العجزُ عن الرِّثاء

عايدة مطرجي إدريس

ما أقربَ الأمسَ من اليوم! لكأنّ نصفَ قرنٍ من الزمن ويزيد يمّحي لتبقى صورةُ ذلك الشابّ اللطيف ذي العينين العسليّتين الجميلتين تشعّان بريقًا يَنْفذ إلى القلب فيملأه حبّاً وابتسامةً عذبةً تُدْخل الطمأنينةَ والأملَ في المستقبل... ولتبقى صورةُ فتاةٍ في الثامنة عشرة من عمرها: ناصعةِ البياض كثلج المدينة التي نَزحتْ منها ذاتَ يوم، وعيناها شديدتا السواد، يملأُهما الخوفُ والحزنُ، وشعرُها كستنائيٌّ منكوش، طويلٌ، مجعّدٌ بعضَ الشيء، تضمّ إلى صدرها كتابًا، وتقف جامدةً أمامه... كما تقف اليومَ أمام برودةٍ ثلجيّةٍ عَمَّتِ الجسدَ الذي كان يضجّ بالحياة.

أنزل المقالة

تعود تلك الصورُ إلى 17 آب 1954. يومَها، توقّفَ الزمنُ لحظةً، فقرّر أمرًا وتََرَك للأيّام أن تُنْضجه. ما الذي قادني إلى هذه المغامرة؟ سألني والدي: "لماذا اخترتِ هذا اليومَ بالذات للنزول إلى العاصمة؟ الحرُّ لا يطاق!" وكان كلُّ ما أجبتُه به، أنا الفتاة المطيعة التي لم تتمرّدْ يومًا، ولم تخالفْ رأيًا عائليًّا، أنّني جمعتُ أوراقي وتوجّهتُ إلى بيروت.
في السيّارة، التقيتُ كاتبًا كبيرًا، صديقًا لأُسْرتي، نَصَحني بعد حديثٍ طويل بأنْ لا يكون تخصّصي في الأدب العربي: فـ "هذا الأدب ينبغي نسفُه مادّةً وشكلاً وحرفًا." وأضاف أنّ البحرَ والجبلَ هما مادتا تراثنا، لا الصحراء؛ ذلك لأنّنا في لبنان أمّةٌ مميّزةٌ، عريقةٌ، تختلف عن "البداوة." كنتُ أستمع إليه، لكنّني كنتُ أحبّ هذا الأدبَ "الصحراوي،" وكنتُ متيقِّنةً من أنّه أدبٌ عريقٌ استطاع في لحظات التفتّح أن يَنقل رسالةً هي من أعظم الرسالات الإنسانية. وكنتُ أشعر بذاتي تَخْرج من حدودها الإقليمية اللبنانية الضيّقة لتتلاقى مع مفهومٍ للعروبة منفتحٍ (بحدود ثقافتي في تلك السنّ).
ترجّلتُ من السيّارة، وتوجّهتُ إلى مكتبة. هناك، وقع نظري على مجلّةٍ سبق لزميلةٍ لي أن حدّثتني عنها. سألتُ الموظّف أين تقع مكاتبُها. هناكَ في أوّل هذا الشارع، أجاب.
وقفتُ أمام الباب. كانت وجوهٌ ثلاثةٌ تنظر إليَّ. خفتُ، ارتبكتُ، أحسستُ بالدم يغلي في وجنتيَّ. سألتُ عن رئيس التحرير. تمنّيتُ أن يكون ذلك الشابَّ، اللطيفَ. قام أحدُهم وقال: "أنا هو،" وتقدّمني إلى غرفةٍ أخرى وهو يبتسم (أين هذه الابتسامةُ من جفافِ الشفتيْن اليوم!).
كان جالسًا خلف مكتبه (كم من الأيّام سيقضيها خلف مكتبه!). كلّمني مرحِّبًا. لم أردّ. سألني إنْ كانت لديّ مادّةٌ أريد نشرَها. هززتُ رأسي بالنفي. علا الاحمرارُ وجهي. راودتْني فكرةُ الهروب. الآن أعي خطورةَ ما أقدمتُ عليه. رفعتُ رأسي إليه. فاجأتُه يحدِّق إليَّ. وإذِ التقتْ نظراتُنا الدَهِشةُ والمستفهِمة، أخذ يهزّ رأسَه ويبتسم. قال لي: "هل أخافَكِ رئيسُ التحرير؟" وقام وجلس على مقعدٍ قبالتي. "هل ستظلّين واقفةً؟ هيّا سأساعدك على الكلام." وراح يَطْرح عليّ أسئلةً ـ مفاتيحَ كنتُ أجيبُ على بعضها، فيما ألاحظ أنّ البعضَ الآخرَ لا يخصّه. كان يفاجَأُ بفجاجتي. وحين أجبتُه أنّني من مدينة زحلة، عَلَّقَ مازحًا: "أنتِ إذنْ تسكنين مدينةَ فلان!" لم أدعْه يكمل. قفزتُ من مقعدي، ثم هبطتُ كطفلٍ مرح. أخذتُ أحدّثه بسرعةٍ وحماس، كتلميذٍ حَفِظَ درسَه ولكنّه نسي أوّلَ كلمةٍ منه. تركني أتكلّم، وأتكلّم. لم يقاطعْني. خاف أن يعاودني البكْمُ. حدّثتُه عن يومي هذا، عن ألمي لاحتقار العالم لنا، عن عدم إيماننا بأنفسنا، عن... عن... كان مُطْرِقًا. لاحظتُ أنّه يأخذ كلامي مأخذَ الجِدّ. سألتُه ماذا ينبغي أن نَفعل؟ "علينا أن نناضل،" قال، "فقضيّتُنا شاقةٌ، وطريقُنا طويلٌ، وأعداؤنا كُُثُرٌ في الداخل والخارج، لكنّنا سنصل." وأضاف أنّه لأجل ذلك يُصْدر مجلّتَه.
