عدد 1-2-3 /2009
مجلة الآداب العدد 1-2-3/ 2009
غلاف مجلة الأداب عدد 1-2-3/ 2009صدر العدد الجديد من مجلة الآداب (1-3، 2009) وهو يتضمّن ملفاً ضخماً عن العدوان على غزة ودروس المقاومة (من إعداد: سماح إدريس، وياسين الحاج صالح، ويوسف فخر الدين، وأحمد الخميسي) وشارك في الملف 19 كاتباً من لبنان وفلسطين ومصر وسوريا والأردن والولايات المتحدة. وهناك ثلاثة ابحاث مستقلة (البير فرحات، سمير طاهر، بيان الصفدي)، و3 قصائد، و3 قصص (ناصر الربّاط، حامد فضل الله، وناطق خلوصي)، ونصوص من المعتقل العربي (عبد الوهّاب عزّاوي)، ومراجعتان لكتابين، ومقالان عن ذكرى جورج حبش وأحمد حاطوم، والحلقة الثالثة من "خواطر" أسعد أبي خليل، فضلاً عن ملحق بانتصار غزة عالميا، وبريد الآداب، وردود. وقد اخترنا هنا الافتتاحية (سماح إدريس)، وبحثين مستقلين (طاهر، فرحات)، وبعض مقالات ملفّ غزة، وقصيدة (أدلبي)... وعلى هذه الصفحة اخترنا لكم ما يلي:
الافتتاحيّة: شركاء في النكبة... شركاء في الانتفاضة
ستّون عامًا على الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان
سـرّ العجـز العربـيّ
فصول يرويها الحذاء: المفيد المختصَر في حذاء المنتظَر
مذبحة غيتو غزّة: الوقائعُ والعِبَر
"الوحشيّةُ الإسرائيليّةُ" إذ تَفْقد أثرَها الردعيَّ في غزّة بعد بيروت
الكتابة تحت النار
غزّة: نهاية اللوبي الصهيونيّ في أميركا؟
التحرّر في زمن الفوسفور: الاضطهاد، والمقاومة، وأولويّة الإنسان
دعوة الأونسكو إلى طرد إسرائيل والمشاركة في مقاطعتها ثقافيّاً وأكاديميّاً
المثقّف والحقيقة على ضوء الجحيم: حوارات في مصر
ملحق: من أهمّ مظاهر التضامن العالميّ مع الشعب الفلسطينيّ في غزة
الافتتاحيّة: شركاء في النكبة... شركاء في الانتفاضة
ما جرى ويجري لغزّة هذه الأيّام استمرارٌ لنكبة فلسطين منذ واحد وستّين عامًا على يد إسرائيل والغرب الاستعماريّ بشكل خاص: شكلٌ من أشكال الإبادة الجماعيّة أو المحرقة. وهذا أمرٌ بديهيّ، ولا حاجة إلى تكرارِ ما قاله ريتشارد فولك أو غيرُه. إلاّ أنّ ما قد لا يبدو بديهيًّا هو نفاقُنا في "دعم" القضيّة الفلسطينيّة لمواجهة هذه النكبة المستمرّة. ولا أعني هنا أنظمتَنا العربيّةَ فحسب (فمشاركتُها، بدرجاتٍ متفاوتةٍ، في قتل الفلسطينيين و/أو قتل "فكرة فلسطين،" معروفة، إنْ لم يكن اليومَ، ففي فتراتٍ سابقة)، وإنما أعني أنفسَنا بالذات أيضًا، أيْ ما اصطلحنا على تسميته بـ : "الأحزاب والقوى والشخصيّات الوطنيّة والقوميّة."
