عدد ٤-٥ /٢٠١٠
الإفتتاحية: النقاط الثلاث بين معقوفيْن
هذا عددٌ حزينٌ جدّاً، ولأسبابٍ كثيرة، لا تعود فقط إلى موضوع الملفّ الذي يتناوله (أي "اليسار العربيّ").
مبعثُ حزني الأكبر هو النقاطُ الثلاثُ بين معقوفين، في مقالات الأصدقاء جلبير الأشقر، وطارق الدليمي، وسلام عبّود، وطلال يحفوفي.
النقاط الثلاث بين معقوفيْن: تلك مهمّةٌ مقيتةٌ أخجلُ إذ أعترف، أمامكم الآن، بأنني لم أمارسْها على هذا القدر من التوسّع من قبل. فلا شكّ في أنّ معظم القرّاء يعْلمون أنّ السنة الماضية شهدتْ منعَ أحد أعداد "الآداب" في قطرٍ عربيّ مهمّ [...] هو من بين سبعة أقطار فقط تدخلها المجلةُ أصلاً. ومعظمُ القرّاء يعْلمون أيضًا أنّ القضاء اللبنانيّ أصدر حكْمًا [...] وغيرَ منصفٍ في حقّ "الآداب" بسبب افتتاحيّةٍ كتبتُها عام 2007، اعتبرَها "كبيرُ مستشاري الرئيس العراقيّ" القادمِ بدعمٍ من [...] مسيئةً له ولشرفه وسمعته.
أزمة المسؤوليّة في الوطن العربيّ
أمّ الازمات
الوطن العربيّ يعاني أخطرَ أزمةٍ يمكن أيَّ وطنٍ أن يعانيَها، وهي أزمةُ المسؤوليّة. وهذه لا تقف عند حدود "المسؤولين،" بل تمتدّ لتشملَ المجتمعَ، والأسْرةَ، والمدرسةَ، والسلوكَ الفرديّ والمجتمعيّ، والتربيةَ والثقافةَ (أمدنيّةً كانت أمْ دينيّة)، والنشاطَ الفكريَّ والاجتماعيَّ بمدلوله العامّ. هذه الأزمة أوصلتنا إلى ما نحن فيه. وما لم تتمّ معالجتُها بجدّيةٍ ووعيٍ كامليْن، فإنّ القرن الحادي والعشرين سيكون أخطرَ على هذه الأمّة من القرن العشرين الذي شهد هبوطَها إلى مستوياتٍ غايةٍ في التدنّي بمعايير التقدم الإنسانيّ. وفي هذه الدراسة نبحث جانبًا واحدًا ملحّاً من جوانب هذه الأزمة، هو مسؤوليّة الزعماء العرب المباشرة عن الأوضاع العربيّة السيّئة.
هل من اختراقٍ عظيمٍ للبوار السياسيّ في مصر؟
يثور تساؤلٌ حارقٌ في دوائر الحركة الوطنيّة في مصر عن تفسير قصور حركة التغيير والإصلاح السياسيّ هناك، شاملاً تعثُّرَ حركاتٍ مثل "كفاية" ووثائقِ التصوّرات الفكريّة للتغيير والإصلاح، سواءٌ تبنّتها أحزابٌ معارضةٌ رسميّةٌ، أو تجمّعاتٌ من الشخصيّات العامّة. والأمر جدُّ مختلفٍ في الحالتين.
فقصورُ حركة "كفاية" مثلاً يعود باختصارٍ، في نظري، إلى تفاعل عددٍ من العوامل، منها: تراخي الرؤية الفكريّة، وتبلورُ تشكيلٍ تنظيميٍّ يقوم على محاصصة المناصب القياديّة بين التيّارات السياسيّة (الأمرُ الذي أفضى إلى تناحرها)، ناهيك بافتقار بعض التيّارات الرئيسيّة إلى إيمانٍ حقيقيٍّ بالديمقراطيّة يتجسّد في ممارسةٍ سويّة. ويعوِّق التشكيلُ التنظيميُّ القائمُ، كذلك، المشاركةَ الفاعلةَ لأجيال الشباب والنساء، وللنشطاء من خارج القاهرة.
