تضامناً مع مجلة الآداب
جريدة الأخبار
التجمع اليساري من أجل التغيير
وكالة أنباء العربي الغاضب
البديل العراقي
منتدى صوتك
شَرونْ قومِشْ
نقله إلى العربية من الإنكليزية: سماح إدريس
"أُصبتُ بخيبة أملٍ إزاء ما وجدتُه في الأرض الموعودة، خيبةِ أملٍ إزاء العنصرية الـمُمَأْسَسة. إنَّ الاهتمامَ الأساسَ الذي كانت تُبْديه إسرائيل حيال اليهود القادمين من الدول الإسلامية هو في وصفهم خزّانًا لليد العاملة الرخيصة. لقد احتاج بن غوريون إلى اليهود 'الشرقيين' لكي يَحْرثوا آلافَ الدونمات من الأراضي التي خلَّفها الفلسطينيون وراءهم حين طَرَدتْهم القواتُ الإسرائيليةُ عام 1948".
نعيم جلعادي1
منذ آلاف الأعوام واليهودُ في البلدان العربية يحيون وسطَ تعايشٍ نسبيّ مع المواطنين الآخرين. وكانوا إلى حدٍّ كبيرٍ مندمجين اندماجًا جيِّدًا في المجتمع المسلم، بل تقلَّد بعضُهم مناصبَ حكوميةً عليا في بلدانٍ عربيةٍ مختلفة.2 وفي فلسطين أيضًا عاش اليهودُ الشرقيون (السفارديم) بسلامٍ مع المسلمين؛ فأَسّسوا، على سبيل المثال، مدارسَ كان يرتادها اليهود والمسلمون والمسيحيون جميعًا.3 إلا أنّ مجيء الصهيونية سَبَّبَ تغييرًا دراماتيكيّاً في حياة العرب اليهود داخل أوطانهم. فالحال أنّ كثيرًا منهم لم يكونوا يَدْعمون الصهيونية، وعَدُّوها ـ شأنَ مواطنيهم المسلمين ـ حركةً كولونياليةً أوروبية؛ بل انخرط بعضُهم في حركاتٍ قوميةٍ عربيةٍ ومعاديةٍ للإمبريالية. وفي فلسطين تعاون يهودٌ ينتمون إلى عائلاتٍ سفارديةٍ بارزة مع مواطنيهم المسلمين والمسيحيين في محاولةٍ لحشد الفلسطينيين العثمانيين ضدّ الحلفاء الغربيين.4 وحتى في عزّ تأزّم التوتّر في فلسطين، عَرَضَ ألياشار، وهو زعيمٌ يهوديٌّ سفارديٌّ بارزٌ، أمام لجنة "فِلْ" البريطانية، دولةً ثنائيةَ القومية ذاتَ برلمانٍ مشتركٍ وتعليمٍ متبادلٍ للُّغات.5 وكلّما قَوِيت الحركةُ الصهيونية، باتَ وضعُ العرب اليهود أكثرَ صعوبةً، وتحطّمت العلاقاتُ الطيِّبةُ بين اليهود والمسلمين.6 وفي الوقت ذاته، راح "القوميون العرب" يماهُون ما بين جميع اليهود والصهاينة، فاعتبروهم طابورًا خامسًا، متبنِّين، ويا لَلْمفارقةِ اللاذعة، الخطابَ الصهيونيَّ الذي يرى أنّ العروبةَ واليهوديةَ [أيْ كونَ المرء يهوديّاً] تتنافيان. وبحسب تعبير إلاّ شوحاطْ، "فإنّ جمود كلا النَّسقيْن أَنْتَجَ مأساةَ العرب اليهود؛ ذلك لأنّ أيّاً من النَّسَقيْن لم يستطع أن يستوعبَ هويّاتٍ متقاطعةً أو متعدِّدة."7
