عامر محسن
الخطاب والهيمنة: في تلمّس وجه "العراق الجديد"
1-فنون الهيمنة
في أواسط الثمانينات، صَدم ارنستو لاكلو وشانتال موفه الوسطَ الثقافي الماركسي بكتابهما الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية، الذي حاججا فيه بأنّ الهويّات الاجتماعية والسياسية نتاجٌ لـمشاريع هيمنة تَغرسها مراكزُ القوّة المجتمعية في نفوس المواطنين.
والحال أنّ مصطلح الـ "هيمنة" كان مستعمَلاً في الأدبيّات الماركسية منذ غرامشي، ولكنّه كان مشخصَنًا في الدولة، وكان يرمز إلى قيام النخبة الحاكمة بـ "خلق" الهويّات الوطنية التقليدية. ما فعله لاكلو وموفه هو أنّهما وسّعا مفهومَ الهيمنة ليضحي في قلب كلّ مشروعِ هويّةٍ يسعى إلى رسم الحدود التي تفصل الذاتَ المتخيّلة عن "الاَخر،" سواء كان ذلك على مستوى الدّولة، أو ما هو أدنى منها أو أوسع. وبهذا المعنى، لم يقدّم الفيلسوفان جديدًا في ما يتعلّق بمفهوم الهويّة: فالوسط الفكري الغربي، منذ السبعينات، كان قد بدأ يرفض باطّراد التعاريفَ "الجوهرانيةَ" للهويّة كـ "معطًى" لاتاريخيّ مرسومٍ سلفًا ومستمرّ إلى الأبد. وقام أندرسون وغلنر، كما سعيد وهوبسباوم، بدراسة الهويّات الوطنية بوصفها عمليّةَ بناءٍ تاريخي، يتركّز جلُّها في عصر الحداثة السياسية (حيث وُلد مفهوما الـ "مواطن" والـ "مجتمع الوطني" كما نعرفهما اليوم).









