إلاّ لنفسه ولِما يراه صوابًا.
كان جمهورُ الشعر جمهورًا إيديولوجيّاً، لا جمهورًا شعريّاً. ولا اعتراض على ذلك. ولكنّ الاعتراض يكون عندما يجعل الشاعرُ قصيدتَه صدًى لهذا الجمهور، كقصائد درويش الأولى، وقصائدِ أدونيس التي تَستلهم فينيقيّةً ما توظَّف لصالح الحزب السوري القومي الاجتماعي. وبعد أن انهزمتْ هذه المشاريعُ كافةً، انفصل عنها الشعراءُ والجمهورُ على السواء. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يَخسر الشعرُ جمهورَه الإيديولوجي لأنه في الأصل كان يناصر الشاعرَ إيديولوجيّاً، لا شعريّاً. ولكنّ جمهورَ الشعر الحقيقي بقي هو نفسَه، وهو جمهورٌ صغيرٌ بطبيعة الحال، وسيبقى كذلك.
الطامة الكبرى تكمن عندما يتبنّى الشعراءُ الشبابُ الآن تلك التقسيماتِ الطائفيةَ شعريّاً، فيقول لك أحدُهم: "أنا شاعرُ نثر،" ويقول آخر: "أنا شاعرُ تفعيلة،" ولا يعترف أيٌّ منهما بالآخر. والمشكلة التي يعانيها الشعراءُ هي أنهم لم يستطيعوا إلى الآن الخروجَ من الذهنية الدينية الأحادية، بل إنّ مَنْ نَظّر للخروج منها إنما كان في حقيقة الأمر يبني دينًا جديدًا على أنقاضها. وهذا ما رأيناه في مشروع محمد عضيمة مثلاً، الذي هدّم معابدَ التفعيلة وكنائسَ النثر الرؤيوية، ولكنْ ليبنيَ مساجدَ النثر الشفوية، جاعلاً الشرَّ المطلقَ في ما سبق، والخيرَ المطلقَ في ما أتى. ولقد قرأتُ منذ فترة عن صدور مجلةٍ جديدةٍ للشعر اسمُها مقدّمة، وهي خاصةٌ بقصيدة النثر. لماذا؟ لأنّ العقلية الفئوية لا تستطيع إلا أن تنغلق وتتقوقَع، وكأنّ الضلال يكمن خارج "طائفة" قصيدة النثر، وعلى أتباعها أن يَحْموا ديانتَهم الجديدةَ من هلوساته!
يضاف إلى ذلك أنّ بعض الشعراء ينفِّرون جمهورَ الشعر بمواقفهم وتصريحاتهم المتناقضة. خذُ مثلاً شاعرًا ينظِّر بأنّ على الشعر ألاّ يُلْقى، وأنه للقراءة فقط، وأنّ الشعرَ الجيّد لا جمهور له؛ ثم نراه يشارك في مهرجاناتٍ شعرية، بل يأخذ وقتَ غيره وهو يلقي الشعرَ على "الجمهور"... الذي لا يعترف به ذلك الشاعرُ أصلاً! أو تأمَّلْ شاعرًا آخر (پول شاوول) يقول: "أنا أكتب لكي لا يقرأني أحد"؛ فهذا موقفٌ منفِّرٌ، إذ مَنْ لا يريدني قارئًا لا أريده شاعرًا! أو اسمعْ شاعرًا ثالثًا يصرِّح بأنّه ضدّ مقاطعة معرض باريس للكتاب (الذي احتفل بإسرائيل ضيفَ شرف في "عيد" تأسيسها الستّين) لأنّ المقاطعة تعطي العدوَّ فرصةً لشرحِ رأيه في ظلّ غيابِ أيّ طرحٍ للقضية العربية؛ ولكنّ هذا الشاعر نفسَه يدعو إلى عدم حضور فيروز إلى دمشق لأنّ حضورَها يعطي "النظامَ الاستبدادي" شرعيةً، أو هو يطالب الشعراءَ العرب بعدم حضور فعّاليات "دمشق عاصمة الثقافة العربية" في ظلّ هذا النظام! المشكلة هنا ليست في المواقف والمبادئ في ذاتها، بل في استخدامها بهدف المنافع والمصالح. وهنا سيَخْسر الشعرُ والشعراءُ على السواء لأنّ القارئ لن يقرأ شاعرًا يتناقض مع نفسه كلَّ دقيقة.