تأسَّست الصهيونيةُ منذ بدايتها من أجل إيجاد حلٍّ لمصاعب اليهود في أوروبا، ولم تَعتبر العربَ اليهودَ مرشَّحين لـ "الارتقاء" إلى صهيون [أرضِ الميعاد]. وقد تبنّى أنصارُ الصهيونية الأوروبيون [الأشكيناز] مقاربةً ملتبسةً تجاه ثقافتهم "البدائية،" وهي نقطةٌ سأطوِّرها لاحقًا.8 وتدريجيّاً، ولاسيّما بعد حصول الهولوكوست [المحرقة النازية] وإبادةِ "الحوض الطبيعي" لليهود الأوروبيين، توصَّل القادةُ الصهاينةُ إلى أنّه سيكون مفيدًا إشراكُ العرب اليهود في المشروع الصهيوني. وعلى أثر استعمار فلسطين وطردِ الفلسطينيين من أرضهم طردًا وحشيّاً، احتاج قادةُ الاستيطان اليهودي الأشكيناز الصهاينةُ في إسرائيل إلى العرب اليهود ديموغرافيّاً واقتصاديّاً، أيْ بوصف هؤلاء قوّةً عاملةً رخيصةً تَحلُّ محلَّ الفلسطينيين وتُسْهم في مخطّطِ استيطان "الصحراء" و"جعلِها تُزْهِر"؛ ولذلك شجَّعَ الصهاينةُ العربَ اليهودَ على المجيء إلى إسرائيل.9 وفي حالة العراقيين اليهود، حين لم تَنجح التعبئةُ الصهيونيةُ في العراق في إقناعهم بمغادرة وطنهم، تكفَّلتْ بالمهمة هذه بضعُ قنابلَ زُعم أنَّ الصهاينةَ زَرعوها في مراكز تجمُّعات اليهود هناك.10 ولقد دلَّ هذا النمطُ من العنف المباشر ضدّ اليهود العراقيين على واحدةٍ من الركائز الأساسية لسيرورةِ إنماطٍ أخرى من العنف، على ما سأَشْرح فيما بعد. وأدّى ضغطُ الصهاينة على العرب اليهود من أجل "الارتقاء" [العودة] إلى صهيون، إضافةً إلى العداوات المتزايدة تجاه اليهود وطردِهم أحيانًا من البلدان العربية (نتيجةً لتعاونٍ غيرِ مقصودٍ بين الحركتيْن "القوميتيْن" اليهودية والعربية)،11 إلى دفع معظمِ العرب اليهود إلى الدولة الجديدة [إسرائيل]. لاحقًا، صَوّرت الحركةُ الصهيونيةُ استئصالَ العرب اليهود من جذورهم "إنقاذًا لهم من الحضارة المتخلِّفة ومن الضُّمور،" في حين أنَّ الحركة الصهيونية كانت في الواقع قد اتّخذتْ [بعملها هذا] خيارًا إستراتيجيّاً بإنقاذِ نفسِها من الانهيار.12
العنف البنيوي والثقافي
على أنّ "ارتقاء" العرب اليهود إلى إسرائيل كان، في واقع الأمر، انحدارًا مَرَضيّاً.13 فالصِّدامُ بينهم وبين الصهاينة الأوروبيين كان صِدامًا حضاريّاً، حيث المستعِمرون يَمْتلكون القوة. وفي الحال، جُرِّدَ العربُ اليهودُ من كلّ أبعاد حياتهم السابقة، وخَضَعوا لعمليةٍ ضارية: فغيَّروا أسماءهم، ولهجاتِهم، وطعامَهم، وسُبُلَ رزقهم، وبُناهم الاجتماعيةَ والعائلية. ولقد عَيَّنَ وصولُهم إلى إسرائيل بدايةَ مسارٍ من تحطيم احترامهم لذواتهم، ولرفاهتهم، وإبداعهم.14 ونَمَتْ بنيةٌ ضاريةٌ من علاقات القوة، صار العربُ اليهودُ بمقتضاها خاضعين للقوة الكولونيالية المهيمنة، أيْ لأشكنازييّ أوروبا الشرقية.15 واستخدمت المؤسسةُ الأشكنازيةُ عنفًا هائلاً من أجل الحفاظ على علاقات القوة تلك.
