هناك دجلٌ كبيرٌ يجري اليومَ باسم "كسْر الحصار عن الشعب الفلسطينيّ." ويمارِس هذا الدجلَ فنّانون عرب، مستندين إلى أدلجةٍ تنظيريّةٍ يقدِّمها لهم صحافيّون عرب وموظّفون رسميّون في السلطة الفلسطينيّة التي لا سلطة لها إلاّ على شعبها.
فلنَضعْ جانبًا كيف يدخل الفنّانون والمثقفون العرب إلى الضفة الغربيّة، أيْ بتأشيرةٍ وموافقةٍ إسرائيليّتين حكْمًا. ولننسَ لبرهةٍ أنّ الممثّلة التونسيّة هند صبري، التي دخلتْ مؤخّرًا إلى الضفّة للمشاركة في مهرجان "القصبة" من باب "كسر الحصار والتضامن مع الشعب الفلسطينيّ" كما قالت، كان يمْكن أن تمارس هذا التضامن بالاكتفاء بالمشاركة عبر أحد أفلامها، أو بالحضور صوتًا وصورةً (بالفيديو والتليفون) لا جسدًا؛ أو كان يمْكنها أن تتبرّعَ بجزءٍ من أرباحها إلى الفلسطينيين في غزّة أو في أيّ مكانٍ يعيش فيه الفلسطينيّون (فمن قال إنّ "التضامن" لا يكون إلاّ بالذهاب المباشر إلى ... رام الله؟).
في مَطلع تسعينيّات القرن المُنصرم، عَرضتْ إحدى المحطّات التلفيزيونيّة اللبنانيّة عرضًا مُصوَّرًا لأغنية "كيفكْ إنْتَ" بعدَ فترةٍ وجيزةٍ من صدور العمل. ولقد حاول معدّو الشريط أن يَسْردوا الأغنيةَ باقتطاف مشاهدَ تروي (بحسب مفهومهم) قصّةَ النصّ الغنائيّ. لكنّ العرض كان أشبهَ بازدحامِ صورٍ اقتصر معظمُها على تجسيدٍ حرفيٍّ لما استُنتج من مَشاهد من قلبِ الأغنية. فحين تغنّي فيروز: "كيفك قالْ عمْ بيقولو صارْ عندََكِ ولادْ،" يظهر فجأةً أطفالٌ صغار؛ أمّا عندَما تقول: "أنا واللهْ كِنْتِ مفكّرتكْ برّاتِ البلادْ،" فلم يجد المعدّون فاصلاً أفضلَ من مسافرين من مطار بيروت. وباستثناء هذين المثالين، حيثُ قُيِّدَ النصُّ بحرفيّةِ معانيه، فقد بدا جليّاً أنّه استعصى على المُعدّين أن يُجاروا تصويريّاً باقي مراحل الأغنية؛ ولذا كانت المشاهدُ الطبيعيّةُ، وبالأخصّ مشاهدُ أمواج البحر (إشارةً ربّما إلى بيروت، مسرحِ الأحداث المُحتمَل)، هي التي تملأُ مساحةَ الأغنية، وتُرافق الكلامَ، من دون أن تدّعي تمثيلَه بالأسلوب البسيط نفسه. انَّ هذا العرض المُصوّر لـ "كيفكْ إنتَ" لهو خيرُ نموذجٍ على القراءة المُتعثّرة لنصّ الأغنية. بل لقد تجلّى من خلال هذا الشريط، ربما بسببٍ من كونه هاويًا، الالتباسُ الذي يقعُ فيه كثيرون عند تقصّي معنى "الواقعيّة" التي طَبعتْ لقاءَ زياد بفيروز.
كان القمعُ في القرون التي خلت هو الدافعَ الرئيسَ لظهور أعمالٍ تنقّب عن العدل والمساواة، وتعيد صياغة أفكارٍ نضاليّة، حيث تدقّ اليدُ المضرّجةُ بالدم بابَ الحرية. ولم يكن ذلك الدقُّ نغمًا ناشزًا، ولا التوقُ إلى الخلاص مثيرًا للاستهجان: فقد كانت الشخصيّاتُ الروائيّة، سواءٌ صوّرها تولستوي أو محفوظ، مشحونةً برغبةٍ قي التحرر، ومحمّلةً بانسانيّةٍ تكاد تقفز من بين الصفحات.
ملفّ خاص بـ الآداب من إعداد وتقديم: سلمان ناطور
ترجمة سماح إدريس
المشاركون (ألفبائيّاً): أسعد غانم، أمل جمّال، إيلان پاپِهْ، ثابت أبو راس، ليڨ لويس غرينبرغ
تمخّضت الأحداثُ التي عصفتْ بالفلسطينيين منذ النكبة وحتى يومنا هذا عن تعثّر كلّ المشاريع الوطنيّة، ووصولِ الفلسطينيين مع بداية القرن الحادي والعشرين إلى وضعيّة الإخفاق التامّ في تحقيق أيٍّ من الأهداف الوطنيّة الجماعيّة أو المنفردة للأجزاء المختلفة من الشعب الفلسطينيّ.
فاللاجئون أصبحوا بعيدين عن حقّ العودة أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى. أمّا الدولة الفلسطينيّة المستقلّة كما حدّدتْها مبادرةُ الاستقلال الفلسطينيّ عام 1988، وإنهاءُ الاحتلال، وإعادةُ القدس الشرقيّة إلى السيطرة الفلسطينيّة، فهي أمورٌ تجاوزتْها التطوّراتُ السياسيّة ولم تعد قابلةً للتحقيق. وفي المقابل فإنّ فلسطيني الداخل، الذين اعتمدوا إستراتيجيّة المساواة بأوجهها المختلفة، لم يستطيعوا حتى الآن إحداثَ أيّ اختراقٍ استراتيجيّ في مبنى الدولة الإثنيّ وسياساتها المعتمدة على إبراز تفوّق اليهود على غيرهم.