المحكمة الخاصّة بلبنان: أين تخفق العدالة؟
ترجمة: جورجيت فرشخ فرنجيّة
أين تُخفق العدالة؟ لا يتمحور هذا السؤالُ المحيِّرُ حول خيارٍ أخلاقيٍّ بين الصحّ والخطإ، بقدْرِ ما يتطرّق إلى مدى امتثال المحكمة الخاصّة بلبنان إلى "أعلى معايير العدالة الجنائيّة،" بحسب التعابير المستخدمة في الاتفاق الذي عُقد بين الأمم المتحدة والجمهوريّة اللبنانيّة لإنشاء تلك المحكمة. فهذا الاتفاق لم يقرَّه البرلمانُ اللبنانيُّ، بل فُرض وفقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة العاملة بموجب القرار 1757.
تُقسم هذه المحاضرة إلى ثلاثة أقسام. في القسم الأول تُحدَّد خلفيّةُ المحكمة، ويُوضع اغتيالُ رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري واللجوءُ إلى العدالة ضمن سياقهما التاريخيّ والقانونيّ. وفي القسم الثاني تُحلَّل العيوبُ الإجرائيّةُ والبنيويّةُ الرئيسةُ التي تنطوي عليها المحكمةُ المذكورة. أما في القسم الثالث فتُقترح الحلول.
في ضرورة خلق نواةٍ جديدةٍ لليسار
اليوم، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، يقف مفهومُ "اليسار" عاجزًا عن إعانة مستخدِميه، بعد أن بات هيكلاً أجوفَ لا يُبقيه على قيد الحياة، في شكله المتوارَثِ على الأقلّ، سوى "قلّةِ الموت،" بل قلْ قلّة النقد! ولتلمُّسِ مدى قصور هذا المفهوم يمْكن مثلاً التساؤلُ عن فائدة مفهوم "اليسار" في التحديد السياسيّ بين اتجاهيْ يلتسن وغورباتشوف في مطلع تسعينيّات القرن الماضي (تحدَّدَ الصراعُ حينها بين محافظين وإصلاحيين)؟ وما هي فائدتُه في التحديد السياسيّ بين قوى 8 و14 آذار في لبنان، أو في التحديد السياسيّ بين اتجاهيْ "فتح" و"حماس" في فلسطين (تلعب الصفةُ الوطنيّةُ الدورَ المحدِّدَ هنا أكثرَ من غيرها)؟ وأيّهما اليسارُ في إيران اليوم: أحمدي نجاد، أمْ مير حسين موسوي؟ وما معنى اليسار في الخارطة السياسيّة الإسرائيليّة؟ وما معنى اليسار في التوصيف السياسيّ للأحزاب الحاكمة في أوروبا وأمريكا؟ سوف يجد من يدقّق النظرَ أنّ مفهوم "اليسار،" بمعناه القديم على الأقلّ، عديمُ الفائدة، ولم يعد أداةً للفهم (هذا إذا كان يومًا كذلك).
هل توجد حاجة إلى اليسار في المجتمع العربيّ؟
إذا كان السؤال هو: "هل يحتاج المجتمعُ العربيّ إلى اليسار كفكر وكحركات سياسيّة واجتماعيّة؟،" فإنّ الإجابة المباشرة والواضحة هي: نعم. لماذا؟ لأنّ اليسار، واليسارَ فقط، من بين الأحزاب والحركات السياسيّة، هو الذي يولي العدالةَ الاجتماعيّةَ الاهتمامَ الأكبرَ والضروريّ. وهذه هي القضيّة الأساسيّة في حياة أغلبيّة الناس، أكان ذلك في المجتمع العربيّ أمْ في مجتمعاتٍ أخرى في أنحاء العالم المختلفة.