قام وقَدّم لي نسخةً. أكّد أنّ باستطاعتي الاحتفاظَ بها. طَلَبَ عنواني ليُرْْسلها إليّ. قلتُ، وقد انتصبتْ أمامي قافلةُ الأسئلة التي لا بدّ من أن تواجِهَني ما إنْ تصلُ المجلّةُ إلى بيتنا: "لا داعي! سأنتقلُ إلى العاصمة أولَ العام الدراسي." سألني باهتمامٍ عن المادّة التي أنوي التخصُّصَ فيها. قلت إنّني سأقرّر اليومَ، إمّا الأدب الفرنسي وإمّا الفلسفة وإمّا الأدب العربي. قال: "الفلسفة تناسبُكِ أكثر." "وما أدراكَ أنتَ؟ سألتحقُ إذنْ بالمعهد الفلاني." قال: "عظيم." سألتُ: "وما العَظَمةُ في ذلك؟" ضَحِكَ وقال إنّ المعهد قريبٌ من هنا!
قمتُ لأذهب. مهلاً. سأقدِّم لك روايتي. أَمسك بقلمه، والروايةُ أمامه، وانتظر أن أَذْكر له اسمي. تابعتُ طريقي من دون أن أودِّعه. ناداني. آخذُها بلا إهداء. قال بغضب: "يُمْكنك شراؤها من السوق، إذن!" ثم تراجَعَ وأردف بلين: "هيّا، تشجّعي!" اقتربتُ من مكتبه. ماذا تريد أن تكتب؟ "هذا أمرٌ يتعلَّق بي." وإذ رأى امتقاعَ وجهي قال: "إهداء إلى الآنسة، أليس لك اسم؟" وكتب اسمي على نسخةٍ من أول طبعة من الحيّ اللاتيني.
سألني قبل أن أنصرف إنْ كنتُ أريد المساهمةَ في المجلّة، وأعطاني قصّةً للترجمة. حملتُ المجلّةَ وكتابي والقصّةَ ومشيتُ. وإذ بلغتُ البابَ سألني متى أعود؟ وحين وصلتُ إلى آخر الشارع التفتُّ إلى الوراء. رأيتُه هناك، على الرصيف. أشار بيده مودِّعًا.
عدتُ بعد شهر. حين رآني شَعَّ فرحٌ حقيقيٌّ في عينيه. بادرني على الفور: "لقد تأخّرتِ." قلتُ إنَه لم يكن لديّ سببٌ للمجيء. احتدّت لهجتُه: "لماذا جئتِ اليومَ إذن؟" قلتُ إنّه آخرُ يومٍ للتسجيل. "ولماذا تتركين البتَّ في أمورٍ كهذه إلى آخر يوم؟" كنتُ أفكّرُ، أجبتُ. سألني ساخرًا: "وهل كلُّ قراراتكِ تتطلّب مثلَ هذه الرويّة والتفكير؟" لم أعلّقْ. قدّمتُ إليه أوراقَ الترجمة.
قَلَّبها. قال: "أوّلاً: الخطُّ رديء جدًّا. ثانيًا: لا تكتبي على قفا الورقة؛ فليس هنا مجال الاقتصاد. ثالثًا (وقالها بغضب): إنّك تخطئين في النحو." قارَنَ بين النّصّ والترجمة، ثم أضاف: "إنّك تفهمين النصّ" (أهذا لتلطيف الجوّ؟). أَبعدَ الأوراقَ: "سأنظرُ فيها فيما بعد." قلتُ إنّني سأحاول أن أتقيّد بالملاحظتيْن الأولى والثانية، وأمّا الملاحظة الثالثة فليست خطرةً إلى هذا الحدّ. قاطعني: "بل أخطرُ ممّا تتصوّرين. إنّها قضيّةٌ لا يمكن التساهلُ فيها على الإطلاق. إنّ قواعد اللغة هي دعائمُها؛ فإذا كانت الدعائمُ هشّةً انهار البناءُ بأكمله." قلتُ إنّ اللغويّ ليس بالضرورة أديبًا. أجاب: "ولكنْ لا يمكن أن يكون الأديبُ أديبًا إذا لم يتصالحْ مع اللغوي!"
فوجئتُ ذاتَ مساء، وكانت دراستي ليليّةً، بالمديرة تستدعيني، لتسلّمني رسالةً. قالت: "انتبهي يا صغيرتي. أنتِ بريئةٌ وساذجة." أكّدتُ لها، وأنا أرتجفُ خوفًا وخجلاً، أنّني لا أعرف أحدًا هنا. قالت: "أنا أعرفه. إنّه مؤلّف الحيّ اللاتيني."
أخذتُ الرسالة. وجدتُ فيها سطرًا واحدًا: "لماذا لم تأتِ؟ إنّني أنتظركِ."
يا إلهي أين أُخفيها؟
وقرّرتُ ألاّ أعود. ولكنّني، وأنا أغادر كُلّيّتي، رأيتُه. ناداني: "مصادفةٌ جميلة!" وابتسم.
ـ يا ربّي، ماذا تريد منّي؟ كدتُ أموتُ أمام المديرة.
ـ لا شيء.. لا شيء. أيُمْكننا أن نتحدّث؟
ـ لا شيء؟ الوقتُ متأخّر، وعليَّ أن أعود. دقيقةُ تأخيرٍ واحدةٌ وتقومُ قيامةُ أهلي.
ـ أين تسكنين؟
رافَقَني. لم يحدّثْني عن نفسه. لم يسألْني عن أمري شيئًا. كان يتكلّم عن مجلّته، عن الحملةِ المركَّزةِ التي تستهدفها، عن المضايقات التي تَلْحق به شخصيّاً. لكنّه قال إنّه لن يتراجع، وسوف يقف، ولو ظلّ وحيدًا.

كنّا نلتقي عن طريق "المصادفة" دائمًا. كان يحدّثني عن مشاريعه، عن أعدادٍ خاصّةٍ سوف يُصْدرها، عن كتابٍ يترجمه، عن مقالٍ نَشَره. هذا هو عالـمُه: عالمٌ منسجمٌ، لا ازدواجيّةَ فيه، وإنْ كان عالمًا مشحونًا، قلقًا. الرّقابة تَضْغط في كلّ مكان. الحرّيّة تختنق. سألتُه بشرودٍ عمّا سيفعل. "ماذا سأفعل؟! سأردّ، سأحرِّض!" وأَخرج من جيبه مقالاً بعنوان: "هذا الإرهابُ الفكري." وتابَعَ: "... إذا لم تَنشر الآداب مادّةً وطنيّةً، تقدّميةً، فعلام تَصْدر؟" كنتُ أستمع إليه مصعوقةً. هذا الشابُّ الرقيقُ، الدِّمِثُ، من أين جاءه العنفُ والصرامة؟ أيّةُ طبيعةٍ هي طبيعتُه الحقيقية؟ ثم ما شأني بعالمه هذا؟ هو ينتمي إلى عالم الكبار، وأنا ما أزال صغيرةً! وتعجّبتُ كيف يضيّع وقتَه معي، وكيف تعلَّقَ بي.
هذا المساء، تأخّرتِ الدراسة. خرجتُ. لكنّ أمطارًا غزيرةً هطلتْ فجأةً، وهبّت عاصفةٌ من الرّيح الثلجيّة أعجزتْني عن المضيّ. كان الماءُ عند تقاطع الأرصفة يَدْخل قدميَّ، وكان شعري الطويلُ يسيل مع المياه. حاولتُ الاحتماءَ في أيّ مكان. لا سطوح. سأنتظر عند مدخل بنايته، إذنْ. ما كدتُ أصل حتى سمعتُ وقعَ خطواتٍ خلفي. تملّكني ذعرٌ حقيقيّ: الدنيا ليل، وأنا غريبةٌ في هذه المدينة، وخائفة، والبردُ يَنْفذ إلى عظامي. اقتحمتْ مخيّلتي الصورُ المليئةُ بأشباح الرعب والجريمة واغتصابِ الفتيات (لِمَ حذّرتموني إلى حدٍّ بتُّ أخاف معه أيَّ شابٍ ألقاه؟). تقدّم وجهٌ منّي. أنتِ؟ ووضع َيده على شعري. أنتِ مبتلّةٌ حتى الجلْد. تعاليْ. أَمسكَ يدي. رفضتُ. إنّه وحده، والدنيا ليل. ستَمْرضين. ليس هذا مهمًّا. تركني ووقف على الرصيف بانتظار سيّارة. لا فائدة. كان المطرُ ما يزال يتدفّق كالشلاّلات. ناديتُه: ستَمْرض أنتَ. ما العمل؟ تعاليْ. تَقَدَّمني إلى المصعد. لم ألحقْ به. أنتِ خائفة؟ كان صوتُه حنونًا، وصادقًا. أخاف المصعدَ، كلّما اهتزّ توقّفَ قلبي.