يقدِّم غالتونغ دراسةً لأنماط العنف، حيث "يَجْعل العنفُ الثقافيُّ العنفَ المباشرَ والبنيويَّ يبدو، بل يُشْعِر، أنَّه على حقّ، أو غيرُ ظالمٍ على الأقلّ... وتتمّ [عبر العنف الثقافي] شرعنةُ العنفِ المباشرِ، وحقيقةِ العنف البنيوي، ويُجعلان مقبوليْن في المجتمع."16 ولقد جرى تطبيقُ كلّ أنماط العنف هذه على اليهود العرب، الذين يُعْرفون باسم "المزراحيم."
إحدى أقوى أدوات العنف الثقافي هي الإيديولوجيا. ولقد انغرست الإيديولوجيا الصهيونيةُ في فكرٍ كولونياليٍّ أوروبيِّ التمركز، إحدى إبرز سماته هي الاستشراق. وبحسب إدوارد سعيد، فإنّ الفكرَ الاستشراقي يستند إلى تمييزٍ أنطولوجيّ (وجوديّ) بين "نحن" (الأوروبيين) في مقابلِ "هُمْ" (غير الأوروبيين).17 إنَّه فكرٌ يرى الغربَ عقلانيّاً، متطوِّرًا، إنسانيّاً، رائعًا؛ في حين يصوِّر الشرقَ منحرفًا، غيرَ نامٍ، في مرتبةٍ أدنى، خَطِرًا، ومن ثم ينبغي أن يَخْضع للسيطرة.18 وغالبًا ما عَبَّر مؤسِّسو إسرائيل الصهاينةُ عن احتقارهم وتصرُّفاتِهم العنصرية حيال العرب اليهود: فقد أكّد بن غوريون "أنَّ مِن واجبنا أن نحارِبَ روحَ الشرق التي تُفسِد الأفرادَ والمجتمعات."19 كما نَشَرَ الصحافيون [الصهاينة] تلك التنميطاتِ العنصريةَ بشكلٍ أوسع قائلين: "إنَّنا نَشْهد شعبًا بدائيّتُه صادِمةٌ... ومستوى تعليمه يتاخِمُ الجهلَ التامّ... وهو غيرُ مؤهَّل لإدراك أيّ أمرٍ روحيّ. إنّه، بشكلٍ عامّ، ليس أفضلَ من العرب والزنوج والبرابرة [في بلدانهم الأصلية]. ومستواه أدنى، بعدُ، من عرب إسرائيل. إنّه شعبٌ منهمكٌ بشكلٍ تامٍّ في لعبة غرائزه البدائية الوحشية."20 هذا وقد ترافَقَ الحطُّ من قَدْرِ المزراحيم مع الإعلاء من شأن ثقافة الأشكيناز "المتنوِّرة" و"المتحضِّرة،" وترافَقَ من ثم مع تضخيم تقييمهم لذواتهم.
كما يشدِّد غالتونغ على أنّ العِلم أداةٌ أخرى تُستخدم للعنف الثقافي. وهكذا أَمدَّت المؤسسةُ الأكاديميةُ الأشكينازيةُ تلك التصوُّراتِ العنصريةَ بتعزيزاتٍ عِلْمويّةٍ [علمية مزيَّفة]. واستندتْ إحدى النظريات إلى مدرسة "التحديث والنموّ" العلماجتماعية.21 وقد حاججتْ هذه المقاربةُ التحديثية بأنّ اليهود القادمين من البلدان العربية سكّانٌ ما قبل حديثين، وبأنّ ثقافتهم تَحُول بينهم وبين الاندماج الجيّد في المجتمع الإسرائيلي "الحديث."22 وعليه، فقد أكّد أنصارُ "التطوّر" أنّ على العرب أن يُدرَّبوا ضمن مسارٍ تنمويٍّ خاصّ من أجل أن يَرْتقوا بأنفسهم عن ثقافتهم المتخلِّفة.23 وهكذا خَضَعَ المزراحيمُ لعملية "إزالةِ جَتمَعَةٍ" تقضي برميِ ما تبقّى من عروبتهم، وبإعادةِ "جَتْمعتهم" بحيث يكتسبون انتساباتٍ "حديثةً" وتمثُّلاً لأسلوبِ الحياة "الإسرائيلية" ـ أي الأشكينازية الأوروبية.24 ولقد عَبَّدَ العِلْمُ الطريقَ أمام تلك الإزالة وهذه الإعادة، وهما نمطان من العنفِ المباشر. وتزعّمت الدولةُ هذه العمليةَ من خلال سياسةِ "الامتصاص [أو الاستيعاب] عبر التحديث،" وهي سياسةٌ قادت خططَ "بَلْداتِ التنمية" والتوزيعِ السكّاني وغيرِ ذلك، وأدّت جميعُها إلى تهميش اليهود العرب، الأمرُ الذي يشكِّل نوعًا من العنف البنيوي.25
