أزمة الشعر العربي من منظور الشعراء الشباب

ملف من إعداد وتقديم: عبد الوهاب عزّاوي (شاعر من سورية)

أهناك أزمةُ شعرٍ فعلاً؟ وهل من المنطقي وضعُ تصنيفٍ زمنيٍّ للشعراء؟
من الضروري رصدُ تأثير المتغيّرات السياسية والاجتماعية الأخيرة على بنية الشعر وأسئلته وعلاقته بالمتلقّي. فقد حملت العقودُ الخمسةُ الأخيرة من المتغيرّات ما قد يوازي قرونًا سبقتْها، وتركتْ آثارًا خطيرةً في الإبداع، وبشكلٍ خاصّ عند شعراء التسعينيات والألفين بعد تراجع التيّارات السياسية الكبرى، وتراجُعِ المؤسّسات التي كان لها دورٌ كبيرٌ في دعم العديد من الشعراء والأدباء. ووصل الأمر الآن إلى حالةِ "زوغانٍ" في المشروع الثقافي والإيديولوجي مع فقدان الشعر لجمهوره التقليدي، وصعودِ تيّاراتٍ إبداعيةٍ جديدةٍ يَسْبح معظمُها في الفراغ بلا مشروع جِدّيّ. وترافَقَ ذلك مع تبرّؤٍ من الآباء الشعريين، وقطيعةٍ مع الموروث الشعري العربي، وسيطرةِ مفاهيمَ غامضةٍ وغير مؤصَّلةٍ باسم "الحداثة" تبرِّر هذه الفوضى. والأهمّ في اعتقادي هو أزمةُ الذهنية الشعرية لدى جيلٍ يائسٍٍ ومقموع ومقطوعِ الجذور... مع وجود استثناءاتٍ هامةٍ استطاعت بلورة مشروعٍ خاصٍّ على المستوى الفردي.