وفي مكتبه، قَرَّب المدفأةَ الكهربائيّةَ إليّ. كانت الأبخرةُ تتصاعد وتلفّني بجوٍّ ضبابيّ. المدفأةُ كانت كلَّ عالمي في تلك اللحظات. وقف أمام النافذة يراقب المطر. أخذ يدندن بأغنية. كان صوتُه جميلاً، ساحرًا. ثم بدأ يَذْرع الغرفةَ رواحًا ومجيئًا. لاح لي بطلُه الباريسيُّ، فعاودني الخوفُ. قال، وقد أزال الشكَّ من نفسي: "يبدو أنّ المطرَ لن يتوقّف. يجب أن نتدبّر أمرَنا."
خرجتُ قبل أن يطفئ النورَ. ناداني ضاحكًا. خذي هذه المظلّة. انتظري، من الأفضل أن أوصلَكِ. سرنا على الطريق معًا، تحت مظلّةٍ واحدة. ثم خَلَعَ معطفَه ووضعه على كتفي. ستَبْرد أنتَ. قال إنّني مدهشة، طفلةٌ مدهشة.

مضينا معًا، يراودني شعورٌ بأنّني سأمشي طويلاً إلى جانبه. وكان عُمْرٌ، استمرّ أكثرَ من نصفِ قرن، تخلّله الكثيرُ من الحبِّ والفرحِ والأولادِ... والكثيرُ من الانتصاراتِ والهزائمِ والحروب.