شكّل النظامُ التربوي ساحةً محوريةً من أجل "تحديث" المزراحيم. ويَكْشف يوناه وسورتا في تحليلهما القاسي كيف أدّى خطابُ الهيمنة إلى قرارِ توجيه المزراحيم إلى ميدان التربية المهنية [تنمية المهارات]. فهنا أيضًا تَرْجم الأكاديميون أحكامَهم المسبَّقة إلى اكتشافاتٍ عِلْمويّة [علمية زائفة]. فمثلاً قَدّمتْ دراساتُ فرانكِنْشتايْن عن شباب المزراحيم المجرمين "دليلاً" على "القدرة الإدراكية المنخفضة" للعرب اليهود قبل وصولهم إلى إسرائيل.26 واعتمادًا على هذه النظريات اقتَرَحَ "الخبراءُ" البيداغوجيون التربيةَ المهنيةَ [تنميةَ المهارات] من أجل معالجة "الحاجات الخاصة" لهؤلاء السكّان، ولتزويدهم بالتربية التي تسهِّل اندماجَهم في المجتمع.27 غير أنّه كانت ثمة عواملُ أخرى أدّت إلى ذلك القرار، على ما تُبيِّن كلماتُ وزير التربية آنذاك: فقد شكا أنّ مستقبلَ الدولة في خطر لأنّ ثلثَ مواطنيها فقط منتِجون، في حين أنّ الآخرين لا يروْن أهميةَ التربية المهنية ويفضِّلون أن يكون أولادُهم أطبّاء ومهندسين ومحامين.28 ولذلك رأى أنّه من مصلحة المزراحيم، وانسجامًا مع قدراتهم، أن يوجَّهوا إلى نظامٍ تربويّ منفصل، ذي نوعيةٍ تعليميةٍ أدنى، وذي تركيز على الدراسات المهنية (كالنِّجارة مثلاً) يَفوق التركيزَ على الدراسات النظرية، ومن ثم يقيَّضُ لهم أن يتنكبّوا تصنيعَ البلاد وأن يشكِّلوا طبقةَ العمّال. وحين واجهَ صُنّاعُ القرار مقاومةً من الأهالي عمدوا إلى استخدام أساليبِ تلاعُبٍ للتغلُّب عليها، أو أنَّهم ببساطة فَرَضوا قراراتِهم فرضًا لعلمهم أنّ الأهالي لا يَمْلكون القوةَ السياسيةَ لمحاربتها.29
إنّ الملاحظة الموجّهة إلى أستاذ الصفّ الأوّل تبيِّن التفسيرَ العلميّ الزائف لدونيّة الطالب المزراحي [اليهودي العربي]، وتبيِّن من ثم حاجتَه إلى "تربيةٍ مصمَّمةٍ خصِّيصًا [له]": "ستَسْتقبل طلاّبًا قادمين من بيئةٍ ثقافيةٍ متخلِّفة. فَلْنتفحَّصْ أسبابَ الصعوبات: الافتقارُ إلى الحافز على القراءة؛ الافتقارُ إلى العادات التعليمية الأساسية؛ النموُّ النفسيّ الناقصُ في مجال التحكّم بالعضلات، ومجالَي السمع والنظر؛ العمرُ الثقافي أدنى من العمر الكرونولوجي؛ عدمُ الكفاءة في اتّباعِ التعليمات البسيطة."30
والحالُ أنّ النظام التربوي كان وما يزال أحدَ العوامل في نوعٍ آخرَ من أنواع العنف البنيوي: ذلك أنّ كتب التاريخ الرسمي المدرسية تَرْوي، وبشكلٍ حصريّ تقريبًا، روايةَ اليهود الأوروبيين، فارضةً على المزراحيم استبعادًا واستيعابًا في الوقت نفسه. وبحسب داحان ـ كاليف، فقد استَبْعد الصهاينةُ الأشكينازيّون التاريخَ المزراحيَّ لأنّه لم يكن سيَسْتتبع القيمَ التربويةَ الكافيةَ التي أرادوا أن يَغْرسوها في الإسرائيليين الجدد، بما فيها قيمُ العلمنة والاشتراكية وغيرِها.31 وهكذا لا يتعلّم اليهودُ العربُ تاريخَ أهلهم، بل يُشَرَّبون تاريخَ الأشكيناز بوصفه السرديةَ المتفوِّقةَ لكلّ اليهود. ويصوِّر الفنّانُ المزراحيُّ غال مئير ذلك بصريّاً في عمله المعنْوَن "تسعةٌ من أصلِ أربعمئة،" حيث يَحْمل الصفحاتِ التسعَ فقط التي تتحدّث في أحدِ كتب التاريخ المدرسية الإسرائيلية عن تاريخ اليهود غير الأوروبيين. ينبغي التأكيدُ هنا أنّ هذه الصفحات، التي تتحدّث فعلاً عن العرب اليهود، تصوِّرهم عاجزين في وجه الوحشية العربية، غارقين في غيبوبةٍ روحية، فقراءَ، جاهلين، مؤْمنين بالخرافات، يتلقَّوْنَ الخلاصَ على أيدي إخوانهم الأوروبيين الشجعان.32
تَرافَقَ سلبُ الذاكرة مع تشويهِ التاريخ وإعادةِ كتابته. فلقد لَوَّنَ التأريخُ الصهيونيُّ تواريخَ اليهود في البلدان العربية بالألوانِ التي لُوِّن بها الاضطهادُ الذي لحقَ باليهود في أوروبا. فتاريخُ اليهود العرب كُتب ويُكتب من خلالِ ما تسمِّيه إلاّ شوحاط "التتبّعَ الرهيبَ" للفظائع، مع تسليطِ الضوء على كلّ حالةٍ من حالات العداء (وبعضُها تَفْصل بينها مئاتُ السنين)، وتضخيمِها، وتجاهُلِ التعايشِ، واستخدامِ مصطلحاتٍ مستلّةٍ من قاموس تجربة اليهود الأوروبيين مثل "الپوغروم(*)" و"معسكرات الاعتقال." ولقد استَدْخل المزراحيمُ هذه القيمَ الاجتماعيةَ الجديدةَ في محاولةٍ لأن يصبحوا جزءًا من المجموع اليهودي، حيث الهولوكوستُ رمزُ التحشيدِ الأقوى (أنظرْ مثلاً استخدامَ ألياشار لمصطلحَي "الغيتوات" [المعازل اليهودية] و"معسكرات الاعتقال" في سياق كلامه على اليهود في البلدان العربية).33 والحال أنّ مدى استدخال المزراحيم للسردية الصهيونية جليٌّ إلى يومنا هذا. فلنأخذْ مثالاً واحدًا على ذلك: قبل عدة أعوام كان أحدُ المخرجين العراقيين لفيلم تلفزيونيّ عن تاريخ اليهود العراقيين هو مَنِ اختارَ أن يَضَعَ مشاهدَ من پوغرومات التجربة اليهودية الأوروبية إلى جانب مشاهدَ من "الفرهود" في بغداد.34 وعلى هذا الأساس، فإنّ الإيمان المركّب [المفَبرك] بأنّ "العربَ مُعادون للسامية،" وأنّهم كانوا وما يزالون يَكْرهون اليهودَ، يقع في أساس الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. من المهمّ لفتُ الانتباه إلى المنظور الجَنْدري [الجُنُوسيّ] في قمع المزراحيم، وهو بُعدٌ يكاد يكون غيرَ مرئيّ كليّاً، لا في الخطاب النّسَوي وحده بل في الأبحاث التي تَكْشف قمعَ المزراحيم أيضًا.35 إذ نادرًا ما يُكتب عن السرديات التاريخية للمزراحيات، وعن وَقْعِ الاستئصال والهجرة في حيواتهنّ.36 وفي العقد الأخير دَشّنت الباحثاتُ النّسوياتُ المزراحيّاتُ خطابًا يسلِّط الضوءَ على موقع المزراحيّات الدونيّ: إذ إنَّ وضعَهنَّ خاضعاتٍ للرّجال، مترافقًا مع القمع الذي يتعرّض له المزراحيمُ أصلاً، كرّسهنّ في أدنى سُلّم المجموع اليهودي. فعلى مستوى التمثيل والمشاركة مثلاً، يتمّ استبعادُ النساء المزراحيّات من المناصب العليا، وضِمْنَها المناصبُ القضائيةُ والأكاديمية، بما يفوق استبعادَ الرجال المزراحيم أنفسِهم؛ وهذا ليس إلاّ مظهرًا واحدًا من القمع.37 وبالتأكيد لم تستطع المزراحيّاتُ الجهرَ بحاجاتهنّ ومصالحهنّ الخاصّة ضمن الحركة النسوية التي تهيمن عليها الأشكينازياتُ العالياتُ الثقافة والمنتمياتُ إلى الطبقة الوسطى، حيث تَعْمل أنساقُ التراتبية الإثنية ـ الطبقية نفسُها.38
