ماجد كيالي
معضلة الثورات الشعبيّة في البلدان العربيّة وأسئلتها
تحاول الثوراتُ الشعبيّة تدشينَ حقبةٍ جديدةٍ في تاريخ البلدان العربيّة، تتأسّس على إعادة اكتشاف الشعب لذاته، وإحضارِه إلى مسرح السياسة. والهدف من ذلك هو إمساكُ مصيره بيده، وبناءُ دولةِ المؤسّسات والقانون والمواطنين، والانسجامُ مع التاريخ العالميّ المستندِ إلى الحريّة والعقلانيّة والمواطنة.
السلطة تهمّش الدولةَ والمجتمع
معلوم أنّ تلك البلدان خضعتْ، طوال ستة عقود، لسلطةٍ شموليّةٍ أمنيّة، حالت دون قيام دولة مؤسّساتٍ وقانون تقوم بوظائفها السياسيّة والتنمويّة والاجتماعيّة والخدميّة، وحوّلت المواطنين إلى رعايا: ففي نظر الدولة التسلّطيّة ثمة رعايا فقط، لا حقوقَ سياسيّةً لهم، والسلطان غيرُ مسؤول من قِبلهم، وإنما هو الذي يسألهم عن حسن قيامهم بواجباتهم، وضمنها واجبُ الولاء والطاعة. وحين تغيب دولةُ المؤسّسات والقانون والمواطنين، يتعذّر ظهورُ مفهوم "الشعب،" باعتباره المتشكّل من مجموع المواطنين الأحرار، إذ حينها تتكرّس الانتماءاتُ الأوّليّة (القبليّة والطائفيّة والمذهبيّة والإثنيّة والمناطقيّة)؛ وهذا ما حرصت الدولة التسلطيّة عليه لتعزيز هيمنتها ودوام سلطتها. وقد شهدنا كيف عمل نظامُ صدّام حسين على تكريس هذه الحالة في العراق، وكيف افتعلتْ أجهزةُ مبارك الأحداثَ الطائفيّةَ في مصر.
سؤال فلسطين في الثورات الشعبيّة في البلدان العربيّة
للسؤال عن معنى فلسطين في الثورات الشعبيّة، التي اندلعتْ في العديد من البلدان العربيّة (لاسيّما في مصر)، معنيان. أوّلهما يتعلّق بمدى مقاربة هذه الثورات للسؤال المذكور، في الشعارات التي رفعتْها وفي السياسات التي نجمتْ عنها. وثانيهما يتعلّق بكيفيّة تمثّل الفلسطينيين لهذه الثورات، وبشكل انعكاساتها عليهم وعلى قضيّتهم وحركتهم الوطنيّة.
معلوم أنّ البعض كان قد أخذ على هذه الثورات استغراقَها في الشأن الوطنيّ (الداخليّ)، بتركيزها على تغيير النُظُم التسلّطيّة السائدة، وعدم التفاتها إلى ما وراء حدود مواطنها الجغرافيّة، وعدمِ رفعها شعاراتٍ تخصّ القضايا العربيّة، ولاسيّما قضيّة فلسطين ومعاداة إسرائيل، في خروجٍ عمّا جرت عليه العادة.
محاولة نقاشيّة بشأن أطروحة "الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة في فلسطين التاريخيّة"
ربما لم تشهدْ حركاتُ التحرّر الوطنيّ ما شهدته الحركةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّة من مجادلاتٍ واجتهاداتٍ بشأن تحديد ماهيّة الهدف النهائيّ. ففي حين تَنشد تلك الحركاتُ التحرّرَ من الاستعمار ونيلَ الاستقلال وبناءَ الدولة الوطنيّة، فإنّ ثمة خلافًا في الحركة الوطنيّة الفلسطينية حول تحديد ذلك الهدف: أهو دولةٌ في الضفّة والقطاع؟ أمْ هو تحريرُ كلّ فلسطين؟ أمْ هو إقامة دولةٍ واحدةٍ يتعايش فيها الجميعُ في إطار دولةٍ واحدةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّة (أيْ دولةٍ لمواطنيها أو دولةٍ ثنائيّة القومية أو كونفدراليّة)؟
نقاشات على هامش حرب إسرائيل على غزة: أسئلة السياسة والمقاومة
مازالت المقاومة في العقل السياسيّ العربيّ السائد، العاطفيّ والشعاراتيّ والرغبويّ، مجرّدَ فعلٍ للبطولات والتضحيات، أكثرَ من كونها فعلاً للتغيير وتحقيق الإنجازات. وفي ذلك تبدو المقاومة وكأنها غايةٌ في ذاتها، أو كأنها قيمةٌ عليا، وبمثابة مقدَّس، لا ينبغي أن تخضع للمساءلة والنقد والمراجعة. علاوةً على هذا وذاك، فقد اعتُبرت المقاومة بأشكالها الشعبيّة عملا مبتذلاً ومذمومًا وقاصرًا، إذ تمّ حصرُ هذه المقاومة بالشكل المسلّح، الذي تتوكّل به مجموعاتٌ من المحترفين العسكريين؛ كما جَرَتِ المبالغةُُ في تأثيرات هذا الشكل وجدواه، ربما لصرف النظر عن مسؤوليّة الحكومات والجيوش العربيّة.