ستّون عامًا على الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان
احتفل العالمُ في 10/12/2008 بالذكرى الستّين لإقرار "الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان" من قِبل الجمعيّة العموميّة للأمم المتحدة في 10/12/1948. ولقد سجّل ذلك الإعلانُ محطّةً مهمّةً في طريق النضال الذي خاضته البشريّةُ من أجل التقدّم، وكان إحدى ثمرات الانتصار الذي حقّقتْه الشعوب ـ عبر مآسٍ رهيبة ـ في وجه النازيّة والفاشيّة، واستكمالاً لما تحقّق في الماضي: بدءًا بمدوّنة حمورابي التي نادت بشرعيّة القانون في مواجهة الاستبداد، مرورًا بما أعلنه الإسلامُ على لسان عمر بن الخطّاب القائل: "متى استعبدتُم الناسَ وقد وَلَدَتْهم أمّهاتُهم أحرارًا؟،" وبإعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1793 الذي كرّس المبادئَ التي نادت بها الثورةُ الفرنسيّةُ الكبرى في الحريّة والإخاء والمساواة، وبما أعلنتْه ثورةُ أكتوبر الاشتراكيّة الكبرى من إلغاء استثمار الإنسان للإنسان، وحقّ الأمم في تقرير مصيرها بنفسها، وبناءِ دولها المستقلّة، ولو بالانفصال.
سـرّ العجـز العربـيّ
في البداية كانت أوساطُ المعارضة العربيّة هي التي تتداول تعبيرَ "العجز" العربيّ كتهمةٍ توجّهها إلى الأنظمة الحاكمة، لإخلالها بحماية الحقوق الوطنيّة عمومًا والحقوق الفلسطينيّة خصوصًا، الأمرُ الذي كان يستفزّ هذه الأنظمة. إلاّ إنّ الأخيرة ـ كما يبدو ـ تبيّنتْ في النهاية ما لهذا التعبير من منافعَ أدبيّة: فهو يُشْبه أن يكون "عذرًا" لها باعتبارنا "دولاً ضعيفةً مسكينة" في إزاء قوًى دوليّة غاشمة، وبالتالي فإنّ علينا طاعةَ الأخيرة وإلاّ سحقتْنا! وهكذا انتقل تعبيرُ "العجز العربيّ" إلى الأوساط الرسميّة، تردّده بلا خجل، وبإجماع لافت، في مؤتمرات القمّة العربيّة نفسها. وبات هذا التعبيرُ جدارًا يستند إليه النظامُ العربيّ لتبرير سلبيّته في القضيّة الفلسطينيّة، مقابلَ الفاعليّة والنجاح اللذيْن يبديهما المشروعُ الصهيونيّ. بل إنّ التسليم بضعف الكيان العربيّ إزاء القوى الدوليّة المهيمنة صار أشبهَ باللغة الرسمية للجامعة العربيّة وأعضائها. ويتم التساهلُ إزاء ترويجه في الإعلام أيضًا، وذلك بقصد تثبيط المطالبة الشعبيّة واليساريّة بنصرة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته.
فصول يرويها الحذاء: المفيد المختصَر في حذاء المنتظَر
الطريقِ إلى المؤتمر
لمستُ ترابَ العراقِ الحزينْ
وبي خجلٌ
من دموعِ الترابْ.
همستُ، كأنّ جراحَ السنين
تقود خطايَ برملِ الخرابْ:
سأصفعُ بالنعلِ راعي البقرْ
ليعلَمَ أنّا هنا لا نَهُونْ،
وتُصْبح نعلي نذيرَ الخطرْ
ليبدأ عصرُ حذاءِ الجنونْ!
مذبحة غيتو غزّة: الوقائعُ والعِبَر
ترجمتها عن العبريّة: رجاء زعبي عمري
أخصّائيّو الدعاية العاملون في خدمة حكومة إسرائيل، والذين يرافقون حملةَ الذبح الجارية في قطاع غزّة، يقولون، ويكرِّرون بلا كلل: "كم تُثبت هذه الحربُ على غزّة أنّ إسرائيل قد استخلصت العِبَرَ من حرب لبنان الثانية!" يعبِّر تكرارُ مثل هذا القول عن القلق الذي يعتري المؤسّسةَ الصهيونيّة، مشغِّلةَ آلةِ الدعاية المذكورة. لقد كان أحدُ نواقص حرب إسرائيل على لبنان أنها لم تتسلّحْ بما تسمّيه إسرائيلُ "مرافقةً دعائيّة." أما في هذه المرّة فيقولون إنّ "وضعَنا مختلف"؛ أيْ إنهم ـ بحسب ظنّهم ـ ينجحون اليومَ في إيجاد المبرِّراتِ اللازمةِ لكلّ هذا التقتيل الذي يقومون به.