إنّ القمعَ الهائل، الذي يتعرّض له المزراحيمُ والمزراحيّاتُ، وإنْ يكن بالغَ التعقيد والاختفاء، يتجلّى في كلّ الحقول: في التربية، والإسكانِ، وتوزيعِ الأراضي، وسوقِ العمل، والتمثيلِ السياسي، والتمثيلِ الثقافي، وغيرِ ذلك.39 وما لبثت التَّبعاتُ القاسيةُ لأشكال العنف هذه أنْ حَلَّتْ. وقد قَدّمتْ تلك السياساتُ البنى التحتيةَ للقمع المتواصل ضدّ المزراحيم إلى يومنا هذا. فالإحصائياتُ اليوم تُظْهر أنّ اللامساواة ما زالت موجودةً، بل إنَّها تعمّقتْ في بعض الحقول. والحال أنّ المزراحيم يشكِّلون معظمَ الطبقة الدنيا (اليهود الأثيوبيون، والمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، والعمّالُ المهاجرون، في مرتبةٍ أدنى منهم بعدُ). ويتقاضى المزراحيُّ ما معدَّلُهُ 13% أقلّ ممّا يتقاضاه الأشكينازيُّ، والفجوةُ في التعليم العالي ازدادت بينهما.40 وهذه المعلومات تَدْحض نظريةَ "التحديث" التي تُنْحي باللائمة على خلفيّة المزراحيم العربية لعجزهم عن الاندماج؛ ذلك أنّ المزراحيم الذين وُلدوا داخل إسرائيل ليسوا هم وحدهم مَنْ لا يزالون يعانون أوجُهَ عدم المساواة، بل إنّ هذه الأوجه زادت في بعض الميادين.41 فمثلاً، حين رَفَضَ أحدُ القضاة في مجلس القضاء الأعلى استئنافًا يتعلّق بالتمييز ضدّ مواطنين من إسرائيل لا يَحْظون بالامتيازات ومُنِعوا من امتحانات القبول إلى الجامعات، قال إنَّه يعي أنّ هذه الامتحانات تُنْتج جيلاً كاملاً من العبيد لكنّه لا يستطيع التدخُّلَ في صناعة قرار الجامعات!42
محوُ الهويّة
يلاحظ شِنْهاف أنّ الخُطبَ عن التحديث والتطوّر لم تكن إلاّ ذريعةً لتعزيز الهدف الحقيقي من وراء تلك السياسات: أَلا وهو نزعُ الهوية العربية عن المزراحيم. ذلك أنّ الثقافة العربية المعلنة لليهود العرب تهدِّد الصهيونيةَ، وذلك حين تعمّي الفارقَ الإثنيَّ الانقساميَّ بين العرب واليهود، وهو فارقٌ يكمن في صميم الصهيونية بوصفها إيديولوجيةً قوميةً. وفي الوقت نفسه فإنّ الصهيونية احتاجت إلى العرب اليهود لكونهم يَحْفظون "القِدَمَ" [الأصالةَ] و"التراثَ" اللذيْن تحتقرهما الصهيونيةُ، وذلك من أجل "إثبات" العنصر الأصلاني [الأوّلاني] فيها.43 وهكذا فإنّ العلاقة بين المؤسسة الأشكينازية الصهيونية والمزراحيم هي علاقةُ استيعابٍ واستبعادٍ في الوقت نفسه: فالمزراحيم هم "الآخرُ" و"المنتمي" معًا.44 يهوديّتُهم زَوّدتهم ببطاقة الدخول إلى المؤسسة القومية الإسرائيلية، ولكنْ بشرطٍ مسبَّقٍ: هو أن يتخلّوا عن ثقافتهم!
