الاستشراقيّون الجدد والاستعمار عن بُعد: رجالٌ وآلياتٌ

هشام صفي الدين(*)

"أنا مسرور جدّاً بوجودي هنا اليوم لكون الأمير تركي [الفيصل] والأكاديمية الدولية للسلام يتمتّعان بعلاقةٍ خاصةٍ منذ وجوده في واشنطن. إنه عضو في مجلس إدارتنا. وإنه لشرفٌ عظيمٌ أن أكون بينكم جميعًا اليوم. عليَّ أن أشدِّد منذ البداية على أنّني أتكلّم بصفتي رئيسًا للأكاديمية الدولية السلام، لا باسم الأمم المتحدة، حيث أعمل مبعوثًا خاصّاً للأمين العامّ من أجل تطبيق القرار 1559." (تيري رود لارسن، "لبنان صورة مصغّرة عن الصراع في المنطقة،" مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ، الرياض، 22/5/2007).
يحلو لـ "الليبيراليين" في العالم العربي اليوم نعتُ كلّ متحدّث عن تجدّد المشروع الاستعماري بالراديكالية أو الرجعية أو استخدام لغة بائدة. ولا نعلم إنْ كان هؤلاء يَدْرون أنّ العالم "اليبيرالي" الذي يدّعون الانتماءَ إليه يَزْخر ـ هو نفسُه ـ بإرثٍ ضخمٍ ومتنامٍ منذ انتهاء الحرب الباردة، يؤكّد تجدّدَ الفكر الاستشراقي والاستعماري وتطبيقَه عمليّاً... وإنْ بآليّاتٍ وأطرٍ مختلفة تتناسب وواقعَ العصر ومتطلّباته. ولكنْ، قبل الخوض في تجلّيات هذا الإرث في الإنتاج الثقافي أو في الممارسة العملية، يجب تعريفُ مفهوم "تجدُّد الاستشراق."

"تجدُّد الاستشراق"
بحسب إدوارد سعيد، يمكن التعرُّفُ إلى الخطاب الاستشراقي من خلال عنصرين أساسييْن متلازميْن فيه، هما المعرفة والقوة.1 وهذا التلازم يعني أنّ المعرفة تَحْمل دلالات القوة، والعكس. فالمعرفة ليست التعرّفَ على ماهية حضارةٍ أو ثقافةٍ ما وحسب، وإنما التسليمَ أيضًا بالقدرة على القيام بتلك المعرفة؛ والقوةُ هي الانتصار على الآخر لا بسبب التفوق العسكري أو الاقتصادي وحدهما، وإنما بسبب التفوّق المعرفي أساسًا. إنّ هذا المفهوم الاستشراقي المحدّد، والمرتكز على تلازم القوة والمعرفة، يعني أنّ الحديث عن تجدّد الخطاب الاستشراقي لا يشير إلى ولادة جديدة له، بل هو اعترافٌ باستمرارية هذا الخطاب وإنْ بأشكالٍ ونسبٍ تتفاوت وسطوةَ الحالة الاستعمارية المرافقة. وعليه، فإنّ تجدّد الخطاب يعني تزايدَ التلازم بين المعرفة والقوة فيه، ويصبح البحثُ عن هذا التجدّد في الفكر الغربي المعاصر بحثًا عن التجلّيات الجديدة لمعادلة القوة والمعرفة. ومن أبرز هذه التجلّيات:
أولاً: تزايدُ الارتباط بين دوائر الثقافة والأكاديميا والبحوث من جهة (عنصر المعرفة) ودوائر صناعة القرار من جهة ثانية (عنصر القوة)، بالتزامن مع فصلٍ ظاهريّ لهما. وينعكس هذا "التواطؤ" في تنامي الدور المزدوج لشخص المستشرق الجديد كسياسيٍّ (عنصر القوة) وخبيرٍ (عنصر المعرفة). وهو ما نراه في شخصياتٍ تاريخيةٍ عدة لعبتْ دورًا مفصليّاً في مراحل حسّاسة من الاستعمار كبلفور ولورنس العرب، وشخصياتٍ معاصرةٍ تلعب أدوارًا مشابهةً في يومنا هذا كتيري رود لارسن وپيتر غالبرايث كما سنبيِّن لاحقًًا.
