عمر البرغوثي

التوفيق بين حقوق الشعب الأصليّ غير القابلة للتصرُّف وحقوق المستوطنين المكتسبة

هذا المقال مبنيّ على محاضرة قدمها الكاتب في مؤتمر حول الحلول والرؤى المستقبليّة المختلفة للصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ (Israel/Palestine: Mapping Models of Statehood and Paths to Peace)، أقيم بجامعة يورك في تورنتو، كندا، من 22 – 24 حزيران 2009.

تقديم
على امتداد العقود السابقة طُرح الكثيرُ من "الاقتراحات" الخلاّقة ــ والغريبة غالبًا ــ لحلّ النزاع في فلسطين. غير أنّ معظمَها فشل في إنجاز أيّ تقدّمٍ على طريق الحلّ العادل والسلميّ؛ والسبب هو أنّها رجَّعتْ أصداءَ الخطاب المهيمن، القائمِ على السلام المعزولِ عن العدالة، والمتجاهلِ للحقوق الأساسيّة ــ الفرديّة والجماعيّة ــ التي هي المطلبُ الأهمُّ للعدالة والسلام الدائم. والحقّ أنّ كُلّ الصيغ التي تدور حول "حلَّ الدولتيْن،" والتي تُصادِر حقوقًا أساسيّةً للفلسطينيِّين، تندرج في الفئة الأخيرة من الاقتراحات اللاأخلاقيّة والقصيرة النظر. بعضُها يَهْدف إلى "تغيير وعي المقموعين، لا إلى تغيير الوضعِ الذي يقمعهم،" إنْ كان لنا أن نستعيرَ عبارةً لسيمون دوبوفوار، وذلك بسبب تصويره الخللَ الهائلَ في ميزان القوى الحاليّ والحقائقِِ المفروضةَ على الأرض وكأنّها صعوباتٌ لا يُمْكن التغلُّبُ عليها ولا ردُّها، الأمرُ الذي يُديم الوضعَ القائم الظالمَ ويشرعنه. وثمة صيغٌ أخرى تَطْرح حلولاً تقنيّة مركّبة هدفُها الوحيدُ طمسُ حقيقة القمع الكولونياليّ والعنصريّ الإسرائيليّ اليوميّ، والتقليلُ من شأن حقوق الفلسطينيِّين غير القابلة للتصرّف ــ ولاسيّما حقّهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

التحرّر في زمن الفوسفور: الاضطهاد، والمقاومة، وأولويّة الإنسان

عايدة امرأٌة فلسطينيّة تتوق إلى أن تصبح اسمًا على مُسمّى، وأمٌّ لستّة أطفال. كلَّ ليلة خلال العدوان، قبلَ النوم، كانت تحضنهم بكلّ ما تبقّى لديها من حبّ، وتودّعهم كما لو كانت تلك هي ليلتهم الأخيرة معًا. وهي لاجئة تقطن في بيت لاهيا في قطاع غزّة المحتلّ والمجوَّع والمعذَّب، حيث الحرمانُ من أساسيّات الحياة والتشبّث بها رغم كلّ شيء، وحيث الموتُ يكتسب أشكالاً مريعة: بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، فوسفوريّةً وانشطاريّة، محرَّمةً دوليّاً أو تجرَّب "في الميدان" لأول مرّة. ومع ذلك، فإنّ عايدة كانت في كلّ صباح تَعُدّ نفسَها وأولادَها من المحظوظين الذين لم يفارقوا الحياة (أيّ حياة؟!)، ولم يصبْهم أذًى يجعلهم يتمنّوْن لو فارقوها، كما حدث مع الآلاف غيرهم. لم تغادرْ بيتَها، لا من باب المقاومة السلبيّة فحسب، بل لأنّ قفصَ غزّة المحْكمَ لا مكانَ آمنًا فيه أيضًا، بحسب تصريح مسؤولي وكالة الغوث.

ملحق: من أهمّ مظاهر التضامن العالميّ مع الشعب الفلسطينيّ في غزة

التوصيف العامّ للعدوان الإسرائيليّ من ناحية قانونيّة: كان مندوبُ الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، البروفيسور ريتشارد فولك، أوّلَ مَن قاد الرأيَ السياسيّ والقانونيّ في وصف حصار غزّة بـ "المحرقة قيد التنفيذ"http://www.transnational.org/Area_MiddleEast/2007/Falk_PalestineGenocide.html وبـ "مقدِّمة لإبادة جماعيّة." كما كان من أوائل القانونيين الذين فنّدوا حجّةَ "الدفاع عن النفس" التي تتبنّاها إسرائيلُ في تبرير عدوانها على غزّة، إذ أدان العدوانَ بوصفه "جرائمَ حرب" و"جريمةً ضدّ الإنسانيّة." وتوّج فولك موقفَه المبدئيّ والرياديّ بالدعوة إلى مقاضاة إسرائيل على جرائمها. بل إنه حاول إقناعَ الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتشكيل محكمة جنايات خاصّة لمحاسبة إسرائيل، ولكنّ تواطؤ الدول الغربيّة وبعض الدول العربيّة وممثّل منظّمة التحرير الفلسطينيّة في الأمم المتحدة (حسب ما تسرّب في الإعلام) أجهض تلك المحاولةَ النبيلة.

على خطى جنوب أفريقيا: مقاطعة إسرائيل ثقافيّاً وأكاديميّاً واقتصاديّاً(2)

ملفّ خاص بـ الآداب من إعداد وتقديم: عمر البرغوثي
نقل المقالات إلى العربية (باستثناء مقال البرغوثي وتقديمه): سماح إدريس

أنزل/ي المقالة بصيغة PDF

وسطَ الركام الماديّ والمعنوي الذي خلّفه الاجتياحُ الإسرائيلي الوحشي للمدن الفلسطينية عام 2002، ومن أعماق الشعور بفشل القيادة الفلسطينية في تحقيق إنجازات ملموسة في خضمّ المسيرة الوطنية التحررية، ومع تقاعس المجتمع الدولي بقواه المهيمنة عن القيام بالحدّ الأدنى لإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي وأبسط حقوق الإنسان، ظَهرت الإرهاصاتُ الأولى لحركةٍ فلسطينيةٍ، مدعومةٍ عالميّاً، تتبنّى المقاومةَ المدنية، وبالذات المقاطعة، سلاحًا إستراتيجيّاً للتصدّي للاضطهاد الصهيوني المركَّب لشعب فلسطين. والحال أنّ هذه الحركة ليست بفينيقٍ أسطوريّ ينبعث من رمادٍ حقيقي، ولا عصًا سحرية، بل توجّهٌ واقعيّ وثوريّ لصيرورة مقاومة طويلة، بطيئة، تتطلّب جهودًا عظيمةً لتحقيق انتصارات ضدّ العنصرية والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلييْن. إنّ الحملة المتصاعدة بثبات لمقاطعة إسرائيل قد تشكّل محورَ انتفاضةٍ ثالثة، تتميّز من سابقتيْها بعالميتها، وبإجبار إسرائيل على المنازلة في ساحةِ قتالٍ (إنْ صحّ التعبير) تكون هي الأضعفَ فيها، سياسيّاً وأخلاقيّاً: فهي معركةٌ لا جدوى فيها لأسلحتها الفتّاكة وجبروتِها العسكري، ولا تستطيع أن تسيطرَ على قواعدها آلةُ إعلامِها الهائلة.