أَفترضُ وجودَ بعض السمات في الشعر الشابّ. ومنها سيطرةُ الأنا، والصراعُ الداخلي فيها، والفردانيةُ البعيدةُ عن الأدلجة، والقلقُ، والإحساسُ بالغربة داخل أوطاننا التي نُطرد منها لتكون مجلاّتُ المهجر أقربَ إلينا من المنابر الداخلية. وهناك عشراتُ التفاصيل الأخرى التي يمكن سردُها، وتشير جميعُها إلى مشكلةٍ في بنية الخطاب العربي، أو وضعِ الإنسان العربي الذي يعيش على الهامش تحت وطأة القمع "وفقدانِ الملامح" بحسب تعبير سعد الله ونّوس في حفلة سمر من أجل 5 حزيران. وهنا لا بدّ من مقاربة سؤالٍ مهمٍّ جدّاً، وهو مثارُ خلاف بين المشاركين في الملفّ: هل الأزمة تكمن في الشرط الموضوعي للشعر من خارجه، أمْ هي في الذهنية الشعرية، أو الأدوات الشعرية؟
أعتقد أنّ الفصل التعسفي بين خارج الشعر وداخله غيرُ موفَّق، وذلك بسبب تأثير الشرط الموضوعي على النصّ، ووجودِ الرقيب الداخلي. وأظنّ أنّ قلّةً منا يكتبون بحرية فعلاً: فالعقل الشعري متأثّر بثقافة المجتمع، ومن ثم فإنّ أزمة الخارج تنتقل إلى الداخل بشكلٍ أو بآخر؛ وهذه الفكرة جزء من مشروع النقد التكويني. كما أفترض أنّ الفصل بين الذهنية الشعرية والنصّ الشعري فصلٌ تعسفيّ أيضًا، باعتبار الأولى هي الإطارَ الفاعلَ الذي يتمّ فيه التعاملُ مع الأدوات والتكنيك الشعري. ولو قرّرنا محاكمةَ الأدوات الشعرية فقط، فإنّ مفهوم "الأزمة" غيرُ موفّق، بل الأدقُّ هو الحديثُ عن التطور الجدلي في بنية القصيدة على مستوى المضمون والشكل. فالشعر متحرّكٌ على الدوام مع تحرّك الحياة، ومن ثم فإنّ عوامل الحركة داخله تدفعه إلى التغيّر سلبًا أو إيجابًا. وهو بهذا المعنى مأزومٌ على الدوام، أيْ أنّه يَصْعب أن يبقى على حالٍ واحدةٍٍ لفترة طويلة: فالشكل الناجح في مرحلةٍ غيرُ ملائمٍ للّتي تليها، ولذا كان الانتقالُ من قصيدة الشطريْن الكلاسيكية إلى شعر التفعيلة ثم قصيدة النثر. ولقد كنتُ من المدافعين عن ضرورة تطوير أدوات الشعر للخروج من أزمته، لكنني وجدتُ أنّ ذلك لم يُخرج الشعرَ من عزلته: فالأزمة الفعلية ليست في الأدوات بل في الحراك السياسي والاجتماعي وما ينتجه من حراكٍ ثقافيّ مأزوم. وسندرك حجمَ الهوّة لو قارنّا تردّي حال الثقافة عندنا بما يحصل في بلدٍ مثل تشيلي مازال الحراكُ فيه فاعلاً، أو لو نَظَرْنا إلى فترات المدّ التحرري في خمسينيّات القرن المنصرم وستينيّاته مع انطلاق مشروع قصيدة التفعيلة باعتبارها ثورةً في زمنها على البنية الخطابية الكلاسيكية للشعر في عهد الاحتلال.
ولكنْ، أمازال الشعر ضروريّاً؟
يرى إليوت أنّ "الشعر يغيِّر في المدى البعيد مشاعرَ الناس وكلامَهم وحياتَهم، سواءٌ في ذلك منهم من يَقْرأ الشعر ومَنْ لا يقرؤه، وذلك إلى الحدّ الذي يَصْعب معه تتبّعُ هذا الأثر أو التدليلُ عليه." فالشعر متحرّكٌ وواسعٌ كالحياة نفسها، والتنوّعُ فيه ضروري، وجوهرُ الأمر هو تلك الشعريةُ في داخل كلٍّ منّا وتتعلّق بتفاعله مع الحياة بحسب أدواته الخاصة به. ومن المهمّ أن ندرك أنّ المتلقّي يتّجه نحو حاجته في المادة الإبداعية، وبهذا المعنى يتحوّل الشعر إلى إعادة إنتاجٍ للحياة بجمالها وألمها وجنونها؛ أو بعبارةٍ أخرى يصبح طقسًا للحياة نفسها، ولاكتشاف الغنى في الأشياء والأفكار ومنحها بعدًا آخرَ داخليّاً. لم تعد مهمةُ الشعر الوعظَ، بل الدخولُ إلى العالم الداخلي للأشياء، والبحثُ في النقاط المخفيّة. والأمر لا يقف عند تلقّي الجمال، بل يتّجه نحو خَلْقه، والعملِ عليه ضمن مشروعٍ عميقٍ يَدْمج الذاكرةَ الحسّيةَ بالفكر والفلسفة والإيديولوجيا أحيانًا. أجل، الإيديولوجيا! فمن المهمّ أن تَمْتلك رؤيةً في الحياة أو تفسيرًا للعالم، لكنْ تكمن الخطورةُ في أن تكون أسيرًا لها أو له. بمعنى آخر، من المهمّ أن تمتلك ذلك الغنى الإنسانيَّ المتحرِّر؛ فالكتابة فعلُ دفاعٍ أحيانًا، أو هجومٍ بقصد الدفاع، كما في شعر الماغوط. وأعتقد أنه من الضروري أن نوسِّع مفهومَ الشعر، وأن نَقْبل التنوّع على ما فيه من عيوب شرط أن يملك غنًى إنسانيّاً. فالنكات مثلاً، بما فيها من تكثيف وانزياح، تَمْلك بعدًا شعريّاً. وهذا لا يعني أنني أدعو إلى تحويل الشعر إلى نكات، وإنما إلى أن يكون الشعرُ أكثرَ التصاقًا بالحياة بالمعنى الإبداعي والجمالي والإنساني، الحياةِ المعوَّقةِ والمكبّلةِ بالقمع ومفرزاته، وأدعو إلى أن يكون جزءًا فاعلاً في حراكها السياسي والاجتماعي على ضعفه.
وفي النهاية يأتي هذا الملفّ ليقارب هاجسًا ملحّاً وشرسًا من قِبل جيلٍ شابٍّ ما زال قادرًا على الحلم. هناك مَنْ يقول إنّ هذه الأسئلة قديمة، وآخرُ يقول إنها مستحدثة. أما أنا فأقول إنها ضرورية، والأهمّ أن تُقارَبَ من شبابٍ يكتبون بحرارةٍ وحيويةٍ لافتتيْن، يمثّلون تياراتٍ مختلفةً تُكْمل المشهدَ إلى حدٍّ ما. ويشرّفني أن أهدي هذا الملفّ إلى روحٍ كثيرًا ما حضرتْ فيه، وفي أحلامنا، وفي مشروعِنا كمبدعين: إلى روح سهيل إدريس، الذي خاض نضالاً مريرًا في أرض الثقافة الوعرة، وغادَرَنا بصمتٍ جليلٍٍ، ليورثنا دروبًا وهواجسَ ممضّةً. كما خاض نضالاً مريرًا في مجلة الآداب التي تواصل اليوم حربًا موجعةً مع عملاء الاحتلال ومشروع الليبرالية الجديدة.

(دمشق)

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 7-9 / 2008