ثانيًا: رواجُ النظريات التي تَرْسم صورةً جامدةً عن الشعوب الخاضعة للنُّظُم الاجتماعية التي تَحْكمها، بحيث تستحيل هذه النظمُ قوانينَ طبيعيةً لا تَخْضع لعوامل الزمان والمكان وحركةِ التاريخ.
ثالثًا: تصوير الفعل الاستعماري بوصفه ضرورةً أخلاقيةً ناتجةً عن احتكار المستعمِر للمعرفة والقوة في آن. وهذا ما يَبْرز في الحديث عن "عبء الرجل الأبيض،" الذي نجد شِبْهَ إعادةِ صياغةٍ له في مفهومَيْ "مسؤولية الحماية" و"الدستورية الجديدة" كما سنرى.
إذا دقّقْنا في النتاج الفكري الغربي على مدى العقديْن المنصرميْن، سنجد معالمَ واضحةً لهذه التجلّيات. وما يلي محاولةٌ لإبراز هذه المعالم في ثلاث نظريات ما زالت تلعب دورًا محوريّاً في مقاربة القوى الغربية الرئيسة لقضايا العالم الثالث، وخاصةً أفريقيا والشرق الأوسط، وهي: نظرية الحروب الجديدة، ومبدأ مسؤولية الحماية، ومفهوم الدستورية الجديدة.

تيري رود لارسن ونظرية الحروب الجديدة
"يا صاحب السموّ!"
هكذا يخاطب العالِمُ السلطانَ، قبل أن يمتدحَه ويعليَ من شأنه: "أنا مسرورٌ جدّاً بوجودي هنا اليوم... إنه لشرفٌ عظيمٌ أن أكونَ بينكم جميعًا اليوم."2
لكنّ الأدوار ليست موزّعةً كما تجري العادةُ حين يجتمع السلطانُ بالعالِم؛ ذلك لأنّ السلطان هنا (تركي الفيصل) من غير سلطة، في حين أنّ العالِم (تيري رود لارسن) يملك القولَ والفعلَ معًا. فرود لارسن الذي يجسِّد الدورَ المزدوجَ للمستشرق الجديد هو رودْ لارسن السياسي الدولي (ممثّل الأمم المتحدة)، والخبير، والمثقف (الأستاذ السابق للعلوم السياسية والفلسفة في جامعة أوسلو والرئيس الحاليّ لأكاديمية السلام العالمية النروجية). وامتلاكُه عنصرَي القوة والمعرفة يمكنّه من التنقّل بين الدورين من دون مساءلةٍ أو تقويضٍ لمصداقية خطابه. كما يَسْمح له بتأكيد الفصل بينهما: فيَجْزم في مستهلّ الخطاب بأنه يتكلّم بصفته العلمية،3 ثمّ لا ينفكّ يكشف لمن يخاطبهم عن سطوته السياسية عبر تذكيرهم بين الفينة والأخرى بدوره الفاعل في مجرى الأحداث المهمة، كالانسحاب الإسرائيلي أو السوري من لبنان أو الانتخابات النيابية اللبنانية في صيف 2005 أو حرب تموز 2006. ويكتمل تجسيدُ رود لارسن للخطاب الاستشراقي في "إطْلاع" أهل المنطقة (ومِنْ على أرضهم بالذات حيث يلقي محاضرتََه) على واقعهم. ولأنه "يعي" طبيعةَ شعوب الشرق الأوسط، فإنّه يؤكِّد أنّ الصراعات التي تَعصف بهذه الشعوب ليست نتيجةً لـ "صِدام الحضارات" بل نتيجة لـ "صِدام القيم" ضِمْن المجتمع الواحد. ويتحدث رود لارسن عن تحوّلٍ جذريّ في أولويّة هذه النزاعات، مشيرًا مرارًا (و"بموضوعية" العالم العارف) إلى صعود النفوذ الفارسي واحتمال اصطدام القومية الفارسية بالقومية العربية، مثبتًا انتهاءَ الحقبة التي تبوّأ فيها الصراعُ العربي ــ الإسرائيلي وحده قائمةَ ما يَحُول دون تحقيق سلامٍ دائم!