(ترجمة: سماح إدريس)
أنزل/ي المقالة بصيغة PDF
وُلدت الصهيونيّةُ من حافزيْن منطقييْن. الأول هو الرغبة في إيجاد ملاذٍ آمنٍ ليهود أوروبا الشرقيّة وأوروبا الوسطى، بعد عقودٍ من الاضطهادات المعادية للساميّة، وربما بسبب هاجسٍ قبْليّ بأنّ ما سيأتي سيكون أشدّ هولاً. والحافز الثاني هو إعادةُ تعريف الدين اليهوديّ بوصفه حركةً قوميّة، وذلك بتأثيرٍ من "ربيع الشعوب" في منتصف القرن التاسع عشر.
جرى الحديثُ في مراحل مختلفة من الصراع الإسرائيليّ ـ الفلسطينيّ عن حلّ الدولة الواحدة. بدأ ذلك في بدايات القرن العشرين، وقبل النكبة الفلسطينيّة وقيام دولة إسرائيل على حطام الشعب الفلسطينيّ. وقد طَرح هذا الحلَّ في تلك الفترة مفكّرون يهود، تحدّثوا عن إمكانيّاتٍ مختلفة: تبدأ بإقامة إطارٍ سياسيٍّ يحظى فيه اليهودُ بموقعٍ خاصّ، وتنتهي بدولةٍ يهوديّةٍ يحظى فيها العربُ الفلسطينيون بموقعٍ خاصّ، مرورًا بالشراكة والتقاسم التامّ المبنيّ على التساوي.
(ترجمة: سماح إدريس)
أنزل/ي المقالة بصيغة PDF
في الفكر النقديّ تُمثّل الأسماءُ التي نمنحها للظواهر الاجتماعيّة ـ السياسيّة كيف نفهم المشكلة وكيف نفهم الحلّ. فمصطلح "الرأسماليّة" يفسِّر المشكلةَ ويقترح حلولاً: الاشتراكيّة أو الشيوعيّة. ومصطلحُ "الديكتاتوريّة" يقترح هو أيضًا الحلَّ: الديمقراطيّة. ويمْكننا بالطريقة نفسها أن ننظرَ إلى المصطلحات المستخدمة لوصف النظام الإسرائيليّ ولنقده، وإلى ارتباطها بـ "الحلول." فاستخدامُ مصطلح "أبارتهايد" يتّصل برؤيةٍ تدعو إلى دولةٍ ديمقراطيّةٍ واحدةٍ تمنح مواطنةً متساويةً لكلّ سكّانها في كامل منطقة "فلسطين/إسرائيل." والحقّ أنه إذا كان نظامُ السيطرة عبارةً عن جهازٍ موحّدٍ للتمييز العنصريّ، فإنّ إستراتيجيّة إنهائه بسيطةٌ جدّاً: "شخصٌ واحد ـ صوتٌ واحد"؛ فتكون جنوبُ أفريقيا في هذه الحال هي المجازَ الذي يُقتدى به والدربُ التي تُقتفى. وبالطريقة ذاتها يمْكننا فهمُ استخدام كلمة "الاحتلال": فإذا كانت المشكلة هي فقط النظامَ العسكريَّ في الضفّة الغربيّة وغزّة، فإنّ إنهاءَ الاحتلال وإنشاءَ دولةٍ فلسطينيّةٍ في تلك المناطق ينبغي أن يكونا الإستراتجيّة المنشودة؛ فتكون الجزائرُ في هذه الحال هي المجازَ الذي يقتدى به والدربَ التي تُقتفى.
ملف من قسمين، إعداد: أكرم ن. الريّس
المشاركون (ألفبائيّاً): أكرم الريّس، إلياس سحّاب، جان شمعون (شهادة)، خالدة سعيد، ريما الرحباني (شهادة)، سحر مندور (شهادة)، سعيد يوسف (شهادة)، سهيل خوري (شهادة)، طلال وهبة، عدنيّة شبلي (شهادة)، لينا مرهج (رسم)، مازن حيدر، مروان محفوظ (شهادة)، مسعود ضاهر، يارا الغضبان (ترجمة: سماح إدريس)
أنزل/ي المقالة بصيغة PDF
يهدف هذا الملفّ إلى الاقتراب من عالم زياد الرحباني مستعينًا بمنهجيّات البحث في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في المجالات التي خاضها زياد، أي الموسيقى والأغنية والمسرح والإذاعة والمقالة السياسيّة ـ الاجتماعيّة.
لذلك تتضافر تلك المنهجيات تلقائياً لتواكب التقاء هذه الفنون والمساحات وتَقَابُلها في عمل فنانٍ حاور الأنماطَ والقوالب السائدة تارةً، وفكّكها تارةً أخرى، في مسار اختراع أدواته وأساليبه الفنيّة.
يحتوي الجزءُ الأول على ثلاث فقرات. تشمل الأولى دراساتٍ موسيقيّة، ومسرحيّة، وتاريخيّة، وأنثربولوجيّة. أما الثانية فتحتوي على شهاداتٍ قدّمها أشخاصٌ رافقوا زيادًا (مهنيّاً أو إنسانيّاً) أو تأثروا بفنّه. وتكوِّن مختاراتٌ من نصوص أغاني زياد، فضلاً عن كرونولوجيا توثيقيّةٍ لأعماله وزمانه، الفقرة الأخيرة.
أما الجزء الثاني من هذا الملف فنستكمله في العدد القادم من الآداب.
أ. ر
