أجراها وقدّم لها: عبد الحق لبيض (مراسل الآداب في المغرب)
المشاركون: علال الحجام، حسن مخافي، صلاح بو سريف، بنعيسى بو حمالة، خالد بلقاسم
أنزل/ي المقالة بصيغة PDF
عبد الحق لبيض: تخبرنا الكتبُ أنّ القبيلة العربية كانت، عندما يولد في أحضانها شاعر، تقيم الأفراحَ وتدقّ الطبول، إيذانًا بميلاد صوتها ورمز كلمتها. غير أنّ تلك الكتب أغفلتْ ذكر مراسيم موت الشعراء: فلم تخبرْنا ما كانت تفعله القبيلة حين يخبو صوتُها الناطق! ولعلّ في إغفالها ذاك ما يؤشّر على أنّ الشعراء لا يموتون كباقي البشر. ولا أدلَّ على ذلك من استمرار أسماء شعرية خالدة حتى يومنا هذا تعيش معنا ونعيش فيها. واليوم، عندما ينسحب من بيننا شاعرٌ في قيمة محمود درويش، فإننا نحسّ بحاجتنا الماسّة إلى معرفة هذا الشاعر الذي كانت شخصيتُه تسطو على مداركنا فلا تترك لنا متّسعًا لقراءة تجربته في ضوء ممكناتها الجمالية. فكأنّ ما أرّقه من تغييب النقد لمكانته الشعرية لم يكن ممكنًا تفاديه إلاّ مع انسحاب سطوته الجسدية، وانسحاب صوته المجلَّل بترنيمات السياسي والأخلاقي، تلك الترنيماتِ التي أضحت سماتٍ لاصقةً به حتى دفعتْه أحيانًا إلى التبرّؤ من مهنة "الناطق الرسميّ باسم شعبه" وإلى أن يعلو صوتُه في وجه النقد الذي صنّفه وطنيّاً لا شعريّاً. ولقد تغلّب حدسُ الشاعر ورهافةُ حسّه الشعري في نهاية المطاف، فأثبت درويش أنه شاعرُ قضية حقّاً، لكنها قضيةُ الشعر: قضيةُ القصيدة في مبناها، وتشكيل صورها، ورسم إيقاعاتها، واختبار إيحاءاتها واستعاراتها.