والحال أنّ رؤية رود لارسن إلى الصراع على أنه دائرٌ بين القيم والطوائف والإثنيات أو القوميات ليست رؤيةً عابرةً لسياسيٍّ وصوليٍّ، بل رؤيةٌ رائجةٌ في الدوائر الأكاديمية الغربية وتشكّل إحدى ركائز نظرية "الحروب الجديدة" التي ترى نزاعاتِ ما بعد الحرب الباردة مختلفةًً جوهريّاً عمّا سبقها. وبحسب ماري كالدور، أستاذةِ العلوم السياسية في "مدرسة لندن للاقتصاد" وأبرزِ المنادين بهذه النظرية،4 فإنّ هذه الحروب تتميّز من سابقاتها بما يلي:
- الأهداف. فهي حروب تتعلّق بالصراع حول الهوية (الدينية/القومية/الإثنية) لا الإيديولوجيا أو المصالح الجيوسياسية كالتي دارت حولها الحروبُ القديمةُ.
- أساليب القتال. فبينما قامت استراتيجيةُ القتال التي اعتمدتْها القوى غيرُ النظامية سابقًا (وكان من أبرز مؤسّسيها ماو وغيفارا) على التضامن مع المدنيين واستمالتِهم، تقوم فلسفةُ الحركات الثورية والميليشيات غير المنظّمة الحالية، بحسب كالدور، على مبدإ زرع الاضطراب والرعب بين المواطنين بهدف السيطرة عليهم والتخلّص ممن لا ينتمون إلى هوية المقاتلين.
- التمويل. تشدّد كالدور على لامركزية شبكات تمويل النزاعات "الجديدة" بما يتناسب مع عولمة النظام المالي الدولي. وعليه، تعتمد القوى الثوريةُ على نهب الموارد الطبيعية، واحتجازِ الرهائن مقابلَ المال، وتجارةِ الممنوع، بحيث يَصْعب التمييزُ بين العمل الحربي والعمل الإجرامي المافيوي.5
والحقّ أنّ هذا التوصيف، بغضّ النظر عن صحّته، ذو دلالةٍ عميقةٍ على فرضياته العنصرية والاستشراقية وعلى ما يُمْليه من أساليب لحلّ هذه النزاعات. فإذا ما سلّمنا بأنّ هذه الحروب هي بين هويّاتٍ ثابتة، أصبحتْ هذه النزاعاتُ بلا نهايةٍ متوقّعة؛ وهو ما تقوله كالدور فعلاً. ولمّا كانت النزاعاتُ تدور داخل المجتمع الواحد، وضمن الدولة الواحدة و"الفاشلة،" وفي ظلّ طلاقٍ بل وتضادٍّ بين المقاتلين والمدنيين، فقد أصبح التدخلُ الخارجي أمرًا منطقيّاً وضروريّاً لحماية شعوب هذه الدول من أنفسها. وبعد أن كانت مهمّةُ المستعمِر تحضيريةً، فها هو يعلن (وبالكثير من "الأسى" طبعًا) فشلَ مشروعه لوجود اختلافٍ "جوهريّ" بينه وبين مَن يستعمره. وهكذا يصبح مشروعُه الحضاري أقلَّ طموحًا وأكثرَ "واقعيةً": فيقتصر على منع السكان الأصليين من إبادة بعضهم بعضًا، وذلك عبر فرض القانون والاستقرار، ومن ثم إعادة بناء الدولة... ولكنْ بحسب "طبيعة" هذه المجتمعات، أيْ ضمن إطارٍ يتناسب والتركيبةَ الدينيةَ والإثنيةَ (إلخ)، وإنْ تناقَضَ ذلك مع المفهوم المعاصر للدولة الحديثة، أيْ دولةِ المواطنة. وسنجد أنّ هاتين المهمتين (وأعني الذودَ عن السكّان المدنيين من إرهاب قواهم الميليشياوية وتقاعُسِ دولتهم الفاشلة، وإعادةَ بناء مجتمعاتهم بما يتناسب وهويّاتِ أهلها الإثنيةَ والدينيةَ) تشكّلان النواةً الفكريةَ لأبرز الآليّات الجديدة المستخدَمة في حلّ هذه النزاعات وممارسة الوصاية المستمرة على الشعوب المتنازعة ولكنْ بشكلٍ غيرِ مباشر، أيْْ عن بُعْدٍ.6 ومن أبرز هذه الآليات تلك المنبثقة عن مفهومين رائجين في مجال الدراسات السياسية وهما مفهوم "مسؤولية الحماية" ونظرية "الدستورية الجديدة".