علاوةً على ذلك، فإنّ الصهاينة يَعتبرون أنفسَهم امتدادًا لأوروبا في الشرق الأوسط، حاملين بشائرَ الصناعة والتنويرِ والحداثةِ إلى الصحراء. وأمام القوى الغربية رَوَّجَ هرتزل، مخترعُ الصهيونية، فكرةَ الدولة اليهودية، بوصفها "قاعدةً أماميةً للحضارة ضدّ البربرية."45 وقد فَرَضت الطبيعةُ الأوروبيةُ التمركزِ للدولة الصهونية "تنظيفَها" من العناصرِ غيرِ المرغوبة ـ بشرًا كما في حالة الفلسطينيين، وتجلِّياتٍ ثقافيةً كما في حالة اليهود العرب.
إنَّ نجاحَ المشروع القومي اليهودي وإعطاءَه وجهًا أوروبيّاً كانا مبدئيْن أساسيْن حتّما أن يمحو العربُ اليهودُ أيَّ أثرٍ لثقافتهم العربية وأن يصبحوا "إسرائيليين." فالصهيونية لم تستطع أن تَقبلَ هويةً مركّبةً [من عنصريْن أو أكثر]، لأنَّ ذلك كان سيضع موضعَ الشكّ الحدودَ الصارمةَ بين "نحن" و"هم." ولذا أصبح تعبيرُ "اليهود العرب،" الذي كان شائعَ الاستخدام ذاتَ زمن، متناقضًا في ذاته.46
لقد كانت للصِّدام بين المزراحيم والصهيونية الأوروبية، إذن، ارتداداتٌ مدمِّرةٌ على هوية المزراحيم (كما هو الوضعُ في حالاتٍ أخرى من حالات الكولونيالية الثقافية). فقد أدّى إلى "شيزوفرينيا [انفصاميةٍ] عميقةٍ وغَرَزيّة، إذ لأول مرّة في تاريخنا تُعْرض العروبةُ والهويةُ اليهوديةُ على أنهما متناقضتان."47 وتبعًا لذلك يتبنّى المزراحيمُ وسائلَ عديدةً للتعامل مع الوضع الصراعي الذي فُرض عليهم، ومن بينها: نبذُ العروبة، ومحاولاتُهم الاندماجَ في "الثقافة الإسرائيلية" التي تُمْليها قيمُ الهيمنة الأشكينازية.48 لقد أَطْلق المزراحيم مسارًا كاملاً من القمع الذاتي الذي طاوَلَ موسيقاهم، وفنَّهم، وشِعْرَهم، ولهجاتِهم، ولغاتِهم الحيّةَ الغنيّةَ، وأزياءَهم، بل لغةَ أجسادهم نفسَها؛ وذلك غيضٌ من فيض. وخجل الشبابُ المزراحيمُ من ثقافة آبائهم وأصبحوا أدواتٍ للتحوّل القيميِّ الاجتماعي.49 وكان إطفاؤهم للراديو، كي لا يَسْمع أهلُهم موسيقاهم العربيةَ المفضّلةَ، موضوعةً متكرِّرةً في كثير من البيوت المزراحيّة، بما فيها بيتي أنا بالذات. وأَذْكر أيضًا أنَّني قلتُ لصديقتي المفضَّلة، وكانت يمنيّةً تُزْعجني دائمًا لهجتُها الحَلْقيةُ، إنَّ طريقةَ تلفُّظها قديمةٌ وغيرُ مستحبّة، وإنَّه يُسْتحسن أن تتخلّى عنها.50
