فيصل درّاج
في وطنيّة الثقافة الفلسطينيّة
ما الفرق بين مصطلحَي: "الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة،" و"ثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة"؟
قد يبدو التمييزُ مصطنعًا. غير أنّ الرجوعَ إلى تاريخ المأساة الفلسطينيّة المديدة، التي احتشدت فيها بطولاتٌ وإخفاقاتٌ ومجازرُ، يفرض مبدأ الاختلاف مبتدأً لكلّ حديثٍ عن الفلسطينيين وثقافتهم.
يوحي مصطلح "الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة" بثقافة شعبٍ لا يختلف عن غيره: له وطنٌ واضحٌ كما للشعوب الأخرى أوطانُها. لكنّ الوطن الواضح، المحدَّدَ الحدودِ، هو ما حُرم منه الفلسطينيّون منذ عام 1948 وأُبعدوا إلى المنافي. وهذه المنافي هي التي أعادت تفسيرَ معنى الوطن، وأعطت الفلسطينيَّ صفاتٍ تميّزه من غيره.
الوطن هو الموقع الواضح المحدّد، الذي يخرج منه الإنسانُ ويعود إليه حين يشاء، ويؤمّن له كرامةً معقولة. بيد أنّ الفلسطينيّين لا يمتلكون شيئًا من هذا ـ لا الذين تحكّم بهم المنفى ولا الذين بقوا في أرضهم. ما يمتلكونه هو "المسألة الفلسطينيّة،" من حيث هي قضيّة وطنيّة إنسانيّة يبحثون عن حلٍّ لها منذ مائة عام، ويمنعهم غيرُهم من ذلك الحلّ منذ مائة عام أيضًا. يبدو "الوطن الفلسطينيّ" وطنًا كان أو سيكون؛ ففلسطين راهنًا ليست وطنًا للفلسطينيين بل لغيرهم. ولهذا تبدأ ثقافةُ الفلسطينيين من ضياع الوطن، تبدأ من الذاكرة، بقدْرِ ما تبدأ من كفاحٍ قديمٍ ـ جديدٍ يدور حول أرضٍ ما زالت مغتصَبة.
ماذا تبقى من هويّة اليسار الشيوعيّ العربيّ اليوم؟
تحيل كلمةُ "اليسار،" إنِ استُعملتْ في السياق العربيّ الراهن، على عموميّةٍ إيديولوجيّةٍ قد تتكشّف في نزوعاتٍ سياسيّةٍ تفتقر إلى الاستقلال الذاتيّ. فقد كانت لليسار المفترض، حين كان قوةً سياسيّةً ـ إيديولوجيّةً فاعلة، سماتٌ واضحةُ الحدود. كانت للشيوعيين ماركسيّتُهم والتحاقُهم الإيمانيّ بالحزب الشيوعيّ السوفييتيّ، وكانت للقوميين العرب قوميّتُهم الموروثة المنجزة، وكانت "سوريا الطبيعيّة" مرجعَ القوميين السوريين. وكانت لهذه القوى قواسمُ مشتركة، تجلّت في أعداء قوميين وطبقين: الإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة العربيّة، وفي غاياتٍ قريبةِ الوصول: العدالة الاجتماعيّة والوحدة وتحرّر فلسطين. بيْد أن ما يبعّد بين هذه القوى كان أكثر قوةً وفاعليّةً مما يقرّب بينهما، رغم انتسابها (طبقيّاً) إلى مراجعَ اجتماعيّةٍ متماثلة. ولهذا كان تاريخُ اليسار العربيّ هو تاريخَ الصدام بين أحزاب اليسار، إلى أن وصل إلى هزيمةٍ كاسحةٍ جعلت الصدامَ أمرًاً نافلاً. فقد انهار النموذجُ السوفييتي للاشتراكيّة، وانهارت معه ماركسيّتُه، وترسّبت "الأحلامُ القوميّة" في أقاليمَ غائمةِ الحدود.
جديد الرواية العربية: مواضيع مألوفةٌ بتقنيّات غيرِ مألوفة
بدءًا من هذا العدد، تنشر الآداب دراسة ناقدٍ أدبيٍّ لمجموعة من الأعمال الأدبيّة المميّزة الصادرة في العامين 2008-2009. وسوف تتناول الدراسة نوعًا أدبيّاً واحدًا (الشعر، الرواية، القصّة القصيرة...). وفي هذا العدد دراسة الدكتور فيصل درّاج لخمس رواياتٍ، أمّا المشاركون في الأعداد القادمة فهم: محمد برّادة، صبري حافظ، شيرين أبو النجا ومنتصر القفّاش.
ما هو جديدُ الرواية العربيّة، وما هي العناصر التي تجعلُه جديدًا؟
يشير السؤال، في بُعدَيْه، إلى خبراتٍ ثقافيّةٍ ــ جماليّةٍ تضيف إلى التراكُمِ الروائيّ القائم مساهماتٍ نوعيّة. بيْدَ أنّ هذه المساهماتِ لا تعثرُ، بسهولة، على التقويم الجدير بها لسببين أساسين: سطوَةِ الأسماء المسيْطِرةِ التي تحجبُ غالبًا ما عَداها؛ واضطرابٍ في الصحافة الأدبيّة العربيّة، التي تخطِئ، أحيانًا، المعيارَ الأدبيّ وتأخذُ بغيره. والسطورُ اللاحقة تهدف إلى إلقاءَ الضوءِ على بعض الرويات العربيّة الجديدة (زمنيّاً)، والتي جاءت بجديدٍ يجعلُها جديرةً بالقراءة.
شاعرُ المقاومة في جميع الأزمنة
لماذا أراد محمود درويش أن يكون "شاعرَ المقاومة الفلسطينية" في بداية مساره، وأصبح لا يميل إلى هذا اللقب في فترةٍ لاحقة؟
لم يبتعد الشاعرُ عن قضيته الوطنية، كما يظنّ الوعيُ القاصرُ وأنصارُ النميمة. لكنه تعلّم أنّ التجربة الفلسطينية، الموزَّعةَ على النجاة والغرق، تتطلّب أشكالاً مختلفةً من المقاومة.
سهيل إدريس داخل جيله وخارجه
فيصل درّاج
كيف نقوِّم مثقفًا راحلاً تجاوز الثمانين؟ وكيف يُقوَّم إن كان قد اتّخذ من الثقافة مهنةً وعملاً ورسالةً مدة خمسين عامًا أو يزيد؟ وإذا كان المثقف الفاعل هو ما يتبقّى منه، فما هو الأمر الثقافي الذي يتبقّى من الراحل سهيل إدريس؟
كلُّ كتابةٍ تقويميةٍ هي كتابةٌ جزئيةٌ مهما كان إخلاصُها، وبخاصةٍ إذا اختلط فيها الذاتيُّ بالموضوعي، أو إذا كان الراحلُ إنسانًا ذا طبائع متميّزة، ومثقفًا متعدّدَ الوجوه، وشخصيةً عامةً توزِّع صوتَها على قضايا كثيرة... ولقد كان سهيل إدريس ذلك كلَّه.