مايكل إغناتياف ومفهوم "مسؤولية الحماية"
يقف نائبُ رئيس الحزب الليبيرالي الكندي المعارض مايكل إغناتياف داخل قاعة البرلمان في العاصمة الكندية أوتاوا، موبِّخًا الحزبَ المحافظَ الحاكمَ على أدائه في أفغانستان. التهمة: انتهاك القوات المسلّحة الكندية في قانداهار للقانون الدولي في ما يتعلّق بشروط نقل سجناء الحرب إلى جهاتٍ تمارس التعذيبَ. الأرجح أنّ استشهاد إغناتياف بالقانون الدولي ليس عرضيّاً، وإنْ كان انتقائيّاً ولأغراضٍ سياسية. فإغناتياف من أبرز مجدِّدي هذا القانون في العقدين المنصرمين. والرجل المنتمي إلى أسرةٍ سياسيةٍ عريقة (جدُّه الكونت إغناتياف كان من مستشاري البلاط القيصري في روسيا وفرّ منها عقب اندلاع الثورة البولشفية) يجسِّد، كرود لارسن، الحالةَ المثاليةَ للمستشرق الجديد: فهو المؤرِّخ والأستاذ الجامعي (أكسفورد وهارفرد وتورونتو)، وهو الصحافي وهو الروائي، وهو السياسي والدبلوماسي المؤثِّر في صناعة القوانين الدولية. وإغناتياف من أبرز الداعين إلى نظامٍ عالمي جديد يعكس "الحقائقَ" الجديدة للصراعات الحالية، وهو أحدُ عرّابي الترجمة العملية لذلك عبر إقرار مفهوم "مسؤولية الحماية" الذي أضحى جزءًا من القانون الدولي من خلال تبنّي الأمم المتحدة له عامَ 2001. على أنّ هذا المفهوم يَقْلب مبدأَ "سيادة الدولة" رأسًا على عقب: إذ بعد أن شكّل مبدأُ "عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول" إحدى ركائز القانون الدولي، يأتي قانونُ "مسؤولية الحماية" ليشرعن التدخلَ الخارجي بحجة أنّ الدولة المعنية لا تمارس هذه السيادةَ كما يجب! فتقرير الهيئة الدولية التي وضعتِ الوثيقةَ التي أَسّستْ لمبدإ "مسؤولية الحماية"7 (وإغناتياف أحدُ أعضائها) يُعرِّف السيادةَ بأنّها مجموعةُ مسؤوليات، ويؤكّد أنّ مسؤولية الدولة الأهمَّ هي حمايةُ شعبها؛ فإذا لم تضع الدولةُ حدّاً لانتهاكات جسيمة تُرتكب في حقّ شعوبها، عمدًا أو عجزًا، بَطَل مفعولُ "عدم التدخّل" ليحلَّ مكانَه مبدأُ "مسؤولية الحماية." والحال أنّ تدخّل القوى الكبرى في صراعات محلّية تحت غطاءٍ دوليّ ليس بجديد، لكنّ اللافت هو الدلالات الأخلاقية للّغة التي تبرِّره: فـ "حقّ" التدخّل عبر قرارٍ يَصدر عن مجلس الأمن أصبح "مسؤولية." باختصار، لقد تحوّل "عبءُ الرجل الأبيض" إلى "واجب المجتمع الدولي."
ويَجهد واضعو أسس مبدإ "مسؤولية الحماية" في نفي تعارضه مع سيادة الدولة، فيؤكّدون أنّ الهدف حمايةُ شعبٍ لا هزيمةُ دولة. ويضعون شروطًا عديدةً لحصر استخدام المبدإ في حالات قصوى قد تبدو (أي الشروط) متماشيةً مع مبدإ حقّ تقرير المصير. لكنّ شرحهم لما يترتّب على هذه المسؤولية يلغي أيَّ محاولة لدحض ذلك التعارض، بل يؤكِّد سهولةَ تجييره لبسط الوصاية على الشعوب المعنية. فهم يشرحون أنّ مبدأ الحماية يستلزم ممارسةَ ثلاثة أنماط من الموجبات: 1) واجب منع حدوث الانتهاكات التي تهدِّد حياةَ السكّان المدنيين. 2) واجب التدخّل عند وقوع الانتهاكات، وتتعدَّد سبلُ هذا التدخل لتشملَ فرضَ العقوبات والمحاكمات الدولية، بل الأعمال العسكرية أيضًا. 3) واجب إعادة البناء، وذلك يتطلّب (خاصةً عقب تدخّلٍ عسكري) منحَ المساعدة الكافية لتحقيق المصالحة وإعادة الإعمار.