أما الإحجام عن شراء دواوين الشعر، فيعود في رأيي إلى غياب مشاريع ثقافية مستقلّة، تروِّج للشعر بعيدًا عن الشِّللية والمافيات التي تحتلّ كلَّ صحفنا العربية من دون استثناء. فأنا على الصعيد الشخصي نادرًا ما أشتري ديوانًا تُغْدق الصفحاتُ الثقافيةُ العربيةُ عليه المديحَ، لأنني خَبِرْتُ نفاقَ أكثرها وترويجَها للرثّ والسقيم والرديء. ويزداد الوضعُ سوءًا إذا عَلِمنا أنّ أغلب هذه الصفحات يتسلّمها شعراء، كلٌّ منهم يروِّج لشلّته وزبائنه. ونظرةٌ متفحّصةٌ إلى هذه الصفحات تلاحظ أنّ كلّ صفحة لها عدةُ أسماء تتكرّر دائمًا، وأنّ أغلبَ مسؤولي هذه الصفحات هم من كتّاب قصيدة النثر، ولذلك يَندر أن نجد نصّاً يعتمد الوزنَ. والأمر هنا لا علاقة له بالإبداع لأنّ ما يُنشر من نصوصٍ نثريةٍ أردأُ بكثير من نصوصٍ موزونةٍ أخرى. وهو ما يحيلنا على دكتاتورية شعراء النثر، بعد أن كانوا ضحايا سابقًا!

دعم الشعر
يُمْكن دعمُ الشعر من خلال دعم الثقافة ككلّ، وذلك بتبنّي مشاريع شعرية خالصة بعيدًا عن الشروط السياسية أو الحزبية أو "التنويرية" أو ما شابه ذلك. لكنّ على الشعراء أولاً، وخصوصًا الشباب، أن يبادروا إلى دعم الشعر بقراءة دواوين بعضهم بعضًا وشرائها، مع الأخذ في الاعتبار جودةَ الشعر وموقفَ الشاعر... على أن نبتعد في الوقت نفسه عن الشِّللية والتحيّز والتعصّب لجيلنا الشعري الذي يَحْمل الكثيرَ من الأمراض هو أيضًا. الكُرة في ملعبنا، نحن الشباب الذين استسلمنا ليأس الكبار ونسعى ليلاً ونهارًا إلى التذلّل على فتات موائدهم الشعرية كي ننال اعترافهم بنا!
علينا أن نبني مشاريعَنا وحدنا، من دون رعايتهم أو مساندتهم، لأنهم آباءٌ فاشلون أصلاً، ويتحمّلون قسمًا كبيرًا ممّا وصل إليه وضعُ الشعر الآن. نحن شعراء من دون مباركتهم، ولا نحتاج اعترافًا منهم بشعريّتنا. بل كيف نَطْلب منهم الاعترافَ بنا وهم لا يعترفون بعضُهم ببعض، ويكفِّرون بعضُهم بعضًا، ويحابون بعضُهم بعضًا، ويَنْشرون في منابرهم لشِللهم وصاحباتهم ووو..؟! وهذا لا يعني القطيعةَ المعرفيةَ والشعريةَ معهم (وهو محالٌ بطبيعة الحال)، بل يجب قراءةُ تجاربهم ومعاركهم وشعرهم ومشاريعهم، واستخلاصُ الدروس التي تساعدنا على شقّ دروبٍ جديدةٍ للشعر وخلقِ مشاريعَ مفتوحةٍ لا تنغلق على ذاتها.
علينا أن نرى الشعر كلاً متكاملاً لا يتجزّأ، نثرًا وتفعيلةً وشطريْن وأيَّ شكلٍ آخر قد تفْرزه ضروراتُ الإبداع مستقبلاً. الشعر يبدأ من الذات، فلننطلقْ!

دمشق