* * *

سأحدّثُكَ، وأذكِّركَ، فيما بعد، بأيّامِنا الحلوةِ التي عرفناها قبل أن نقرِّر حياتَنا المشتركة. عن حُبِّكَ للنكتة. عن سرعةِ بديهتكَ. عن جلساتِكَ الممتعة. عن حياتِكَ التي ملأتْ حياتي سعادةً وأمنًا. إلى أنْ كان خريفُ العام 2006 وبدأنا بغسيل كليَتَيْكَ.
كان هذا قرارًا مؤلمًا بالنسبة إليه. لكنّه قرارٌ لا مفرّ منه إذا أراد أن يستمرّ في الحياة. في المراحل الأولى ظلّ يتابع نشاطَه بوتيرةٍ أخذتْ تتضاءل شيئًا فشيئًا. كان سماح يستشيره، ويقرأ له افتتاحيات الآداب التي يَكْتبها. كان فَرِحًا به. يقول لي: "سماح أصلبُ منّي، وأكثرُ تمسّكًا بالمبادئ. لقد تحقّق حلمي، والآدابُ ستستمرّ." كان القارئَ الأوَّل للمجلّة الشابّة، للحلمِ القديمِ والمتجدّد. ولكنْ، في نهاية العام الماضي، بدأ الجسمُ يضعف، والمقاومةُ العنيدةُ تنهزم شيئًا فشيئًا. إلاّ أنّ ما يثير الدهشةَ أنّه كان، كلّما جاءه سماح، ينتفض، يَسْترجع ذاكرتَه وقوّتَه، خاصّةً عندما يقرأ له الشعرَ القديم. كان سماح يبدأ ببيتٍ للمتنبّي، مثلاً: "أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى أدبي..." فيتابع سهيل معه بقيّةَ البيت. كانت مهمّتي، إلى جانب العناية به، قراءةَ الأخبار المفْرحة، وطمسَ نعوات أصدقائه الراحلين. وكنتُ أترك التلفزيون يبعث أصواتًا في الغرفة ليَشْعرَ بأنّه مازال في قلب المعمعة. سألني ذاتَ مرّة: "ما هذه الأصوات؟" قلتُ: "إنّها أصواتُ النساء والفتياتِ الصغيرات والأطفالِ الفلسطينيين يَهْدمون أسوارَ رفح ليفكّوا الحصَار." فوجئتُ به يقول: "هذه هي الأمّة العربية. إنّها أمّةٌ لن تموت!" وبَدَتْ سعادةٌ حقيقيةٌ على مُحيّاه. مسكينٌ يا رفيقي، أما تزال تؤْمن إلى الآن بالقومية العربية والوحدة؟ حلمُكَ لم يتحقّقْ في أن تَحْمل يومًا جوازَ سفر عربيّاً واحدًا تجوب به المشرقَ والمغرب، بلا حدود. عملةٌ واحدة، سوقٌ واحدة، عمالةٌ واحدة. في أيّ جيلٍ سيتحقّق حلمُكَ هذا؟
بعد أيّام من الشروع في غسيل كلْيَتيْه بدأتْ رحلةُ القلق والتعب. سألتُه وأنا ممدّدةٌ بالقرب منه: "زهقان؟". هَزَّ رأسَه. سألتُه إنْ كان يريد أن نسافر معًا، كعادتنا كلَّ عام. سألني إلى أين؟ إلى حيث تريد! والغسيل؟ سنتعاقد مع مستشفى البلد الذي نذهب إليه؛ سنذهب إلى بلدٍ قريب. لا. إلى تونس، مثلاً؟ نعم، لي هناك الكثيرُ من الأصدقاء. قلتُ إنَّنا سنأخذ شقّةً في غمرت، في فندق أبو نوّاس، أنتَ ترتاح هناك، عند الشاطئ. بحرُه يذكِّرنا ببحرنا في بيروت، خاصّةً حين كنّا نهرب من القصف. هنا في تونس، أتذكر؟ كان يلتمّ شملُ عائلتنا الصغيرة. في العشيّة، حين تغيب الشمس، كنّا ننزل إلى الحديقة الرائعة، وكنتَ تنتقي طاولةً أمام المسبح. تقول، وأنت تَنْظر إلى السابحات، إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمالَ! أحيانًا كثيرةً، كان الأصدقاء، الفلسطينيّون والتونسيّون والمغاربة والليبيّون، يجتمعون بكَ، وتتبادلون مآسي هذه الأمّة التي بدأتْ حروبًا حدوديةً لا نهاية لها. كنتَ أيضًا تحبّ سيدي بو سعيد. هناك، في الأعالي، كنتَ تشاهد المدينةَ النائمةَ عند أقدام البحر. تقول لي: "خذي أركيلة [نرجيلة]، ألا تحبّينها هنا؟" تقول هذا لتقولَ لي إنّك تريد أن تجلسَ هناكَ لتكتب!