وهكذا استحالت الصراعاتُ الداخلية "همّاً" يؤرِّق المجتمعَ الدولي، واستحال التدخّلُ "واجبًا،" والواجبُ "مسؤوليةً" تتخطّى وقفَ الظلم والقتل لتغدوَ مشروعًا متكاملاً لبناء هذه المجتمعات وإعادة هيكلة نظامها السياسي والاقتصادي من أجل منع تكرار تلك الصراعات. ويترافق ذلك كلُّه مع الابتعاد عن إدارة هذه العملية بشكلٍ مباشرٍ وظاهرٍ (كما كان وضعُ الحركة الكولونيالية التي انحسرتْ في منتصف القرن الماضي). وتتطلّب هذه المقاربةُ للصراع وفرض وصاية ذات معالم محددة إنتاجَ آليّاتٍ محدَّدةٍ تناسبها، وهو ما يُمْكن استشفافُه في إحدى أبرز النظريات الراهنة لفكّ النزاعات الأهلية، ألا وهي نظريةُ "الدستورية الجديدة" التي لعب دعاتُها دورًا محوريّاً في صياغة دساتير تيمور الشرقية سابقًا وأفغانستان والعراق تحت الاحتلال الراهن.

پيتر غالبرايث والدستوريون الجدد
الزمان: خريف 2005. العراق على أبواب الاستفتاء للمصادقة على دستوره الجديد.
المكان: واشنطن، معهد الولايات المتحدة للسلام.
يرحِّب مديرُ المعهد لشؤون السلام والاستقرار دانيال سيروير بالحضور خلال ندوة عن الاستفتاء، ويُطْلعهم على البرنامج، قائلاً: "سنستضيف الخميسَ القادم پيتر غالبرايث، الذي من الإنصاف القولُ إنّه فاوَضَ باسم الأكراد. بتُّ أنادي پيتر بالكرديّ المولودِ من جديد." يقاطعه أحدُ المشاركين: "إنّه كرديٌّ فخريٌّ." فيوافق سيروير: "إنّه مواطنٌ كرديٌّ فخريٌّ."
ارتبط اسمُ الدبلوماسي والأكاديمي الأميركي پيتر غالبرايث بأكراد العراق سنواتٍ عدةً ساهم خلالها في تثبيت الحكم الذاتي للأكراد في شمال العراق قبل الغزو الأميركي عامَ 2003 وبعده. إلا أنّ دور غالبرايث في مسار النزاعات التي شَكّلت الحقلَ الاختباريَّ لنظرية "الأحقاد الإثنية والحروب الجديدة" يتعدّى المسألةَ الكردية ليَشْمل نزاعاتٍ كثيرةً ذاتَ طابع إثني ـ ديني: فهو أحدُ عرّابي اتفاق إردوت عام 1995 لإنهاء حرب البلقان؛ وهو أوّلُ سفيرٍ للولايات المتحدة في كرواتيا؛ وكان عضوًا في الحكومة المؤقّتة لتيمورالشرقية تحت إشراف الأمم المتحدة بين عامَيْ 2001 و2003؛ قبل أن يعود إلى الاهتمام بالملفّ الكردي قبيْل غزو العراق وخلال صياغة دستوره الجديد. والواقع أنّ النظر في السُّبل التي اعتُمدتْ لحلّ نزاعات هذه الأقاليم سيبيّن طغيانَ فكرة اللجوء إلى "صناعة الدستور" وسيلةً لفكّ النزاع وإعادة رسم الخارطة السياسية لهذه المناطق ـ وهذا ما تنادي به نظريةُ "الدستورية الجديدة" التي تبلورتْ ولاقت رواجًا عقب اندلاع حروب البلقان والحروب الأهلية في غرب أفريقيا في التسعينيات. فالدستوريّون الجدد يروْن في صناعة الدستور وسيلةً لحلّ النزاعات وإحداث تغيير في البنية السياسية والاجتماعية، بدل أن يكون الدستورُ انعكاسًا لهذه المتغيِّرات كما هو الحال في ولادة دساتير فرنسا والولايات المتحدة مثلاَ. وتقوم فلسفة "الدستورية الجديدة" على احترام ثلاث قواعد لصياغة الدستور، وهي: 1) الملْكيّة المحلّية لعملية صياغة الدستور، أيْ أن تكون للسكّان المحلّيين مشاركةٌ كثيفةٌ في إبداء رأيهم عبر عقد طاولات الحوار والاستماع إلى أكبر شريحة ممكنة من مختلف المناطق والتوجّهات السياسية. 2) أخذ الوقت الكافي لصياغة مسوّدة هذا الدستور وعدم ممارسة الضغوط على القوى المحلّية لتسريع العملية. 3) إشراك خبراء دستوريين (أيْ دستوريين جدد) في وضع الخطوط العريضة لعملية الصياغة.
