صبري حافظ
من المحو إلى الوجود في قلب العالم
جاءني الخبرُ كالصاعقة. هل توقّف حقّاً قلبُ الشاعر عن الخفقان؟ وهل استطاع الموتُ الذي راوغه غيرَ مرة أن يصرعَه وهو يواصل انطلاقاتِه، برغم الوجع الشخصيّ والقوميّ، في أصقاعٍ شعريةٍ لم يُسمع فيها وقعٌ لقدمٍ عربيةٍ قبله؟ هل انتصر الموتُ في نهاية المطاف على الشاعر الذي أَثبت ـ بقوة موهبته، وعمقِ حدوسه، ونفاذِ بصيرته ـ أنّ في الهوان العربي، المنقسمِ على ذاته من المحيط إلى الخليج، والفاقدِ للرؤية والبوصلة معًا، شعرًا وحياة؟
كان الخبر صاعقًا لأنني كنتُ مشغولاً به وقلقًا عليه، أتابع انطلاقتَه من ذروةٍ إلى أخرى: فقد كانت السنواتُ الأخيرةُ بحقّ، وبالتحديد منذ جدارية عام 2000، هي سنواتُ انطلاقه في فتوّةٍ إبداعيةٍ جديدة، من ذروةٍ شعريةٍ غيرِ مسبوقة إلى ذروةٍ أخرى غير مسبوقة، ومن تحقّقٍ شعريّ وإنسانيّ إلى تحقّقٍ شعريّ وإنسانيّ أكبر.
سهيل إدريس: من الحيّ اللاتيني إلى الآداب
صبري حافظ
تمهيد وسياق
كنتُ قد بدأتُ الكتابةَ عن محنة مجلة الآداب، التي جرّها إلى المحكمة شخصٌ يُدعى فخري كريم يصف نفسَه بـ «كبير مستشاري رئيس الجمهورية العراقية» ورَفع عليها دعوى أمام القضاء اللبناني، وعلى كلٍّ من مديرتها المسؤولة عايدة مطرجي إدريس ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس. ويعرف الكثيرون أنّ فخري كريم قد أصبح شخصًا فاحشَ الثراء، يستطيع توكيلَ أكبر المحامين (...)، بينما تعاني الآداب الفقرَ وضعفَ الإمكانيات في هذا الزمن العربي الرديء. وكان مقالي الذي لم أكمله قد بدأتُه كالتالي:
«ليس دفاعًا عن مجلة الآداب. ذلك لأنّ هذه المجلة أصبحت-بفضل تاريخها العريق، وإنجازاتِها المشرقة التي حافظ أبناءُ مؤسِّسها وصانعِ مسيرتها الصديقِ الكبير الدكتور سهيل إدريس، شفاه اللهُ، على شعلتها متّقدةً برغم أعاصير التردّي والهوان التي تعصف بالثقافة العربية-صنوَ الثقافة العربية الأصيلة والشريفة والمقاومة. لذلك فإنّ الدفاع عن مجلة الآداب، كالدفاع عن كلِّ ما هو أصيلٌ وجميلٌ في الثقافة العربية، أمرٌ بديهيٌّ لا يحتاج إلى الدفاع عنه، كما لا تحتاج الشمسُ إلى مَن يدافع عنها ضدّ جحافل الظلام، أو الهواءُ النقي إلى مَن يردّ عنه أبخرةَ السوء وسمومَه الزعاف.»