كنتُ أتكلّم، وكان يَحْلم أو يتذكّر. ألتصقُ به، وأَغمرُه بين ذراعيَّ، وأستمرُّ في الكلام: أمْ تريد مِنْ هناك أن نتابعَ طريقَنا إلى المغرب؟ أنتَ تحبّ المغرب، ولكَ هناك أصدقاء. ستقتصر زيارتُنا هذه المرّةَ على فاس. أَتْذكر فاس؟ لماذا كنتَ تَطْرب عند ذِكْر هذه المدينة؟ ألأنّني حاولتُ ذاتَ مرّة أن أقولَ لكَ حين جَرَحَني أحدُ بغالِ أزقّتها: "حلّ عنّي وعن أجدادِكَ؟!" الآن برقتْ عيناه. ردَّد: "فاس، أجلْ، فاس، مدينةُ الأدارسة!"
نظرتُ إليه، كان ما يزال شاردَ الذهن. في تكوينه بعضُ ملامح أجداده، وبعضُ طباعهم، كما علمتُ من أحد الكتب الوثائقية عن دولة الأدارسة في المغرب. ركضتُ إلى سهيل وقلتُ له: لكأنَّك حفيدُ أولئك الأجداد! ضحك وقال: "تريدين أن 'تُفلّيني' حتى أجدادي؟". تساءلتُ: أمن الممكن أن تظلّ جيناتُ الإنسان تحيا مئاتِ السنين بما تَحْملُه من ملامحَ فيزيولوجيةٍ أو طباعية؟ أم أنّه نداءُ التراب المريع، المجبولِ بدماء الأجداد، يناديه؟ بدا همٌّ طاغٍ على وجهه. تراجعتُ عن عرضي، وغيَّرتُ الموضوع.
سحبتُ المخدّاتِ من خلف ظهره وتركتُه ينام. في الليل، على غير عادته، نادى أمَّه. ناداها بحرارة. أيقظتُه. قُلتُ له: "شو بدّك بأمّك! أنا عايدة إلى جانبك،" وأمسكتُ يدَه، وقبّلتُها، وضممتُه إليَّ. قال وهو يَطْبع قبلةً على جبيني: "سامحيني، لقد سبّبتُ لكِ كثيرًا من الإزعاج." قلتُ: "ما قدّمتْه لنا أسرتُكَ الصغيرةُ والكبيرةُ لا يكافأ." نام. ثم ما لبث أن اشتدّ النداء: "أمّي، يا أمّي." استيقظتُ هلعةً. ما بكَ؟ "لا شيء. لماذا؟ لماذا" ثم سكتَ. لماذا ينادي أمَّه؟ هل اشتاق إليها؟
كنتُ أعلم أنّه كان يحبّها حبًّا لم يَمْنَحْه لإنسانٍ من قبل. كان، حين يزورُها، يَرْكع على ركبتيْه ويقبّل يديْها ووجنتيْها ورأسَها. وكانت تلفّه بذراعيْها، كأنّه طفلٌ صغير، وتقبّله. كنتُ في الفترات الأولى أغار، ثم أحببتُها حبّي للإنسانِ الذي يحبُّها، وبادلتْني هي هذا الحنانَ. ناديتُها في سرّي: "يا أمَّهُ، أرجوكِ ابتعدي عنه. يا أمَّهُ التي أحببتُكِ، وباركتِ لقاءَنا، اتركيه لي. لا تفرّقي بيننا. كنتُ أحبُّكِ حبّاً صادقًا. لم أنادِكِ يومًا: حماتي! دعيني أستمرّ في ذكرى حبّك. هيّا! ابتعدي عنه!"
غفوتُ. ولكنّه ظلّ يناديها. يا أمَّه، يا أمّي، هل تنتظرينه عند الضفّة الأخرى؟ أتنتظرينه بلهفةٍ وتفتحين له ذراعيْك، وتطلبين إليه ألاّ يخاف؟ هل استَعَدْتِ دورَكِ التاريخي، فرُحْتِ تلعبين معي دورَ الحماة والكنّة؟ يا أمّه، ما عدتُ أحبُّكِ. أتريدين فراقَنا؟
تلك الليلةَ بكيتُ كثيرًا، ولا أدري إنْ غفوتُ. لكنّ ابنتي، النائمةَ في الغرفة المجاورة، سألتْ: لماذا كان البابا ينادي أمَّه الليلَ كلَّه؟