قد تبدو هذه الشروط متماشيةً مع مبدإ حقّ تقرير المصير. غير أنّ ذلك يَفترض النِّدِّيةَ بين الدول الراعية لهذه العملية والدول المعنية، وهو ما يتناقض مع فرضيّة أنّ الأخيرة دولٌ فاشلةٌ مفكّكة. إضافةً إلى ذلك، سنجد أنّ الكثير من الكتابات التي تتناول مبادئَ صناعة الدستور وسيلةً لإنهاء الصراعات الأهلية تتعامل مع العامل الإثني ـ الديني بوصفه إحدى الوحدات الرئيسة والثابتة لبناء النظام الجديد؛ أيْ تفترض أنّ أحد مصادر النزاع هو الاختلاف بين الهويات (نظرية "الأحقاد الإثنية" المذكورة أعلاه)، وأنّه عبر تكريس حقوق الإثنيات والطوائف في الدستور يتمّ تفادي اندلاع الصراع من جديد. والمفارقة أنّ هذه المقاربة للهوية الإثنودينية تؤدّي إلى نتيجة عكسية، أيْ إلى تعميق الإنتماء الإثني ـ الديني. فهي تفترض (كنظرية الحروب الجديدة) أنّ هذه الهوية ثابتةٌ لا تتغيّر مع الوقت، ولا تتأثّر بعوامل تاريخية ومادية إلخ (كحقيقة أنّ الشعور بالإنتماء الإثني ـ الديني يزداد خلال فترات الفوضى وانهيار لحمة المجتمع). وعليه، فإنّ تطبيق هذه النظرية يحوِّل حالةً مرحليةً من الانتماء الإثني ـ الديني إلى واقعٍ دائمٍ يعاد توليدُه عبر تكريسه دستوريّاً. وافتراضُ أنّ هذه الهويّات تعكس "طبيعة" هذه المجتمعات لم يُثْنِ المنادين بالدستورية الجديدة عن ضرورة إقناع الشعوب المتصارعة بأنّ صناعةَ الدستور ضمن الإطار الإثني ـ الديني انعكاسٌ لإرادة هذه الشعوب (ولو أنها فعلاً كذلك لما كانت هناك حاجةٌ إلى كلّ هذا الجهد لشرعنة هذه العملية!). وقد كانت "الدستورية الجديدة" من أكثر المدارس الفكرية تأثيرًا في تفاصيل عملية كتابة دستورَي العراق وأفغانستان الأخيرين وتبنّيهما.8 و لعلّها إحدى أكثر النظريات التي تعكس أخلاقيات المستعمِر الجديد الذي يَجْهد للابتعاد "شخصيّاً" عن عملية الاستعمار، ولكنْ من دون التخلّي عن الهيمنة والسيطرة الضروريتين لخدمة مصالحه.