أما إذا كان السؤال هو: "هل من مستقبلٍ لليسار كفكرٍ وكحركاتٍ سياسيّة واجتماعيّة في السياق العربيّ؟،" فالإجابة مشروطةٌ بوجود عدة مقوِّماتٍ، منها: دمقرطة النظم السياسيّة العربيّة التي لا تسمح حتى الآن بالتداول السلميّ للسلطة، بحيث يكون في إمكان اليسار (وآخرين) إحداثُ تغيير فعليّ في العديد من السياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، حتى يتمّ إضفاءُ المصداقيّة على أيّ برنامج يساريّ يتبنّاه حزبٌ من الأحزاب إنْ شارك في الحكم.
اليسار العربيّ: حوار مع جلبير الأشقر
أجراه: وائل عبد الرحيم
مقولة "إنّ اليسار العربيّ في أزمة" لازمةٌ تردّدتْ منذ بدايات ظهور حركات اليسار العربيّة. كما هي ملازمة على الأقلّ للعقود الخمسة الأخيرة التي شهدها العالمُ العربيّ وحفلتْ بتطوّرات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة لم تستطع أن تنتج إلا نماذجَ متأخّرةً من الدول والنظم.
وإذا كان الحديث عن تطوّر اليسار من منظور الماركسيين العرب يرتبط بتحليل الصراع الطبقيّ في المجتمعات العربيّة، فإنّ هذا التحليل قد لا يكفي وحده مبسّطًا لتوصيف الأزمة. ذلك أنه على الرعم من الأثر الإيجابيّ أو التقدميّ لنضال القوى العمّاليّة والاشتراكيّة في المجالات الوطنية والاجتماعية، وأعني ما حقّقتْه في مجال المقاومة ضد الاستعمار والصهيونيّة، أو في العملين النقابيّ والنسويّ، وكل ما يتعلق بالحقوق وحركة التأميمات وغير ذلك، فإنّ ما اصطُلح على تسميته في التحليل الماركسي "البنية الفوقيّة" طغت وربما تكون أجهضتْ مآلاته المحتملة.
خلاصة اتجاه من التحليل في أسئلةٍ طرحتُها على البروفيسور جيلبير أشقر، المفكّر الماركسيّ والأستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، اجاب عن بعضها بالإشارة إلى أهميّة النضال الإيديولوجيّ الثقافيّ الذي لم يعره اليسارُ العربيّ الأهميّةَ الكافيةَ... من ضمن إضاءات أخرى على جوانب مختلفة لـ "أزمة اليسار."
و. ع (لندن)
كيْ يكون اليسار سبيلنا إلى النهضة
لا يسعى هذا المقال إلى سرد تاريخ اليسار العربيّ بمختلف تيّاراته، ولا إلى تحليل أزمته الراهنة، بقدر ما يهتمّ بالتركيز على أحوال اليسار الديمقراطيّ القوميّ العربي، ومحاولة تلمّس آفاقه المستقبليّة.
I - أوضاع اليسار القوميّ الديمقراطيّ اليوم
يصعب المسحُ الدقيقُ لما وصلتْ إليه حالُ هذا اليسار. ولذلك سأكتفي بعددٍ من البلدان العربيّة التي أعرف شيئًا عن وضعها أو جمعتُ بعضَ المعلومات عنها. كما أنني لن أتحدّث عن حركاتٍ قد يعتبرها البعضُ يساريّةً وحدويّةً، كالبعث وأغلب الأحزاب الناصرّية، نظرًا إلى موقف الأول من المسألة الديمقراطيّة، ولالتباس علاقة بعض الناصريين (كأنصار فكر عصمت سيف الدولة) بأحد أهمّ المبادئ اليساريّة في رأيي، أي العلمانيّة، ومحدوديّةِ إيمانهم بالتضامن الأمميّ. يكفي ذكر المواقف الملتبسة لبعض المثقّفين والناشطين القوميين من الأحداث التي تلث الانتخابات الإيرانيّة الأخيرة. لعلّ أبرزها موقف الصديق دياب أبو جهجه (الذي أعتبره من أكثر المثثّفين والناشطين القوميين يساريّة وتقدّمية). فعلى أهمّية تحليله "الطبقيّ" للصراع بين المعارضة والنظام في إيران، فإنه يبدو أنّه تبنّى رواية النظام الإيرانيّ عن نتائج الانتخابات، وذلك من زاوية الحرص على "الأمن القوميّ العربيّ،" دون اعتبارٍ يُذكر لمشروعيّة مطالب المحتجّين الديمقراطيّة (القدس العربيّ، 18/6/2009). كما ورد الموقفُ "الغامض" نفسه، بتحليلٍ أكثر تفصيلاً، في مقالين لعزمي بشارة على موقع الجزيرة نت، في الفترة نفسها. كما يمثّل موقفُ بعض هذه التيّارات من حلّ قضيّة الصراع مع الصهيونيّة نقطة خلافٍ مع اليسار الوحدويّ الذي تؤمن كلُّ تيّاراته تقريبًا بحلّ الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة الواحدة على أرض فلسطين.