* * *

في صباح هذا اليوم قمتُ كالعادة. صنعتُ له فنجانًا من القهوة، وشربناه معًا. جهّزناه للذهاب إلى المستشفى للقيام بعملية الغسيل. حين تركتُه على السرير هناكَ، قبّلتُه، وقلتُ: "سآتيكَ بعد أربع ساعات لنعود إلى المنزل." كانت تلك هي المدّةَ التي تستمرّ فيها عمليةُ تكرير الدم، ولم يكن يُسمح لي بالبقاء إلى جانبه. حدّثتْني المشْرِفةُ على الغسيل أنّه، في تلك الساعات، يستعيد حيويّتَه، فيتكلّم مع "البنات" (الممرّضات)، يحدّثهنّ عن الحيّ اللاتيني، وعن حبّه لعائدة. إلى هذا الحدّ تحبّها؟ يسأَلْنه. إنّها حبّي الحقيقي، يجيب. وكان يطيل تغزُّلَه بسماح، وهي إحدى الممرِّضات، فتأتي إليه وتسايره، وهي لا تدري أنّها البديل!
ذلك اليومَ، طلبتْ منّي الإدارةُ أن أعودَ قبل الموعد المحدّد. التعبُ بادٍ عليه. اعتقدتُ أنّنا هذه المرّةَ، كالمرّات السابقة، سنكتفي بإعطائه مَصْلاً ومنشِّطًا في قسم الطوارئ، أو نَدْخل المستشفى ونتابع المراقبة. كنتُ أنام معكَ. لم أتركْكَ ليلةً وحدكَ. بل رفضتُ النومَ على سريرٍ في المستشفى مخافةَ أن أغفوَ وأهملَكَ.
أسرعتُ من المنزل. حين وصلتُ، كان مغمضَ العينين. ناديتُه، فلم يجب. أنزلناه إلى قسم الطوارئ. قمتُ بإجراءات الدخول، واتّصلتُ برنا ثم سماح. جاءا، ولكنّ زحمة الطريق أخّرتْ وصولَهما، وأخّرتْ من ثمّ إجراءَ الفحوص الضرورية، لأنّ المستشفى، قبل دفع المستحقّات، لا يباشر إلاّ بوضع كمّامة الأوكسجين والمصل. وقفتُ قرب سريره، أتابع تنفُّسَه على شاشةٍ صغيرةٍ تسجِّل نبضاتِ القلبِ والضغطِ والتنفّس. طلبتُ طبيبتَه المشْرفةَ عليه. قالت إنّ تنفّسه يضيق. ثم أتى الطبيبُ المناوبُ وسألني إنْ كنّا نوافق على التنفّس الاصطناعي إذا اضطرّوا إلى ذلك. سألتُه إنْ كان هذا الإجراءُ يطيلُ في عمره. قال: ربما نعم، وربما لا. وكَمْ يبقى؟ ربما ساعاتٍ، أو أيّامًا، ومنهم مَنْ يستمرّ شهورًا. في هذه الأثناء، هل يستردّ وعيَه، حياتَه العاديّة؟ قطْعًا لا. كنتُ عاجزةً عن الإجابة. لنتركِ الأمُورَ الآن تأخذ مجراها الطبيعيَّ. أيّها الطبّ! لماذا تضعنا في موقف المجرمين؟ مجرمةٌ أنا إنْ رَفضتُ منحَكَ فرصةَ البقاء، ومجرمةٌ أنا إنْ وافقتُ على إلقائكَ في عذابات الآلاتِ والنباريشِ وذُلِّ اللاوعي.
جاءت رنا ومعها دفترُ الشيكات. تلحلح الوضع. بدأت الطوارئُ العملَ (أهو عملٌ مُجْدٍ، أمِ استغلال؟): تخطيطٌ للرأس، سكانر، تخطيطٌ للقلب، تصويرٌ للرئتين، فحصٌ للدم... وهو بعيدٌ عنّي في الغرف المخصّصة لكلِّ فحص. يا إلهي! لو يبقى بالقرب منّي، أما كان أجدى أنْ أنعََمَ بهذه اللحظات التي لن تعود؟ لكنّهم أعادوه: محطّمًا، ضيّقَ الأنفاس. انتعَشَ قليلاً بعد أن سحبوا الماءَ من رئتيْه. قال الطبيب إنّ وضعَه تحسّن، وسننقله من قسم الطوارئ. كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً. قلتُ لسماح ورنا إنّني سأظلّ معه في الغرفة. اذهبا، وإنْ جدّ أيُّ أمر فسأخابرُكما. ظللتُ واقفةً أمام حبيبي، حبيبي الذي لم أعرفْ حبًّا قبلَه ولا بعدَه، منذ الثالثة بعد الظهر وحتى الحادية عشرة، ممسكةً بيده من دون أن أضغطَ عليها؛ فإبرةُ المصل تمنعني من ذلك، والكمّامةُ على أنفه تمنعني أيضًا. وضعتُ يدي على كتفه؛ كانت باردةً بعضَ الشيء: فالدنيا برد، وأبوابُ الطوارئ تُفتح باستمرار، فتهبُّ عليها من الخارج ريحُ شُباط. غطّيتُ كتفيْه بشالِهِ الصوفي، ووضعتُ معطفَه على قدميه. إجراءاتٌ مضحكة لو كنتُ أعلم أنّ البرودة تتسلّل إليه لتعمّ كيانَه كلَّه! لماذا لا يصدِّق الحبيبُ أنّ الحبيبَ قد يرحل؟
كلُّ الاحتمالات مرّت بذهني، إلاّ واحدًا: أن أَفقدَه. نظرتُ إلى الشاشة. كانت الأرقامُ تنحدر بسرعة، كما تتدحرج كرةٌ ثلجيّةٌ من قمّة جبل. نظرتُ إليه، ونظرتُ إلى الشاشة. يا إلهي، الأرقامُ بلغتْ عشرَ درجات. دخل الطبيبُ وقال: "لا حاجةَ إلى نقله إلى الغرفة. أين أولادُه؟ أنتِ وحدكِ هنا؟". قلتُ إنّني سأستدعي سماح ورنا. رائدة ممدّدة بسبب وجع في الظهرِ ألمَّ بها، وهي على أيّ حال لن تستطيع المجيءَ. تلفنتُ لرنا لتُبْلغ سماح أنّ... وانتابتني نوبةٌ من البكاء. ناديتُه. لم يلبِّ ندائي، كما كان يَفْعل في لقاءاتنا الأولى. نظرتُ إلى عينيه الباسمتيْن: راح بريقُهما، والمعاني التي كانت تشعُّ منهما. وضعتُ يدي على رأسه، علَّ الأفكارَ التي غذّاها طويلاً تَقْفز وتطالبُ بحقّها في البقاء. راقبتُه. الشاشةُ تشير إلى الصفر. وفجأةً، شهقةٌ صغيرةٌ صعدتْ خفيفةً كالهمس، كالنسمة. نظرتُ حولي، فوقي، أريد أن أرى تلك النسمةَ، أن ألتقطَها بين يديّ، أن أدفعَها إلى أعمقِ أعماقِ قلبي وأغلقَ عليها إلى الأبد. ولكنّني لم أرَ شيئًا يَحُوم، أيَّ شيء. أتكون تلك الشهقةُ هي جسرَ العبور إلى أمّه الحبيبة التي تنتظر قدومَه وطال بها الانتظار؟ يا أمَّه، افتحي له ذراعيْكِ، وضمّيه إليكِ، وعوّضيه عن فراقِ الأحبّة. أمسكتُ يدَه. قبّلتُها، وقلتُ: أنتَ الآن وحدَكَ. ما المصير؟ إلى أين أنتَ راحلٌ؟ ما الذي أستطيع أن أفعلَه لكَ الآن؟ قلْ كلمتَكَ الأخيرة، شهادتَكَ الأخيرةَ: أَشْهدُ أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله. وأردتُ أن أرفعَه، ولكنّ يَده أَبَتِ الحراكَ، بالرغم من سخونةٍ ظلّت تكوي قلبي.
أخذتني الممرّضةُ وقالت: "هي حالُ الدنيا. في الدقيقة الواحدة، بل في الثانية الواحدة، يولد طفلٌ ويموت شيخ."
أتى سماح، وأتت رنا. مشيا بي إلى البهو بعد أن جَلَبَ الممرّضُ أشياءه في كيسٍ كبير: معطفَه، وقبّعتَه، وشالَه الأنيق. فترة لا أدري كم طالت وأنا جالسةٌ وحدي. لا أدري أين ذهب الولدان. عدتُ إلى بيتنا وحدي.

