أربع قصائد

سامي مهدي(*)

أيام سود

أيّامٌ سودْ
مِسبحةٌ من خَرَزٍ أسودَ
في يدِ شيطانْ
يتسَلّى بالتسبيحِ بها
وهْوَ يرى الإنسانْ
يُقْلى بدمٍ، ويُتَبَّلُ بالخوفِ،
وبالبُهتانْ
من جارٍ شرّيرْ
أو خصمٍ موتورْ،
أو أيِّ غريمٍ يجهلُه،
أو أيِّ فضوليٍّ، أيِّ طفيليٍّ،
أيِّ حسودْ .
...
أيّامٌ سودْ
لا شيءَ يؤكَّد، أو يُضْمَنُ فيها،
لا صوتَ يُمَيَّزُ بينَ الأصواتْ
لا حيًّا تُذكَرُ سيرتُه،
أو ميْتًا يُعرَفُ مِنْ خَلَلِ الأمواتْ.
والعيشُ اليوميُّ مغامرةٌ
في غابِ المجهولْ:
فالموتُ رديفُكَ في البيتِ،
وفي الشارعِ،
في الحقلِ، وفي المسجدِ،
في أيِّ مكانٍ تأتيهِ،
أو تلجأُ فيهِ،
مُنتَبِذًا،
أو فزِعًا من فاءِ الخطفِ وقافِ التقتيلْ.
فالموت هنا لا يَحْفلُ باسمٍ، أو نَسَبٍ،
أو يبحثُ عن شكلٍ أو عمرٍ،
أوْ يسألُ عن سببٍ،
أو يَطْلبُ من أحدٍ عن أحدٍ تعليلْ.
فالكلُّ ضيوفٌ في دفترِ عزرائيلْ،
ما داموا من أبناءِ "إنَنَّا"
وبهائمِ إنليلْ.
والموتُ هوَ الأصلُ، هو الفرعُ،
هو الأوَّلُ والآخِرُ
في كلِّ نشيدْ .
لا شيءَ أكيدٌ غيرُ الموتِ هنا،
لا شيءَ أكيدْ .

فضاء أبيض
وأقولُ لنفسي: يكفي!
لا تكتبْ عن

هذا الموتِ المخبولِ،
إذِ استوفى فينا كلَّ فنونِ القتلِ،
فما عادَ غريبًا،
بلْ مألوفٌ جدّاً،
مكرورٌ، مكروهٌ، كوجوهِ الساسةِ،
لا شيءَ مثيرٌ فيهِ،
ولا ما يصْدمُ كالأمسِ،
ولا ما يُرعبُ،
والناسُ تعيشُ معهُ
كأخٍ من أمٍّ أخرى،
تتجرَّعُه يوميّاً كالخبزِ البائتِ،
وتغضُّ عن القتلى الأبصارَ،
تعبتْ من لملمةِ الأشلاءِ
ودفنِ المتَبَقِّي منها،
ملَّتْ كلَّ عباراتِ النعيِ
وكلَّ مراسيمِ التأبينِ.
ومناديها نادى "آمينَ" مرارًا،
ودعا كلَّ فضائياتِ العالمِ
أن توجِزَ في نقلِ الأخبارِ عن المغدورينَ
وتُقلِّصَ تعليقاتِ الخبراءِ
(وأعني خبراءَ نظرياتِ الأمنِ
وما يُفْتونَ بهِ)
وأقولُ لنفسي:
ها أنتَ ترى
كم صار الموتُ المخبولُ عتيقًا،
كقوافي الشعراءِ،
لا يوحي بجديدٍ يُغريكَ
ولا يلهمُ شعرًا يرضيكَ.
إذنْ فاتركْه
إلى شيءٍ ما زالَ فضاءً أبيضَ للشعرِ/
وفي اللحظةِ يسقطُ صاروخٌ أعمى
بجوارِ البيتِ
ويَقتلعُ العصفُ الأبوابَ
وتسوَدُّ الأشياءْ.

يومٌ إضافيّ
هوَ ذا إذنْ يومٌ إضافيٌّ تراهُ،
فَعِمْ صباحًا،
خُذْ فطورَكَ،
ثمَّ دَخِّنْ ما استطبتَ
من السكائرِ،
واسترِحْ،
واكتبْ قصيدتَكَ الأخيرةَ،
أو وصيَّتَكَ التي أَجَّلْتَ،
اكتبْها فقد تنسى،
ولا تحظى بيومٍ قادمٍ، يومٍ إضافيٍّ سواهُ،
فها هو القنّاصُ
لم يبرحْ مكانَ رفيقِهِ القنّاصِ فوقَ البرجِ،
والهَمَراتُ في الطرقاتِ حولَ البيتِ،
حولَكَ أنتَ ..
أو دَعْها، فليسَ لديكَ غيرُ الشعرِ
وهْوَ الآنَ ملكُ الآخرينَ،
وخذْ نصيبَكَ من غنائمِ يومِكَ الحاليِّ:
أوراقًا تُقَلِّبُها،
كتابًا بعدُ لمْ تقرأْهُ،
صحنًا من حساءٍ ساخنٍ،
شايًا،
وحَبَةَ برتقالٍ إنْ وجدتَ،
وكلُّ ما في الأمرِ أنَّكَ لا تخافُ الموتَ
كالخيّامِ
حتى تسألَ الأيّامَ
عن سلوًى تراها في حبيبٍ،
أو نديمٍ،
أو مزيدٍ من شرابْ.
فاهنأْ إذنْ،
عِشْ يومَكَ المشبوهَ هذا،
عِشْهُ كيفَ بَدَتْ لكَ الساعاتُ فيهِ،
وقلْ لنفسِكَ في المساءِ: "عِمي مساءً،"
وانتزعْ يومًا سواهُ، إذا استطعتَ ونِلتَ،
من عصرِ الخرابْ.

يوم آخر
"سيكونُ يومٌ غيرُ هذا اليومِ.."
قلتُ، وصاحبي يبكي،
وكانَ الأفقُ مختنقًا بأبخرةِ الدماءِ..
وقلتُ: "دَعْ هذا البكاءَ.."
وكانتِ الجدرانُ جاثيةً على الأشلاءِ،
والهَمَراتُ تقطعُ أذرعَ الطرقاتِ..
"لا تجزعْ.. فللأيامِ دورتُها.."
وكانَ الإخوةُ الأعداءُ يختزلونَ أعمارَ الطيورِ
ويَسْمَرونَ على دويِّ الهاوِناتِ..
وقلتُ: "ليسَ الموتُ آخرَ ما تبقّى
في رهانِ الأبجديّةِ..ط
قلتُ:
"يأتي.. سوفَ يأتي غيرُ هذا اليومِ،
يأتي وهو يحملُ رأسَه المقطوعَ،
لا جزَعًا ولا فزَعًا،
ويبقى..
فهْوَ يومٌ للحقيقةِ،
للعصافيرِ الطليقةِ،
للصغارِ يكركرونَ،
وللنساءِ يُضِئنَ أبوابَ البيوتِ
ويَدَّرِعْنَ بآيةِ الكرسيِّ،
يومٌ للهلاهلِ،
والأناشيدِ القديمةِ والجديدةِ،
للرجالِ يُكَبِّرونَ،
ويَطْردونَ الغولَ في رأدِ الضحى،
ويكونُ يومًا غيرَ هذا اليومْ.

بغداد
(*) شاعر من العراق.