إنَّ ما حدث لفيكي شيران، وهي مثقفةٌ نسويةٌ مزراحية ذاتُ أصولٍ مصريةٍ ومغربية، نموذجٌ على ما يَحدث للأطفال المزراحيم عامةً، ويُظهر بقوةٍ مكانةَ الهوية العربية في إسرائيل:
"كنتُ أتكلّم الفرنسيةَ، ولذا أصبحتُ فرنسية، وارتفعتْ منزلتي في المدرسة بشكلٍ عجائبيّ. لكنْ كانت تنتابني الكوابيسُ من أن يَكْتشفَ أحدٌ كِذْبتي... حاولتُ أن أُخفيَ أبي... كنتُ مرعوبةً من أن يَسْمعوا أبي يتحدّث بالعربية. إنّ هوية أبي العربية وشكلَه العربيّ كانا من أبهظ أعباءِ طفولتي... ولقد أعطيتُ كلَّ مجموعتي من الأوراق المذهَّبة لفتاةٍ سَمِعَتْ أبي يتحدَّث بالعربية، لكي لا تُخْبر أحدًا بذلك!"51
أن يكون "الشكلُ العربي" أمرًا يستدعي الخجلَ، ومن ثمّ الإخفاءَ، تصوّرٌ ما يزال سائدًا إلى اليوم. وبمقدور المرء أن يرى ذلك بشكلٍ خاصّ حين يسافر على متن الخطوط الجوية الإسرائيلية (العال). فإنْ نَظَرتُم إلى الفيلم الذي يتحدّث عن إجراءات السلامة في الطائرة، فإنّ كلَّ الشخصيات فيه تَنْظر إليكم ببشاشة، بعيونها الزرقاء المبتسمة وشعورِها المستقيمةِ الفاتحةِ اللون. إنّ إسرائيل تواصِل استعراضَ نفسِها وكأنَّها "بيضاءُ،" مع أنّ غالبيةَ مواطنيها من أصولٍ عربية.
ولقد تطوَّرَ قمعُ المزراحيم للعناصر العربية في دواخلهم إلى كراهيتهم لذواتهم، وإلى استدخالِ تصوّرٍ يقول بأنّ "الأشكيناز أفضل."52 وقد لاحظ الياشارُ: "أنَّنا سبّبْنا عُقدةَ الشعور بالنقص في قلوب المتحدِّرين من المجتمعات الشرقية... فكلّما 'اندمج' [الشبابُ المزراحي] زَعْمًا [في المجتمع الإسرائيلي]، حَطّوا من شأن أنفسهم وتمنَّوْا أن يُثْبتوا لأصدقائهم ـ إخوانِهم في النُّخبة الحاكمة [أي الأشكيناز] إلى أيّ مدًى صاروا 'أوروبيين غربيين،' وإلى أيّ مدًى لم يعودوا 'مزراحيمًا.'"53
والحال أنَّ الكلمات التالية التي نطقَ بها رجلٌ مزراحيٌّ تشير إلى استدخاله الدونيةَ: "علينا ألاّ يكون لدينا رئيسٌ للوزراء من السفارديم!"54
إنّ مخطّطَ نزع الهوية العربية قد نجح، ويا للأسف. وبكلماتِ سامي شطريت، "فإنّ المزراحي اليوم لم يعد يحتاج إلى أن يكرَه هويتَه العربية لأنّها اختفت [أصلاً]. هويتُنا العربية اختفت. لقد دمّرتْها الصهيونيةُ، ولم يعد ثمة في العالم عربٌ يهودٌ."55