وفي مقابل آلة الدعاية الموجَّهة نحو دول الخارج، ونحو الجمهور اليهوديّ في دولة إسرائيل أيضًا، تعالوْا نذكرْ بعضَ الوقائع الأساسيّة لندرك كيف وصل الوضعُ منذ عام 2006 ـ فنحن مجبَرون على البدء من تاريخٍ ما! ـ إلى ما هو عليه.
"الوحشيّةُ الإسرائيليّةُ" إذ تَفْقد أثرَها الردعيَّ في غزّة بعد بيروت
قبل أن تشنّ إسرائيلُ حربَها الوحشيّةَ على غزّة قالت وزيرةُ الخارجيّة الإسرائيليّة تسيبي ليفني (21/12/2008) إنها ستدمّر غزّة عسكريّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً، وإنّ الدمارَ الموعودَ يتحمّل مسؤوليّتَه الشعبُ الفلسطينيّ. بعبارةٍ أخرى: سيدمِّر الشعبُ الفلسطينيُّ نفسَه عبر عدوّه الإسرائيليّ، ولن يكون هذا العدوُّ حاملَ الدمار والموت ولا مسؤولاً عنه! الجديرُ ذكرُه أنّ ليفني وغيرَها من المسؤولين الإسرائيليين ما برحوا يحمِّلون أهالي غزّة مسؤوليّةَ الحصار الإسرائيليّ نفسه، ويزعمون أنه نتيجةٌ لإطلاق الصواريخ، بل عقابٌ إسرائيليّ لأهالي القطاع، جرّاء خيارهم الانتخابيّ لصالح حماس في تشريعيّات العام 2006!
الكتابة تحت النار
إنها المرة الثالثة التي يُطلب مني أن أكتبَ "تحت النار": الأولى كانت في حرب الخليج، والثانية أثناء حرب تموز 2006، والآن في جحيم الحرب على غزّة. هل استعملتُ المصطلحاتِ الصحيحةَ لتعريف الحروب التي خاضتها إسرائيلُ وأمريكا على شعوبنا؟ أيصحّ أن نستخدمَ، بعد الأفعال التي قَتلتْ فيها أمريكا وإسرائيل هذا الكمَّ الهائلَ من البشر في فلسطين والعراق ولبنان وبلدانٍ أخرى، فعلَ "خاضت" ــ وهو الفعلُ الذي نستخدمه في سياقٍ آخر، غير وحشيّ، كما في قولنا: "خاض فريقُ ريال مدريد مباراةً ضدّ مايوركا"؟ وكيف إذا كتبتُ إنّ "الحرب بين إسرائيل وحماس،" وذلك بعد أن كنتُ قد تعرّضتُ لاتهاماتٍ شفهيّةٍ ومكتوبةٍ لأني قلتُ عن حرب صيف 2006 إنها "حربٌ بين حزب الله و إسرائيل"؟ أعترف بأني أخاف قنّاصي الكلمات.