خلاصة: تجدّد الفكر المناهض للخطاب الاستشراقي
بعد أن يكيل تيري رود لارسن، في ختام خطابه في الرياض، المديحَ لحكمة السياسات السعودية في المنطقة، يَستشهد بشعر جبران خليل جبران وحديث الأخير عن "الثعابين أولاد الثعابين" الذين ساهموا في تسميم حياة شعوب الأرض المقدَّسة. السؤال طبعًا: مَنْ هو الثعبان، ومَنْ هو الضحية؟ لكنّ الجواب يجب ألاّ يقتصر على الإشارة إلى الأول وإدانته، بل التعرُّف إلى تركيبة السمّ القاتل الذي يبثّه وإلى علاقته بالثعابين المرافقة له. وليس تحليلُ المفاهيم الجديدة للاستعمار سوى الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. وإذا راجعنا المفهومَ الاستشراقي الذي حدّدناه في البداية، وهو يشير إلى "عمرانٍ" فكريّ متشعّبٍ ومتشابكٍ يتّخذ أشكالاً مختلفةً باختلاف الحقبة الزمنية وطبيعة العلاقة المبتغاة بين القوة المهيمنة والمهيمَن عليها، فإنّنا سنجد أنّ ما تقدّم عرضُه من نظرياتٍ رائجةٍ في الأوساط الفكرية الغربية يشير إلى اعتماد هذه النظريات على فرضياتٍ ومفاهيمَ تمتلك الخصائصَ الدائمةَ لهذا الخطاب الاستشراقي الذي يشكِّل الإطارَ المعرفي التي يستخدمها المستعمِرُ لإعادة توليد الاستعمار لذاته ضمن آليّاتٍ وأطرٍ جديدة. وإنْ كان عرضُ هذه النظريات يَدحض الزعمَ المتكرّر عن أفول الفعل الاستعماري، فإنّه كذلك يتطلّب مراجعةً جديّةً ونقديةً للخطاب المناهض للاستعمار، بحيث يتناسب مع الأطر والآليّات الجديدة لتثبيت الاستعمار واستمراريّته كي لا يصبح هذا الخطابُ خطابًا تعبويّاً مسطّحًا ومكرَّرًا، ولكي لا تصبح الممانعةُ عقيدةً تفتقر إلى الفعل وتقتصر على ردّ الفعل.
إنّ تجدّد الفكر الاستشراقي لا يجابَهُ إلاّ بتجدّد الفكر المناهض له والتفوُّقِ عليه. لقد أدرك إدوارد سعيد ذلك جيّدًا، وكان أهلاً للتحدّي في زمنه. فهل يأتي مَنْ يكمل المهمةَ في زمننا الحاضر؟

كندا
(*) باحث وصحفي لبناني كندي.

  1. 1. راجع توصيف إدوارد سعيد لخطاب بلفور في كتابه الاستشراق، الصادر بالإنكليزية عن دار فينتدج بوكس طبعة العام 1994، ص 32
  2. 2. يمكن الاطّلاعُ على النصّ الكامل لخطاب رود لارسن، وعلاقتِه بأهل السلطة في السعودية والخليج، عبر زيارة الموقع الإلكتروني للأكاديمية العالمية للسلام: http://www.ipacademy.org
  3. 3. "عليّ أن أشدِّد منذ البداية على أنّني أتكلّم بصفتي رئيسًا للأكاديمية الدولية السلام، لا باسم الأمم المتحدة حيث أعمل مبعوثًا خاصّاً للأمين العامّ لتطبيق القرار 1559."
  4. 4. راجع كتابها: الحروب الجديدة والحروب القديمة، الصادر عن پوليتي برس عامَيْ 1998 و2006
  5. 5. للاطّلاع على أبرز الدراسات التي تشدّد على الطابع المافيوي للميليشيات غير الحكومية، راجعْ كتابات پول كولييه، المسؤولِ السابقِ في البنك الدولي ومستشارِ طوني بليرللشؤون الإفريقية وأستاذِ الاقتصاد في جامعة أكسفورد.
  6. 6. إلاّ في الحالات القصوى حيث الإشراف المباشر ضروري، كحماية المنابع النفطية مثلاً
  7. 7. يمكن الاطّّلاعُ على هذه الوثيقة من خلال بحثٍ بسيطٍ على موقع غوغل الإلكتروني لمفهوم Responsibility to Protect
  8. 8. يحوي الموقعُ الإلكتروني لمركز الولايات المتحدة للسلام (http://www.usip.org) الكثيرَ من الوثائق التي تتناول نظريةَ "الدستورية الجديدة" وتَكْشف عن الدور الذي لعبته أفكارُ المنادين بها في عملية صياغة الدستور العراقي.

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 7-9 / 2008