موت الماركسيّة المبتذلة أو ورطة النصر (التجربة العراقيّة)
موت الاشتراكيّة المبتذلة
أوقع تغييرُ الخطاب الإيديولوجيّ العالميّ أطرافًا "يساريّة" في مآزق سياسيّةٍ ونظريّةٍ خاطئة، تبريريّةٍ ومحافظة، مناقضةٍ تمامًا لجوهر مبادئ الاشتراكيّة، المعلنة في دعايتهم السياسيّة التي تؤكّد، بحسب ما تقول طريق الشعب، الصحيفةُ المركزيّةُ للحزب الشيوعيّ العراقيّ، ما يأتي:
"لقد ظلّت قضيّةُ المثال الذي يقدّمه الشيوعيون من بين القضايا ذات الأهميّة الفائقة... [وهي] تتسم، اليوم، بأهميّة استثنائيّة. فهذا المثال الذي يفترض أن يجسّده الشيوعيون عمومًا، وقادةُ وكوادرُ الحزب خصوصًا، في مختلف الأطر السياسيّة والفكريّة والتنظيميّة والأخلاقيّة والمعرفيّة، وعلى النحو الذي يعكس الروحَ الثوريّة المرتبطة بالتغيير والأمل والتمسّك بالقيم الرفيعة التي ميّزت الشيوعيين عبر تاريخهم الملهم، هذا المثال هو حجرُ الزاوية في ما يمكن وينبغي أن يفعلَه الشيوعيُّ من أجل التحويل الثوريّ للمجتمع. ولعلّ من بين عناصر هذا المثال، كما لا ريب تعلمون، أن يتّسم الشيوعيُّ بالتكوين المعرفيّ والروحيّ العميق. فالشيوعي هو المتطلّع، دومًا، إلى المثال الذي تقدّمه الماركسيّةُ في الفكر والسلوك" (التشديد منّي). العدد 2308، 18/5/2007 ("تأمّلات").
نحو تصوّرٍ عامّ ليسارٍ عربيٍّ جديد
طال وقوفُ اليسار العربيّ عند مفترق الطرق. فهو، بعد زمن صعوده المشهود من الأربعينيّات إلى السبعينيّات، وفي بقاعٍ عربيّةٍ مختلفة، يعيش غروبًا طويلاً لم تتوقّفْ فيه عمليّاتُ النقد والنقد الذاتيّ على أيدي أجيالٍ جديدةٍ تدين القديمَ وتنادي بكفاحيّاتٍ أخرى. إنّ تاريخ اليسار هو تاريخُ صراعاته، خصوصًا في غروبه الطويل، حول أسئلةٍ من نوع: ما هو برنامجُه؟ ما هي قضيّته المحوريّة؟ مع مَن يتحالف؟ أيّة نظريّةٍ يبني عليها مشروعَه السياسيّ؟ ما موقفُه من تيّارات اليسار في العالم؟