غزّة: نهاية اللوبي الصهيونيّ في أميركا؟
ترجمه عن الإنكليزية: سماح إدريس
ثمة اعتقادٌ شائع، ولاسيّما في العالم العربيّ، بأنّ اللوبي الصهيونيّ في الولايات المتحدة يُحْكِم قبضتَه على التوجُّهات الأميركيّة حيال الصراع الإسرائيليّ ـ الفلسطينيّ. غير أنّ هذا ليس صحيحًا. ولا أقصد أن أقلّل هنا من قوة شبكة المنظّمات والأفراد العاملة في خدمة مصالح إسرائيل في الولايات المتّحدة، ولا من قدرتِها على الدفع قُدُمًا بتصريحاتٍ، بل سياساتٍ، تتعارض تعارضًا مباشرًا مع مصالح أميركا نفسها. لكنّي أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلةٍ بلغ فيها اللوبي الصهيونيُّ حدودَه القصوى. وهو اليومَ يواجه سلسلةً متصاعدةً من التحدّيات التي لا يستطيع أن يتصدّى لها. والأمر نفسُه ينطبق على الدولة الصهيونيّة: فهي تدرك أنها بلغتْ لحظةً من التأزّم تعبِّر تمامًا عن وعيها بلاجدوى أفعالها. إنّ العنف الهائل الذي شنّته إسرائيلُ على غزّة، وهو يفوق ذاك الذي شنّته على لبنان عامَ 2006 (إنْ أَخَذْنا في الاعتبار الفارقَ في القوة ـ أيْ في التهديد الموجَّه إلى إسرائيل ـ بين حماس وحزب الله، وحقيقةَ أنّ غزّة كانت قد حوصِرتْ وجُوِّعتْ وأُفقِرتْ قبل القصف الذي بدأ في 27/12/2008، وهو لم يحدثْ لجنوب لبنان أبدًا)، يعبّر عن شعور بالفزع من جانب إسرائيل وانعدام إيمانٍ بنفسها. والحقّ أنّ العنف على غزّة لا يمكن هضمُه في الولايات المتّحدة على الإطلاق؛ ولقد قفز اللوبي الصهيونيّ بسرعة كي يسعى إلى تبرير ذلك العنف، لكنّ كلَّ تبريراته تهاوتْ أمام مشهد الموت والدمار. ذلك أنّ هناك أناسًا، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، باتوا قادرين على الرؤية من خلال ستار التبريرات الشفيف. وفي الحدّ الأدنى فإنه من الواضح أنّ التوجّهات في أميركا تتغيّر في مساراتٍ تتحدّى اللوبي الصهيونيّ بشكلٍ مكشوف. والأمور تجري بسرعةٍ كبيرة. والوضع الآن رجراجٌ بمكانٍ بحيث إنه يمكن تصوُّر الهزيمة الدائمة للوبي الصهيونيّ، وللصهيونيّة في الولايات المتّحدة، إنْ تمّ استخدامُ الموارد الصحيحة بطريقةٍ مثْمرة.
التحرّر في زمن الفوسفور: الاضطهاد، والمقاومة، وأولويّة الإنسان
عايدة امرأٌة فلسطينيّة تتوق إلى أن تصبح اسمًا على مُسمّى، وأمٌّ لستّة أطفال. كلَّ ليلة خلال العدوان، قبلَ النوم، كانت تحضنهم بكلّ ما تبقّى لديها من حبّ، وتودّعهم كما لو كانت تلك هي ليلتهم الأخيرة معًا. وهي لاجئة تقطن في بيت لاهيا في قطاع غزّة المحتلّ والمجوَّع والمعذَّب، حيث الحرمانُ من أساسيّات الحياة والتشبّث بها رغم كلّ شيء، وحيث الموتُ يكتسب أشكالاً مريعة: بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، فوسفوريّةً وانشطاريّة، محرَّمةً دوليّاً أو تجرَّب "في الميدان" لأول مرّة. ومع ذلك، فإنّ عايدة كانت في كلّ صباح تَعُدّ نفسَها وأولادَها من المحظوظين الذين لم يفارقوا الحياة (أيّ حياة؟!)، ولم يصبْهم أذًى يجعلهم يتمنّوْن لو فارقوها، كما حدث مع الآلاف غيرهم. لم تغادرْ بيتَها، لا من باب المقاومة السلبيّة فحسب، بل لأنّ قفصَ غزّة المحْكمَ لا مكانَ آمنًا فيه أيضًا، بحسب تصريح مسؤولي وكالة الغوث.