أفكّر، وأفكّر بكَ. لا بأمسي معكَ، ولا بالأيّامِ من بعدِكَ، ولكنْ بمصيرِكَ أنت. هل تخيفُكَ الظلماتُ فوقِ الظلمات؟ هل حياةُ القبر مريعةٌ؟ مريحةٌ؟ مَنْ إلى جانبكَ؟ أتحسّ شيئًا؟ أتسمع بكاءَنا؟ صَلاتَنا؟ أحاديثَ الناس عنكَ؟
ما أزال أُحبُّكَ. ما أزال أغار عليكَ. أهناك حوريّات؟ هل ستستبدلني؟ أيُمْكن أَحَدَنا أن يُبعد عن رأسِهِ التفكيرَ في "أين ذَهَبَ الحبيب"؟

* * *

حين زرتُ قبرَكَ، المرمريَّ، الناصعَ كنفسِكَ، بعد أيّامٍ من مرضي ودخولي المستشفى، قرأتُ الفاتحة. كان لديّ إحساسٌ بأنّك ستقوم وتركض لملاقاتنا. بقيتُ فترةً أنتظر. ثم أخذني سماح من يدي، فاتّكأتُ عليه: إنّه جداري الأخيرُ!
أهديتُكَ زنبقةً، هي كالزنبقةِ التي أهديتَني إيّاها عربونًا عن أوّلِ لقاءِ حبٍّ بيننا.
ما تزال تملأُ حياتي يا حبيبي. أنا لا أصدِّق فراقَكَ. لذلك، فأنا عاجزةٌ عن الرثاء.

بيروت
(*) كلمة ألقتْها المديرةُ المسؤولةُ في مجلة الآداب في ندوة تكريمية لسهيل إدريس أقامتها المكتبةُ الوطنيةُ في الجزائر في الأسبوع الأول من تموز 2008.

التعليقات

فراق الأحبَة كشوكة تنغرس في

فراق الأحبَة كشوكة تنغرس في القلب يبقى ألمها يزعج حياتنا حتى بعد مرور السنوات.
في هذه السنوات فقدنا أزهارا كثيرة و آخرها محمود درويش... هل قرروا أن يرحلوا عن عالمنا ليكوَنوا هناك عالمهم الذي حلموا به ولم يتمكنوا من الخروج به من عالم الحلم. أظنَ ذلك...
رحمهم الله ورزقنا الصبر لفقدان هذه المنارات في هذه الأوقات العصيبة